تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الرحمن
سورة الرحمن
[1- 2]
[سورة الرحمن (55): الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الرَّحْمنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)
الرَّحْمنُ اسم خاص من أسماء اللّه تعالى باعتبار إفاضة أصول النعم كلها من الأعيان و كمالاتها الأولية بحسب البداية، و إنما أورد هاهنا لعموم وصفيته الشاملة للأوصاف التي تحت معناه في المبدئية ليسند إليه الأصول المختلفة الواردة بعده.
عَلَّمَ الْقُرْآنَ أي: الاستعداد الكامل الإنساني المسمى بالعقل القرآني الجامع للأشياء كلها، حقائقها و أوصافها و أحكامها إلى غير ذلك مما يمكن وجوده و يمتنع بإيداعه في الفطرة الإنسانية و ركزه فيها و لأن ظهوره و برزوه إلى الفعل بتفصيل ما جمع فيه. و صيرورته فرقانا إنما تكون بحسب النهاية ما ذكر الفرقان كما ذكره في قوله: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ[1] لأنه من باب الرحمة الرحيمية لا الرحمانية.
[3- 4]
[سورة الرحمن (55): الآيات 3 الى 4]
خَلَقَ الْإِنْسانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (4)
خَلَقَ الْإِنْسانَ أي: لما أبدع فطرته و أودع العقل القرآني فيها أبرزه في هذه النشأة بخلقه في هذه الصورة العجيبة عَلَّمَهُ الْبَيانَ أي: النطق المميز إياه عن جميع ما سواه من المخلوقات ليخبر به عما في باطنه من العقل القرآني.
[5- 6]
[سورة الرحمن (55): الآيات 5 الى 6]
الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (5) وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ (6)
الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ أي: الروح و القلب يجريان فيه و يسيران بحساب، أي: قدر معلوم من منازلهما و مراتبهما مضبوط لا يجاوز أحدهما قدره و مرتبته التي عينت له، فلكل منهما كمالات و مراتب محدودة القدر معلومة الغاية ينتهي إليها وَ النَّجْمُ أي: النفس الحيوانية النورانية بالشعور الحسي في ليل الجسم وَ الشَّجَرُ أي: النفس النباتية المنمية له.
يَسْجُدانِ بتوجههما إلى أرض الجسد و وضع جبهتهما عليها بالميل و الإقبال الكلي نحوها لتربيتها و إنمائها و تكميلها.
[7]
[سورة الرحمن (55): آية 7]
وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ (7)
وَ السَّماءَ أي: سماء العقل رَفَعَها إلى محل شمس الروح و ثمر القلب وَ وَضَعَ أي: خفض ميزان العدل إلى أرض النفس و البدن. فإن العدالة هيئة نفسانية لولاها لما حصلت الفضيلة الإنسانية و منه الاعتدال في البدن الذي لو لم يكن لما وجد و لم يبق و لما استقام أمر الدين و الدنيا بالعدل، و استتب كمال النفس و البدن بحيث لولاه لفسدا. أمر بمراعاته و محافظته قبل تعديد الأصول بتمامها لشدة العناية به و فرط الاهتمام بأمره، فوسط بينه و بين قوله:
وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (10)[2].
[8- 9]
[سورة الرحمن (55): الآيات 8 الى 9]
أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (8) وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (9)
قوله: أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ بالإفراط عن حدّ الفضيلة و الاعتدال، فيلزم الجور الموجب للفساد وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ بالاستقامة في الطريقة، و ملازمة حدّ الفضيلة و نقطة الاعتدال في جميع الأمور و كل القوى وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ بالتفريط عن حد الفضيلة. قال بعض الحكماء: العدل ميزان اللّه تعالى، وضعه للخلق و نصبه للحق.
[10- 12]
[سورة الرحمن (55): الآيات 10 الى 12]
وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (10) فِيها فاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (11) وَ الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَ الرَّيْحانُ (12)
وَ الْأَرْضَ أي: أرض البدن وَضَعَها لهذه المخلوقات المذكورة فِيها فاكِهَةٌ أي: ما تفيد اللذات الحسية من إدراكات الحواس و المحسوسات وَ النَّخْلُ أي: القوى المثمرة للذات الخيالية و الوهمية الباسقة من أرض الجسد في هوى النفس ذاتُ الْأَكْمامِ أي: غلف اللواحق المادية وَ الْحَبُ أي: القوة الغاذية التي منها لذة الذوق و الأكل و الشرب ذُو الْعَصْفِ أي: الشعب و الأوراق الكثيرة المنبسطة على أرض البدن من الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة و المغيرة و المصورة الملازمة للبدن، المقتضية لخواصها و أفعالها و ما تعدّها و تهيئها و تصلحها لحفظ القوة و الإنماء مما يصير بدل ما يتحلل و يزيد في الأقطار وَ الرَّيْحانُ أي:
المولدة، الموجبة لذّة الوقاع التي هي أطيب اللذات الجسمانية و أسلاف البذر بتوليد مادة النوع.
[13]
[سورة الرحمن (55): آية 13]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (13)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ من هذه النعم المعدودة أيها الظاهريون و الباطنيون من الثقلين أ بالنعم الظاهرة أم الباطنة.
[14- 16]
[سورة الرحمن (55): الآيات 14 الى 16]
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَ خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (15) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (16)
خَلَقَ الْإِنْسانَ أي: ظاهره و جسده الذي يؤنس، أي: يبصر مِنْ صَلْصالٍ من أكثف جواهر العناصر المختلطة الذي تغلب عليه الأرضية و اليبس كَالْفَخَّارِ الصلب الذي يناسب جوهر العظم الذي هو أساس البدن و دعامته وَ خَلَقَ الْجَانَ أي: باطنه و روحه الحيواني الذي هو مستور عن الحسّ و هو أبو الجنّ، أي: أصل القوى الحيوانية التي أقواها و أشرفها الوهم أي: الشيطان المسمّى إبليس الذي هو من ذريته مِنْ مارِجٍ من لهب لطيف صاف مِنْ نارٍ أي: من ألطف جواهر العناصر المختلطة الذي يغلب عليه الجوهر الناري و الحرّ، و المارج هو اللهب الذي فيه اضطراب، و هذه الروح دائمة الاضطراب و التحرّك.
[17- 18]
[سورة الرحمن (55): الآيات 17 الى 18]
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (18)
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ أي: مشرقي الظاهر و الباطن و مغربيهما بإشراق نور الوجود المطلق على ماهيات الأجساد الظاهرة و غروبه فيها باحتجابه بماهياتها و تعينها به فله في ربوبيته لكل موجود شروق بإيجاده بنور الوجود و ظهوره به و غروب باختفائه فيه و تستره به يربّه بهما.
[19- 21]
[سورة الرحمن (55): الآيات 19 الى 21]
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (19) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (20) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (21)
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ بحر الهيولى الجسمانية الذي هو الملح الأجاج و بحر الروح المجرد الذي هو العذب الفرات يَلْتَقِيانِ في الوجود الإنساني بَيْنَهُما بَرْزَخٌ هو النفس الحيوانية التي ليست في صفاء الأرواح المجردة و لطافتها و لا في كدورة الأجساد الهيولانية و كثافتها لا يَبْغِيانِ لا يتجاوز حدّهما حدّه فيغلب على الآخر بخاصيته فلا الروح يجرّد البدن و يمزج به و يجعله من جنسه و لا البدن يجمد الروح و يجعله ماديا، سبحان خالق الخلق القادر على ما يشاء.
[22- 23]
[سورة الرحمن (55): الآيات 22 الى 23]
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ (22) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (23)
يَخْرُجُ مِنْهُمَا بتركيبهما و التقائهما لؤلؤ العلوم الكلية و مرجان العلوم الجزئية، أي:
لؤلؤ الحقائق و المعارف و مرجان العلوم النافعة كالأخلاق و الشرائع 8
[24- 28]
[سورة الرحمن (55): الآيات 24 الى 28]
وَ لَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (24) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (26) وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ (27) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (28)
وَ لَهُ الْجَوارِ أي: أوضاع الشريعة و مقامات الطريقة التي يركبها السالكون، السائرون إلى اللّه في لجّة هذا البحر المريح، فينجون و يعبرون إلى المقصد. و تشبيهها بالأعلام إشارة إلى شهرتها و كونها معروفة كما تسمى شعائر اللّه و معالم الدين. الْمُنْشَآتُ أي: المرفوعات الشرع و شرعها الأشواق و الإرادات التي تجري عند ارتفاعها و تعلقها بالعالم العلوي بقوة رياح النفحات الإلهية سفينة الشريعة و الطريقة براكبها إلى مقصد الكمال الحقيقي الذي هو الفناء في اللّه، و لهذا قال عقيبه: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ أي: كل من على الجواري السائرة واصل إلى الحق بالفناء فيه، أو كل من على أرض الجسد من الأعيان المفصلة كالروح و العقل و القلب و النفس و منازلها و مقاماتها و مراتبها، فان عند الوصول إلى المقصود وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ الباقي بعد فناء الخلق، أي: ذاته مع جميع صفاته ذُو الْجَلالِ أي: العظمة و العلوّ بالاحتجاب بالحجب النورانية و الظلمانية و الظهور بصفة القهر و السلطنة وَ الْإِكْرامِ بالقرب و الدنو في صور تجليات الصفات و عند ظهور الذات بصفة اللطف و الرحمة.
[29- 32]
[سورة الرحمن (55): الآيات 29 الى 32]
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (30) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (31) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (32)
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ من أهل الملكوت و الجبروت وَ الْأَرْضِ من الجنّ و الأنس، و المراد: يسأله كل شيء فغلب العقلاء و أتى بلفظ من أي كل شيء يسأله بلسان الاستعداد و الافتقار دائما.
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ بإفاضة ما يناسب كل استعداد و يستحقه فله كل وقت في كل خلق شأن بإفاضة ما يستحقه و يستأهله باستعداده، فمن استعدّ بالتصفية و التزكية للكمالات الخيرية و الأنوار يفيضها عليه مع حصول الاستعداد، و من استعدّ بتكدير جوهر نفسه بالهيئات المظلمة و الرذائل و لوث العقائد الفاسدة و الخبائث للشرور و المكاره و أنواع الآلام و المصائب و العذاب و الوبال يفيضها عليه مع حصول الاستعداد. و هذا معنى قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ لأنه تهديد و زجر عن الأمور التي بها يستحق العقاب، و سميا ثقلين لكونهما سفليين مائلين إلى أرض الجسم.
[33- 34]
[سورة الرحمن (55): الآيات 33 الى 34]
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (33) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (34)
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أي: الباطنيين و الظاهريين إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ بالتجرّد عن الهيئات الجسمانية و التعلقات البدنية فَانْفُذُوا لتنخرطوا في سلك النفوس الملكية و الأرواح الجبروتية، و تصلوا إلى الحضرة الإلهية لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ بحجة بينة هي التوحيد و التجريد و التفريد بالعلم و العمل و الفناء في اللّه.
[35- 36]
[سورة الرحمن (55): الآيات 35 الى 36]
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَ نُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (35) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (36)
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ أي: يمنعكما عن النفوذ من أقطارهما و الترقي من أطوارهما لهب صاف عن ممازجة الدخان، أي: سلطان الوهم و أحكامه و مدركاته بإرساله الوهميات إلى حيز العقل و القلب و ممانعته إياهما عن الترقي دائما وَ نُحاسٌ دخان، أي:
هيئة ظلمانية ترسلها النفس الحيوانية بالميل إلى الهوى و الشهوات، فالشواظ مانع من جهة العلم و النحاس من جهة العمل فَلا تَنْتَصِرانِ فلا تمتنعان عنهما و تغلبان عليهما فتنفذان إلا بتوفيق اللّه و سلطان التوحيد.
[37- 38]
[سورة الرحمن (55): الآيات 37 الى 38]
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (37) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (38)
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ أي: السماء الدنيا و هي النفس الحيوانية، و انشقاقها انفلاقها عن الروح عند زهوقه إذ الروح الإنساني نسبته إلى النفس الحيوانية كنسبته إلى البدن. فكما أن حياة البدن بالنفس فحياتها بالروح فتنشق عنه عند زهوقه بمفارقة البدن فَكانَتْ وَرْدَةً أي:
حمراء لأن لونها متوسط بين لون الروح المجرّد و بين لون البدن، و لون الروح أبيض لنوريته و إدراكه اللذات و لون البدن أسود لظلمته و عدم شعوره باللذات، و المتوسط بين الأبيض و الأسود هو الأحمر، و إنما وصفها في سورة (البقرة) بالصفرة و هاهنا بالحمرة لأن هناك وقت الحياة و الصفاء و غلبة النورية عليها و طراوة الاستعداد و هاهنا وقت الممات و التكدّر و غلبة الظلمة عليها و زوال الاستعداد كَالدِّهانِ كدهن الزيت في لونه و لطافته و ذوبانه لصيرورتها إلى الفناء و الزوال.
[39- 40]
[سورة الرحمن (55): الآيات 39 الى 40]
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (40)
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ من الظاهريين وَ لا جَانٌ من الباطنيين لانجذاب كل إلى مقرّه و مركزه و موطنه الذي يقتضيه حاله و ما هو الغالب عليه باستعداده الأصلي أو العارضي الراسخ الغالب. و أما الوقف و السؤال المشار إليه في قوله: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24)[3] و نظائره، ففي مواطن أخر من اليوم الطويل الذي كان مقداره خمسين ألف سنة و هو في حال عدم غلبة إحدى الجهتين و استيلاء أحد الأمرين. ففي زمان غلبة النور الأصلي و بقاء الاستعداد الفطري أو حصول الكمال و الترقي في الصفات، و في وقت استيلاء الهيئات الظلمانية و ترسخ الغواشي الجسمانية و زوال الاستعداد الأصلي بحصول الرين لا يسئلون، و في وقت عدم رسوخ تلك الهيئات إلى حدّ الرين و بقائها في القلب مانعة، حاجزة إياها عن الرجوع إلى مقرّها، يوقفون و يسئلون حتى يعذبوا بحسب سيئاتهم على قدر رسوخها، و قد يكون هذا الموطن قبل الموطن الأول في ذلك اليوم على الأمر الأكثر كما ذكر و قد يكون بعده، و ذلك عند حبط الأعمال و غلبة الأمر العارضي و استيلائه على الذاتي إلى حد إبطال الاستعداد بالكلية فيدافعه الاستعداد الأصلي قليلا قليلا و يتجلى بصور التعذّبات و البليّات شيئا فشيئا، حتى يتساوى الأمران كتبرّد الماء المسخّن حين بلوغه إلى كونه فاترا، فهذا الشخص مطرود في أول الأمر عند قرب الاستعداد إلى الزوال ثم قد يوقف و يسئل عند قرب رجوع الاستعداد إلى الحالة الأولى و إمكان اتصاله بالملكوت. و أما الأشقياء المردودون، المخلّدون في العذاب، و السعداء المقرّبون الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فلا يسئلون قط و لا يوقفون للسؤال. فقوله: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24)[4] و نظائره مخصوص ببعض المعذبين، و هم الأشقياء الذين عاقبتهم النجاة من العذاب.
[41- 42]
[سورة الرحمن (55): الآيات 41 الى 42]
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَ الْأَقْدامِ (41) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (42)
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ الذين غلبت عليهم الهيئات الجرمانية باكتساب الرذائل و رسوخها بِسِيماهُمْ أي: بعلامات تلك الهيئات الظاهرة الغالبة عليهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي فيعذبون من فوق و يحجبون و يحبسون مقيدين أسراء من جهة رذيلة الجهل المركب و رسوخ الاعتقادات الفاسدة وَ الْأَقْدامِ أي: يعذبون من أسفل، و يجرّون و يسحبون على وجوههم، و يردّون إلى قعر جهنم كما قيل: يهوي أحدهم فيها سبعين خريفا لرسوخ الهيئات البدنية و الرذائل العملية من إفراط الحرص و الشره و البخل و الطمع و ارتكاب الفواحش و الآثام من قبيل الشهوة و الغضب.
[43- 45]
[سورة الرحمن (55): الآيات 43 الى 45]
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (45)
هذِهِ جَهَنَّمُ قعر بئر أسفل سافلين من الطبيعة الجسمانية يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ قد انتهى حره و إحراقه من الجهل المركب و لهذا قيل: يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم، لأن العذاب المستحق من جهة العمل هو نار جهنم من تحت و المستحق من جهة العلم هو الحميم من فوق.
[46- 51]
[سورة الرحمن (55): الآيات 46 الى 51]
وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (46) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (47) ذَواتا أَفْنانٍ (48) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (49) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (50)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (51)
وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ أي: خاف قيامه على نفسه بكونه رقيبا، حافظا، مهيمنا عليه كما قال: أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ[5] كما يقال: خدمت حضرة فلان أي:
نفسه جَنَّتانِ إحداهما جنة النفس، و الثانية جنة القلب لأن الخوف من صفات النفس و منازلها عند تنوّرها بنور القلب ذَواتا أَفْنانٍ لتفنن شعبهما من القوى و الصفات المورقة للأعمال و الأخلاق المثمرة للعلوم و الأحوال، فإن الأفنان هي المغصنات التي تشعبت عن فروع الشجر عليها الأوراق و الثمار فِيهِما عَيْنانِ من الإدراكات الجزئية و الكلية تَجْرِيانِ إليهما من جنة الروح تنبتان فيهما ثمرات المدركات و تجليات الصفات.
[52- 57]
[سورة الرحمن (55): الآيات 52 الى 57]
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (52) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَ جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (54) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (55) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌّ (56)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (57)
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ من مدركاتها اللذيذة زَوْجانِ أي: صنفان، صنف جزئي معروف مألوف و صنف كلي غريب لأن كل ما يدركه القلب من المعاني الكلية فله صورة جزئية في النفس و بالعكس مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ هي مراتب كمالاتها و مقاماتها بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ أي: جهتها التي تلي السفل، أعني: النفس من هيئات الأعمال الصالحة من فضائل الأخلاق و مكارم الصفات و محاسن الملكات، و ظهائرها التي تلي الروح من سندس تجليات الأنوار و لطائف المواهب و الأحوال الحاصلة من مكاشفات العلوم و المعارف كما هو في سورة (الدخان).
وَ جَنَى الْجَنَّتَيْنِ ثمراتها و مدركاتها دانٍ قريب، كلما شاؤوا حيث كانوا على أي وضع كانوا قياما أو قعودا أو على جنوبهم أدركوها و اجتنوها و نبت في الحال مكانها أخرى من جنسها كما ذكر في وصفها فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ مما يتصلون بها من النفوس الملكوتية التي في مراتبها و ما تحتها سماوية كانت أو أرضية، مزكاة صافية مطهرة لا يجاوز نظرها مراتبهم و لا تطلب كمالا وراء كمالاتهم لكون استعدادتها مساوية لاستعدادهم أو أنقص منها، و إلا جاوزت جناتهم و ارتفعت عن درجاتهم، فلم تكن قاصرات الطرف و لم تقنع بوصالهم و لذات معاشراتهم و مباشراتهم لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ من النفوس البشرية لاختصاصها بهم في النشأة و لتقدّس ذواتها و امتناع اتصال النفوس المنغمسة في الأبدان بها وَ لا جَانٌ من القوى الوهمية و النفوس الأرضية المحجوبة بالهيئات السفلية.
[58- 59]
[سورة الرحمن (55): الآيات 58 الى 59]
كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَ الْمَرْجانُ (58) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (59)
كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَ الْمَرْجانُ شبهت اللواتي في جنّة النفس من الحور بالياقوت لكون الياقوت مع حسنه و صفائه و رونقه و بهائه ذا لون أحمر يناسب لون النفس، و اللواتي في جنة القلب بالمرجان لغاية بياضه و نوريته، و قيل: صغار الدرّ أصفى و أبيض من كبارها.
[60- 61]
[سورة الرحمن (55): الآيات 60 الى 61]
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (60) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (61)
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ في العمل و هو العبادة مع الحضور إِلَّا الْإِحْسانُ في الثواب بحصول الكمال و الوصول إلى الجنّتين المذكورتين.
[62- 65]
[سورة الرحمن (55): الآيات 62 الى 65]
وَ مِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (62) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (63) مُدْهامَّتانِ (64) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (65)
وَ مِنْ دُونِهِما أي: من ورائهما من مكان قريب منهما كما تقول: دونك الأسد، لا من دونهما بالنسبة إلى أصحابهما فيكون بمعنى قدّامهما بل بمعنى بعدهما أو من غيرهما، كقوله: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ[6].
جَنَّتانِ للمقرّبين السابقين، جنة الروح و جنة الذات في عين الجمع عند الشهود الذاتي بعد المشاهدة في مقام الروح مُدْهامَّتانِ أي: في غاية البهجة و الحسن و النضارة.
[66- 67]
[سورة الرحمن (55): الآيات 66 الى 67]
فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (66) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (67)
فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ أي: علم توحيد الذات و توحيد الصفات أعني علم الفناء و علم المشاهدة فإنهما ينبعان فيهما، بل العلمان المذكوران الجاريان في الجنتين المذكورتين منبعهما من هاتين الجنّتين ينبعان منهما و يجريان إلى تينك.
[68- 69]
[سورة الرحمن (55): الآيات 68 الى 69]
فِيهِما فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (69)
فِيهِما فاكِهَةٌ و أيّ فاكهة؟! فاكهة لا يعلم كنهها و لا يعرف قدرها من أنواع المشاهدات و الأنوار و التجليات و السبحات وَ نَخْلٌ أي: ما فيه طعام و تفكه، و هو مشاهدة الأنوار و تجليات الجمال و الجلال في مقام الروح و جنّته مع بقاء نوى الإنية المتقوتة منها المتلذذة بها وَ رُمَّانٌ أي ما فيه تفكه و دواء في مقام الجمع و جنة الذات أي: الشهود الذاتي بالفناء المحض الذي لا أنية فيه فتطعم بل اللذة الصرفة و دواء مرض ظهور البقية بالتلوين، فإن في الرمان صورة الجمع مكنونة في قشر الصورة الإنسانية.
[70- 71]
[سورة الرحمن (55): الآيات 70 الى 71]
فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (70) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (71)
فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ أي: أنوار محضة و سبحات صرفة لا شائبة للشر و الإمكان، فيها حسان من تجليات الجمال و الجلال و محاسن الصفات.
[72- 75]
[سورة الرحمن (55): الآيات 72 الى 75]
حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (72) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (75)
حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ أي: مخدّرات في حضرات الأسماء بل حضرة الوحدة و الأحدية لا تبرز منها بالانكشاف لمن دونها و ليس وراءها حد و مرتبة ترتقي إليها و تنظر إلى ما فوقها فهي مقصورة فيها.
[76- 77]
[سورة الرحمن (55): الآيات 76 الى 77]
مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَ عَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (76) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (77)
مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ الرفرف نوع من الثياب عريض، لطيف في غاية اللطافة، و المراد: نور الذات الذي هو في غاية البهجة و اللطافة أو نور الصفات حال البقاء بعد الفناء و الاستناد إلى صمدية الوجود المطلق و التحقق به وَ عَبْقَرِيٍّ حِسانٍ العبقريّ في اللغة: ثوب غريب منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجنّ، أي: الوجود الموهوب الحقاني الغريب الموصوف بصفاته المتجلية في غاية الحسن الذي هو منسوب إلى عالم الغيب بل غيب الغيب الذي لا يعلم أحد أين هو.
[78]
[سورة الرحمن (55): آية 78]
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ (78)
تَبارَكَ أي: تعالى و تعاظم اسْمُ رَبِّكَ أي: الاسم الأعظم الذي به تزيد و ترتقي مرتبة السالكين من البداية إلى النهاية حتى الوصول إليه و الفوز به ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ أي:
الجلال في صورة الجمال و الجمال في صورة الجلال اللذان لا يحجب أحدهما عن الآخر عند البقاء بعد الفناء للمحبوبين المحبين السابقين إلى غاية الدرجات بخلاف الجلال و الإكرام المذكورين قبل، فإنهما هناك يحجب أحدهما عن الآخر لعدم تحقق الفاني بالوجود الحقاني و الرجوع إلى تفاصيل الصفات و شهودها في عين الجمع.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 310
[1] ( 1) سورة الفرقان، الآية: 1.
[2] ( 1) سورة الرحمن، الآية: 10.
[3] ( 1) سورة الصافات، الآية: 24.
[4] ( 1) سورة الصافات، الآية: 24.
[5] ( 1) سورة الرعد، الآية: 33.
[6] ( 1) سورة الأنبياء، الآية: 98.