تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سورة الانشقاق
سورة الانشقاق
[1- 2]
[سورة الانشقاق (84): الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (1) وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ (2)
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ كقوله: انفطرت وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها أي: انقادت لأمره بانفراجها عن الروح الإنساني انقياد السامع المطيع لأمره المطاع وَ حُقَّتْ أي: حقّ لها و وجب أن تنقاد لأمر القادر المطلق و لا تمتنع و هي حقيقة بذلك.
[3- 5]
[سورة الانشقاق (84): الآيات 3 الى 5]
وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَ أَلْقَتْ ما فِيها وَ تَخَلَّتْ (4) وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ (5)
وَ إِذَا أرض البدن مُدَّتْ و بسطت بنزع الروح عنها وَ أَلْقَتْ ما فِيها من الروح و القوى وَ تَخَلَّتْ تكلفت في الخلو عن كل ما فيها من الآثار و الأعراض كالحياة و المزاج و التركيب و الشكل بتبعية خلوها عن الروح.
[6]
[سورة الانشقاق (84): آية 6]
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6)
إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ ساع مجتهد في الذهاب إليه بالموت، أي: تسير مع أنفاسك سريعا كما قيل: أنفاسك خطاك إلى أجلك، أو مجتهد مجد في العمل خيرا أو شرّا ذاهبا إلى ربّك فَمُلاقِيهِ ضرورة، و الضمير إمّا للربّ و إما للكدح.
[7- 9]
[سورة الانشقاق (84): الآيات 7 الى 9]
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (8) وَ يَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9)
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ بأن جعل من أصحاب اليمين في الصورة الإنسانية آخذا كتاب نفسه أو بدنه بيمين عقله، قارئا ما فيه من معاني العقل القرآني فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً بأن تمحى سيئاته و يعفى عنه و يثاب بحسناته دفعة واحدة لبقاء فطرته على صفائها و نوريتها الأصلية وَ يَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ ممن يجانسه و يقارنه من أصحاب اليمين مسرورا فرحا بصحبتهم و مرافقتهم و بما أوتي من حظوظه.
[10]
[سورة الانشقاق (84): آية 10]
وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (10)
وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ أي: جهته التي تلي الظلمة من الروح الحيوانية و الجسد، فإن وجه الإنسان جهته التي إلى الحق و خلفه جهته التي إلى البدن الظلماني بأن ردّ إلى الظلمات في صور الحيوانات.
[11- 12]
[سورة الانشقاق (84): الآيات 11 الى 12]
فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (11) وَ يَصْلى سَعِيراً (12)
فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً لكونه في ورطة هلاك الروح و عذاب البدن وَ يَصْلى سَعِيراً أي: سعير نار الآثار في مهاوي الطبيعة.
[13- 14]
[سورة الانشقاق (84): الآيات 13 الى 14]
إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14)
إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً أي: ذلك لأنه كان بطرا في أهله بالنعم محتجبا بها عن المنعم، ظانّا أنه لن يرجع إلى ربّه أو إلى الحياة بالبعث لاعتقاده أنه يحيا و يموت و لا يهلكه إلا الدهر.
[15]
[سورة الانشقاق (84): آية 15]
بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (15)
بَلى ليحورنّ إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً فيجازيه على حسب حاله.
[16]
[سورة الانشقاق (84): آية 16]
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16)
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ أي: النورية الباقية من الفطرة الإنسانية بعد غروبها و احتجابها في أفق البدن الممزوجة بظلمة النفس عظمها بالإقسام بها لإمكان كسب الكمال و الترقي في الدرجات بها.
[17]
[سورة الانشقاق (84): آية 17]
وَ اللَّيْلِ وَ ما وَسَقَ (17)
وَ اللَّيْلِ أي: و ليل ظلمة البدن وَ ما جمعه من القوى و الآلات و الاستعدادات التي يمكن بها اكتساب العلوم و الفضائل و الترقي في المقامات و نيل المواهب و الكمالات.
[18]
[سورة الانشقاق (84): آية 18]
وَ الْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18)
وَ الْقَمَرِ أي: قمر القلب الصافي عن خسوف النفس إِذَا اتَّسَقَ أي: اجتمع و تمّ نوره و صار كاملا.
[19- 20]
[سورة الانشقاق (84): الآيات 19 الى 20]
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (19) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20)
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ أي: مراتب مجاوزة عن مراتب و طبقات و أطوار مرتبة بالموت و ما بعده من مواطن البعث و النشور فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بها.
[21- 22]
[سورة الانشقاق (84): الآيات 21 الى 22]
وَ إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22)
وَ إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ بتذكير هذه الأطوار و المراتب لا يخضعون و لا ينقادون بَلِ المحجوبون عن الحق محجوبون بالضرورة عن الدين.
[23]
[سورة الانشقاق (84): آية 23]
وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (23)
وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ في وعاء أنفسهم و بواطنهم من الاعتقادات الفاسدة و الهيئات الفاسقة.
[24- 25]
[سورة الانشقاق (84): الآيات 24 الى 25]
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (24) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ من نيران الآثار و حرمان الأنوار مؤلم غاية الإيلام لكن الَّذِينَ آمَنُوا الإيمان العلمي بتصفية قلوبهم عن كدر صفات النفس و تزكيتها وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ باكتساب الفضائل لَهُمْ أَجْرٌ ثواب الآثار و الصفات في جنة النفس و القلب غير مقطوع لبراءته عن الكون و الفساد و تجرّده عن المواد و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 420