تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة التغابن
(64) سورة التغابن مدنيّة
[سورة التغابن (64): الآيات 1 الى 7]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (4)
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (5) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَ تَوَلَّوْا وَ اسْتَغْنَى اللَّهُ وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَ رَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)
– فائدة-
| إذا كنت في شيء و لا بد قائلا | فقل فيه علما لا تقل فيه بالزعم | |
| فإن الذي قد قال بالزعم مخطئ | كذا جاء في القرآن إن كنت ذا فهم | |
| و لا تك ذا فكر إذا كنت طالبا | مشاهدة الأعيان و احذر من الوهم | |
| و كن مع حكم اللّه في كل حالة | فقد فاز بالإدراك من قام بالحكم | |
[سورة التغابن (64): الآيات 8 الى 9]
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)
[يوم التغابن:]
«ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ» فإنه غبن كله، فهو يوم التغابن، يريد عذاب النفوس، فيقول:
يا ويلتا على ما فرطت، فإن العبد كان متمكنا من ذلك فلم يفعل و هو يوم كشف الغطاء، و تتبين الأمور الواقعة في الدنيا ما أثمرت هنالك، فيقول الكافر و هو الجاهل (يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي) لعلمه أنه كان متمكنا من ذلك فلم يفعل، فعذابه ندمه، و ما غبن فيه نفسه أشد عليه من أسباب العذاب من خارج، و هذا هو العذاب الأكبر. و التغابن يدرك في ذلك اليوم الكل الطائع و العاصي، فالطائع يقول: يا ليتني بذلت جهدي؛ و المخالف يقول:
يا ليتني لم أخالف ربي، فيوم القيامة يوم التغابن للكل، فالسعيد فاعل الخير يقول: يا ويلتا ليتني زدت؛ و الشقي فاعل الشر يقول: يا حسرتا على ما فرطت يا ليتني فعلت خيرا؛ و هو يوم التغابن للمعطي و المانع، فيود المعطي المقبول لو أعطى جميع ما عنده، و يود المانع لو أعطى ما منع، و يود المعطي من غير وجهه أنه أعطى من الوجه الذي يليق و يكون معه القبول. و من التغابن الذي في ذلك اليوم الانتقال الذي بين أهل السعادة و أهل الشقاء، فإن المؤمن هنا في عبادة، و العبادة تعطيه الخشوع و الذلة، و الكافر في عزة و فرحة، فإذا كان يوم القيامة يخلع عز الكافر و سروره و فرحه على المؤمن، و يخلع ذل المؤمن و خشوعه الذي كان لباسه في عبادته في الدنيا على الكافر يوم القيامة، فذلك يوم التغابن حيث يرى الإنسان صفة عزه و سروره و فرحه على غيره، و يرى ذل غيره و غمه و حزنه على نفسه.
[سورة التغابن (64): الآيات 10 الى 13]
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (10) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (12) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13)
[التوحيد الخامس و الثلاثون في القرآن:]
هذا هو التوحيد الخامس و الثلاثون في القرآن، و هو توحيد الرزايا و الرجوع فيها إلى اللّه، ليزول عنه ألمها إذ رأى ما أصيب فيه قد حصل بيد من يحفظ عليه وجوده، و لهذا أثنى اللّه على من يقول إذا أصابته مصيبة (إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) فهم للّه في حالهم، و هم إليه راجعون عند مفارقة الحال، فمن حفظ عليه وجوده، و حفظ عليه ما ذهب عنه، و كان ما حصل عنده أمانة إلى وقتها، فما أصيب و لا رزئ. فتوحيد الرزايا أنفع دواء يستعمل، و لذلك أخبر بما لهم منه تعالى في ذلك فقال «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ».
[سورة التغابن (64): آية 14]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَ إِنْ تَعْفُوا وَ تَصْفَحُوا وَ تَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ» و منهم الولد العاق، لا يزال يطرد أباه و يهججه ليلا و نهارا على قدر ما يقدر عليه.
[سورة التغابن (64): آية 15]
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَ اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)
أعظم البلايا و المحن وقوع الفتن، و أي فتنة أعظم عند الرجال من فتنة الولد و المال، الولد مجهلة مجبنة مبخلة؛ و المال مالك، و صاحبه بكل وجه و إن فاز هالك، إن أمسكه أهلكه، و إن جاد به تركه- راجع سورة الأنفال آية 28-.
[سورة التغابن (64): آية 16]
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا وَ أَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)
«فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
[ «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ …» الآية:]
و إن كان المؤمنون قد تقدم ذكرهم فأعاد الضمير عليهم، و لكن مثل هذا لا يسمى تصريحا و لا تعيينا، فينزل عن درجة التعيين، مثل قوله (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ) من كوننا مؤمنين، فيحدث لذلك حكم آخر، فقال «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ابتداء آية بفاء عطف و ضمير جمع لمذكور متقدم قريب أو بعيد، و المضمر صالح لكل معين، لا يختص به واحد دون آخر فهو مطلق، و المعين مقيد، فالضمير الخطابي يعم كل مخاطب كائنا من كان، من مؤمن و غير مؤمن و إنسان و غير إنسان؛ و اعلم أن الاستطاعة لو بذلها الإنسان وقع في الحرج، لأنه يكون قد بذلها عن جهد و مشقة، و قد رفع اللّه الحرج عن عباده في دينه، فعلمنا أن المراد بالاستطاعة في مثل قوله تعالى «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» و (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) و (ما آتاها) أن حدها أول درجات الحرج، فإذا أحس به أو استشرف عليه قبل الإحساس به فذلك حد الاستطاعة المأمور بها شرعا، ليجمع بين قوله تعالى «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» و بين قوله (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (و دين اللّه يسر) و (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) في قوله «مَا اسْتَطَعْتُمْ» و لما فهمت الصحابة من الاستطاعة ما ذكرناه لذلك كانت رخصة لعزمة قوله تعالى: (حَقَّ تُقاتِهِ) و تخيل الصحابة أن اللّه خفف عن عباده في قوله (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ) بقوله «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» و ما علموا أنهم انتقلوا إلى الأشد، فإن تقوى اللّه بالاستطاعة أعظم في التكليف، فإنه عزيز أن يبذل الإنسان في عمله جهد استطاعته، لا بد من فضلة يبقيها، و علمنا أن اللّه أثبت العبد في الاستطاعة، فلا ينبغي أن ننفيه عن الموضع الذي أثبته الحق فيه، و لو لا ما ظهر العبد بالدعوى ما قيل له «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» بالقوة التي جعلتها لكم فيكم بين الضعفين، فمن تنبه على أن قوته مجعولة، و أنها لمن جعلها لم يدع فيها، بل هي أمانة عنده، لا يملكها، و الإنسان لا يكون غنيا إلا بما يملكه، و الأمانة عارية لا تملك، مأمور من هي عنده بردها إلى أهلها، و هو قوله [لا حول و لا قوة إلا باللّه] أي القوة قائمة باللّه لا بنا، فالمدعون في القوة يجعلون «مَا» في قوله «مَا اسْتَطَعْتُمْ» مصدرية؛ و أهل التبري يجعلونها للنفي في الآية، فنفى عندهم الاستطاعة في التقوى، و أثبتها عند من جعلها مصدرية
– إشارة- لما فتح اللّه باب الرحمتين،
و بان الصبح لذي عينين، أوقف الحق من عباده من شاء بين يديه، و خاطبه مخبرا بما له و عليه، و قال له: إن لم تتق اللّه جهلته، و إن اتقيته كنت به أجهل، و لا بد لك من إحدى الخصلتين، فلهذا خلقت لك الغفلة حتى تتعرى عن حكم الضدين، و كذا النسيان، لأنه بدون الغفلة يظهر حكم أحدهما، فاشكر اللّه على الغفلة و النسيان. «وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا وَ أَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ، وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ» الشح في الحيوان من أثر الطبيعة، و أوفره في الإنسان لما ركّبه اللّه عليه في نشأته من وفور العقل و تحكيم القوى الروحانية و الحسية، و قد جبله اللّه على الحرص و الطمع أن يكون كل شيء له و تحت حكمه، فالإنسان مجبول على العجز و البخل، قال تعالى: (وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) من نظر في هذا الأصل زكت نفسه و تطهر من الدعوى «فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»
– تحقيق- المخلوق ضعيف، و لو لا المصالح ما شرع التكليف،
فخذ ما استطعت، و لا يلزمك العمل بكل ما جمعت، فإن اللّه ما كلف نفسا إلا ما آتاها، و جعل لها بعد عسر يسرا لما تولاها، و شرع في أحكامه المباح، و جعله سببا للنفوس في السراح و الاسترواح إلى الانفساح، ما قال في الدين برفع الحرج، إلا رحمة بالأعرج، و على منهج الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم درج، دين اللّه يسر، فما يمازجه عسر، بعث بالحنيفية السمحاء، و السنة الفيحاء، فمن ضيق على هذه الأمة، حشر يوم القيامة مع أهل الظلمة.
[سورة التغابن (64): الآيات 17 الى 18]
إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 339