تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره البقره آية 61-91
[سورة البقرة (2): آية 61]
وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها وَ فُومِها وَ عَدَسِها وَ بَصَلِها قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ (61)
«أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى» و هو ما ذكروه «بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ» و هو ما أنزل اللّه عليهم من المن و السلوى، فأشار إلى دناءة همتهم
______________________________
و الكتب، و يقال لها الأرضة، فقال لهم: لا تفسدوا في الأرض، فتسموا مفسدين، ثم قال تعالى (62) «وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ» الآية، لما كان في طبع هذه النشأة الدنيوية إذا استصحبها أمر تمله، خلق اللّه له من الأرزاق أنواعا مختلفة المطاعم و الألوان و الروائح، و لما فرض عليهم العبادات جعلها مختلفة بالنوع، و جعل لها أوقاتا متفرقة من أجل الملل الذي جبلهم اللّه عليه، و لو كان الرزق من ألذ المطاعم و استصحبه سئمه و طلب غيره أو تباعد عنه الزمان، حتى تدعو الحاجة إليه و إن كان واحدا، و لما ألفوا تكاثر الآلهة عندهم لم يلتذوا بالتوحيد التذاذهم بالكثرة، و من حكمة اللّه في وحدانيته سبحانه أن جعل له أسماء كثيرة ندعوه بها في عموم أحوالنا، فننتقل من اسم إلى اسم لتتنوع علينا الأدعية و الأذكار مع أحدية المدعو و المذكور، كل ذلك للملل الذي في جبلتنا، فسبحان اللطيف بعباده، و هذا من خفايا ألطافه التي لا يعرفها إلا القليل من عباده، فقالوا لموسى «فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ» في تيههم «مِنْ بَقْلِها» يقول من أنواع بقولها، ثم خصوا بالذكر ما كان لهم فيه رغبة، حتى يكون ذلك المعيّن من جملة ما يخرج لهم «وَ قِثَّائِها» بضم القاف و كسره و هو معروف «وَ فُومِها» قيل هو الثوم و هو الأقرب، و قيل الحنطة، و قيل الخبز «وَ عَدَسِها وَ بَصَلِها قالَ» اللّه لموسى قل لهم «أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى» أي أخس و أوضع و أحقر «بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ» منه، و هو ما كانوا فيه من اللحم و الحلواء، و لا شك أن أمرهم متناسب في الشكل، فمن اشترى الضلال بالهدى، و العذاب بالمغفرة، و الكفر
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 141
[سورة البقرة (2): آية 62]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ النَّصارى وَ الصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
يقال: صبا فلان إلى كذا إذا مال إليه.
______________________________
بالإيمان، و كله استبدال، لا ينكر عليه في نفسه القذرة أن يستبدل المن و السلوى بالثوم و البصل، فقال لهم اللّه «اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ» لأنهم سألوا دنيّا، فأهبطوا من عز رفعتهم بعناية اللّه بهم و ما اختاره من الطعام الطيب، و قوله «مِصْراً» منونا، أي مصرا من الأمصار، و من لم ينوّن أراد البلدة المسماة بمصر، فلما هبطوا و كفروا بآيات اللّه، و قتلوا النبيين بغير الحق و عصوا و اعتدوا «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ» أي ألصقت بهم، من ضربت الطين على الحائط إذا ألصقته، يقول لزمتهم الذلة و هي الصغار، و المسكنة الخضوع و السكون تحت صولة الإيمان، فلم يرفع اللّه لهم علما، و لا قام منهم ملك، حيث كانوا في جميع الملل لا يزالون أذلاء صاغرين «وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ» أي استحقوا الغضب من اللّه، يقال باء فلان بفلان إذا كان حقيقا أن يؤخذ به لمساواته إياه في الكفاءة في ذلك، و قال عليه السلام: من قال لأخيه كافر فقد باء به أحدهما، أي استحق ذلك الإطلاق أحد الرجلين، إما المقول فيه إن كان كافرا، و إما القائل إن كان المقول فيه مسلما، لأنه سمى الإسلام كفرا، و من اعتقد بذلك فقد كفر، ذهب إلى هذا بعض العلماء، ثم قال «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ» هذه باء السبب «كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ» قد تقدم شرح الكافر في أول السورة، و قوله «بِآياتِ اللَّهِ» يقول بما نصبه الحق من الدلالات على تصديق ما جاءت به رسله من كتاب و غيره «وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ» سبب آخر زائد على الكفر بالآيات، يقول عنادا، أي لم يقتلوهم بحق من عندهم فيما يرجع إلى دينهم، فالألف و اللام للحق المعهود عندهم، لا للحق الذي جاءت به الأنبياء صلوات اللّه عليهم، فإن ذلك معلوم بلا شك، و إنما فائدة ذكر الحق فيما ترجمنا عنه «ذلِكَ بِما عَصَوْا» في ردهم الآيات «وَ كانُوا يَعْتَدُونَ» يتجاوزون الحق الذي اتخذوه دينا، ما وقفوا عنده، بل تعدوه و جاوزوه بالمخالفة في قتلهم الأنبياء (63) «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا» الآية، يقول: إن الذين آمنوا أي أقروا بألسنتهم و لم تؤمن قلوبهم، فيكون على هذا من آمن منهم باللّه يعود الضمير عليهم، و على الذين هادوا و النصارى و الصابئين مخلصا من قلبه، و قد يريد «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا» خالصا من قلبه «وَ الَّذِينَ هادُوا» يعني اليهود، يقال هاد يهود و تهوّد إذا دخل في دين اليهودية «وَ النَّصارى» جمع نصران «وَ الصَّابِئِينَ»
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 142
[سورة البقرة (2): الآيات 63 الى 65]
وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (64) وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (65)
ظهر المسخ في بني إسرائيل بالصورة فمسخهم اللّه قردة و خنازير.
______________________________
من صبأ إذا مال من دينه إلى دين آخر، يقول «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ» صدق من هؤلاء المذكورين بقلبه «و آمن باللّه» يقول بتوحيده، أي بوحدانيته «وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» يقول بالبعث، أي بوجود يوم القيامة «وَ عَمِلَ صالِحاً» و لم يدخل في عمله خللا من شرك خفي و لا جلي «فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ» جزاء عملهم «عِنْدَ رَبِّهِمْ» أي عند سيدهم الذي استخدمهم و كلفهم بالأعمال، و هو اللّه تعالى «وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» زائد على الجزاء بما حصّلوا من النعيم في مقابلة ما فعلوا من الخير الذي له عين موجودة، و ما وصفوا به من نفي الخوف و الحزن عنهم فيما تركوا مما أمروا بتركه، فسلب لسلب، و إثبات لإثبات (64) «وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ» أما قوله «وَ إِذْ أَخَذْنا» بنون الجمع لوساطة الرسل في ذلك، فهم الذين أخذوا المواثيق للّه على أممهم، فأخذ الميثاق من اللّه و رسوله، فلهذا كنّى سبحانه بالنون، و ليس لنا ذلك إلا بأمر منه سبحانه، و قد قال عليه السلام لمن جمع بين اللّه و رسوله في الضمير في خطبته (بئس الخطيب أنت)، فهذا ضمير المخاطبين يعود على كل من أخذ عليه الميثاق مطلقا، من أخذ الذرية إلى نبوة محمد عليه السلام، و هو الإقرار بالوحدانية و بما يجيء من عند اللّه في كتبه أو على ألسنة رسله مما يجب الإيمان به، ثم خصص في الخطاب بعض من أخذ عليه الميثاق في قوله «وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ» أراد بني إسرائيل بهذا الخطاب خاصة، و ذلك لما امتنعوا من قبول كتابهم و الحفظ له و العمل به لما فيه من التكاليف الشاقة عليهم، فاقتلع اللّه الجبل و رفعه عليهم كالظلة، إن لم يقبلوا الكتاب و يوفوا بعهد اللّه و ميثاقه و إلا أوقع عليهم الجبل، و قال لهم و الجبل على رءوسهم «خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ» أي اقبلوا ما أعطيناكم بجد و عزم على حفظه و العمل به، و قد يكون العامل في الباء من بقوة «آتَيْناكُمْ» أي خذوا ما أعطيناكم تقوية على ما كلفتموه لما يتضمن من الوعد الجميل و الثواب الجزيل لمن عمل فيه، و لما يتضمن من الوعيد
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 143
[سورة البقرة (2): الآيات 66 الى 67]
فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَ ما خَلْفَها وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (67)
المناسبة بين البقر و الإنسان قوية عظيمة السلطان، و كما أن البقر برزخ بين الإبل و الغنم
______________________________
و التهديد لمن ترك العمل بما فيه، فيكون وقوفكم عليه و قراءتكم له محرضا و تقوية على العمل به، و يؤيد هذا قوله «وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ» ثم جاء بلفظة «اذْكُرُوا ما فِيهِ» مما تقدم من أخذ المواثيق في ذلكم عليكم، و مما يتضمنه من نعم اللّه عليكم، إذ أوجدكم و اصطفاكم بما ذكره فيه زائدا على ما فيه مما شرع لكم «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» يقول لهم الرسول بأمر اللّه «لَعَلَّكُمْ» فيكون الترجي من الرسول أن تتقوا أو منهم أن يكونوا من المتقين، و قد ذكرنا تفسير «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» و المتقي من هو في أول السورة، ثم قال تعالى (65) «ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ» أي أعرضتم لما رفعنا عنكم ما ظننتم أنه واقع بكم، و هو الجبل و إليه الإشارة «بذلك» و هو قوله تعالى (فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ) «فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ» بكم حيث لم يعاقبكم بسقوط الجبل عليكم فتموتون ناكثين، فتكونون من الذين لم تربح تجارته و كنتم خاسرين «لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ» قال لهم ذلك ليرجعوا عن توليهم و إعراضهم و نكثهم، فإن احتجوا بالفاء في قوله «فَلَوْ لا» أنها للتعقيب، قلنا: كذا وردت، فإنه سبحانه لما رفع الجبل على رءوسهم، لو لا فضله و رحمته أسقطه عليهم، و لم ينتظر بهم أن يأخذوا الكتاب، لا أنهم بعد التولي الثاني تفضل عليهم بالتوبة، ثم قال تعالى (66) «وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ» خطابا لبني إسرائيل «الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ» بعّضهم، أي جاوزوا ما حد لهم أن يفعلوه و يتركوه «فِي» يوم «السَّبْتِ» من ترك الصيد فيه و المثابرة على طاعته، و هم الذين تولوا و نكثوا، و ما ذكر أنه تاب عليهم، ثم قال «فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا» هو قوله (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) و قال عليه السلام و هو في غزوة تبوك و قد أبصر شخصا مقبلا على بعد و هو في أصحابه: كن أبا ذر، فكان أبو ذر، فكان، و الكون حرف وجودي عند الجماعة، و عندنا حرف ثبوتي، فإنه يتوجه على الإيجاد و الإعدام، و العدم يثبت للمعدوم و لا يكون له، و هذه مسئلة عظيمة القدر، فإنه ليس في قوتهم أن يكوّنوا أنفسهم «قِرَدَةً» و إنما اللّه يكونهم أي يقلب صورهم قردة، و الحقائق لا تتبدل، فمن المخاطب بأن يرجع قردا؟ فقد يصح هنا قول من يقول إن الجواهر متماثلة و الصور أعراض فيها، فسلخ اللّه
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 144
في الحيوان المذكى، فالإنسان برزخ بين الملك و الحيوان، ثم إن البقرة التي ظهر الإحياء بموتها و الضرب بها برزخية أيضا في سنها و لونها، فهي لا فارض و لا بكر عوان بين ذلك، فهذا مقام برزخي، و هي لا بيضاء و لا سوداء بل صفراء، و الصفرة لون برزخي بين البياض و السواد، فقويت المناسبة بين البقر و النفوس الإنسانية «قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ» لأن الجهل صفة مذمومة منهي عنها بقوله تعالى: «فلا تك من الجاهلين» مستعاذ باللّه منها.
______________________________
الصورة الإنسانية من الجوهر و كساه صورة القرد، فإن الحرارة لا ترجع برودة، لكن الحار بقبوله للحرارة إذا زالت عنه زال عنه اسم الحار و قبل البرودة، فصح عليه اسم البارد، و ما ثبت عندنا من طريق صحيحة أن ظواهرهم رجعت في صورة القردة، و القدرة صالحة، فقد يحتمل أن يكون مسخ بواطنهم قردة مع بقاء الصورة الإنسانية، و يحتمل أن يكون مسخ ظواهرهم قردة مع بقاء علمهم بأنهم ذلك، ليذوقوا العذاب، فيكون قردا في الظاهر إنسانا في الباطن، و اللّه على كل شيء قدير، و ما يقع التوقف إلا من عدم صحة النقل لا من حيث الإمكان، و قوله «خاسِئِينَ» أي مبعودين مطرودين من رحمة اللّه،، و قوله (67) «فَجَعَلْناها» يعني هذه الكائنة «نَكالًا» قيدا و حدا يوقف عنده إذ كان النكل القيد يقف عنده الماضي و الآتي معتبرا، و قد يكون قيدا أي ثباتا للممسوخين على هذه الصورة «ل» لأجل «ما بَيْنَ يَدَيْها وَ ما خَلْفَها وَ» جعلناها «مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ» للذين يخافون مثل هذه الأشياء، و قد يكون نكالا من النكول و هو العدول، عدل بهم عن رحمة اللّه لما عدلوا عن طاعته و الوفاء بعهده و ميثاقه، و جعلناها بمعنى صيّرناها في عينها للحاضرين الذين يشاهدونها، و في الذكر بالخبر عنها لمن يأتي بعدهم، و ذلك أن اللّه لما خلق الإنسان خلقه مستقبلا الآخرة، فهو يطلبها في سيره، و مدة ذلك عمره، و أول منزل يلقاه منها القبر، و أول حالة تدركه منها الموت، و الساعة أيضا تستقبله و لذا سميت ساعة أي تسعى إليه، فعند الموت يكون اللقاء بين الإنسان و القيامة، قال عليه السلام (من مات فقد قامت قيامته) و لا يزال في منازلها يتقلب و يقطعها إلى يوم البعث، ثم يقطع منازل ذلك اليوم إلى أن يصل إلى الجنة أو إلى النار، فلهذا ثبت له الأمام لما يستقبله، و الخلف لما يأتي بعده (68) «وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً» القصة: كان سبب هذا أن رجلا قتل عمه و جعله في أرض قوم ليأخذ ديته، ثم استعدى على أهل تلك الأرض، و تدافعوا معه بالخصومة فارتفعوا إلى موسى عليه السلام و سألوه أن يبين لهم عن الأمر، فسأل ربه، فأمره أن يأمرهم أن يذبحوا بقرة، فيضرب الميت ببعضها، فيحييه اللّه، ليريهم كيف يحيي اللّه الموتى، و لتبرأ ذمة البريء مما نسب إليه من ذلك،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص:145
[سورة البقرة (2): الآيات 68 الى 72]
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (68) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)
«فَادَّارَأْتُمْ فِيها» أي تدافعتم فيها «وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ».
______________________________
ف «قالُوا» لموسى «أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً» أي تسخر بنا «قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ» فإن الجاهل هو الذي يسخر بعباد اللّه (69) «قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ» أي لا هرمة «وَ لا بِكْرٌ» و هي التي ولد لها ولد واحد «عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ» و العوان التي ولد ولدها، قد يفهم من هذا ما يخرج في الصدقة من الماشية، حتى لا يعتدي فيها من الطرفين، من رب المال يأخذ الأنفس، و من جهة المتصدق عليه من أخذ الأخس «فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ» (70) «قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها» أي بالغ في الصفرة حسنا و جمالا، يقال أصفر فاقع، و أسود حالك، و أبيض يقق، و أحمر ناصع، و قال «تَسُرُّ النَّاظِرِينَ» أي يستحسنها من نظر إليها (71) «قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا» أي هذا الجنس كثير و يشتبه علينا فزدنا بيانا «وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ» فلما تأدبوا مع اللّه في الاستثناء رزقهم الهداية إلى ما سألوه من ذلك، فلم يسألوا بعد ذلك، (72) «قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ» أي صعبة القياد «تُثِيرُ الْأَرْضَ» أي لا تنقاد للحرث، يقول: ما هي ذلول تثير الأرض، أي يحرث بها «وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ» و لا
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 146
[سورة البقرة (2): آية 73]
فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)
و لذلك فإن بين البقر و النفس نسبة، إذ الغنم تناسب الأرواح، و البدن أي الإبل تناسب الأجسام، و البقر تناسب الأنفس، لذلك قال تعالى: «اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى» فتحيا بإذن اللّه تلك النفس المقتولة للمناسبة، فإنه لما كانت المناسبة بين البقر و الإنسان قوية عظيمة السلطان، لذلك حي بها الميت لما ضرب ببعض البقر، فجاء بالضرب إشارة إلى الصفة القهرية لما شمخت النفس الإنسانية أن تكون سبب حياته بقرة، و لا سيما و قد ذبحت و زالت حياتها، فحيي بحياتها هذا الإنسان المضروب ببعضها، و كان قد أبى لما عرضت عليه فضرب ببعضها فحيي بصفة قهرية، للأنفة التي جبل اللّه الإنسان عليها، و فعل اللّه ذلك ليعرفه أن الاشتراك بينه و بين الحيوان في الحيوانية محقق بالحد و الحقيقة، و لهذا هو كل حيوان جسم متغذ حساس، فالإنسان و غيره، من الحيوان. و انفصل كل نوع من الحيوان عن غيره بفصله المقوم لذاته الذي به سمي هذا إنسانا، و هذا بقرا، و هذا غنما، و غير ذلك من الأنواع، و ما أبى الإنسان إلا من حيث فصله المقوم، و تخيل أن حيوانيته مثل فصله
______________________________
يسقى بها الحرث، أي تدور بالسانية لصعوبتها «مُسَلَّمَةٌ» صحيحة «لا شِيَةَ فِيها» أي لا لون فيها من عير لونها «قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ» المطلوب لنا، أي استوفيت الصفة «فَذَبَحُوها» و من كثرة تفتيشهم على صفتها كادوا لا يجدونها فلا يفعلون، فهو قوله «وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ» (73) «وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها، وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» (74) «فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها، كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» «فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها» و اختلف الناس في ذلك البعض ما هو؟ فمن جملة ما قالوه فخذها، و لسانها، و فيه مناسبة، فإن اللسان محل الكلام، و المراد من الميت النطق ليعرفوا الأمر، و أما الفخذ خاصته فقد ورد أنه لا تقوم الساعة حتى تكلم الرجل فخذه بما فعل أهله بعده، فخص الفخذ بذلك في الدنيا دون غيره من الأعضاء، و هذا الإحياء إنما وقع في الدنيا، و أما في الآخرة فتنطق الجلود و الأيدي و الأرجل و الألسنة قال تعالى «كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى» يعني في قيام الميت حيا من قبره، أي تظهر يوم القيامة حياته القائمة بجسمه، التي نحن اليوم محجوبون عن إدراكها، السارية في كل موجود من جماد و نبات و حيوان، التي أدركها النبيون و أهل الكشف، قال تعالى (وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 147
المقوم، فأعلمه اللّه بما وقع أن الحيوانية في الحيوان كله حقيقة واحدة، فأفاده ما لم يكن عنده، و كذلك ذلك الميت ما حيي إلا بحياة حيوانية لا بحياة إنسانية من حيث إنه ناطق، و كان كلام ذلك الميت مثل كلام البقرة في بني إسرائيل. قال الصحابة تعجبا: بقرة تكلم؟
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: آمنت بهذا، و ما رأوا أن اللّه قد قال ما هو أعجب من هذا أن الجلود قالت: أنطقنا اللّه الذي أنطق كل شيء، فهذه الحياة التي تظهر لأعين الخلق عند خرق العوائد في إحياء الموتى هي الحياة الذاتية للأشياء- إشارة- لا يقوم تركيب إلا بحل تركيب، انظر سره لما ذبحت البقرة قام الميت بحياتها من قبره، و البقرة من عالم الوسط كالبرزخ بين الدنيا و الآخرة، فهي فوق الكبش و دون البدنة في الأجر، فبذبحها سرّحت في الحضرة البرزخية، فكان سببا في نقل حياتها إلى حياة البرزخ، و هو إحياء هذا الميت، فإن الميت في عالم البرزخ، فوقعت المناسبة.
–
[الحياة بالضرب]
إشارة- من الحياة بالضرب قول النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «فضرب بيده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت علم الأولين و الآخرين» فأضاف العلم إلى الضرب باليد الإلهية، و هي الحياة المعنوية.
______________________________
بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ) لا تعلمون تسبيحهم (إِنَّهُ كانَ حَلِيماً) فلم يؤاخذكم عاجلا بإنكاركم ذلك (غفورا) بما ستر من إدراك حياتها لأبصاركم، و لنا حياة منسوبة إلى ارتباط الروح الناطق بهذا الجسم، و هو الذي يظهر حياته في الجسم، و افتراقه من الجسم يسمى الموت، و لنا حياة أخرى نشرك بها جميع الأجسام، و هي التي أخذ اللّه بأبصارنا عنها، فقد يمكن أن يكون حياة صاحب البقرة ظهور تلك الحياة، ثم قال «وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ» أي دلالاته على أنه على كل شيء قدير «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» أي تمسكون على ذلك، مأخوذ من العقال، و تثبتون عليه من غير شبهة تزلزلكم عنه، و قوله «وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» و هو ما أظهر من كذب ولي المقتول، و فيه تنبيه على إظهار ما استتر عن عيوننا من حياة الأجسام، و هو ما نبّهنا عليه آنفا، و نسب الكتمان إليهم لأن الأمر مستور فيهم، و قوله «بَقَرَةً» بلفظ التنكير حتى لو أخذوا أية بقرة كانت، وقع الغرض، ذلك محتمل بالنظر إلينا، و أما في علم اللّه فبقرة مخصوصة بهذا الوصف، و لو فهموا منه بقرة على الإطلاق لبادروا إليها، فإن النفوس قد طبعت على طلب التيسير، و قوله «فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ» من أول سؤال سألوه يؤذن بالزجر عن السؤال و كثرته، قال عليه السلام (إنما أهلك
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 148
[سورة البقرة (2): آية 74]
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)
«ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً» و إنما كانت أشد قسوة
[فى الحجارة]
لأن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار و إن منها لما يشقق فيخرج منه الماء و إن منها لما يهبط من خشية اللّه، و أنتم ما عندكم في قلوبكم من هذا شيء، يذمهم بذلك- تحقيق- اعلم أن الحجارة عبيد محققون، ما خرجوا عن أصولهم في نشأتهم، فالحجر يهرب من مزاحمة الربوبية في العلو، فيهبط من خشية اللّه، و من خشي فقد علم من يخشى. ثم إن اللّه جعل هذه الأحجار محلا لإظهار المياه التي هي أصل حياة كل حي في العالم الطبيعي، و هي معادن الحياة و بالعلم يحيا الإنسان الميت بالجهل، فجمعت الأحجار بالخشية و تفجر الأنهار، بين العلم و الحياة، قال تعالى: «و إن منها لما يتفجر منه الأنهار» مع اتصافها بالقساوة، و ذلك لقوتها في مقام العبودية، فلا تتزلزل عن ذاتها، لأنها لا تحب مفارقة موطنها، لما لها فيه من
______________________________
من كان قبلكم كثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم)، و لذلك جرى لهؤلاء لما كثر سؤالهم مضى[1] فيها من أموالهم كثير على ما حكي، و أما قوله «وَ إِذْ قَتَلْتُمْ» و ما قتله إلا واحد، فهو راجع إلى قول بعضهم لبعض: أنتم قتلتم هذا القتيل، و تدافعهم في ذلك، فكأنه يقول: و إذ يقول بعضكم لبعض قتلتم نفسا فادار أتم فيها، و أما قوله «اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها» لما كان الضرب يتضمن صفة القهر لذلك جاء به، إذ إخراج الشيء من العدم إلى الوجود لا يكون إلا من قاهر، كما جاء في قوله (اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) (اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً) و من هذا الباب قوله تعالى (أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فقرن الإيجاد بالأمر، إذ في ضمن مخالفته الوعيد، و هو من صفة القاهر، ثم أخبر تعالى أنهم بعد ما عاينوا ذلك قست قلوبهم، فقال تعالى (75) «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ» أي من بعد ما رأيتم الآيات، فما وقع ما ترجاه موسى منكم من عقلها و الثبات عليها «فَهِيَ» يعني قلوبكم «كَالْحِجارَةِ» في الصلابة و الشدة، أو
______________________________
(1) ضاع.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 149
العلم و الحياة اللتين هما أشرف الصفات.
[فى (قست قلوبكم)]
أما وصفه تعالى لقلوب من كفر من بني إسرائيل بقوله: «أَشَدُّ قَسْوَةً» فإن الحجر لا يقدر أن يمتنع عن تأثيرك فيه، و القلب يمتنع عن أثرك فيه بلا شك، فإنه لا سلطان لك عليه، فلهذا كان القلب أشد قسوة أي أعظم امتناعا و أحمى، و إن أحسنت في ظاهره، فلا يلزم أن يلين قلبه إليك فذلك إليه، فالصعب قلوب أشد قساوة من الحجارة، فإن الحجارة تكسرها و تكلسها النار و لا تلينها. و أما قوله تعالى:
«وَ إِنَّ مِنْها» يعني من الحجارة «لَما يَهْبِطُ» الهبوط سقوط بسرعة عن غير اختيار «مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» فوصفها بالخشية و هذه الآية تدل على أن اللّه أخذ بأكثر أبصار جنس الإنس و الجان عن إدراك النفوس المدبرة الناطقة التي تسمى جمادا و نباتا و حيوانا، و كشف لبعض الناس عن ذلك، فإن الخشية المنعوت بها الأحجار هي التي أدتها إلى الهبوط، و هو التواضع من الرفعة التي أعطاها اللّه، فإنه لما وصفها بالهبوط علمنا أن الأحجار التي في الجبال يريد، و الجبال و الأوتاد التي سكن اللّه بها ميد الأرض، فلما جعلها أوتادا أورثها ذلك فخرا لعلو منصبها، فنزلت هذه الأحجار هابطة من خشية اللّه لما سمعت اللّه يقول: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» و الإرادة من صفات القلوب، فنزلت من علوها، و إن كان بربها، هابطة من خشية اللّه حذرا أن لا يكون لها حظ في الدار الآخرة التي تنتقل إليها، و أعني بالدار الآخرة هنا دار سعادتها، فإن في الآخرة منزل شقاوة و منزل سعادة «وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» فإن اللّه ليس بغافل فإنه معنا في جميع المحافل- تفسير من باب الإشارة: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً» و القسوة هو ما ينبغي أن تتطهر منها القلوب من النجاسات كانت ما كانت، فإن منها المأخوذ بها و المعفو عنها «وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ» و هي من القلوب العلوم الغزيرة الواسعة، و تفجرها خروجها على ألسنة العلماء للتعليم في الفنون المختلفة «و إن من الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء»، و هي القلوب التي تغلب عليها الأحوال فتخرج في الظاهر على ألسنة أصحابها بقدر ما يشقق منها و بقدر العلم الذي فيها، فينتفع بها الناس،
______________________________
أَشَدُّ قَسْوَةً» يقول أقوى في الصلابة من الحجارة، قال تعالى (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) و ذلك لمعرفته بقدر ما أنزل عليه، و ما زالت بنو إسرائيل
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 150
وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» و هبوط القلوب المشبهة بالحجارة في هبوطها هو نزولها من عزتها إلى عبوديتها، و نظرها في عجزها و قصورها بالأصالة، فالخشية من خصائص العلماء باللّه.
[سورة البقرة (2): آية 75]
أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (75)
هذه الآية تدل على أن التوراة ما تغيرت في نفسها، و إنما كتابة اليهود إياها و تلفظهم بها لحقه التغيير، فنسب ذلك إلى كلام اللّه فقال: «ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» أن كلام اللّه معقول عندهم، و أبدوا في الترجمة عنه خلاف ما هو في صدورهم عندهم و في مصحفهم المنزل عليهم، فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل، و أبقوا
______________________________
مع كثرة الآيات و النعم تكثر منهم المخالفات و سوء الأدب مع اللّه، فعقوبة القاتل إخراج مكتومه بإحياء الميت، و عقوبة قومه على قولهم (أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً) لمثل موسى عليه السلام ما ابتلوا به من السؤال عن البقرة حتى رزءوا في أموالهم بما وزنوه من ثمنها، و أما قوله «وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ» و كل ما يقع منها مما ذكره «مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» أي من رجائهم و خوفهم، لأن الخشية تتضمن الرجاء و الخوف، فأما وصفها بتفجير الأنهار فهو كثرة بكائها، و الماء الخارج من التشقق للبكاء الذي لم يبلغ في الكثرة مبلغ الأنهار، و منها بكاء فرح و بكاء حزن، فبكاء الحزن من خوف التفريط فيما كلفته من التسبيح، كالمياه الكبريتية الحارة المالحة، و بكاء الفرح و السرور بما وفقت له من ذكر اللّه كالمياه الباردة العذبة، و ما بينهما من أصناف المياه كما بينهن من الأحوال في امتزاجاتها، من خلط الحزن بالسرور و الفرح على حسب ما يغلب عليها، و المياه شبيه الدموع، و ذكر ما هبط منها في مقابلة ما تكبروا به على أمر اللّه، ثم هددهم و أوعدهم مجملا فقال «وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» بالتاء و الياء على الغيبة و الحضور، فالحضور له سبحانه، و الغيبة خطاب لموسى و لمن عرفهم بذلك، ثم قال لمحمد عليه السلام و أمته (76) «أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ» الآية، هذه مسئلة مشكلة و ليس لها مخرج إلا ما روي عن عيسى عليه السلام لما لقيه إبليس و كان غرضه أن يطيعه و لو في الدلالة على الخير، فقال له (يا عيسى قل لا إله إلا اللّه) فقال عيسى عليه السلام (أقولها لا لقولك لا إله
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 151
الأصل على ما هو عليه ليبقى لهم العلم و لعلمائهم، فما هو عند علمائهم محرف، و هم يحرفونه لأتباعهم فأضلهم اللّه على علم، فالتوراة مع اختصاصها بأن اللّه كتبها بيده لم يحفظها من التبديل و التحريف الذي حرفه اليهود. و حفظ كلام اللّه، و عصمته إنما يعصم لأنه حكم، و الحكم معصوم و محله العلماء به، و تولى اللّه فينا حفظ ذكره و استحفظ كتابه غير هذه الأمة فحرفوه و هم يعلمون بمخالفتهم (راجع المائدة- 14).
______________________________
إلا اللّه) و هؤلاء المنافقون قد قالوا آمنا بألسنتهم و هم يعلمون أنه رسول اللّه حقا، لا يشكون فيه كما لا يشكون في أبنائهم، و هم مصدقون بقلوبهم لأنهم لا ينكرون علمهم، و أقروا بألسنتهم للمؤمنين إذا لقوهم، فلم يبق سلب الإيمان عنهم إلا كونهم لم يقولوا: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، لقوله صلى اللّه عليه و سلم، قال تعالى (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) لا في قولهم، فإنهم قالوا حقا، و لا في بواطنهم، فإنهم عالمون أنه رسول اللّه من كتابهم، فلم يبق تكذيب اللّه لهم إلا أنهم أظهروا أنهم قالوها لقوله صلى اللّه عليه و سلم، و لم يكن كذلك، فهذا معنى قوله لنبيه عليه السلام و أصحابه «أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ» فيكون سرهم و علانيتهم أن قالوها لقولك سواء، هذا لا يكون منهم، بل يجرون على ما كان عليه بعض أسلافهم، و هو قوله «وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ» فيحتمل إضافة سماع الكلام لهم وجهان، الواحد أن يكون سماعهم من تلاوة موسى عليهم كتابهم، مثل قوله تعالى (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) و يحتمل أنهم سمعوا كلام اللّه كما سمعه موسى حين كلمه ربه على الطور و قد ذكر ذلك، و وقع الإشكال من قوله «ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ» ما ضبطوه، فلو لم يذكر التحريف كان يتقوى أنهم سمعوا كلام اللّه حين كلم موسى، و كان يتعين أنهم السبعون الذين اختارهم، و قوله «ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ» يغيرونه إما بحذف بعض الكلام ليزول المعنى، مثل قولهم [و من يبتغ الإسلام دينا] فأزالوا غير، و إما أن يزيدوا فيه كلاما حتى يتغير المعنى إلى ما يريدونه، و قوله «وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» يحتمل أن يكون الضمير يعود على قوم موسى أنهم عالمون بما حرفوا، و يحتمل أن يعود على يهود المدينة «وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» أنك رسول اللّه و أنك على الحق، كما علم أسلافهم و غيّروا، كذلك هؤلاء إذا فارقوكم يظهرون لإخوانهم أنهم بخلاف ما ظهروا لكم به من الإقرار و الانقياد، ثم قال تعالى (77) «وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا» كان المنافقون إذا لقوا الذين آمنوا «قالُوا آمَنَّا» أي صدقنا «وَ إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ» كان المسلم إذا خلا بأحد من ذوي رحمه من المنافقين يقول له المسلم: إن رسول
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 152
[سورة البقرة (2): الآيات 76 الى 79]
وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (76) أَ وَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ (77) وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)
«ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» و هو ما توسوس به نفوسهم، و ما تسول لهم شياطينهم، «لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا» من الجاه و الرئاسة عليهم، و ما يحصلوه من المال.
______________________________
اللّه يقول إن اللّه قد ذكر لكم في كتابكم نعته، فيقول له المنافق: نعم إنه لكما قال و إنه لنبي حق، فإذا بلغ ذلك إلى رؤسائهم مثل حيي بن أخطب، و كعب بن الأشرف، و غيرهم، يعظم ذلك عليهم، فإذا خلوا مع هؤلاء الذين تحدثوا مع المسلمين أن اللّه قد أخبر في التوراة بصدقه، و أنه نبي، يقولون لهم «قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ» يعني من العلم به و يروا أن الشرف في العلم «لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ» ليحتجوا بكتابكم عليكم بإقراركم، أي عند ذكركم أنه في كتاب ربكم، و يحتمل أن يريدوا بذلك يوم القيامة، قال تعالى (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) و هو الأوجه، يقول «أَ فَلا تَعْقِلُونَ» إنكار، أي ليس لكم عقول تعرفون بها هذا القدر أنه حجة عليكم، فأخبر اللّه نبيه بجهلهم باللّه تعالى فقال (78) «أَ وَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ» بعضهم لبعض فيخبرك به «وَ ما يُعْلِنُونَ» و ما يظهرون به عندكم، مما يكذبون فيه أنهم مصدقون لقولك، ثم قال تعالى (79) «وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ» الأمي هو الذي لا يكتب و لا يقرأ المكتوب و لا يحسب «لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ» فيعلمهم علماؤهم و أحبارهم بما يشتهون، و لا يخبرونهم بما أنزل فيها من الحق في نعت محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فيقلدونهم في ذلك، و قوله «إِلَّا أَمانِيَّ» إلا أن لهم قدرة على الاختلاق و تنظيم الكلام لمن لا يفهم حتى يعتقد أنه حق، يقال منّى إذا قدر
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 153
[سورة البقرة (2): الآيات 80 الى 81]
وَ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (80) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (81)
فهم الذين تمسهم النار فإنه ما كل من دخل النار تمسه، فإن ملائكة العذاب في النار و هي دارهم و ما تمسهم النار.
______________________________
«وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ» فذمهم لأنهم متمكنون أن يتعلموا الكتاب حتى يكونوا مثل الذين يعلمون الكتاب فلا يقلدونهم، و «إِلَّا أَمانِيَّ» استثناء منقطع، و قد يكون عندي استثناء متصل، و إن كانوا لا يعلمون إلا أنهم قادرون على الاختلاق، ثم قال (80) «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ» أخبر أن لهم الويل يوم القيامة و النشور بما كتبت أيديهم من تغيير نعت محمد صلّى اللّه عليه و سلم و أمته من التوراة، و قولهم لمن لم يعرف منهم أن هذا الذي نزل من عند اللّه، و هو قوله «ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا» من متاع الدنيا، أو يكون الثمن رياستهم و افتقار الناس إليهم فيما يشرعون لهم «فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ» من أجل ذلك «وَ وَيْلٌ لَهُمْ» زائد على ذلك «مِمَّا يَكْسِبُونَ» أي مما حصل لهم من ذلك من المال و الرئاسة (81) «وَ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً» يقولون و إن دخلنا النار على زعمكم، فإن اللّه عادل لا يعذبنا في النار إلا أيام كفرنا و بعد ذلك نخرج، و صدقوا فيما قالوه من الأيام المعدودة، و كذبوا في انقضاء ذلك، و ذلك أن اللّه لا يعذبهم إلا على قدر كفرهم بالنوع الذي وعد على كل سيئة من العذاب الخاص بتلك السيئة، فإذا انتهى الزمان الذي كان قدر ما كفروا فيه رجع عوده على بدئه، فلا يزال يدور عليهم عودا على بدء إلى غير نهاية، كما تدور أيام الجمعة و كما تدور فصول السنة و إن كانت محصورة فدورانها ليس بمحصور، إلا أن يشاء اللّه ذلك كما شاء بانقضاء الدنيا، و لأنه ما مر عليهم يوم من أيام الجمعة إلا و الكفر و النفاق يستصحبهم فيه، فتتعاقب الأيام السبعة عليهم دائما بما عملوه، أ لا ترى في الخبر الوارد أن أبا لهب عم النبي عليه السلام يخفف عنه العذاب ليلة الاثنين لوليدة أعتقها فرحا بمولد النبي عليه السلام، فجوزي بذلك في اليوم الذي أوقع فيه هذا الخير، فإن أنكر منكر وجود الأيام في الدار الآخرة فاللّه يقول (لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا) إلى غير ذلك من الأخبار، ثم نرجع و نقول و السبب الموجب لذلك هو ما نذكره، و ذلك أن الجنة و النار تتضمن
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 154
[سورة البقرة (2): آية 82]
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82)
الجنة دار بقاء السعادة و النظر، و هي الساترة لأهلها عن كل مكروه يكون في الدار التي تقابلها، و ما يعطيه سلطان أسماء الانتقام.
______________________________
ثلاثة أحوال: دخولا، و نزولا فيها على طبقات مخصوصة، و خلودا بلا خروج، فأما الدخول فيها فبرحمة اللّه، قال عليه السلام [لا يدخل الجنة أحد بعمل، قيل له: و لا أنت؟ قال و لا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته] فإن الدخول حالة متوهمة، و ذلك كالخط الفاصل بين الظل و الشمس الذي ليس من الظل و لا من الشمس و هو متوهم فهو حال الدخول، فإنه إن كنت في أول الشمس الملاصق للظل فقد دخلت و أنت في الشمس، و إن كنت في الظل الذي في الحد المجاور للشمس فما دخلت، فلما لم يكن لهذا الفاصل المتوهم وجود حسي لم يقترن به عمل يوجبه إلا رحمة اللّه، فإذا دخل السعيد أو الشقي داره نزل فيها بحسب عمله في الدرجات و الدركات زمانا و حالا، و أما الخلود فموجبه النيّات، و هو أن كل فريق منهم كان في نيته لو بقي في الدنيا أبد الآبدين لا يخرج منها لبقي على اعتقاده ذلك، كفرا كان أو إيمانا، فكان الخلود في مقابلة هذا الاستمرار، فصدقوا في قولهم «أَيَّاماً مَعْدُودَةً» و غاب عنهم أن ذلك يدور عليهم دائما، و هذا في أهل النار الذين هم أهلها، و أما الرحمة في دخول النار فهي بالنار و ما فيها من الحيوانات المعدة للعذاب، فرحمها اللّه بما جعل فيها من الإنس و الجن، فتأكل جلودهم و تعذبهم، فإنها تتنعم بالانتقام من أعداء اللّه، مثل التشفي، و قد صح عندنا هنا أنها اشتكت إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا، فرحمها بأن أذن لها بنفسين، نفس في الشتاء و هو ما نجده من شدة البرد، و نفس في الصيف و هو ما نجده من شدة الحر، و إن شئنا قلنا إنهم يدخلونها بعدل اللّه، فقال اللّه حين قالوا «لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً» «قُلْ» لهم يا محمد «قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً» أنزله عليكم في الكتاب ففعلتم به، فإن كان هذا «فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ» ففي الكلام حذف «أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» يقول: أم تفترون على اللّه الكذب، أما حرف «أَمْ» هنا قد يكون بمعنى أي، و قد يكون منقطعا، ثم قال (82) «بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً» جواب قولهم (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) «بَلى» تمسكم دائما يفسره قوله «مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ» على الجمع و الإفراد و إذا أحاطت به فلم يكن له عمل صالح شرعا و عرفا يخرجه من النار، فإنه لو تخلل هذا أمر ما صالح ما كان محيطا، و هؤلاء أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون فيها و لا يحيون، فهم شر محض ليس فيهم من الخير المشروع و لا المعروف شيء، إما بأنهم جوزوا على ذاك في الدنيا،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 155
[سورة البقرة (2): آية 83]
وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ ذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)
الزكاة: ربو من زكا يزكو إذا ربا، و الزكاة طهارة بعض الأموال.
______________________________
و إما لم يعملوه، فهذا معنى «وَ أَحاطَتْ بِهِ» «فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» و أصحاب النار هم أهلها الذين خلقوا لها، و أما الدوام فيها إلى ما لا يتناهى فلا يقبل موحدا، أخرج مسلم في الصحيح من رواية عثمان، قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [من مات و هو يعلم أنه لا إله إلا اللّه دخل الجنة و لو دخل النار] و هذا خبر، و الخبر الإلهي لا يدخله النسخ، و يخرج اللّه يوم القيامة من لم يعمل خيرا قط، و التوحيد ليس بعمل و إنما العمل طلب تحصيله، فهؤلاء الذين أخرجهم اللّه حصل لهم نور من عنده سبحانه من غير عمل و لا تعمل، و لكن عملوا أعمالا استوجبوا بها العقاب ما شاء اللّه، ثم أخرجهم سبحانه بالعناية التي سبقت لهم، ثم قال في مقابلة هؤلاء في أهل الجنة الذين هم أهلها (83) «وَ الَّذِينَ آمَنُوا» باللّه و ما أنزله من الكتب و الرسل «وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ» في مقابلة (و أحاطت به خطيئاته) فإن الأعمال الصالحة هي التي لا يدخلها خلل يزيل عنها اسم الصلاح، قال «أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» فخصهم بالذكر دون من يدخل الجنة بالشفاعة و بعد العذاب، تهمما بهم و اعتناء، و إن كان الخلود في الجنة يشمل العاصي و الطائع، ثم قال (84) «وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ» جميع ما يأتي هو شرح الميثاق الذي أخذه عليهم، فهو إخبار بما عهد إليهم و تعليم لنا، فقوله «لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ» أي لا تقروا بالوحدانية في الألوهية و لا تتقربوا بالعبادات إلا اللّه، و قرئ بالتاء و الياء على الإخبار و على حكاية الخطاب الذي قال لهم، و من ذلك قوله «وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» أي برا بهما عاما، و هو حجتنا على من يلزمنا الوقوف عند التأفيف لهما من التنبيه بالأدنى على الأعلى في تأويلهم، و أن ما عدا التأفيف يجوز أن نعاملهما به، فنلتزم لهم ذلك و نجعل حجتنا «وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» و ما عدا التأفيف من قبيح الأفعال و مما يؤدي إلى العقوق يدخل في الإحسان اجتنابه، و قوله «وَ ذِي الْقُرْبى» يريد صلة الرحم، و قوله «وَ الْيَتامى» يخاطب الأوصياء بحفظ أموالهم، و غير الأوصياء بالشفقة عليهم و جبر انكسارهم ليتمهم، و قوله «وَ الْمَساكِينِ» و هم الذين أذلهم
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 156
[سورة البقرة (2): الآيات 84 الى 85]
وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)
يوم القيامة هو يوم قيام الناس من قبورهم لرب العالمين لفصل القضاء.
______________________________
الفقر، فيتصدق عليهم برؤية المنة لهم علينا في قبولهم منا ما نواسيهم به، و أن نعرفهم أنا مستخلفون من اللّه فيما بأيدينا، فهو رزقكم، و نحن أمناء اللّه عليه، حتى يأخذه المسكين بعزة و لا يظهر عليه ذلة الحاجة لما في أيدينا، و قوله «وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً» أي ألقوهم بالبشاشة و طلاقة الوجه و القول الحسن، قال تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) و قوله أيضا (وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً) هذا كله من القول الحسن المأمور به، ثم قال «وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ» قد تقدم الكلام على ذلك فيما مضى «ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ» عن كل ما أخذنا عليكم الميثاق فيه «إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ» عن ذلك، لأنه قد يكون توليهم عند فراغ الخطاب تولي مفارقة إلى منازلهم ليعملوا بما كلفوا، فأخبر تعالى أن توليهم كان إعراضا عن الحق، و استثنى قليلا منهم، و هو من أسلم و انقاد إلى الحق و عمل به، كعبد اللّه بن سلام و ابن أخته قيس بن زيد و غيرهما، و هذا يرجح من قرأ بالتاء المنقوطة من فوق من «لا تَعْبُدُونَ» و قد يحتمل أن يكون ضمير المخاطب في «تَوَلَّيْتُمْ» و «أَنْتُمْ» يهود المدينة، أي توليتم عند إخبارنا إياكم ما أخذناه على أسلافكم أن يكونوا عليه و ذريتهم و أعقابهم، إلى أن جاء زمانكم فتوجه إليكم الخطاب بما تتضمنه توراتكم من ذلك و غيره، من الإيمان بمحمد و اتباعه من نفس كتابكم، فتوليتم و أنتم معرضون إلا قليلا منكم، ثم قال (85) «وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ» يقول مخاطبا يهود المدينة، و قد
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 157
[سورة البقرة (2): آية 86]
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)
لو لا نحن ما قيل: دنيا و لا آخرة، و إنما كان يقال ممكنات وجدت و توجد كما هو الأمر، فلما عمرنا نحن من الممكنات المخلوقة أماكن معينة إلى أجل مسمى من حين ظهرت أعياننا، و نحن صور من صور العالم، سمينا ذلك الموطن الدار الدنيا، أي الدار القريبة التي عمرناها في أول وجودنا لأعياننا، و قد كان العالم و لم نكن نحن، مع أن اللّه تعالى جعل لنا في عمارة
______________________________
أخذنا ميثاقكم على ما وجدتموه في التوراة و تقرونه بينكم «لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ» أي لا تقتلوا أنفسكم، و لا يقتل بعضكم بعضا، يقول اللّه فيمن قتل نفسه [بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة] «وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ» أي لا يخرج بعضكم بعضا من منزله تعديا عليه «ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ» بأن ما ذكرناه حق «وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ» أنه في كتابكم كما أخبركم به محمد عليه السلام، و هو أمي لا يقرأ كتابكم، فتعلمون أنه نبي أرسلناه من عندنا، فكفرتم ببعض ما أنزل إليكم في كتابكم، و هو قوله (86) «ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ» يقول يقتل بعضكم بعضا «وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ» أي تتعاونون عليهم بما تأثمون بفعله «وَ الْعُدْوانِ» من التعدي لحدود اللّه «وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ» من ديارهم، فهذا مما كفرتم به فغيرتم الصفة التي أقررتم، بما فعلتم من القتل و الإخراج، فغير اللّه بكم بما نذكره في الخزي الذي نالهم في الحياة الدنيا، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) و كتبنا عليكم في التوراة أن تفدوا من أسر منكم، و هو قوله «وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ» فهذا مما أنتم به من التوراة مؤمنون، يقول اللّه لهم «أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ» و هو قوله أيضا في سورة النساء (وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ، وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) أي يحدثوا طريقا أخرى من عند أنفسهم، أولئك هم الكافرون حقا، فقال تعالى «فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ» و هو الإيمان ببعض الكتاب و الكفر ببعضه «إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» و هو ما كان من قتل بني قريظة و إجلاء بني النضير، و ما ضرب اللّه عليهم من الذلة و المسكنة أينما كانوا إلى يوم القيامة «وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ» و هو الدرك الأسفل من النار الذي أعده اللّه للمنافقين «وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» و عيد و تهديد من اللّه لهم (87) «أُولئِكَ» إشارة إليهم «الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 158
الدنيا آجالا ننتهي إليها، ثم ننتقل إلى موطن آخر يسمى آخرة، فيها ما في هذه الدار الدنيا، و لكن متميز بالدار كما هو هنا متميز بالحال، و لم يجعل لإقامتنا في تلك الدار الآخرة أجلا تنتهي إليه مدة إقامتنا، و جعل تلك الدار محلا للتكوين دائما أبدا إلى غير نهاية، و بدل الصفة على الدار الدنيا فصارت بهذا التبديل آخرة و العين باقية «فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ» لما قال تعالى في حق أهل الشقاء: «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» ما قال إن الحال التي هم فيها لا تنقطع كما قال في السعداء و الذي منع من ذلك قوله: «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» و قوله: «إن رحمتي سبقت غضبي» في هذه النشأة فإن الوجود رحمة في حق كل موجود، و إن تعذب بعضهم ببعض، فتخليدهم في حال النعيم غير منقطع، و تخليدهم في حال الانتقام موقوف على الإرادة، فقد يعود الانتقام منهم عذابا عليهم لا غير و يزول الانتقام، و لهذا فسره في مواضع بالألم المؤلم و قال: «عَذابٌ أَلِيمٌ» و «الْعَذابَ الْأَلِيمَ»* و في مواضع لم يقيد العذاب بالأليم و أطلقه فقال: «فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ» يعني و إن زال الألم و قال: «فِي عَذابِ جَهَنَّمَ» و لم ينعته بأنه أليم.
[سورة البقرة (2): آية 87]
وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87)
«وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» أي قويناه فإن الخوف مما تطلبه حكم الطبيعة في هذه النشأة، فإن لها خورا عظيما لكونها ليس بينها و بين الأرواح التي لها القوة و السلطان عليها واسطة
______________________________
الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ» يعني ما عصموا به دماءهم و أموالهم من كلمتي الشهادة، فكانوا في الدنيا معافين، و الكفار بالجزية، فاشتروا عافية الدنيا و تركوا عافية الآخرة، و قد تقدم معنى ذلك في تفسير (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى) في أول السورة، قال «فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ» إذ لم يعملوا ما يوجب لهم التخفيف عنهم من ذلك «وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ» و لا لهم ناصر ينصرهم، ثم قال (88) «وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ» يعني التوراة «وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ» يقول بعد موت موسى
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 159
و لا حجاب، فلازمها الخوف ملازمة الظل للشخص، فلا يتقوى صاحب الطبيعة إلا إذا كان مؤيدا بالروح، فلا يؤثر فيه خور الطبيعة، فإن الأكثر فيه أجزاء الطبيعة، و روحانيته التي هي نفسه المدبرة له موجودة أيضا عن الطبيعة فهي أمها، و إن كان أبوها روحا، فللأم أثر في الابن فإنه في رحمها تكوّن، و بما عندها تغذى، فلا تتقوى النفس بأبيها إلا إذا أيدها اللّه بروح قدسي ينظر إليها، فحينئذ تقوى على حكم الطبيعة فلا تؤثر فيها التأثير الكلي و إن بقي فيه أثر، فإنه لا يمكن زواله بالكلية، و لما كان عيسى عليه السلام روحا كما سماه اللّه أنشأه روحا في صورة إنسان ثابتة، فكان يحيي الموتى بمجرد النفخ، ثم إنه أيده بروح القدس فهو روح مؤيد بروح طاهرة من دنس الأكوان.
[سورة البقرة (2): آية 88]
وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (88)
______________________________
أرسلنا رسلا تترى، يقال قفاه إذا اتبعه من قفاه، كما يقال واجهه إذا جاءه من جهة وجهه، فإنه جاء بغده يوشع و شمويل و شعيا و أورميا و داود و غيرهم، و كلما جاء أمة رسولها كذبوه إلى أن جاء عيسى ابن مريم «وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ» و هو أيشوع بالسريانية، و المريم من النساء كالزير من الرجال، فأعطاه اللّه من البينات ما جاء ذكره في القرآن «وَ أَيَّدْناهُ» يقول و قويناه «بِرُوحِ الْقُدُسِ» فيه وجهان، الواحد أنا خلقناه مطهرا من الشهوة الطبيعية التي تكون عن النكاح، فإنه لم يكن عن نكاح، فليس للطبيعة فيه أثر، فكأنه خلق مؤيدا بأصل نشأته، فلم يجدوا له قومه ما يثلبونه به، و الوجه الثاني يعني جبريل عليه السلام، فجعلناه له ركنا يأوي إليه و يتقوى جأشه به عند منازعة قومه، فكانت اليهود قد قالت لمحمد عليه السلام: إن من جاء قبلك من الرسل جاءوا بالبينات، فأت أنت بمثل ما جاءوا به، فأنزل اللّه عليه «أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ» يعني أن طلبهم البينات كان دفعا لنبوته حتى لا يؤمنوا به، فإنه من أعظم البينات له كونه مذكورا في كتابهم بنعته و اسمه، و في الإنجيل، كما أخبر اللّه تعالى أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، يقول «اسْتَكْبَرْتُمْ» عن اتباع أمثال الرسل و عن اتباعي «فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ» و ما سلطتم عليهم «وَ فَرِيقاً» أيضا من الأنبياء «تَقْتُلُونَ» قتلتم كيحيى و زكريا و غيرهما، و أردتم قتلي بما جعلتم في ذراع الشاة من السم، و لكن عصمني اللّه منكم، و لكن مع هذا قال عليه السلام [ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري] لتحصل له الشهادة التي هي أشرف الموتات، فلما عرفت اليهود أن الذي قاله حق و لم تكن لهم حجة يحتجون بها (89) «وَ قالُوا
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 160
«وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ» أي في غلاف، و هو الكن الذي ستره عن إدراك الأمر على ما هو عليه.
[سورة البقرة (2): آية 89]
وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89)
يعني بذلك كل كافر به في كل زمان، حتى يبقى العموم في الضمير على أصله، كما قال تعالى: «وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ» صفة لمحذوف فيكونون أولا في أهل زمانهم في الكفر به فقوله تعالى: «فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ» و إن كان له وجود قبل مجيئه إليهم فيعم كل من كفر به في كل زمان.
______________________________
قُلُوبُنا غُلْفٌ» قالوا قلوبنا غلف أي هي في غلاف، مثل قولهم (فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ) ففي هذا الكلام رائحة من الرجوع إلى القضاء و القدر، أي لو أراد اللّه أن نتبعك لأزال هذا الغلاف عن قلوبنا فأبصرت نور النبوة، فأضرب اللّه عن قولهم فقال «بَلْ» حرف إضراب «لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ» باء السبب، فأوقع اللعنة عليهم لأنهم كفروا، أي ستروا الحق الذي يعلمونه من نبوة محمد، و يحتمل أن يكون قولهم «قُلُوبُنا غُلْفٌ» أي هي نفس الغلاف لما تحوي عليه من العلوم، فلو كنت نبيا لكان في قلوبنا العلم بك، فأخبر تعالى أن الكفر في قلوبهم بنبوته فلعنهم اللّه لذلك، و صدقهم في قولهم إن قلوبنا غلف و لكن للكفر «فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ» فمنهم المؤمنون و أكثرهم الفاسقون، و لتكذيبهم أيضا وجه في قولهم «قُلُوبُنا غُلْفٌ» (و في أكنة مما تدعونا إليه) فإنه مما يدعوهم إليه الإيمان باللّه و قد فطروا عليه، إذ كل مولود يولد على الفطرة، فبطل أن تكون قلوبهم في غلاف و كن من الإيمان باللّه، و لهذا جعلنا ذلك الإيمان بنبوة محمد صلّى اللّه عليه و سلم، ثم قال (90) «وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» يعني القرآن و «مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» في موضع الصفة للكتاب «مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ» أي لما في الكتاب الذي معهم و هو التوراة و الإنجيل «وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ» أن يأتيهم محمد بالقرآن يؤمنون به من كتابهم، و إذا اجتمعوا بالكفار في قتال «يَسْتَفْتِحُونَ» أي يستنصرون اللّه «عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا» به، فيقولون: اللهم بحق هذا النبي الذي يأتي و وصفته لنا في كتابنا فانصرنا عليهم، و هذا معنى قوله «وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا» «فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا» الذي كانوا يستنصرون به، و هو قوله (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) «كَفَرُوا بِهِ»
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 161
[سورة البقرة (2): الآيات 90 الى 91]
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)
اليهود لم يؤمنوا بكل ما أتى به موسى، و لو آمنوا بكل ما أتى به موسى لآمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه و سلم و بكتابه «قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» اعلم أن اللّه مع الأنبياء بتأييد الدعوى، لا بالحفظ و العصمة إلا إن أخبر بذلك في حق نبي معين، فإن اللّه قد عرفنا أن الأنبياء قتلتهم أممهم و ما عصموا و لا حفظوا.
______________________________
فكفروا جواب «لما جاءهم ما عرفوا» و جواب لمّا في «لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ» محذوف، تقديره كذّبوا به، أي بالكتاب، فجمعوا بين كفرين، و خص الاستفتاح دون الافتتاح لأنه بالسين أبلغ «فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ» الألف و اللام للجنس، و هو أولى من العهد، ثم قال (91) «بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ» لما جاء الشرع ببيع النفوس في قوله (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ) و سبب ذلك هذه الإضافة، و هي دعوى الملك فيها، و العالم باللّه لا نفس له بل كله ملك للّه، فإذا أضافها العالم باللّه إليه في مثل قوله (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي) و قوله (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) فبتمليك اللّه لا تمليك استحقاق، فوقع البيع على هذا القدر الذي لحق المؤمن غير العالم من الملك، فصح بيع النفس لكل ذي نفس من المؤمنين من اللّه تعالى، فالمؤمن لا نفس له، و أما غير المؤمن و غير العالم باللّه فنفسه باقية في ملكه في دعواه، فلهذا صح لهؤلاء و ثبت أن يبيعوا أنفسهم بعرض من الدنيا ب «أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ» من الكتب «بَغْياً» أي حسدا «أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» من أجل أن أنزله اللّه على موسى و عيسى و محمد عليهم السلام تفضلا منه دونهم، فنازعوا اللّه تعالى و كفروا، و كذبوا بما جاءت به الأنبياء «فَباؤُ بِغَضَبٍ» من الكفر و التكذيب «عَلى غَضَبٍ» من المنازعة، فهذا دليل على أنهم صدقوا بالإنزال أنه من عند اللّه، و قد يستروح
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 162