تفسیر ابن عربی سوره هود

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة هود

(11) سورة هود مكيّة

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: شيبتني هود و أخواتها من كل سورة فيها ذكر الاستقامة، فإنه و المؤمنين مأمور بها و الحكم للعلم الإلهي لا للأمر، و لم يكن شيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بالكثير، و إنما كان شعرات معدودة، لم تبلغ العشرين متفرقة لعلمه بالأمر على ما هو عليه.

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[سورة هود (11): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)

و قال تعالى: (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ‏ قرآنا عربيا لقوم يعقلون)

[إحكام الآيات‏]

إحكام الآيات فيه و تفصيلها، لا يعرفه إلا من آتاه اللّه الحكمة و فصل الخطاب، و صورة الحكمة التي أعطاها الحكيم الخبير لأهل العناية على مراتب الأمور، و ما تستحقه الموجودات و المعلومات من الحق الذي هو لها، و هو إعطاء كل شي‏ء خلقه إعطاء إلهيا ليعطي كل خلق حقه إعطاء كونيا، بما آتانا اللّه فنعلم بالقوة ما يستحقه كل موجود في الحدود، و نفصله بعد ذلك آيات بالفعل لمن يعقل كما أعطاه الخبير الحكيم، فننزل الأمور منازلها، و نعطيها حقها و لا نتعدى بها مراتبها، فتفصيل الآيات و الدلالات من المفصّل إذا جعلها في أماكنها بهذا الشرط (لأنه ما كل مفصّل حكيم) دليل على أنّه قد أوتي الحكمة، و علم إحكام الآيات و رحمته بالآيات و الموجودات التي هي الكتاب الإلهي، و ليس إلا العالم الذي هو كتاب مسطور في رق منشور، و هو الوجود، دليل على علمه بمن أنزله، و ليس إلا الرحمن الرحيم.

و خاتمة الأمر ليست سوى عين سوابقها، و سوابقها الرحمن الرحيم، فمن هنا تعلم مراتب العالم و مآله، أنه إلى الرحمة المطلقة و إن تعب في الطريق، و أدركه العناء و المشقة، فمن‏ الناس من ينال الرحمة و الراحة بنفس ما يدخل المنزل الذي وصل إليه، و هم أهل الجنة و منهم من يبقى معه تعب الطريق و مشقته و نصبه بحسب مزاجه، و ربما مرض و اعتل زمانا ثم انتقل من دائه، و استراح و هم أهل النار الذين هم أهلها، ما هم الذين خرجوا منها إلى الجنة فمستهم النار بقدر خطاياهم، مع كونهم أماتهم اللّه فيها إماتة فإن أولئك ليست النار منزلا لهم يعمرونه، و يقيمون فيه مع أهليهم، و إنما النار لهؤلاء منهل من المناهل التي ينزلها المسافر في طريقه حتى يصل منزله الذي فيه أهله، فهذا معنى الحكمة و التفصيل من لدن حكيم خبير لمن أعطاه اللّه الحكمة و فصل الخطاب، و ليس إلا الرسل و الورثة خاصة.

[سورة هود (11): الآيات 2 الى 3]

أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ (2) وَ أَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)

قال اللّه تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم و لكل رسول: أن يقول لنا «فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ» و لا خوف علينا إلا منا، فإن أعمالنا ترد علينا.

[سورة هود (11): آية 4]

إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (4)

«إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ» جميعا يعني مرجع اليوم‏ «وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ».

[سورة هود (11): الآيات 5 الى 6]

أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (5) وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (6)

فأعلم سبحانه الإنسان أنه يرزقه و لا بد سواء كان كافرا أو مؤمنا لكونه حيوانا، و لكن ما قال له: متى و لا من أين؟ فما عيّن الزمان و لا السبب، بل أعلمه أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، لذلك اضطرب من اضطرب لبشريته و إحساسه بألم الفقد و عدم الصبر، فإنه ما يدري عند فقد السبب المعتاد لحصول الرزق و عند وجوده، هل فرغ و جاء أجله أم لا، فيكون فزعه و اضطرابه من الموت، و إن كان لم يفرغ رزقه في علم اللّه، فيكون اضطرابه لجهله بوقت حصول الرزق بانقطاع السبب، لأنه علم أنّ اللّه بحكمته ربط المسببات بالأسباب، فيخاف من طول المدة و ألم الجوع المتوقع، و هذا كله لضعف نفسه و اضطراب إيمانه و ركونه إلى الأسباب و الاعتماد عليها، كما يضطرب في صدق وعده تبارك و تعالى في الرزق مع قسمه سبحانه عليه لعباده فقال: (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ).

 

[سورة هود (11): آية 7]

وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ لَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7)

[ «وَ كانَ عَرْشُهُ»]

قال تعالى: «وَ كانَ عَرْشُهُ» هذا العرش عرش الهوية، فإنه تعالى أضافه إلى الهوية و هو عرش الحياة، فأظهر الحياة فيكم، ففلك الحياة اسم الأسماء و مقدمها و به كانت‏ «عَلَى الْماءِ»– الوجه الأول- على هنا بمعنى في، أي: كان العرش في الماء كما أن الإنسان في الماء أي منه تكون، فإن الماء أصل الموجودات كلها، و هو عرش الحياة الإلهية، و من الماء خلق اللّه كل شي‏ء حي، و كل ما سوى اللّه حي، فإن كل ما سوى اللّه مسبح بحمد اللّه، و لا يكون التسبيح إلا من حي، فالعرش هنا عبارة عن الملك، و كان حرف وجودي فمعناه أن الملك موجود في الماء، أي الماء أصل ظهور عينه، فهو للملك كالهيولى ظهر فيه صور العالم الذي هو ملك اللّه- الوجه الثاني- كان أول اسم كتبه القلم الاسمى في اللوح المحفوظ المصون دون غيره من الأسماء إني أريد أن أخلق من أجلك يا محمد العالم الذي هو ملكك،فأخلق جوهرة الماء، فخلقتها دون حجاب العزة الأحمى، و أنا على ما كنت عليه و لا شي‏ء معي في عما، فخلق الماء سبحانه بردة جامدة كالجوهرة في الاستدارة و البياض، و أودع فيها بالقوة ذوات الأجسام و ذوات الأعراض، ثم خلق العرش و استوى عليه اسمه الرحمن، و نصب الكرسي و تدلت إليه القدمان، فنظر بعين الجلال إلى تلك الجوهرة فذابت حياء و تحلّلت أجزاؤها فسالت ماء، و كان عرشه على ذلك الماء، قبل وجود الأرض و السماء، و ليس في الوجود إذ ذاك إلا حقائق المستوى عليه و المستوي و الاستواء، فأرسل النفس فتموج الماء من زعزعه و أزبد، و صوّت بحمد الحمد المحمود الحق عند ما ضرب بساحل العرش، فاهتز الساق و قال له: أنا أحمد، فخجل الماء و رجع القهقرى يريد ثبجه، و ترك زبده بالساحل الذي أنتجه، فهو مخضة ذلك الماء، الحاوي على أكثر الأشياء، فأنشأ سبحانه من ذلك الزبد الأرض، مستديرة النش‏ء مدحية الطول و العرض، ثم أنشأ الدخان من نار احتكاك الأرض عند فتقها، ففتق فيه السموات العلى، و جعلها محلّ الأنوار و منازل الملأ الأعلى، و قابل بنجومها المزينة لها النيرات، ما زيّن به الأرض من أزهار و نبات‏ «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» لما كان العرش على الماء قبل الحياة بذاته فإن اللّه تعالى جعل من الماء كل شي‏ء حي، و لما كان الماء أصل الحياة و كل شي‏ء حي، قرن بين العرش المجعول على الماء و بين خلقه الموت و الحياة في الابتلاء، فقال: «وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ» أي يختبركم، و قال: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ) فالحياة للأعيان، و الموت للنسب، فظهور الروح للجسم حياة ذلك الجسم، و غيبة الروح عن الجسم زوال الحياة من ذلك الجسم، و هو الموت، و الابتلاء فتنة. فإبليس ما له نظر إلا في الأوضاع الإلهية الحقيقية، فيقيم في الخيال أمثلتها ليقال: هي عينها فيغتر بها من نظر إليها، و ما ثمّ شي‏ء كما فعل بابن صياد حيث وضع إبليس عرشه على الماء، لما علم أن العرش الرحماني على الماء، يلبّس بذلك على الناس أنه اللّه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لابن صياد: [ما ترى؟ قال: أرى عرشا على البحر فقال:

ذلك عرش إبليس‏] فإن اللّه قد أعطى إبليس السلطنة على خيال الإنسان، فيخيل إليه ما يشاء، فإذا وضع عرشه على الماء، بعث سراياه شرقا و غربا و جنوبا و شمالا إلى قلوب بني آدم، إلى الكافر ليثبت على كفره و إلى المؤمن ليرجع عن إيمانه، و أدناهم من إبليس منزلة أعظمهم فتنة، فنعوذ باللّه من الخذلان فقوله تعالى: «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا»بالتكليف، و جعل الحق الاختبار تمحيص عباده، فكان ابتلاء مدرجا في نعمة، أو نعمة مدرجة في ابتلاء، مثل خلق الحياة و الموت، فأحسن المؤمنون فربحوا، و لم يحسن الكفار فخسروا.

 

[- إشارة- بالماء حياة الأحياء]

– إشارة- بالماء حياة الأحياء، لما فيه من سرّ الإحياء، جعل اللّه من الماء كل شي‏ء حي فكان عرشه على الماء، قبل الاستواء، ثم استوى عليه، و أضاف ما أحاط به إليه، فهو بكل شي‏ء محيط من مركب و بسيط، و علم و جيز و بسيط و وسيط، استوى عليه اسم الرحمن، و عمّ حكمه الإنس و الجان‏ «وَ لَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ».

[سورة هود (11): الآيات 8 الى 13]

وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (8) وَ لَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (9) وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ (11) فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى‏ إِلَيْكَ وَ ضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَكِيلٌ (12)

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13)

للقرآن سور هي منازله، و له آيات هي دلائله، و فيه كلمات هي صوره، و له حروف هي جواهره و درره، فالحرف ظرف لمن هي منعوتة بقاصرة الطرف، و الكلمات في الكلام كالمقصورات في الخيام، فلا تعجز لمفهوم الإشارات، و لا تعجز عن مدلول العبارات، فما وقع الإعجاز، إلا بتقديسه عن المجاز، فكلّه صدق، و مدلول كلمه حق، و الأمر ما به خفاء، و إن كان في نسبة المناسبة للطلب بالإتيان بسور مثله جفاء، فما أرسل رسول إلا بلسان قومه فتأمل، فللمنزل الأين، و للمنزلة العين، فالأمر و الشان، في المكانة و المكان، و النازل من معناه في منزلته، و في منزله من حيث صورته.

[سورة هود (11): آية 14]

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)

«فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا» يعني المدعوين‏ «لَكُمْ» يعني الداعين‏ «فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ» فالضمير في فاعلموا يعود على الداعين، و هم عالمون بأنه انما أنزل بعلم اللّه، و لو أراد المدعين لقال: فليعلموا بالياء كما قال: يستجيبوا بياء الغيبة، ثم قال: «وَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» أي و اعلموا أنه لا إله إلا هو كما علمتم، أنه أنّما أنزل بعلم اللّه، ثم قال‏ «فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» و قد كانوا مسلمين، و هذا كله خطاب للداعين إن كانت هل على بابها، و إن كانت مثل ما هي في قوله‏ (هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) اعتمادا على قرينة الحال فأخرجت عن الاستفهام، و إلا فما هذا خطاب الداعين، إلا أن يكون مثل قولهم: إياك أعني فاسمعي يا جارة. و حكمة ذلك مقابلة الإعراض بالإعراض، لأنهم أعرضوا عن قبول دعوة الداعين، فأعرض اللّه عنهم، بالخطاب، و المراد به هم فأسمعهم في غيرهم، و أما فائدة العلم في ذلك فهي أن تقول لما علم اللّه أن قوما لا يؤمنون ارتفعت الفائدة في خطابهم، و كان خطابهم عبثا، فأخبرهم اللّه تعالى أن نزول الخطاب بالدعوة لمن ليس يقبله في علم اللّه، أنما نزل بعلم اللّه أي سبق في علم اللّه إنزاله فلا بد من إنزاله، فكما هو واحد في ألوهيته، هو واحد في أمره، فما أنزل إلا بعلم اللّه سواء نفذ أو لم ينفذ.

[سورة هود (11): آية 15]

مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (15)

اعلم أن الحياة الدنيا ليست غير نعيمها، فمن فاته من نعيمها شي‏ء فما وفيت له، و قوله تعالى: «نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها» فوصف اللّه نفسه بأنّه يوفي كل أحد عمله أي أجرة عمله في الزمان الذي يريدها فيه، و ما ذكر اللّه إلا توفية العمل، فهو نعيم العمل‏ «وَ هُمْ فِيها لايُبْخَسُونَ» لا يبخسه من ذلك شيئا، فقد حبط عمله إن كانت إرادته الحياة الدنيا، فلا حظّ له في الآخرة التي هي الجنة، أو النعيم الذي ينتجه العمل لأنه قد استوفاه في الدنيا، فإن كان العبد ممن يريد الحياة الدنيا، و نقصه من ذلك نفس واحد، لم ينعم به فليس هو ممن وفّى اللّه له فيها عمله، لأنه ما مكنه من كل ما تعلقت به إرادته في الحياة الدنيا، و هل يتصور وجود هذا مع قرصة البرغوث و العثرة المؤلمة في الطريق أو لا؟

فالآية تتضمن الأمرين، و هي في الواحد المحال وقوعه في الوجود أظهر، فإنه بعيد أن لا يتألم أحد في الدنيا، فمن أراد الحياة الدنيا فقد أراد المحال، فلو صحّ أن يقع هذا المراد، لكان إرادة ما يلائم طبعه و يحصل غرضه، و هي الإرادة الطبيعية الأصلية، فإن اللّه تعالى وصف نفسه بأنه لا يبخس أحدا في مراده، كان المراد ما كان لكنه ليس بواقع، و أما الأمر الآخر فإنه إذا تألم مثلا بقرصة البرغوث إلى ما فوق ذلك من أكبر أو أصغر، فإن كان مؤمنا، فله عليه ثواب في الآخرة، فيكون لهذا المريد الحياة الدنيا، يعطيه اللّه ذلك الثواب في الدنيا معجلا فينعم به، و إن لم يكن مؤمنا بالدار الآخرة وفّاه اللّه ما يطلبه ذلك العمل في الحياة الدنيا،

و أما المؤمن فيعطيه نعيم العمل و صبره الذي ذكرناه على العثرة في محلّ التكليف و قرصة البرغوث، فما أعطى اللّه أحدا الحياة الدنيا مخلصة قط، و لا هو واقع، و لو وقع له كل مراد، لكان أسعد الخلق، فإنه من إرادته النجاة و البشرى من اللّه تعالى له بها، و إن لم يكن مؤمنا فما وقع المشروط وقوع عموم الشرط.

 

[سورة هود (11): الآيات 16 الى 17]

أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (16) أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى‏ إِماماً وَ رَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (17)

اعلم أن بينة اللّه في عباده على قسمين: القسم الواحد هو البينة الحقيقية،

[ «أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ»]

و هو قوله تعالى: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ» يعني في نفسه، و البينة هنا الهدى، و أما من تقام له البينة في غيره فقد يمكن أن يقبلها، و يمكن أن لا يقبلها و الذي يقبلها إن قبلها تقليدا، لم تكن في حقّه آية بينة و لا تنفعه، و إنما يكون التقليد فيما يجي‏ء به الرسول من الأحكام لا من البينات و الشواهد على صدقه، و إن لم يقبلها تقليدا، فما قبلها إلا أن يكون هو على بينة من ربه في أن تلك آية بينة على صدق دعوى من ظهرت على يديه فيما ادعاه.

و اعلم أن الأمر الذي كنى عنه الحق، بأنه بينة لك من عنده هو سفير من اللّه إلى قلبك من خفي غيوبه مختص بك من حضرة الخطاب الإلهي و التعريف من اللّه أنه من عنده، و من كان على بينة من ربه فقد سعد و ارتفع الإشكال، و لا بد للبينة التي يكون عليها أن تكون بينة له‏ «وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» الشاهد حصول صورة المشهود في النفس عند الشهود، فيعطي خلاف ما تعطيه الرؤية فإن الرؤية لا يتقدمها علم بالمرئي، و الشهود يتقدمه علم بالمشهود، و هو المسمى بالعقائد، و لهذا يقع الإقرار و الإنكار في الشهود، و لا يكون في الرؤية إلا الإقرار و ليس فيها إنكار، و إنما سمي شاهدا لأنه يشهد له ما رآه بصحة ما اعتقده، فكل مشاهدة رؤية، و ما كل رؤية مشاهدة، و في هذه الآية وجوه كلها مقصودة للّه، فيكون العبد على كشف من اللّه لما يريده به أو منه، و ذلك لا يكون إلا بإخبار إلهي و إعلام بالشي‏ء قبل وقوعه، و قد يكون الشاهد الذي يتلوه منه هو ما يوافقه على ذلك من النفوس التي كشف اللّه لها عن ذلك، و قد يكون أي شاهد يشهد له بصدق البينة التي هو عليها، فإنه مهما تخلّق العبد باسم ما من الأسماء، فشاهد حاله يشهد بتصحيح أو بفساد شواهد الأحوال، فإن من قام به توفيق في أمر من الأمور المطلوبة بالسعادة و غيرها فشاهده يصدّق دعواه أو يكذبها، و شواهد الأحوال على ضربين: ضرب يقوم بذات صاحب الدعوى، و ضرب يقوم بذات غيره مقارنا لدعواه، فالمنوط به كصفرة الوجل و حمرة الخجل و ترك الاعتراض على اللّه تعالى في أحكامه، و الصبر إذا نالته المصائب في حق من ادعى أنه في مقام الرضا بالقضا و التسليم لمجاري القدرة على الإطلاق، و الضرب الثاني ينبئ عن ذاته القائم بذات غيره، كتحدثه بانفصال كون ما معيّن عنه بهيئته و هو ساكت، و يكون ذلك على نوعين:

إما بأن يجوز أن يوصل إليه بحيلة ما حتى يقع ذلك و لم تعلم هذه الحيلة من هذا المدّعي لقرينة حال صحت عند المشاهدة المتقدمة به، و إما أن يكون خارجا عن مقدور البشر، فهذه شواهد الأحوال محصورة و قد يكون الشاهد منه بصدق اتباعه، و هو اتباعه سنة الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و ما شرع لنا، لم يخل بشي‏ء منها و لا ارتكب مخالفة بتحليل ما حرم اللّه أو تحريم ما حلّل، فإن للّه عبادا عملوا على إيمانهم، و صدقوا اللّه في أحوالهم، ففتح اللّه أعين بصائرهم، و تجلّى لهم في سرائرهم فعرفوه على الشهود، و كانوا في معرفتهم تلك على بصيرة و بينة و شاهد منهم، و هو الرسول المبعوث إليهم، فإنّ اللّه جعل الرسل شهداء على أممهم و لأممهم، فمع كون هذا المؤمن على بينة من ربه حين تجلى له، تلاه في تلك الحال شاهد منه و هو الرسول، فأقامه له في الشهود مرآة فقال له: هذا الذي جئتك من عنده، فلما أبصره ما أنكره بعد ذلك مع اختلاف صور التجلي- إشارة- «أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» ما يراه أهل اللّه من التجلي في الأسماء الإلهية، هل يقف مع رؤيته أو يتوقف حتى يقوم له شاهد من كتاب أو سنة؟ فقوله تعالى‏ «أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ» و هو صاحب الرؤية «وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» هو ما ذكرناه من العمل على الخبر إما كتاب أو سنة، و هو الشاهد الواحد، و الشاهدان الكتاب و السنة، و إنما احتجنا إلى العمل عليهما دون العثور على النقل الذي يشهد لصاحب هذا المقام، لأن ذلك يتعذر إلا بخرق العادة، و هو أن يعرّف من هناك بآية الدليل أو الخبر.

 

[سورة هود (11): الآيات 18 الى 29]

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى‏ رَبِّهِمْ وَ يَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى‏ رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (19) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَ ما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (21) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَخْبَتُوا إِلى‏ رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى‏ وَ الْأَصَمِّ وَ الْبَصِيرِ وَ السَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (24) وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَ ما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (27)

قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (28) وَ يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (29)

العمل يقتضي الأجرة لذاته، و هي العوض في مقابلة ما أعطى من نفسه، و ما بقي إلا ممن يؤخذ فما من نبي و لا رسول إلا قد قال إذ قيل له: قل: فأمر فقال «لا أسألكم عليه من أجر» من مال يعني في التبليغ‏ «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ»* فما خرجوا عن الأجرة، و التبليغ عن اللّه أفضل القرب إلى اللّه، و إن اللّه استخدمه في التبليغ من كونه عبدا، فتعينت عليه الأجرة سبحانه بتعيينه عوضا مما أعطاه من نفسه، فيما استخدمه فيه و ترك مباحه الذي هو له و تخييره-

[تحقيق- اعلم أن الإنسان مع الحق على حالين: حالة عبودية، و حالة إجارة]

تحقيق- اعلم أن الإنسان مع الحق على حالين: حالة عبودية، و حالة إجارة، فمن كونه عبدا يكون مكلفا بالفرض كالصلاة المفروضة، و الزكاة و جميع الفرائض، لا اجر له عليها جملة واحدة في أداء فرضه، فإن العبد فرض عليه طاعة سيده‏ بل له ما يمتنّ به عليه سيده من النعم التي هي أفضل من الأجور لا على جهة الأجر، ثم انّ اللّه تعالى ندبه إلى عبادته في أمور ليست عليه فرضا، فعلى تلك الأعمال المندوب إليها فرضت الأجور، فإن تقرب العبد بها إلى سيده أعطاه إجارته عليها، و إن لم يتقرب لم يطلب بها، و لا عوتب عليها فمن هنا كان العبد حكمه حكم الأجنبي في الإجارة، فالفرض له الجزاء الذي يقابله، فإنه العهد الذي بين اللّه و عباده، و النوافل لها الأجور، و العلة في ذلك أن المتنفل عبد اختيار كالأجير، فإذا اختار الإنسان أن يكون عبدا للّه، لا عبد هواه فقد آثر اللّه على هواه، و هو في الفرائض عبد اضطرار، لا عبد اختيار فتلك العبودية أوجبت عليه خدمة سيده، فيما افترضه عليه، فبين الإنسان في عبوديته الاضطرارية، و بين عبوديته الاختيارية ما بين الأجير و العبد المملوك، فالعبد الأصلي ما له على سيده استحقاق إلا ما لا بد منه، يأكل من سيده، و يلبس من سيده، و يقوم بواجبات مقامه، فلا يزال في دار سيده ليلا و نهارا لا يبرح إلا إذا وجهه في شغله، فهو في الدنيا مع اللّه و في القيامة مع اللّه و في الجنة مع اللّه، فإنها جميعها ملك سيده، فيتصرف فيها تصرف الملّاك، و الأجير ما له سوى ما عيّن له من الأجرة، منها نفقته و كسوته، و ما له دخول على حرم سيده و مؤجره و لا الاطلاع على أسراره، و لا تصرف في ملكه إلا بقدر ما استؤجر عليه، فإذا انقضت مدة إجارته، و أخذ أجرته فارق مؤجره، و اشتغل بأهله و ليس له من هذا الوجه حقيقة و لا نسبة تطلب من استأجره، إلا أنّ يمنّ عليه رب المال بأن يبعث خلفه، و يجالسه و يخلع عليه، فذلك من باب المنة، و قد ارتفعت عنه في الدار الآخرة عبودية الاختيار، فمن أي مقام قالت الأنبياء- مع كونهم عبيدا مخلصين له لم يملكهم هوى أنفسهم و لا أحد من خلق اللّه و مع هذا قالوا- «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ»؟

فيعلم أن ذلك راجع إلى دخولهم تحت حكم الأسماء الإلهية، فمن هناك وقعت الإجارة، فهم في الاضطرار و الحقيقة عبيد الذات، و هم لها ملك، و صارت الأسماء الإلهية تطلبهم لظهور آثارها فيهم، فلهم الاختيار في الدخول تحت أي اسم إلهي شاءوا، و قد علمت الأسماء الإلهية ذلك، فعينت لهم الأسماء الإلهية الأجور، يطلب كل اسم إلهي من هذا العبد الذاتي أن يؤثره على غيره من الأسماء الإلهية بخدمته، فيقول له: ادخل تحت أمري، و أنا أعطيك كذا و كذا، فلا يزال في خدمة ذلك الاسم حتى يناديه السيد من حيث عبودية الذات، فيترك كل اسم إلهي، و يقوم لدعوة سيده، فإذا فعل ما أمره به حينئذ، رجع إلى أي اسم شاء، فإذا رأى العبد ملهوفا، فأغاثه فيعلم أنه تحت تسخير الاسم المغيث، فيكون له من المغيث ما عيّن له في ذلك من الأجر، و إذا رأى ضعيفا في نفسه، فتلطف به كان تحت تسخير الاسم اللطيف، و كذلك ما بقي من الأسماء، فتحقق يا ولي كيف تخدم ربك و سيدك و لكن على علم صحيح في نفسك و في سيدك، تكن من العلماء الراسخين في العلم الحكماء الإلهيين، و تفز بالدرجة القصوى و المكانة العليا مع الرسل و الأنبياء.

 

[سورة هود (11): الآيات 30 الى 39]

وَ يا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (30) وَ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَ لا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَ أَنَا بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) وَ أُوحِيَ إِلى‏ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَ يَصْنَعُ الْفُلْكَ وَ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (39)

فهذا استهزاء جزاء و قد خلّصه بالاستقبال بقوله: «فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» و هو يوم القيامة

[سورة هود (11): الآيات 40 الى 42]

حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) وَ قالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَ هِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَ نادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ وَ كانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (42)

جمع لنوح عليه السلام في الهلاك بين الماءين ماء الأرض و ماء السماء، و لم تزل تجري بهم السفينة في موج كالجبال، و نوح عليه السلام ينادي ابنه، و كان في معزل يا بني: اركب معنا و لا تكن مع الكافرين.

[سورة هود (11): آية 43]

قالَ سَآوِي إِلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)

و الابن ينادي قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال نوح عليه السلام: «لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ» و هم أهل السفينة فإن دعاءه‏ «لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» سبقت و أجيبت، فغرق من آوى إلى الجبل و كل من لم يكن في السفينة و حال بينهما الموج فكان من المغرقين- إشارة- «سَآوِي إِلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ … وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ»– إشارة- «سَآوِي إِلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ … وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ» هذا حال و مآل من اتخذ غير اللّه مستندا.

[سورة هود (11): آية 44]

وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)

«وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» و هم الذين سخروا- إشارة- «وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ» فارتفعت الأنواء «وَ قُضِيَ الْأَمْرُ» و ظهر في النجاة السر «وَ اسْتَوَتْ» سفينة نوح عند ما أقلعت السماء و أشرقت يوح‏ «عَلَى الْجُودِيِّ» على جودي الجود، لتتم كلمة الوجود بوالد و مولود إلى اليوم الموعود، فإنه لو انقطع الأصل، لانقطع النسل‏ «وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»

 

[.- إشارة- من اعتصم بغير الحق هلك‏]

.- إشارة- من اعتصم بغير الحق هلك، و لم تنفعه شفاعة الشافعين، قال العمل غير الصالح‏ «سَآوِي إِلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ» فأصبح من المغرقين، ثم جاء النداء من الغيب من الهواء فإنه لم يذكر المنادي نفسه فيه و جاء بالقول دون النداء للقرب‏ «وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي» فبلعت الأرض ماءها و أقلعت السماء «وَ غِيضَ الْماءُ» و انتقص الماء «وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ» سفينة النجاة «عَلَى الْجُودِيِّ» إشارة إلى الجود الإلهي.

[سورة هود (11): آية 45]

وَ نادى‏ نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (45)

«وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ» بفصل قضائه.

[سورة هود (11): آية 46]

قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (46)

فعلّمه سبحانه الأدب، و أن من الأدب أن لا تسأل عن علم ما لا يعلم، فإذا علم فإن كان من أهل الشفاعة و السؤال فيه، سأل فيه و إن لم يكن لم يسأل فيه، و لكن غلبت عليه رحمة الأبوة، و هي شفقة طبيعية عنصرية فصرفها في غير موطنها، فأعلمه اللّه أن ذلك من صفات الجاهلين، و في هذه الآية تعليم لنا و أدب إلهي في مخاطبة الشيوخ، قال تعالى لنوح عليه السلام: «إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ» و كان قد شاخ و حصل في العمر الذي لا يزال فيه محترما مرفوقا به في العرف و العادة، فرفق به في قوله: «أَعِظُكَ» لشيخوخته و كبر سنه، و مخاطبة الشيوخ، لها حد و وصف معلوم، و مخاطبات الشباب لها حد معلوم، قال تعالى في حق محمد صلّى اللّه عليه و سلم: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ) فأين ذلك اللطف من هذا القهر؟ فذلك لضعف الشيخوخة و ذا لقوة الشباب، و أين مرتبة الخمسين سنة من رتبة خمسمائة و أزيد؟ فوقع الخطاب، على الحالات في أول الرسل، و هو نوح عليه السلام و في آخرهم و هو محمد صلّى اللّه عليه و سلم‏

[- إشارة- الجهل لا يكون معه خير]

– إشارة- الجهل لا يكون معه خير، كما أن العلم لا يكون معه شر، و أعظم المعاصي ما يميت القلوب، و لا تموت إلا بعدم العلم باللّه، و هو المسمى بالجهل، لأن القلب هو البيت الذي اصطفاه اللّه من هذه النشأة الإنسانية لنفسه، فغصبه فيه هذا الغاصب، و حال بينه و بين مالكه، فكان أظلم الناس لنفسه، لأنه حرمها الخير الذي يعود عليها من صاحب هذا البيت لو تركه له، فهذا حرمان الجهل.

[سورة هود (11): الآيات 47 الى 54]

قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ إِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (47) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَ بَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَ عَلى‏ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) وَ إِلى‏ عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (50) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَ فَلا تَعْقِلُونَ (51)

وَ يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى‏ قُوَّتِكُمْ وَ لا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَ ما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَ ما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54)

قال ذلك هود عليه السلام لقومه المكذبين به و برسالته، فأشهد عليه السلام قومه مع كونهم مكذبين به على نفسه بالبراءة من الشرك باللّه و الإقرار بأحديته، لما علم عليه السلام أن اللّه سبحانه سيوقف عباده بين يديه و يسألهم عما هو عالم به، لإقامة الحجة لهم أو عليهم، حتى يؤدي كل شاهد شهادته، فقال عليه السلام‏ «وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» فسأل هود عليه السلام قومه الشهادة مع شركهم لعلمه بأنهم لا بد أن يسألهم اللّه عنه.

[سورة هود (11): الآيات 55 الى 56]

مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)

فأتى بالصراط نكرة لأنه على كل صراط شهيد، و جاء في فاتحة الكتاب في‏ (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) بالتعريف لأنه صراط مخصوص، و هو المؤدي إلى السعادة، و مع هذا فإن هذا القول من الكلام القديم، و القرآن الحكيم، جاء به الرءوف الرحيم، الخبير بما هناك العليم، فمع الحق مشى من مشى، و ما تشاءون إلا أن يشاء، فالسعادة كاملة، و الرحمة شاملة، فإن أهل الاستقامة في الاستقامة هم أهل السلامة في القيامة، و أما الماشي في الاستقامة بغير استقامة، فهو المنحاز عن دار الكرامة، و كما أنه سبحانه في قبلة المصلي، فهو تعالى من ورائه محيط فهو السائق و الهادي، فهو سبحانه الذي نواصي الكل بيده الهادي إلى صراط مستقيم، و الذي يسوق المجرمين إلى جهنم وردا، و إليه يرجع الأمر كله، و إن كان الصراط المستقيم الذي عليه الرب الكريم يتضمن الخير و الشر، و النفع و الضر، و الفاجر و البر،

[إن ربي على صراط مستقيم‏]

«ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» و هو البر الرحيم،فلا ينفع الاحتجاج بما سبق و إن كان حقا، فهي حجة لا تنفع قائلها و لا تعصم حاملها لما يؤدي إليه من درس الطريق الأمم، الذي أجمع على صحته الأمم‏ «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها» دخل في حكم هذه الآية جميع ما دبّ علوا و سفلا دخول ذلة و عبودية، لأنها أعطته بحقيقتها و قبولها التمكن من الأخذ بناصيتها إذلالا، لأنها عبد، و كل من أخذ بناصيته فإنه ذليل، و الكل عبيد اللّه تعالى، فالكل أذلاء بالذات، و هو العزيز الحكيم،

و إنما جعل يده بناصيتك ابتغاء عافيتك، فأثبت أمرا هو عليه، و ما سواه، فانظر من يصل إليه، و هذا من كرمه و سابقة قدمه، فما ثمّ إلا مستقيم و على منهج قويم، لأنه بيد الكريم، و تدل هذه الآية على أنه ما ثمّ إلا من الحق آخذ بناصيته، و لا يمكن إزالة ناصيته من يد سيده، و نكّر لفظ دابة فعمّ، فهو مسلوك به، سالك بحكم الجبر، هكذا قال هود عليه السلام، فلهذا كان المآل إلى الرحمة و إذا أدركه في الطريق النصب، فتلك أعراض عرضت له، فإنه أخبر بأنه تعالى على صراط مستقيم، فما ثمّ إلا من هو مستقيم على صراط الرب، فهذه الآية دليل لمن قال بالجبر،

و يحتمل أن يكون قوله عليه السلام‏ «إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» فيما شرع، مع كونه تعالى آخذ بنواصي عباده إلى ما أراد وقوعه منهم و عقوبته إياهم مع هذا الجبر، فاجعل بالك، و تأدب و اسلك سواء السبيل، فهذه آية بشرى لنا، فما في العالم إلا مستقيم لأن الآخذ بناصيته هو الماشي به، و هو على صراط مستقيم، فكل حركة و سكون في الوجود فهي إلهية، لأنها بيد حق، و صادرة عن حق موصوف بأنه على صراط مستقيم بإخبار الصادق، فإن الرسل لا تقول على اللّه إلا ما تعلمه منه، فهم أعلم الخلق باللّه، و ليس للكون معذرة أقوى من هذه، فمن رحمة الرسل بالخلق تنبيه الخلق على مثل هذا، فإن اللّه أخبر عن نبيه و رسوله هود عليه السلام قوله هذا، و ما خطّأ هذا الرسول في هذا القول، و معلوم أن تصرف كل دابة قد يتعلق به لسان حمد أو ذم لأمور عرضية في الطريق، عينتها الأحوال و أحكام الأسماء، و الأصل محفوظ في نفس الأمر، تشهده الرسل عليهم السلام و الخاصة من عباد اللّه،

و مع هذا التحقيق فإن قوله‏ «إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» من حيث ما يقود الماشي عليه إلى سعادته، و على هذا الصراط كل دابة عموما ما عدا الإنس و الجن، فإنه ما دخل من الثقلين إلا الصالحون منهم خاصة، و لو دخل جميع الثقلين لكان جميعهم على طريق مستقيم- نصيحة- لا تجعل زمامك إلا بيد ربك، فإن له كما قال يدين كما أنه قد أخبرك أن يده بناصيتك اضطرارا، فاجعل زمامك بيده اختيارا فتجن ثمرة الاختيار و الاضطرار بجمعك بين اليدين، و اعلم أن العباد في قبضة الحق، قال تعالى: «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها» لما هي مصرفة فيه، فالكل في قبضته من قضائه في قضائه، و مع ذلك عليك بأمر الحق فاتبعه، و لا تغتر بكونك لا ترى شيئا إلا تحت تصريفه و حكم إرادته، هذا لا ينجيك و الأخذ بأمر الحق ينجيك، لكن انظر ذلك عقدا و تصرّف بالأمر.

 

[سورة هود (11): آية 57]

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَفِيظٌ (57)

اعلم أن النبي لا بد له من النظر إلى نفسه، فإن الجلوس مع اللّه لا تقتضي البشرية دوامه، و إذا لم يدم فما ثم إلا النفس، و كذا ورد ما من نبي إلا و قد قال‏ «فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ» فأضاف التبليغ إلى نفسه و لم يقل في هذه الحال، قد بلّغ اللّه إليكم بلساني ما قد أسمعكم، لذلك ابتلى اللّه الأنبياء بمخالفة أممهم، فاختلفوا عليه، و اختلفوا فيما بينهم و إن اجتمعوا عليه، فإن النبي في تلك الحالة صاحب دعوى، أنه بلغ رسالة ربه، و في هذا للّه حكم خفي ليعلم العبد أنه محلّ للتوفيق و نقيضه، و أنه لا حول و لا قوة إلا باللّه على ما أمر به و نهى عنه‏

[إن ربي على كل شي‏ء حفيظ]

«وَ يَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَفِيظٌ» إذا أخليت العالم عن حفظ اللّه، لم يكن للعالم وجود و فني، و إذا سرى حفظ اللّه في العالم بقي العالم موجودا، فبظهوره و تجليه يكون العالم باقيا، و بهذا يصح افتقار العالم إلى اللّه في بقائه في كل نفس، و اجتمع الموحدون و المشركون في الحفظ الإلهي عناية من اللّه بالخلق، فإن الممكن إذا وجد لا بد من حافظ يحفظ عليه وجوده، و بذلك الحافظ بقاؤه في الوجود كان ذلك الحافظ ما كان من الأكوان، فالحفظ خلق اللّه، فلذلك نسب الحفظ إليه، لأن الأعيان القائمة بأنفسها قابلة للحفظ بخلاف ما لا يقوم بنفسه من الممكنات، فإنه لا يقبل الحفظ و يقبل الوجود و لا يقبل البقاء، فليس له من الوجود غير زمان وجوده، ثم ينعدم، و متعلق الحفظ إنما هو الزمان الثاني الذي يلي زمان وجوده فما زاد، فاللّه حفيظ رقيب، فكل موجود له بقاء في وجوده، فلا بد من حافظ كياني يحفظ عليه وجوده، و ذلك‏ الحافظ خلق للّه مثل قوله تعالى: (وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) فنكّر فدخل تحت هذا اللفظ حفظة الوجود و حفظة الأفعال، و الاسم الحفيظ خزانة سعي الأعمال من حيث نسبتها إلى العاملين.

[سورة هود (11): الآيات 58 الى 60]

وَ لَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ نَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (58) وَ تِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ عَصَوْا رُسُلَهُ وَ اتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَ أُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)

هم عاد الأولى أرسل إليهم هود عليه السلام فكذبوه فأهلكهم اللّه، بعث عليهم طيرا أسود فنقلهم إلى البحر، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، و كانت مساكنهم الشمر بين عمان و حضر موت.

[سورة هود (11): الآيات 61 الى 65]

وَ إِلى‏ ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَ إِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَ يا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)

كانت مساكن ثمود الحجر من وادي القرى و الشام، و كانت آية ثمود ناقة أخرجها اللّه من هضبة من الأرض، يتبعها فصيل لها، فيحلبون منها ريهم، و تشرب في ذلك اليوم جميع مياههم، و يشربون هم اليوم الثاني الماء و لا تأتيهم، فلما طال ذلك عليهم ملّوها، فاجتمعوا تسعة من شرار قومه على عقرها و خرجوا لها، فعقرها رجل منهم، فوعدهم اللّه بالعذاب بعد ثلاث، فأتتهم صيحة من السماء فماتوا كلهم، و لحق صالح و من معه من قومه بمكة، و أول يوم اصفرت وجوه القوم، و في الثاني احمرت، و في الثالث اسودت.

[سورة هود (11): الآيات 66 الى 70]

فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَ أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (68) وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى‏ قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأى‏ أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى‏ قَوْمِ لُوطٍ (70)

 

[تجسد الملائكة في صورة محسوسة]

«فَلَمَّا رَأى‏ أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ» يعني إلى العجل الحنيذ، أي لا يأكلون منه‏ «نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً» خاف فإن الملائكة و لو تجسدت في صورة محسوسة، لا يكون غذاؤها الطعام الطبيعي، و هنا مسألة هل الأعيان التي من حقيقتها أن لا تكون على صورة طبيعية جسمية في نفسها إذا ظهرت لمن ظهرت له في صورة طبيعية جسدية في عالم التمثيل، كالملك يتمثل بشرا سويا و كالتجلي الإلهي في الصور، هل تقبل تلك الصورة الظاهرة في عين الرائي حكم ما لتلك الصورة في التي هي له حقيقة كصورة الإنسان و الحيوان؟

فتحكم عليه‏ بالتفكر و قيام الآلام و اللذات به؟ فهل تلك الصورة التي ظهرت تشبه الحيوان أو الإنسان أو ما كان، تقبل هذا الحكم في نفس الأمر؟ أو الرائي إذا لم يعلم أنها إنسان أو حيوان ما له أن يحكم عليها بما يحكم على من في تلك الصورة عينه، كيف الأمر في ذلك؟ فاعلم أن الملك على صورة تخالف البشر في نفسه و عينه، و كما تخالف البشر فقد خالفه أيضا البشر، مثل جبريل ظهر بصورة أعرابي بكلامه و حركته المعتادة من تلك الصورة في الإنسان، هي في الصورة الممثلة كما هي في الإنسان، أو هي من الصورة كما هي الصورة متخيلة أيضا، و يتبع تلك الصورة جميع أحكامها من القوى القائمة بها في الإنسان، كما قام بها الكلام و الحركة و الكيفيات الظاهرة، فهو في الحقيقة إنسان خيالي، أعني الملك في ذلك الزمان، و له حكم تلك الصورة في نفس الأمر أيضا، على حدّ الصورة من كونها إنسانا خياليا، فإذا ذهبت تلك الصورة، ذهبت أحكامها لذهابها، و سبب ذلك أن جوهر العالم في الأصل واحد، لا يتغير عن حقيقته، و أن كل صورة تظهر فيه، فهي عارضة تستحيل في نفس الأمر في كل زمان فرد، و الحق يوجد الأمثال على الدوام، لأنه خالق على الدوام و الممكنات في حال عدمها مهيأة لقبول الوجود، فمهما ظهرت صورة في ذلك الجوهر، ظهرت بجميع أحكامها سواء كانت تلك الصورة محسوسة أو متخيلة، فإن أحكامها تتبعها كما قال الأعرابي، لما سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يصف الحق جل جلاله بالضحك، قال: لا نعدم خيرا من رب يضحك، إذ من شأن من يضحك أن يتوقع منه وجود الخير، فكما أتبع الصورة الضحك، أتبعها وجود الخير منها، و هذا في الجناب الإلهي فكيف في جوهر العالم؟.

[سورة هود (11): الآيات 71 الى 73]

وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (71) قالَتْ يا وَيْلَتى‏ أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عَجِيبٌ (72) قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)

«رَحْمَتُ اللَّهِ» أضيفت الرحمة إلى اللّه لشمولها الامتنان و الوجوب‏ «وَ بَرَكاتُهُ» و البركات هي الزيادة «عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» المجد هو الشرف، و أعظم المجد هو ما اعترف به العبد لربه بأن شهد له بأنه الملك يوم الدين، فله المجد و الشرف على العالم في الدنيا و الآخرة، لأنه يجازي العالم على أعمالهم في الدنيا و الآخرة، فقد ورد أن المصلي إذا قال‏ (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) يقول الحق مجدني عبدي، أي جعل لي الشرف عليه كما هو الأمر في نفسه.

[سورة هود (11): الآيات 74 الى 75]

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَ جاءَتْهُ الْبُشْرى‏ يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75)

الحلم هو ترك الأخذ بالجريمة في الحال مع القدرة، فالحليم لا يعجل مع القدرة و ارتفاع المانع، و وصف الحق إبراهيم عليه السلام بالتأوه مما يجده في صدره من رده، فتأوه لما رأى من عبادة قومه ما نحتوه، و حلم فلم يعجل بأخذهم على ذلك مع قدرته عليهم بالدعاء عليهم، و لهذا سمي حليما فلو لم يقدر و لا مكّنه اللّه من أخذهم، ما سماه سبحانه حليما و لكنه عليه السلام علم أنه في دار الامتزاج و التحول من حال إلى حال، فكان يرجو لهم الإيمان فيما بعد، فهذا سبب حلمه، و لو علم من قومه ما علم نوح عليه السلام حيث قال: (وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً) ما حلم عليهم، فالأواه هو الذي يكثر التأوه لبلواه، و لما يقاسيه و يعانيه مما يشاهده و يراه، و هو من باب الغيرة و الحيرة «مُنِيبٌ» المنيبون هم الذين رجعوا إلى اللّه من كل شي‏ء أمرهم اللّه بالرجوع عنه، مع شهودهم في حالهم أنهم نواب عن اللّه في رجوعهم، إذ كانت نواصي الخلق بيده، يصرفهم كيف يشاء، فمن شاهد نفسه في إنابته إلى ربه نائبا عن اللّه، كما ينوب المصلي عن اللّه في قوله: سمع اللّه لمن حمده، و في تلاوته، كذلك رجوعه إلى اللّه في كل حال، يسمى منيبا، فلهم خصوص هذا الوصف.

[سورة هود (11): الآيات 76 الى 80]

يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَ لَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَ جاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (79) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)

 

[لو أن لي بكم قوة]

[سورة هود (11): الآيات 76 الى 80]

يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَ لَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَ جاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (79) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)

 

[لو أن لي بكم قوة]

يقول لوط عليه السلام لقومه: «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً» أي همة فعالة، فمن كان الحق قواه فلا همة تفعل فعل من هذه صفته، لكن الأمر لا يكون إلا ما سبق به الكتاب، و هو عليه السلام من أعلم الناس باللّه، و يعلم أنه ما يكون إلا ما سبق به الكتاب، و لا كتب تعالى إلا ما علم، و ما علم إلا ما هو المعلوم عليه، فلا تبديل لكلمات اللّه، و ما يبدل القول لديه، و ما هو بظلام للعبيد، فلا يقع إلا ما هو الأمر عليه، و لو حرف امتناع لامتناع، فأراد بالقوة إظهار الأثر الذي جاء به، و هو شريعته فيهم، ثم قال‏ «أَوْ» و هي أداة أعطته ما عليه الإمكان، فقال‏ «أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ» فأراد بالركن الشديد- إذ لم يتمكن الأثر فيهم- أن يحمي نفسه عنهم حتى لا يؤثروا فيه، فلهذا صلّى اللّه عليه و سلم ذكر الأمرين القوة و الإيواء، و لا شك أن الرسل عليهم السلام أعلم الناس باللّه، فلا يأوون إلا إلى اللّه، فآوى إلى من يفعل ما يريد و لا اختيار في إرادته و لا رجوع عن علمه، فآوى إلى من لا تبديل لديه،

و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم: [يرحم اللّه أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد] يعني بذلك إيواءه إلى اللّه، و الاستناد إلى القوي حمى لا ينتهك، فيرجع طالب انتهاكه خاسرا، لذلك اشتدت العقوبة على قوم لوط، و إن كان يحتمل من قول لوط عليه السلام‏ «أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ» يريد القبيلة، لأني لا أستطيع الانتقال من الركن الإلهي إلى الركن الكوني، و قد شهد له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بذلك فقال: [يرحم اللّه أخي لوطا، فقد كان يأوي إلى ركن شديد]، أ تراه صلّى اللّه عليه و سلم أكذبه؟ حاشى للّه، و إن كان الركن الشديد الذي أراده لوط، هو القبيلة،و الركن الشديد الذي ذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم هو اللّه، فنعم الشاهد و المشهود له، و يحتمل أن قوله صلّى اللّه عليه و سلم يريد ضعف المعرفة، فالركن الشديد هو الحق مدبره و مربيه- إشارة- اعلم أن اسم لوط أعني هذه اللفظة اسم شريف جليل القدر، لأنه يعطي اللصوق بالحضرة الإلهية، فلاستناده إليه و لصوقه به في علم اللّه سمي لوطا، لم يضف إلى غيره.

[سورة هود (11): آية 81]

قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)

أول اليوم طلوع الشمس، و الصبح آخر اليوم، و ما بينهما ليل و نهار، و لذلك ما أخذ اللّه من أخذه من الأمم إلا في آخر اليوم، و ذلك لاستيفاء الحركة، فإذا انتهت دورة اليوم، و لم يكن لهم رجوع إلى اللّه وقع الأخذ الإلهي في آخره.

[سورة هود (11): الآيات 82 الى 86]

فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) وَ إِلى‏ مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَ لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَ يا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)

الأصل أن اللّه خلق لنا ما في الأرض جميعا، ثم حجّر و أبقى، فما أبقاه سماه بقية اللّه، و ما حجر سماه حراما، أي المكلّف ممنوع من التصرف فيه حالا أو زمانا أو مكانا مع التحجير، فإن الأصل التوقف عن إطلاق الحكم فيه بشي‏ء، فإذا جاء حكم اللّه فيه، كنا بحسب الحكم الإلهي الذي ورد به الشرع إلينا، و ليس مسمى رزق اللّه في حق المؤمنين إلا بقية اللّه، و كل رزق في الكون من بقية اللّه، و ما بقي إلا أن يفرق بينهما، و ذلك أن جميع ما في العالم من الأموال، لا يخلو إما أن يكون لها مالك معيّن أو لا يكون لها مالك، فإن كان لها مالك معيّن، فهي من بقية اللّه لهذا الشخص، و إن لم يكن لها مالك معيّن، فهي لجميع المسلمين، فمال زيد بقية اللّه لزيد، لما حجّر اللّه عليه التصرف في مال عمرو بغير إذنه، و مال عمرو بقية اللّه لعمرو لما حجر عليه التصرف في مال زيد بغير إذنه، فبقية اللّه، هو ما أحل لك تناوله من الشي‏ء الذي يقوم به أودك، لتقوم به في طاعة ربك،

و إنما سماه بقية لأنه بالأصالة خلق لك ما في الأرض جميعا، فكنت مطلق التصرف في ذلك تأخذ ما تريد و تترك ما تريد، ثم في ثاني حال، حجّر عليك بعض ما كان أطلق فيه تصرفك، و أبقى لك من ذلك ما شاء أن يبقيه لك، فذلك بقية اللّه‏ «خَيْرٌ لَكُمْ» و إنما جعلها خيرا لك، لأنه علم من بعض عباده أن نفوسهم تعمى عن هذه البقية بما يعطيهم الأصل، فيتصرفون بحكم الأصل فقال لهم: البقية التي أبقى اللّه خير لكم‏ «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» أي مصدقين بأني خلقت لكم ما في الأرض جميعا، فإن صدقتموني في هذا، صدقتموني فيما أبقيت لكم من ذلكم، و إن فصلتم بين الأمرين فآمنتم ببعض و كفرتم ببعض لم تكونوا مؤمنين، فمن اعتنى به اللّه تعالى، أوصل إليه من البقية لا من غيرها،

و اعلم أن الرزق على نوعين في الميزان الموضوع في العالم لإقامة العدل و هو الشرع: النوع الأول يسمى حراما، و النوع الآخر يسمى حلالا، و هو بقية اللّه التي جاء نصها في القرآن‏ «بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» فهذه هي التي بقيت للمؤمنين من قوله: «خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» و الإيمان لا يقع إلا بالشرع، و جاء هذا القول في قصة شعيب عليه السلام صاحب الميزان و المكيال، فرزق اللّه عند بعض العلماء جميع ما يقع به التغذي من حلال و حرام، فإن اللّه يقول: (وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) و هو ظاهر لا نص، و قال: (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) (وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ)

 

[الفرق بين رزق اللّه و بين الرزق‏]

و قد نهانا عن التغذي بالحرام، فلو كان رزق اللّه‏ في الحرام ما نهانا عنه، فإذا ما هو الحرام رزق اللّه؟ و إنما هو رزق، و رزق اللّه هو الحلال، و هو بقية اللّه التي أبقاها لنا بعد وقوع التحجير و تحريم بعض الأرزاق علينا، و لتعلم من جهة الحقيقة أن الخطاب ليس متعلقه إلا فعل المكلف لا عين الشي‏ء الممنوع التصرف فيه، فالكل رزق اللّه، و المتناول هو المحجور عليه لا المتناول بفتح الواو، فإن الرزاق لا يعطيك إلا رزقك، و ما يعطي الرزاق لا يطعن فيه، فلهذا علّق الذم بفعل المكلف لا بالعين التي حجّر عليه تناولها، فإن المالك لها لم يحجر عليه تناولها و الحرام لا يملك، و هذه مسألة طال الخبط فيها بين العلماء، و أما قوله‏ (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً) من العامل في الحال؟

فظاهر الشرع يعطي أن العامل رزقكم، فإن من هنا في قوله‏ (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً) للتبيين لا للتبعيض، فإنه لا فائدة للتبعيض، فإن التبعيض محقق مدرك ببديهة العقل، لأنه ليس في الوسع العادي أكل الرزق كله، و إذا كانت للتبيين و هي متعلقة بكلوا، فبيّن أن رزق اللّه هو الحلال الطيب، فإن أكل ما حرّم عليه فما أكل رزق اللّه، فتدبر و انظر ما به حياتك، فذلك رزقك و لا بد، و لا يصح فيه تحجير، و سواء كان في ملك الغير أو لم يكن، فإن المضطر لا حجر عليه، و ما عدا المضطر فما تناول الرزق لبقاء الحياة عليه، و إنما تناوله للنعيم به، و ليس الرزق إلا ما تبقى به حياته عليه، و هذا لا يمكن ردّه من أحد من علماء الشريعة، فإن اللّه يقول: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ)* بعد التحجير، و قال: (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) و ذلك هو الرزق الذي نحن بصدده، و هو الذي يعطيه الرزاق.

[سورة هود (11): الآيات 87 الى 88]

قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى‏ ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ (88)

من هنا نعلم أن عطاء اللّه كله فضل، لأن التوفيق منه فالحاصل عن العمل بالموازنة، و إن كان جزاء فهو فضل بالأصالة قال من جلّ ثناؤه و تقدست أسماؤه‏

[التوفيق- كماله و عمومه و خصوصه‏]

«وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ» فأسنده سبحانه إلى الاسم الجامع الذي هو للتعلق لا للتخلق، و في إسناده إليه سر شريف، فإن التوفيق مفتاح السعادة الأبدية، و الهادي بالعبد إلى سلوك الآثار النبوية، و القائد له إلى التخلق بالأخلاق الإلهية، من قام به غنم و من فقده حرم، و هو خارج عن كسب العبد، و إنما هو نور يضعه اللّه في قلب من اصطنعه لنفسه، و اختصه لحضرته، به تحصل النجاة، و به تنال الدرجات، و مع أنه سر موهوب، و نور في قلب العبد موضوع، فإن إرادة العبد من جهة العلم بخصائصه و حقائقه متعلقة بجود اللّه سبحانه و تعالى في تحصيله منة، و الاتصاف به، فقد يحصل للعبد بتلك الإرادة، فيتخيل أنه كسبي و أن دعاءه اللّه فيه و إرادته إياه سبب في حصوله، و ما علم أن تلك الإرادة التي حركته لطلب التوفيق من التوفيق، فإنها من آثاره و لولاه لم يكن ذلك فإن إرادة التوفيق من التوفيق، و لكن لا يشعر لذلك أكثر الناس، فإذا تقرر هذا فيكون الإنسان إنما يطلب على الحقيقة كمال التوفيق من الموفق الواهب الحكيم، و معنى كمال التوفيق استصحابه للعبد في جميع أحواله من اعتقاداته و خواطره و أسراره و مطالع أنواره و مكاشفاته و مشاهداته و مسامراته و أفعاله كلها، لا أنه يتجزى و يتبعض فإنه معنى من المعاني القائمة بالنفس، فنقصه الذي يطلق عليه إنما هو أن يقوم بالعبد في فعل ما من الأفعال، و يحرمه في فعل آخر و كذلك زيادته استصحابه لجميع أفعال العبد، و قد بان علة سؤاله في التوفيق من اللّه سبحانه و تعالى، و تبين أن التوفيق لم يكن عنده معدوما عند سؤاله للّه سبحانه فيه، و التوفيق تفعيل من الموافقة، و هو معنى يقوم بالنفس عند طروّ فعل من أفعاله الصادرة عنه على اختلافها، يمنعه من المخالفة للحدّ المشروع له في ذلك الفعل لا غير، فكل معنى كان حكمه هذا يسمى التوفيق و قد يقوم بالعبد التوفيق في فعل ما، و المخالفة في فعل آخر في زمن واحد كالمصلي في الدار المغصوبة، أو كمن يتصدق و هو يغتاب، أو يضرب أحدا في حال واحد و أشباهه، فلهذا ما سأل العبد من مولاه إلا كمال التوفيق، يريد استصحابه له في جميع أحواله كلها حتى لا تكون منه مخالفة أصلا، فإذا كمل التوفيق للعبد على ما ذكرناه فهو المعبر عنه بالعصمة و الحفظ الإلهي، حفظ اللّه علينا الأوقات، و عصمنا من نتائج الغفلات، إنه جواد بالخيرات،

فالتوفيق هو العناية التي للعبد عند اللّه‏ قبل كونه المتفضل به عليه عند إيجاده إياه و تعلق خطابه به،قبل كونه المتفضل به عليه عند إيجاده إياه و تعلق خطابه به، فالموفقون لما أوجدهم الحق تعالى في أعيانهم بصفة الجود و أبرزهم في الوجود، تولاهم بلطفه فحققهم بحقائق التوفيق، و بيّن لهم الطريق الموصل إليه كما بيّنه لأنبيائه بواسطة ملائكته و لأوليائه بواسطة أنبيائه و لملائكته بالجبلة التي أوجدهم عليها، فاهتدوا على أوضح منهاج، و عرجوا على أنجح معراج، فما زال التوفيق يصحبهم في كل حال، و يقودهم إلى كل عمل مقرب إلى اللّه تعالى من أعمال القلوب و النفوس و المعاملات المتوجهة على الحواس، حتى انته بهم فوق الهمم و أنزلهم في حضرة الجود و الكرم، فغرقوا في بحار المنن و الآلاء، من نعيم جنان و مضاهاة استواء، على قدر ما أراد تعالى أن يمنحهم من نعماه، و أن يهبهم من رحماه، فعاينوا عند ذلك تولي الحق لهم في ذلك، و لم يكونوا شيئا مذكورا، ثم استصحاب التولي لهم في محال الدعاوى بتقديسهم عنها، فالتوفيق قائد إلى كل فضيلة و هاد إلى كل صفة منجية و جالب كل خلق رضي، يجلو البصائر و يصلح السرائر و يخلص الضمائر، و يفتح أقفال القلوب و يزيل ريونها، و يخرجها عن أكنتها و يهبها أسرار وجودها و يعرفها بما تجهله من جلال معبودها، هو الباعث المحرك لطلب الاستقامة و الهادي إلى طريق السلامة، ما اتصف به عبد إلا اهتدى و هدى، و لا فقده شخص إلا تردى و أردى، فنعوذ باللّه من الخلاف، و التوفيق له مبدأ و موسط و غاية، فمبدؤه يعطيك الإسلام و موسطه يعطيك الإيمان و غايته تعطيك الإحسان، فالإسلام يحفظ الدماء و الأموال، و الإيمان يحفظ النفوس من ظلم الضلال و الإضلال، و الإحسان يحفظ الأرواح من رؤية الأغيار، و يهبها المراقبة و الحياء على الكمال، فمن دعا لك بالتوفيق في جميع الأحوال فما ترك شيئا من الخير إلا أعطاك إياه، و التوفيق مبدؤه يعطيك العلم و العمل، و وسطه يطهر ذاتك من دنس الأغراض و العلل، و غايته تمنحك أسرار الوجود و الأزل، و ليس وراء اللّه مؤمل يؤمل.

و التوفيق على قسمين في أصله: عام و خاص، فالعام هو الذي يشترك فيه جميع الناس كافة من المسلمين و غيرهم و هو على ضربين: منه ما يوافق الحكمة بما هي حكمة، و منه ما يوافق الأغراض، و الخاص هو الذي يخرجك من الظلمات إلى النور، و ينتهي بك إلى السعادة الأبدية على مراتبها، و إن دخل النار، و هذا أيضا عام و خاص: فالعام كالإيمان باللّه و رسوله و ما جاء به، و الخاص كالعمل بالعلم المشروع، و هو أيضا عام و خاص: فالعام كأداء الفرائض، و الخاص هو الذي يؤديك‏ إلى تصفية القلب و تفريغه و الرياضات و المجاهدات، و هذا الضرب أيضا من التوفيق فيه عام و خاص: فالعام هو الذي يثمر لك جميع الأخلاق العلوية و الأوصاف الربانية القدسية، و الخاص هو الذي يثمر لك أسرار الخلق و معاني التحقيق، و كلاهما على ضربين: عام و خاص، فالعام ما أعطاك جميع ما تتخلق به و أسراره، و الخاص ما أعطاك الفناء عن ملاحظة الفناء، فكل توفيق يستصحب العبد في حركاته و سكناته الظاهرة و الباطنة هو توفيق العارفين الوارثين العالمين، و كل توفيق يصحب العبد في بعضها فهو منسوب لذلك البعض، و مضاف لما يعطيه المقام في مراتب الوجود، فيقال: هذا توفيق العارفين و الزاهدين و العابدين و غيرهم من أصحاب المقامات و أرباب السلوك، و التوفيق عند المحققين على نوعين: توفيق أوجده الحق سبحانه فيك منك، و توفيق أوجده فيك على يد غيرك، فالتوفيق الذي فيك من غيرك كالإسلام الذي أبقاه عليك أبواك و ربياك عليه، فكل مولود يولد على الفطرة و أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما جاء في الحديث، أو كشخص قيّضه اللّه لك على مدرجتك من غير قصد منك إليه فوعظك بموعظة زجرك بها فانتبهت من سنة الغفلة، فقذف اللّه سبحانه لك عند انتباهك نور التوفيق في قلبك فقبلتها و نظرت في تخليص نفسك فقادك إلى الانتظام في شمل السعداء، و التوفيق الذي فيك منك هو أن ترزق النظر ابتداء في عيوبك و ذم ما أنت عليه من الأفعال القبيحة و تمقيتك نفسك و تبغيض حالك لك، فإذا تقوى عليك هذا الخاطر و تأيد، نهض بك في طريق النجاة و سارع بك إلى الخيرات على قدر ما قدر لك أزلا و قسم لك في شربك، و أول مقامات التوفيق الاختصاصي اشتغالك بالعلم المشروع الذي ندبك الشارع صلّى اللّه عليه و سلم إلى الاشتغال بتحصيله، و آخرها حيث يقف بك فإن تممت لك المقامات حصلت في التوحيد الموحد نفسه بنفسه الذي لا يصح معه معقول فلا حياة مع الجهل و لا مقام، فالتوفيق إذا صح، و تصحيحه بتحصيل العلم، فإذا حصل له و صح توفيقه أنتج الإنابة و الإنابة منتجة للتوبة، و التوبة تنتج الحزن و الحزن ينتج الخوف، و الخوف ينتج الاستيحاش من الخلق، و الاستيحاش ينتج الخلوة، و الخلوة تنتج الفكرة، و الفكرة تنتج الحضور، و الحضور ينتج المراقبة، و المراقبة تنتج الحياء، و الحياء ينتج الأدب، و الأدب ينتج مراعاة الحدود، و مراعاة الحدود تنتج القرب، و القرب ينتج الوصال، و الوصال ينتج الأنس، و الأنس ينتج الإدلال، و الإدلال ينتج السؤال، و السؤال ينتج الإجابة، و لا يصح‏ شي‏ء من هذه المقامات إلا بعد تحصيل العلم الرسمي و الذوقي، فالرسمي كعلوم النظر و هو ما يتعلق بإصلاح العقائد، و كعلوم الخبر و هو ما يتعلق بك من الأحكام الشرعية، و لا يؤخذ منها إلا قدر الحاجة، و الذوقي علم نتائج المعاملات و الأسرار، و هو نور يقذفه اللّه تعالى في قلبك، تقف به على حقائق المعاني الوجودية، و أسرار الحق في عباده، و الحكم المودعة في الأشياء.

و اعلم أن المشي في الظلمة بغير سراج و ضوء في طريق كثيرة المهالك و الحفر و الأوحال و المهاوي و الحشرات المؤذية التي لا يتقى شي‏ء من هذا كله إلا أن يكون الماشي فيها بضوء يرى به حيث يجعل قدمه، و يجتنب به ما ينبغي أن يجتنب مما يضره، من مهواة يهوي فيها أو مهلك يحصل فيه أو حية تلدغه، و ليس له ضوء سوى نور الشرع الذي قال فيه تعالى‏ (نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) (وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ) و قال: (نُورٌ عَلى‏ نُورٍ) فإذا اجتمع نور الشرع مع نور بصر التوفيق و الهداية بان الطريق بالنورين، فلو كان نورا واحدا لما ظهر له ضوء، و لا شك أن نور الشرع قد ظهر كظهور نور الشمس، و لكن الأعمى لا يبصره، كذلك من أعمى اللّه بصيرته لم يدركه فلم يؤمن به، و لو كان نور عين البصيرة موجودا، و لم يظهر للشرع نور بحيث أن يجتمع النوران فيحدث الضوء في الطريق لما رأى صاحب نور البصيرة كيف يسلك؛ لأنه في طريق مجهولة لا يعرف ما فيها و لا أين ينتهي به من غير دليل و موقّف؟ فهذا الشخص الماشي في هذه الطريق إن لم يحفظ سراجه من الأهواء، أن تطفئه بهبوبها، و إلا هبت عليه رياح زعازع، فأطفأت سراجه، و ذهب نوره، و هو كل ريح يؤثر في نور توحيده و إيمانه، فإن هبت ريح لينة تميل لسان سراجه و تحيره، حتى يتحير عليه الضوء في مشاهدة الطريق، فتلك الريح كمتابعة الهوى في فروع الشريعة، و هي المعاصي التي لا يكفر بها الإنسان و لا تقدح في توحيده و إيمانه، فلقد خلقنا لأمر عظيم، و لكن إذا اقتحمنا هذه الشدائد، و قاسينا هذه المكاره، حصلنا على أمر عظيم، و هو سعادة الأبد التي لا شقاء فيها، فإنه لما تبينت طرق السعادة بالرسل قال تعالى‏ (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً) و ما بقي بعد هذا إلا أن يوفق اللّه عباده للعمل بما أمرهم به من اتباع رسوله صلّى اللّه عليه و سلم فيما أمر و نهى، و الوقوف عند حدوده و مراسمه؛ فإن الحق خصّ بعض عباده بالتوفيق، و لم يعمّ كما عمّ في الرزق، فيا ربنا خاطبتنافسمعنا و فهمتنا ففهمنا، فيا ربنا وفقنا و استعملنا فيما طلبته منافسمعنا و فهمتنا ففهمنا، فيا ربنا وفقنا و استعملنا فيما طلبته منا من عبادتك و تقواك، إذ لا حول لنا و لا قوة إلا بك، فاللّه هو الموفق و بيده الهداية، و ليس لنا من الأمر شي‏ء، و لقد صدق الكذوب إبليس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، حين اجتمع به فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: ما عندك؟ فقال إبليس: لتعلم يا رسول اللّه أن اللّه خلقك للهداية، و ما بيدك من الهداية شي‏ء، و أن اللّه خلقني للغواية، و ما بيدي من الغواية شي‏ء، لم يزده على ذلك و انصرف، و حالت الملائكة بينه و بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فإن التوفيق من رحمة الامتنان للعمل الصالح الموجب لرحمة الاختصاص- مناجاة- يا حنان يا منان، يا رءوف يا قديم الإحسان، يا من جعل معدن النبوة أشرف المعادن، و موطن الأحكام أرفع المواطن، أنت الذي سويت فعدلت، و في أي صورة ما شئت ركبت ما سويت، يا واهب إذ لا واهب، و يا مانح المثوبات أهل المكاسب، أنت الذي وهبت التوفيق، و أخذت بناصية عبدك و مشيت به على الطريق، و خلقت فيه الأعمال الرضية، و الأقوال الزكية، و أنطقته بالتوحيد و الشهادة، و يسرت له أسباب السعادة، ثم أدخلته دارك، و منحته جوارك، و قلت له: هذا لعملك بعلمك، و لك ما انته إليه خاطر أملك.

[سورة هود (11): الآيات 89 الى 90]

وَ يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَ ما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)

من البشرى ورود اسم الودود للّه تعالى، فإن المودة هي الثبوت على المحبة، و لا معنى لثبوتها، إلا حصول أثرها بالفعل في الدار الآخرة، و في النار لكل طائفة بما تقتضيه حكمة اللّه فيهم.

[سورة هود (11): الآيات 91 الى 98]

قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَ ما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (91) قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ اتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ مَنْ هُوَ كاذِبٌ وَ ارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَ لَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ أَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى‏ بِآياتِنا وَ سُلْطانٍ مُبِينٍ (96) إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَ بِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)

كان حكم آل فرعون في نفس الأمر خلاف حكم فرعون في نفسه، فسوى اللّه في الغرق بينهم، و تفرقا في الحكم، فجعلهم سلفا و مثلا للآخرين، و أما قوله تعالى: «فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ» فما فيه نص أنه يدخلها معهم، بل قال اللّه: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) و لم يقل: أدخلوا فرعون و آله، فخص فرعون بأن تكون نجاته آية لمن رجع إلى اللّه بالنجاة، هذا ما يعطي ظاهر اللفظ- راجع سورة يونس آية 92.

[سورة هود (11): الآيات 99 الى 101]

وَ أُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى‏ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَ حَصِيدٌ (100) وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ ما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)

يدخل المشركون النار مع بعض آلهتهم ليتحققوا مشاهدة أن تلك الآلهة لا تغني عنهم من اللّه شيئا.

[سورة هود (11): آية 102]

وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى‏ وَ هِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)

و يكون الأخذ الإلهي بالأسباب الكونية، و كل مأخوذ به جند من جنود اللّه.

[سورة هود (11): آية 103]

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103)

«إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً» أي علامة «لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ» فإنهم مطلوبون للفصل و القضاء «وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ».

[سورة هود (11): آية 104]

وَ ما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104)

«وَ ما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ» فإنه ما انقضى أجله المحدود.

[سورة هود (11): آية 105]

يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ (105)

لما كان للإنسان المباح من الأحكام المشروعة، و فعل الواجب و المندوب و المحظور و المكروه من الملمات الغريبة في وجوده، و ذلك مما قرن به من الأرواح الطاهرة الملكية و غير الطاهرة الشيطانية، فهو يتردد بين ثلاثة أحكام: حكم ذاتي له منه عليه، و حكمين قرنابه، و له القبول و الردّ بحسب ما سبق به الكتاب، و قضى به الخطاب، فمنهم شقي و سعيد، كما كان من القرناء مقرّب و طريد، فهو لمن أجاب و على اللّه تبيان الخطأ من الصواب، و الحق وصف نفسه بالرضى و الغضب فقال: «يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ» بالغضب، و الغضب زائل‏ «وَ سَعِيدٌ» بالرضى، و الرضى دائم.

[سورة هود (11): آية 106]

فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ (106)

جعلت دار جهنم دار كل شقي، و سمي هؤلاء أشقياء لأنهم أقيموا فيما يشق عليهم، و هو المخالفة «لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ» فرط التولع علة في وجود الزفرة، و لهذا جاء في وصف جهنم، أن لها زفيرا و شهيقا لفرط تولّعها بمن يحصل فيها من الكفار، لأنها عاشقة في الانتقام من أعادي محبوبها، و هو الحق سبحانه و تعالى.

[سورة هود (11): آية 107]

خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (107)

 

[خالدين فيها ما دامت السموات و الأرض‏]

«خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ» يريد المدة التي كانت الأرض عليها من يوم خلقها اللّه إلى يوم التبديل، و كانت العرب التي نزل القرآن بلسانها، تطلق هذه اللفظة و تريد بها التأبيد، و هي منقطعة بالخبر الإلهي، و تعريف النبى صلّى اللّه عليه و سلم‏ «إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» بما يرزقون في النار من اللذة و النعيم‏ «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» فيقع الاستثناء في قوله‏ «إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» من زوال صورتهما، إذ كانت السماء سماء و الأرض أرضا، فإنا نعلم أن جوهر السماء، هو جوهر الدخان و تبدلت عليه الصور، فالجوهر الذي قبل صورة الدخان هو الذي قبل صورة السماء، كما قبل جوهر الطين و الحجر صورة البيت، فإذا انهدم البيت و يبس الطين، ذهبت صورة البيت و الطين، و بقي عين الجوهر و كذلك العالم كله بالجوهر واحد، و بالصور يختلف، فاعلم ذلك، فيكون الاستثناء في حق أهل النار لمدة عذابهم،

و اعلم أنه من سبق رحمته تعالى غضبه أن النار ينزل فيها أهلها بالعدل من غير زيادة، و الجنة ينزل فيها أهلها بالفضل فيرون ما لا تقتضيه أعمالهم من النعيم، و لا يرى أهل النار من العذاب إلا قدر أعمالهم من غير زيادة و لا رجحان إلى أن يفعل اللّه بهم ما يريد بعد ذلك، و لذلك‏ قال في عذابهم‏ «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» و ما يعلم أحد من خلق اللّه حكم إرادة اللّه في خلقه إلا بتعريفه، أ لا تراه في حق السعداء يقول؟ «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» و الصورة واحدة و المدة واحدة و لم يقل في العذاب، إنه غير مجذوذ، لكن يقطع بأنهم غير خارجين من النار، و لا نعرف حالتهم فيها في حال الاستثناء ما يفعل اللّه فيهم، فلا يقضى في ذلك بشي‏ء مع علمنا بأن رحمته سبقت غضبه، و علمنا بأن اللّه يجزي كل نفس بما عملت، و لكن يستروح من العبارة أنه إذا استوفيت الحدود، عمت الرحمة من خزانة الجود، و هو قوله تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ» و هذا هو الحد الزمني، لأن التبديل لا بد أن يقع بالسماوات و الأرض، فتنتهي المدة عند ذلك، و هو في حق كل إنسان من وقت تكليفه إلى يوم التبديل، لأنه غير مخاطب ببقاء السموات و الأرض قبل التكليف، و هذا في حق السعيد و الشقي، فهما في نتائج أعمالهما هذه المدة المعينة، فإذا انتهت انته نعيم الجزاء الوفاق و عذاب الجزاء، و انتقل هؤلاء إلى نعيم المنن الإلهية التي لم يربطها اللّه بالأعمال و لا خصّها بقوم دون قوم، و هو قوله: «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» ما له مدة ينتهي بانتهائها، كما انته الكفر و الإيمان هنا بانتهاء عمر المكلف، و انتهت إقامة الحدود في الأشقياء و النعيم الجزائي في السعداء بانتهاء مدة السموات و الأرض؛ «إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» في حق الأشقياء «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» و كذا وقع الأمر بحسب ما تعلقت به المشيئة الإلهية، و ما قال إن الحال التي هم فيها لا تنقطع، كما قال في السعداء، فعلمنا بذكر مدة السماء و الأرض و حكم الإرادة في الأشقياء و الإعراض عن ذكر العذاب، أن للشقاء مدة ينتهي إليها حكمه و ينقطع عن الأشقياء بانقطاعها و الذي منع أن يقول تعالى في الأشقياء عذابا غير مجذوذ قوله‏ «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ» و قوله [إن رحمتي سبقت غضبي‏] في هذه النشأة، و علمنا أن جزاء السعيد على مثل ذلك ثم تعم المنن و الرضى الإلهي على الجميع في أي منزل كانوا، فإن النعيم ليس سوى ما يقبله المزاج و غرض النفوس لا أثر للأمكنة في ذلك، فحيثما وجد ملاءمة الطبع و نيل الغرض كان ذلك نعيما لصاحبه فإن الوجود رحمة في حق كل موجود و إن تعذّب بعضهم ببعض، فتخليدهم في حال النعيم غير منقطع و تخليدهم في حال الانتقام موقوف على إرادة، فقد يعود الانتقام منهم عذابا عليهم لا غير و يزول الانتقام، و لهذا فسره في مواضع بالألم المؤلم، و قال: عذاب أليم، و العذاب الأليم.

و في مواضع لم يقيد العذاب بالأليم و أطلقه فقال: (لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ)* يعني و إن زال الألم فإن السكنى لأهل النار في النار لا يخرجون منها كما قال تعالى‏ «خالِدِينَ فِيها»* يعني في النار، و قال في أهل السعادة «خالِدِينَ فِيها»* يعني في الجنة، و لم يقل فيه فيريد العذاب، فلو قال عند ذكر العذاب خالدين فيه، أشكل الأمر، و لما أعاد الضمير على الدار، لم يلزم العذاب، فإن قال قائل: فكذلك لا يلزم النعيم كما لم يلزم العذاب، قلنا: و كذلك كنا نقول: و لكن لما قال اللّه تعالى: في نعيم الجنة إنه عطاء غير مجذوذ، أي عطاء غير مقطوع، و قال: لا مقطوعة و لا ممنوعة، لهذا قلنا بالخلود في النعيم و الدار، و لم يرد مثل هذا قط في عذاب النار، فلهذا لم نقل به و ما ورد في العذاب شي‏ء يدل على الخلود فيه، كما ورد في الخلود في النار، و لكن العذاب لا بد منه في النار و قد غيب عنا الأجل في ذلك، و ما نحن من جهة النصوص على يقين، إلا أن الظواهر تعطي الأجل في ذلك، و لكن كميّته مجهولة، لم يرد بها نص، و لا نص يعارض و نبقى نحن مع قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» و أي شي‏ء أراد، فهو ذلك، و لا يلزم أهل الإيمان أكثر من ذلك، إلا أن يأتي نص بالتعيين متواتر يفيد العلم، فحينئذ يقطع المؤمن و إلا فلا، قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عند ما رأى جنازة يهودي فقيل له: إنها جنازة يهودي فقال: أ ليست نفسا؟ و هذا أرجى ما يتمسك به أهل اللّه في شرف النفس الناطقة، و أن صاحبها و إن شقي بدخول النار فهو كمن يشقى هنا بأمراض النفس، من هلاك ما له و خراب منزله و فقد ما يعز عليه ألما روحانيا لا حسيا؛ فإن ذلك حظ الروح الحيواني، و هذا كله غير مؤثر في شرفها فإنها منفوخة من الروح المضاف إلى اللّه بطريق التشريف، فالأصل شريف، و لما كانت من العالم الأشرف، قام لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لعينها، و هذا إعلام بتساوي النفوس في أصلها، و هذه من أعظم المسائل تؤذن بشمول الرحمة و عمومها لكل نفس، و إن عمرت النفوس الدارين، و لا بد من عمارة الدارين كما ورد، و أن اللّه سيعامل النفوس بما يقتضيه شرفها بسر لا يعلمه إلا أهل اللّه، فإنه من الأسرار المخصوصة بهم، فكما أن الحد يجمعهم كذلك المقام يجمعهم لذاتهم إن شاء اللّه تعالى كما قال في الذين شقوا «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» و لم يقل عذابا غير مجذوذ كما قال في السعداء، فإن رحمة اللّه سبقت غضبه، و رحمته تعالى وسعت كل شي‏ء منّة و استحقاقا، و بالأصل فكل ذلك منة منه سبحانه، فإنه الذي كتب على نفسه الرحمة للمتقي، و المتقي بمنته سبحانه اتقاه، و جعله محلا للعمل الصالح.

 

 

[سورة هود (11): آية 108]

وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)

[أقسام الجنة و مراتب التفاضل‏]

«وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها» جعلت الجنة دار السعداء، فهي دار كل سعيد، و سمّي هؤلاء سعداء لأنهم أقيموا فيما يسهل عليهم، و هو المساعدة و الموافقة «ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ» من حيث جوهرهما لا من حيث صورتهما «إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» و الاستثناء هنا في حق أهل الجنة على معنى إلا أن يشاء ربك، و قد شاء أن لا يخرجهم، فهم لا يخرجون فإن اللّه ما شاء ذلك بقوله‏ «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» أي غير منقطع لأن اللذة بالجديد الطارئ أعظم في النفس من ملازمة الصحبة.

و اعلم أن الجنة جنتان محسوسة و معنوية، و الجنات ثلاث جنات: جنة اختصاص إلهي و هي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا حد العمل، و حدهم من أول ما يولد إلى أن يستهل صارخا إلى انقضاء ستة أعوام؛ و يعطي اللّه من شاء من عباده من جنات الاختصاص ما شاء، و من أهلها المجانين الذي ما عقلوا، و من أهلها أهل التوحيد العلمي، و من أهلها أهل الفترات و من لم تصل إليهم دعوة رسول، و الجنة الثانية جنة ميراث ينالها كل من دخل الجنة ممن ذكرنا و من المؤمنين، و هي الأماكن التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها، و الجنة الثالثة جنة الأعمال و هي التي ينزل الناس فيها بأعمالهم، فمن كان أفضل من غيره في وجود التفاضل، كان له في الجنة أكثر، و سواء كان الفاضل دون المفضول أو لم يكن، غير أنه فضله في هذا المقام بهذه الحالة، فما من عمل من الأعمال إلا و له جنة و يقع التفاضل فيها بين أصحابها بحسب ما تقتضي أحوالهم، فما من فريضة و لا نافلة و لا فعل خير و لا ترك محرم و مكروه إلا و له جنة مخصوصة و نعيم خاص يناله من دخلها، و التفاضل على مراتب: فمنها بالسن و لكن في الطاعة و الإسلام، فيفضل كبير السن على الصغير السن إذا كانا على مرتبة واحدة من العمل بالسن، فإنه أقدم منه فيه، و يفضل أيضا بالزمان فإن العمل في رمضان و في يوم الجمعة و في ليلة القدر و في عشر ذي الحجة و في عاشوراء أعظم من سائر الأزمان و كل زمان عينه الشارع؛ و تقع المفاضلة بالمكان كالمصلي في المسجد الحرام أفضل من صلاة المصلي في مسجد المدينة،و كذلك الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في المسجد الأقصى، و هكذا فضل الصلاة في المسجد الأقصى على سائر المساجد، و يتفاضلون أيضا بالأحوال فإن الصلاة في الجماعة في الفريضة أفضل من صلاة الشخص وحده، و أشباه هذا، و يتفاضلون بالأعمال فإن الصلاة أفضل من إماطة الأذى، و قد فضل اللّه الأعمال بعضها على بعض، و يتفاضلون أيضا في نفس العمل الواحد، كالمتصدق على رحمه، فيكون صاحب صلة رحم و صدقة، و المتصدق على غير رحمه دونه في الأجر، و كذلك من أهدى لشريف من أهل البيت أفضل ممن أهدى لغير شريف أو بره أو أحسن إليه، و وجوه المفاضلة كثيرة في الشرع و الرسل عليهم السلام إنما ظهر فضلها في الجنة على غيرها بجنة الاختصاص، و أما بالعمل فهم في جنات الأعمال بحسب الأحوال، و نشأة الإنسان في الآخرة لا تشبه نشأة الدنيا و إن اجتمعتا في الأسماء و الصورة الشخصية، فإن الروحانية على نشأة الآخرة أغلب من الحسية فيكون الإنسان بعينه في أماكن كثيرة و اعلم أن جنة الأعمال مائة درجة لا غير، كما أن النار مائة درك، غير أن كل درجة تنقسم إلى منازل، و هذه المائة درجة في كل جنة من الثماني جنات، و صورتها جنة في جنة و أعلاها جنة عدن، و هي قصبة الجنة فيها الكثيب الذي يكون اجتماع الناس فيه لرؤية الحق تعالى، و هي أعلى جنة في الجنات و التي تلي جنة عدن،

إنما هي جنة الفردوس و هي أوسط الجنات التي دون جنة عدن و أفضلها، ثم جند الخلد ثم جنة النعيم ثم جنة المأوى ثم دار السلام ثم دار المقامة، و أما الوسيلة فهي أعلى درجة في جنة عدن و هي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم حصلت له بدعاء أمته، فعل ذلك الحق سبحانه حكمة أخفاها، فإنا بسببه نلنا السعادة من اللّه، و به كنا خير أمة أخرجت للناس، و به ختم اللّه بنا الأمم كما ختم به النبيين، و هو صلّى اللّه عليه و سلم بشر كما أمر أن يقول، فأمرنا عن أمر اللّه أن ندعو له بالوسيلة حتى ينزل فيها و ينالها بدعاء أمته،

و هذا من باب الغيرة الإلهية، و أهل الجنة أربعة أصناف الرسل و هم الأنبياء، و الأولياء و هم أتباع الرسل على بصيرة و بينة من ربهم، و المؤمنون و هم المصدقون بهم عليهم السلام و العلماء بتوحيد اللّه أنه لا إله إلا اللّه من حيث الأدلة العقلية، و هؤلاء الأربع طوائف يتميزون في جنات عدن عند رؤية الحق في الكثيب الأبيض، و هم فيه على أربع مقامات: طائفة منهم أصحاب المنابر و هي الطبقة العليا الرسل و الأنبياء، و الطائفة الثانية هم الأولياء ورثة الأنبياء قولا و عملا و حالا و هم على بينة من ربهم، و هم أصحاب الأسرة و العرش، و الطبقة الثالثة العلماء باللّه من طريق النظر و البرهان العقلي، و هم أصحاب الكراسي، و الطبقة الرابعة و هم المؤمنون المقلدون في توحيدهم، و لهم المراتب و هم في الحشر مقدمون على أصحاب النظر العقلي، و هم في الكتيب عند النظر يتقدمون على المقلدين، فإذا أراد اللّه أن يتجلى لعباده في الزور العام نادى منادي الحق في الجنات كلها يا أهل الجنان:

حيّ على المنة العظمى و المكانة الزلفى و المنظر الأعلى، هلموا إلى زيارة ربكم في جنة عدن، فيبادرون إلى جنة عدن فيدخلونها، و كل طائفة قد عرفت مرتبتها و منزلتها فيجلسون، ثم يؤمر بالموائد فتنصب بين أيديهم، موائد اختصاص، ما رأوا مثلها و لا تخيلوه في حياتهم و لا في جناتهم، جنات الأعمال، و كذلك الطعام ما ذاقوا مثله في منازلهم، و كذلك ما تناولوه من الشراب، فإذا فرغوا من ذلك خلعت عليهم من الخلع ما لم يلبسوا مثلها فيما تقدم، و مصداق ذلك قوله صلّى اللّه عليه و سلم في الجنة: فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، فإذا فرغوا قاموا إلى كثيب المسك الأبيض، فأخذوا منازلهم فيه على قدر علمهم باللّه لا على قدر عملهم، فإن العمل مخصوص بنعيم الجنان لا بمشاهدة الرحمن فبيناهم على ذلك إذا بنور قد بهرهم فيخرون سجدا فيسري ذلك النور في أبصارهم ظاهرا و في بصائرهم باطنا و في أجزاء أبدانهم كلها و في لطائف نفوسهم، فيرجع كل شخص منهم عينا كله و سمعا كله، فيرى بذاته لا تقيده الجهات و يسمع بذاته كلها، فهذا يعطيهم ذلك النور فبه يطيقون المشاهدة و الرؤية، و هي أتم من المشاهدة، فيأتيهم رسول من اللّه يقول لهم:

تأهبوا لرؤية ربكم جلّ جلاله، فها هو يتجلى لكم فيتأهبون، فيتجلى الحق جل جلاله و بينه و بين خلقه ثلاث حجب: حجاب العزة، و حجاب الكبرياء، و حجاب العظمة فلا يستطيعون النظر إلى تلك الحجب، فيقول اللّه جل جلاله لأعظم الحجبة عنده: ارفعوا الحجب بيني و بين عبادي حتى يروني، فترفع الحجب فيتجلى لهم الحق جل جلاله خلف حجاب واحد في اسمه الجميل اللطيف إلى أبصارهم، و كلهم بصر واحد فينفهق عليهم نور يسري في ذواتهم، فيكونون به سمعا كلهم، و قد أبهتهم جمال الرب و أشرقت ذواتهم بنور ذلك الجمال الأقدس، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كما جاء في حديث النقاش في مواقف القيامة و هذا تمامه- راجع البقرة آية 210- فيقول اللّه جل جلاله: سلام عليكم عبادي و مرحبا بكم، حياكم اللّه، سلام عليكم من الرحمن الرحيم، الحي القيوم، طبتم فادخلوها خالدين،طابت لكم الجنة، فطيبوا أنفسكم بالنعيم المقيم و الثواب من الكريم‏ طابت لكم الجنة، فطيبوا أنفسكم بالنعيم المقيم و الثواب من الكريم، و الخلود الدائم، أنتم المؤمنون الآمنون و أنا اللّه المؤمن المهيمن، شققت لكم اسما من أسمائي، لا خوف عليكم و لا أنتم تحزنون، أنتم أوليائي و جيراني و أصفيائي و خاصتي و أهل محبتي و في داري، سلام عليكم يا معشر عبادي المسلمين، أنتم المسلمون و أنا السلام و داري دار السلام، سأريكم وجهي كما سمعتم كلامي، فإذا تجليت لكم و كشفت عن وجهي الحجب، فاحمدوني و ادخلوا إلى داري غير محجوبين عني بسلام آمنين، فردوا عليّ، و اجلسوا حولي حتى تنظروا إليّ و تروني من قريب، فأتحفكم بتحفي، و أجيزكم بجوائزي و أخصكم بنوري و أغشيكم بجمالي، و أهب لكم من ملكي، و أفاكهكم بضحكي و أعلفكم بيدي، و أشمكم روحي، أنا ربكم الذي كنتم تعبدوني و لم تروني، و تحبوني و تخافوني، و عزتي و جلالي و علوي و كبريائي و بهائي و سنائي إني عنكم راض، و أحبكم و أحب ما تحبون، و لكم عندي ما تشتهي أنفسكم و تلذّ أعينكم، و لكم عندي ما تدعون و ما شئتم، و كل ما شئتم أشاء، فاسألوني و لا تحتشموا و لا تستحيوا و لا تستوحشوا، و إني أنا اللّه الجواد الغني الملي الوفي الصادق، و هذه داري قد اسكنتكموها و جنتي قد أبحتكموها، و نفسي قد أريتكموها، و هذه يدي ذات الندى و الطل مبسوطة ممتدة عليكم لا أقبضها عنكم، و أنا انظر إليكم لا أصرف بصري عنكم، فاسألوني ما شئتم و اشتهيتم، فقد آنستكم بنفسي و أنا لكم جليس و أنيس، فلا حاجة و لا فاقة بعد هذا، و لا بؤس و لا مسكنة و لا ضعف و لا هرم و لا سخط و لا حرج و لا تحويل أبدا سرمدا، نعيمكم نعيم الأبد، و أنتم الآمنون المقيمون الماكثون المكرمون المنعمون، و أنتم السادة الأشراف الذين أطعتموني و اجتنبتم محارمي فارفعوا إلي حوائجكم أقضها لكم و كرامة و نعمة، قال: فيقولون: ربنا ما كان هذا أملنا و لا أمنيتنا، و لكن حاجتنا إليك النظر إلى وجهك الكريم أبدا أبدا، و رضى نفسك عنا، فيقول لهم العلي الأعلى مالك الملك السخي الكريم تبارك و تعالى: فهذا وجهي بارز لكم أبدا سرمدا فانظروا إليه و أبشروا، فإن نفسي عنكم راضية فتمتعوا، و قوموا إلى أزواجكم فعانقوا و انكحوا، و إلى ولائدكم ففاكهوا، و إلى غرفكم فادخلوا، و إلى بساتينكم فتنزهوا، و إلى دوابكم فاركبوا، و إلى فرشكم فاتكئوا، و إلى جواريكم و سراريكم في الجنان فاستأنسوا، و إلى هداياكم من ربكم فاقبلوا، و إلى كسوتكم فالبسوا، و إلى مجالسكم فتحدثوا، ثم قيلوا قائلة لا نوم فيها و لا غائلة، في ظل ظليل و أمن مقيل و مجاورة الجليل، ثم روحوا إلى نهر الكوثر و الكافور و الماء المطهر و التسنيم و السلسبيل و الزنجبيل، فاغتسلوا و تنعموا، طوبى لكم و حسن مآب، ثم روحوا فاتكئوا على الرفارف الخضر و العبقري الحسان و الفرش المرفوعة، في الظل المدود و الماء المسكوب و الفاكهة الكثيرة لا مقطوعة و لا ممنوعة، ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم‏ (إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَ أَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَ لَهُمْ ما يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) ثم تلا هذه الآية (أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا)– إلى هنا انته حديث أبي بكر النقاش- ثم إن الحق تعالى بعد هذا الخطاب يرفع الحجاب و يتجلى لعباده، فيخرون سجّدا فيقول لهم: ارفعوا رءوسكم فليس هذا موطن سجود، يا عبادي ما دعوتكم إلا لتنعموا بمشاهدتي، فيمسكهم في ذلك ما شاء اللّه، فيقول لهم: هل بقي لكم شي‏ء بعد هذا؟ فيقولون: يا ربنا و أي شي‏ء بقي، و قد نجيتنا من النار و أدخلتنا دار رضوانك و أنزلتنا بجوارك و خلعت علينا ملابس كرمك و أريتنا وجهك؟ فيقول الحق جل جلاله: بقي لكم، فيقولون: يا ربنا و ما ذاك الذي بقي؟

فيقول: دوام رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا، فما أحلاها من كلمة و ما ألذها من بشرى، و تتفاضل الناس في رؤيته سبحانه و يتفاوتون تفاوتا عظيما على قدر علمهم، فمنهم و منهم، ثم يقول سبحانه لملائكته: ردوهم إلى قصورهم فلا يهتدون، لأمرين: لما طرأ عليهم من سكر الرؤية، و لما زادهم من الخير في طريقهم فلم يعرفوها، فلو لا أن الملائكة تدل بهم ما عرفوا منازلهم فإذا وصلوا إلى منازلهم تلقاهم أهلهم من الحور و الولدان، فيرون جميع ملكهم قد كسي بهاء و جمالا و نورا من وجوههم أفاضوه إفاضة ذاتية على ملكهم، فيقولون لهم لقد زدتم نورا و بهاء و جمالا ما تركناكم عليه، فيقول لهم أهلها:و كذاكم أنتم قد زدتم من البهاء و الجمال، ما لم يكن فيكم عند مفارقتكم إيانا، فينعم بعضهم ببعض.

[سورة هود (11): الآيات 109 الى 112]

فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) وَ إِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)

 

أمر الإله من الإله تعلق‏ ما أمره في العالمين محقق‏
إلا بواسطة الرسول فإنّه‏ أمر مطاع سرّه يتحقق‏
إن خالفت أمر الإله إرادة منه تكاد النفس منه تزهق‏
و لذاك شيبت النبي مقالة هي فاستقم فيما أمرت توفق‏
فإذا أراد نقيض ما أمرت به‏ نفس المكلّف فالوقوع محقق‏

[فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ‏– الآية]

ما خاطب اللّه نبيه بالاستقامة المطلقة، إذ ما ثم طريق إلا و هو مستقيم‏ ما خاطب اللّه نبيه بالاستقامة المطلقة، إذ ما ثم طريق إلا و هو مستقيم موصل إلى اللّه من قوله تعالى‏ «إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» و لكن قيد خطابه بقوله تعالى: «كَما أُمِرْتَ» فمعنى الاستقامة هنا الحركات و السكنات على الطريقة المشروعة، و الصراط المستقيم هو الشرع الإلهي، و الإيمان باللّه رأس هذا الطريق، و شعب الإيمان منازل هذا الطريق التي بين أوله و غايته و ما بين المنزلين أحواله و أحكامه. و لما كان أحد لا يعرف هل وافق أمر اللّه إرادته فيه أنّه يمتثل أمره أو يخالفه؟ لهذا صعب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أمر اللّه و اشتدّ، فقال شيبتني هود، فإنها السورة التي نزل فيها «فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ» و أخواتها مما فيه هذه الآية أو معناها، فالناس من ذلك على خطر «وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا» أي لا ترتفعوا عن أمره بما تجدونه في نفوسكم من خلقكم على الصورة الإلهية، فتقولوا مثلنا لا يكون مأمورا، فانظر فيما أمرت به أو نهيت عنه من حيث أنك محلّ لوجود عين ما أمرت به أو نهيت عنه، فمتعلق الأمر عند صاحب هذا النظر أن يهيّئ محله بالانتظار، فإذا جاء الأمر الإلهي الذي يأتي بالتكوين بلا واسطة، فينظر أثره في قلبه أولا، فإن وجد الإباية قد تكونت في قلبه فيعلم‏ أنه مخذول و أن خذلانه منه، لأنه على هذه الصورة في حضرة الثبوت عينه التي أعطت العلم للّه به، و إن وجد غير ذلك و هو القبول فكذلك أيضا فينظر في العضو الذي تعلق به ذلك الأمر المشروع أن يتكون فيه من أذن أو عين أو يد أو رجل أو لسان أو بطن أو فرج، فإنا قد فرغنا من القلب بوجود الإباية أو القبول، فلا نزال نراقب حكم العلم فينا من الحق حتى نعلم ما كنا فيه فإنه لا يحكم فينا إلا بنا.

أ لم تعلم بأن اللّه منّا يرانا و الوجود لنا شهيد
فيلزمنا الحياء فلا يرانا بحيث نهى و نحن له شهود
و ذا من أعجب الأشياء عندي‏ فيأمرنا و يفعل ما يريد
يقول لي استقم و يريد مني‏ مخالفة يؤيدها الوجود
فيا قوم اسمعوا ما قلت فيمن‏ هو المولى و نحن له عبيد
يريد الأمر لا المأمور فانظر إلى حكم يشيب له الوليد

[سورة هود (11): آية 113]

وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (113)

«فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» و ذلك من أثر حكم الدار و الموطن، فقد جعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم مولى القوم منهم في الحكم، فمن جاور مواضع التهم لا يلومن من نسبه إليها، و كما يحكم على أهل دار الكفر الدار، و إن كان فيها من لا يستحق ما يستحقه الكفار، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [أنا بري‏ء من مسلم يقيم بين أظهر المشركين‏]- إشارة- لا تركن إلى غير اللّه، و اكتف باللّه في سؤالك، تسعد إن شاء اللّه، فإن من ركن إلى جنسه فقد ركن إلى ظالم، فإن اللّه يقول في الإنسان: إنه كان ظلوما لحمله الأمانة، و ما من أحد من الناس إلا حملها.

 

[سورة هود (11): آية 114]

وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ (114)

«وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ» أعطى الحق تعالى الصلاة الليل و النهار حتى يعم الزمان بركتها «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [أتبع السيئة الحسنة تمحها] فكلما ذكرت خطيئة أتيتها فتب عنها عقيب ذكرك إياها، و استغفر اللّه منها و اذكر اللّه عندها بحسب ما كانت تلك المعصية، و إذا عصيت اللّه بموضع، فلا تبرح من ذلك الموضع، حتى تعمل فيه طاعة و تقيم فيه عبادة، فكما يشهد عليك إن استشهد يشهد لك و حينئذ تنتزح عنه، و كذلك ثوبك إن عصيت اللّه فيه فاعبد اللّه فيه قبل أن تفارقه‏ «ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ».

[سورة هود (11): آية 115]

وَ اصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)

– إشارة- لتعلم أن الصلاة انبعثت من الحضرة الصمدانية المقدسة، فاغتنمها فهي كالخطرة المختلسة، نظرت إليها الحضرة النورية فوهبتها أسرارها، و أفاضت عليها الحضرة القيومية أنوارها، و لما كانت هذه الصلوات تختص بالمناجاة الربانية و ترد عليها إذا خاطبت بالمناجاة الإلهية، و تعمّ جميع المقامات المخصوصة بروحانية أهل السموات، و جيئت بجميع الحركات المستقيمة في الإنسانيات عند القراءات، و الأفقيات في الحيوانات عند الركوع للأذكار المعظمات، و المنكوسة في النباتات عند السجود لابتغاء القربات، و كانت الصلوات خمسا لمطابقتها أصول تركيب الإنس (الماء، التراب، النار، الهواء، الروح) لأن الخمسة وحدها من بين سائر الأعداد تحفظ نفسها و غيرها، فاعرف قدرها و اشكر خيرها، و اعلم أنه تعالى قسم هذه الصلوات قسمين، و جعل لها حكمين، لتحصيل علمين، في عالمين راجعين إلى حاكمين، فقسم واحد خصه بالعقل، و هو الحضور و التدبر لما يتلوه بعد عقد النية، و قسم آخر خصه بالحس و هو التلاوة و جميع حركات الصلاة، لما كانت لا توجد إلا في هذه البنية، و أما الحكمان، فحكم العقل التوجه إلى القربة، و حكم الحس التوجه إلى الكعبة، و إنما قيدنا بجهة واحدة عن الجهات، لإزالة الحيرة و الالتفات، و إشارة إلى فضل الجمع على الشتات،

و أما العلمان: فالعلم الواحد يختص بالعقل و هو علم التنزلات و العلم الآخر يختص بالحس و هو علم التجليات، و أما العالمان، فالعالم الواحد عالم الغيب، و العالم الآخر عالم الشهادة المقدس عن الريب، و أما الحاكمان، فالحاكم الواحد الاسم الظاهر،و الحاكم الآخر الاسم الباطن بلا مؤازر، و لما اشتق اللّه تعالى لهذه الصلاة أسماء من أوقاتها لا من ساعاتها، علمنا أن ذلك لسرّ أبداه، و خير إلينا أسداه، فصلاة الظهر في العقل لظهوره بالعلم، و في الحس لظهوره بالفعل في خلق الظهيرة و الحكم، و صلاة العصر في العقل لضمه إياه في عقل معرفته عن النقل، و في الحسّ لضمه إياه في فروع الأحكام إلى النقل عن العقل، بضم الشمس إلى الغيب لوجود الفصل و الفضل، و صلاة المغرب في العقل لاستتاره بالأدلة الفكرية، و في الحس لاستتاره عن الكيفية، و صلاة العشاء في العقل لاستسلامه إلى سلطان السمع، فلاحت له بارقة من بوارق الجمع، فغشيت عين بصيرته لشدة ظلام الطبع، و في الحس لاستتار المبصرات بجلابيب الظلمات، فكأن العين غشيت عن إدراكها في أصل الوضع، و صلاة الفجر في العقل لانفجار بحار الأسرار، و في الحسّ لانفجار بحار الأبصار.

و اعلم أن الصلوات المفروضة كلها نهارية، إما بالشمس و إما بآثارها، إلا العشاء الأخيرة فإنّها مشتركة بين الليل و بين النهار أنوارها، و ذلك لسرّ غريب، و معنى عجيب، و هو أن الصلاة تكليف، ففيها مشقة و تعنيف، هما صفتان للنهار دون الليل عقلا و إحساسا، فجعل النهار معاشا و جعل النوم سباتا، حين جعل الليل لباسا، و انظر ما أوزن هذا التعريف بحكمة التكليف، ثم اعلم أن الصلاة البرزخية، و هي المغرب فرضها سبحانه بين جهر في شفع، و سرّ في وتر، و ذلك في العقل لأن البرزخ في الصلاة أمر معقول بين عبد و رب علي قدر، لأن العبد بالليل منوط، و الرب بضوء شمس اللّه مربوط، و في الحسّ بين كشف و ستر، و أن الصلاة النهارية مفروضة بين شفع و سرّ، فالشفع للخلق، و السر للوتر، فإن الخلق إذا ظهر احتجب الحق و استتر، فلهذا شفع الظهر و العصر، و بالقراءة أسر، و جهر في كل صلاة الفجر لقرب طلوع الشمس.

 

[سورة هود (11): الآيات 116 الى 118]

فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَ كانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى‏ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُونَ (117) وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)

[المشيئة الإلهية]

اعلم أن المشيئة الإلهية، لما كان لها أثر في الفعل لهذا نفى تعلقها بما لا يقبل الانفعال من حيث مرجحه لا من حيث نفسه، فإن قلت فما فائدة إخبار اللّه تعالى بأنه لو شاء لفعل كذا مع كون كذا يستحيل وقوعه عقلا لكون المشيئة الإلهية لم تتعلق به؟ قلنا: إن ذلك إعلام لنا أن ذلك الأمر الذي نفى تعلق المشيئة الإلهية، بكونه، ليس يستحيل كونه بالنظر إلى نفسه لإمكانه، فإنه يجب له أن يكون في نفسه قابلا لأحد الأمرين، فيفتقر إلى المرجح بخلاف المحال لنفسه، فإنه يستحيل نفي تعلق المشيئة بكونه، فإنه لا يكون لنفسه، فكانت فائدة إخبار اللّه تعالى بقوله‏ «لَوْ شاءَ»* فيما لا يقع إعلاما أنه بالنظر إلى ذاته ممكن الوقوع، ليفرق لنا سبحانه بين ما هو في الإمكان و بين ما ليس بممكن، فنفى تعلق المشيئة و الإرادة به قال تعالى: «وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ» لاختلاف معتقداتهم، فهم يخالفون المرحومين مخالفيهم.

[سورة هود (11): آية 119]

إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)

– الوجه الأول- «إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ» و هم أهل الجمع الذين عرفوه في الاختلاف في التجلي فلم ينكروه- الوجه الثاني- «إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ» فما زالوا من الخلاف لأنهم قد خالفوا المختلفين‏ «وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ» أي من أجل الخلاف خلقهم لتظهر أسماؤه في الوجود، فما تعدى كل خلق ما خلق له، فالكل طائع و إن كان فيهم من ليس بمطيع مع كونه طائعا، فما ثم إلا اختلاف، و لا يكون إلا هكذا، فإذا سمعت أن ثمّ أهل جمع فليس إلا من جمع مع الحق على ما في العالم من الخلاف، لأن الأسماء الإلهية مختلفة و ما ظهر العالم إلا بصورتها، فأصل اختلاف المعتقدات في العالم الكثرة في العين الواحدة، فإن اللّه من حيث نفسه له أحدية الأحد، و من حيث أسماؤه له أحدية الكثرة، فهذا هو السبب الموجب‏ لتجليه تعالى في الصور المختلفة، و تحوله فيها لاختلاف المعتقدات في العالم إلى هذه الكثرة، فكان الحق سبحانه أول مسئلة خلاف ظهر في العالم، لأن كل موجود في العالم أول ما ينظر في سبب وجوده، لأنه يعلم في نفسه أنه لم يكن ثم كان بحدوثه لنفسه، و اختلفت فطرهم في ذلك، فاختلفوا في السبب الموجب لظهورهم ما هو؟ فلذلك كان الحق أول مسئلة خلاف في العالم، و لما كان أصل الخلاف في العالم في المعتقدات، و كان السبب أيضا وجود كل شي‏ء من العالم على مزاج لا يكون للشي‏ء الآخر، لهذا كان مآل الجميع إلى الرحمة لأنه خلقهم و أظهرهم في العماء و هو نفس الرحمن.

[سورة هود (11): آية 120]

وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَ جاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ (120)

[خصّ صلّى اللّه عليه و سلم بعلم إحياء الأموات معنى و حسا]

خصّ صلّى اللّه عليه و سلم بعلم إحياء الأموات معنى و حسا، فحصل العلم بالحياة المعنوية و هي حياة العلوم و الحياة الحسية، و هو ما أتى في قصة إبراهيم عليه السلام تعليما و إعلاما لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و هو قوله تعالى: «وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ» و ذلك تسكين و رفق من اللّه لما يجده رسوله صلّى اللّه عليه و سلم من ردّ أمره، فيجد لذلك عزاء في نفسه، لما يرى من منازعة أمته إياه فيما جاء به عن اللّه، و ليري نبيه صلّى اللّه عليه و سلم ما قاست الأنبياء من أممهم فيعزي نفسه بذلك و تثبيتا لفؤاده صلّى اللّه عليه و سلم، إن وقع منا في أمر اللّه ما وقع من هؤلاء «وَ جاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ» «وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى‏» لنا نحن‏ «لِلْمُؤْمِنِينَ» لنشكر اللّه على ما أولانا من نعمه، حيث آمنا و استسلمنا و لم نكلف نبينا أن يسأل ربه شيئا مثل ما كلّفت الأمم رسلها، فنشكره سبحانه على هذه النعمة إذ لو شاء لألقى في قلوبنا، ما ألقاه في قلوب الأمم قبلنا. و اعلم أن جميع هذا القصص، إنما هو قناطر و جسور موضوعة نعبر عليها إلى ذواتنا و أحوالنا المختصة بنا، فإن فيها منفعتنا، إذ كان اللّه نصبها معبرا، فما أبلغ قوله تعالى‏ «وَ جاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى‏» لما فيك و ما عندك بما نسيته، فيكون هذا الذي قصصته عليك يذكرك بما فيك و ما نبهتك عليه.

 

[سورة هود (11): الآيات 121 الى 123]

وَ قُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (121) وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)

لما تغرّب الأمر عند المحجوبين عن موطنه بما ادعوه فيه لأنفسهم قيل لهم:

 

[ «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ»]

«وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» لو نظرتم من نسبتم إليه هذا الفعل منكم، إنما هو اللّه لا أنتم، فأضاف الحق الأفعال إليه ليحصل للعبد الطمأنينة، بأن الدعوى لا تصح فيها مع التمييز بين ما يستحقه الحق عزّ و جل و ما لا يستحقه، فإذا بلغ العبد هذا الحدّ ردّ الأمور كلها للّه، و لما رجع الأمر كله للّه مما وقعت فيه الدعاوى الكاذبة، لم يدل رجوعها إلى اللّه تعالى على أمر لم يكن عليه اللّه، بل هويته هي هي في حال الدعاوى في المشاركة و في حال رجوع الأمر إليه، و المقام ليس إلا للتمييز و الحقيقة، ما عصى اللّه أحد و لا أطاعه بل الأمر كله للّه، فأفعال العبد خلق للّه و العبد محلّ لذلك الخلق، فالأصل في العالم قبول الأمر الإلهي في التكوين، و العصيان أمر عارض له نسبي، فإليه يرجع الأمر كله، يعني الذي عليه العالم بأسره، ما صح منه و ما اعتل، فلا تنظر إلى المناصب و انظر إلى الناصب الذي يعمل بحكم الموطن لا بما يقتضيه النظر العقلي، فمن موطن الدنيا أن يعامل فيها الجليل بالإجلال في وقت، و في وقت يعامل الجليل بالصغار، و في وقت يعامل الصغير بالصغار، و في وقت يعامل الصغير بالجلال بخلاف موطن الآخرة، فإن العظيم بها يعامل بالعظمة، و الحقير بها يعامل بالحقارة، و لو نظر الناظر لرأى في الدنيا من يقول في اللّه ما لا يليق به تعالى و من يقول فيه ما يليق به من التنزيه و الثناء، فالناظر إذا كان عاقلا علم بعقله أن موطن الدنيا كذا يعطي و يترك عنه الجواز العقلي الذي يمكن في كل فرد فرد من أفراد العالم، فإن هذا الجواز في عين الشهود ليس بعلم و لا صحيح، و ليكن العاقل مع الواقع في الحال، فإن ذلك صورة الأمر على ماهو عليه في نفسه، فإنّ اللّه تعالى ذكرنا بنفسه لنعلم أن المرجع إليه، فلا نقوم في شي‏ء نحتاج فيه إلى الاعتذار عنه أو نستحي منه عند المرجع إليه، فهو تعالى على صراط مستقيم، و منه بدأ الأمر كله و لذلك جاء بالرجوع، لأنه لا يمكن أن يكون الرجوع إلا من خروج متقدم، و الموجودات كلها و المحدثات ما خرجت إلى الوجود إلا عن اللّه، فلهذا ترجع أحكامها إليه و لم تزل عنده، و إنما سميت راجعة لما طرأ للخلق من رؤية الأسباب التي هي حجب على أعين الناظرين، فلا يزالون ينظرون و يخترقون الأسباب من سبب إلى سبب حتى يبلغوا إلى السبب الأول، و هو الحق فهذا معنى الرجوع، و من جهة أخرى لما كانت الأسماء و الصفات كلها للّه تعالى حتى ما يزعم العبد أنها له، قال تعالى: «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» فأخذ منه جميع ما كان يزعم أنه له إلا العبادة، فإنه لا يأخذها إذ كانت ليست بصفة له، فقال له تعالى: «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ» و هو أصله الذي خلق له‏ (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فالعبادة اسم حقيقي للعبد، فهي ذاته و موطنه و حاله و عينه و نفسه و حقيقته و وجهه، و أتى باسمه المضمر في‏ «فَاعْبُدْهُ» لأنه إن عبدته من حيث عرفته فنفسك عبدت، و إن عبدته من حيث لم تعرفه فنسبته إلى المرتبة الإلهية فالمرتبة عبدت، و إن عبدته عينا من غير مظهر و لا ظاهر و لا ظهور، بل هو هو لا أنت، و أنت أنت لا هو، فهو قوله: «فَاعْبُدْهُ» فقد عبدته، و تلك المعرفة التي ما فوقها معرفة، فإنها معرفة لا يشهد معروفها، «فَاعْبُدْهُ» أي تذلّل له في كل صراط يقيمك فيه، لا تتذلل لغيره، فإن غيره عدم، و من قصد العدم لم تظفر يداه بشي‏ء، و لا تقل أنت المدرك، فإن الأبصار لا تدركه، إذ لو أدرك الغيب، ما كان غيبا، لذلك جاء بضمير الغائب في قوله‏ «فَاعْبُدْهُ» فاعبد ذاتا منزهة مجهولة لا تعرف منها سوى نسبتك إليها بالافتقار، و لهذا تمم فقال:

«وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ» أي اعتمد عليه‏ «وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» من دعواكم أن الأمر إليكم، و هو للّه، و قطع بهذا ظهر المدّعين بالاستقامة على العبودية و التوكل، إذا لم يكن صفتهم و لا حالهم، فقوله تعالى‏ «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» يشير به للإنسان للبراءة من نفسه، و رد الأمر كله إلى اللّه، فالحق سبحانه غاية الطرق، قصدت الطرق أو لم تقصد، فما هو غاية قصد السالك، فإن السالك مقيد القصد (ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) و فيه إشارة إلى أنه ما في الوجود بحكم الحقيقة إلا طاهر، فإن الاسم القدوس يصحب الموجودات، و به يثبت‏ قوله: «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» من تفريقكم بين اللّه و بين عباده، و لا ينبغي أن يحال بين العبد و سيده، و لا يدخل بين العبد و السيد إلا بخير و لهذا شرع الشفاعة و قبل العذر، و أما النجاسة فهي أمر عرضي، عيّنه حكم شرعي، و الطهارة أمر ذاتي، و لما كان الوجود منه قال تعالى: «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ» بين البدء و الختم و هو الرجوع‏ «وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ» فيهما، فهل طلب منك ما ليس لك فيه تعمل؟

«وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» فلا بد من حقيقة هنا تعطي إضافة العمل إليك مع كونه خلقا للّه تعالى، حيث أنتم مظاهر أسمائه الحسنى، و بها تسعدون و تشقون، (وَ اللَّهُ مَعَكُمْ وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) فأضاف العمل لك، و جعل نفسه رقيبا عليه و شهيدا، لا يغفل و لا ينسى، ذلك لتقتدي أنت به فيما كلفك من الأعمال، فلا تغفل و لا تنسى لأنك أولى بهذه الصفة لافتقارك إليه و غناه عنك، فسلّم الأمر إليه و استسلم، تكن موافقا لما هو الأمر عليه في نفسه، فتستريح من تعب الدعوى بين الافتتاح و الختم، و إذا علمت هذا فارجع إليه مختارا و لا ترجع مضطرا، فإنه لا بد من رجوعك إليه، و لا بد أن تلقاه كارها كنت أو محبا، فإنه يلقاك بصفتك لا يزيد عليها، فانظر لنفسك يا ولي، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [من أحب لقاء اللّه، أحب اللّه لقاءه، و من كره لقاء اللّه، كره اللّه لقاءه‏] و لما كان لقاء اللّه لا يكون إلا بالموت، فمن علم الموت استعجله في الحياة الدنيا، فيموت في عين حياته عن جميع تصرفاته و حركاته و إراداته فيلقى اللّه بحكم من يلقاه محبا للقائه، فإذا جاء الموت المعلوم في العامة و انكشف غطاء هذا الجسم، لم يتغير عليه حال و لا زاد يقينا، فما يذوق إلا الموتة الأولى، و هي التي ماتها في حياته، قال عليّ رضي اللّه عنه:

لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، فمن رجع إلى اللّه هذا الرجوع سعد و ما أحس بالرجوع المحتوم الاضطراري، فإنه ما جاءه إلا و هو هناك عند اللّه، فغاية ما يكون الموت المعلوم في حقه أن نفسه التي هي عند اللّه يحال بينها و بين تدبير هذا الجسم الذي كانت تدبره، فتبقى مع الحق على حالها؛ و ينقلب هذا الجسد إلى أصله، و هو التراب الذي منه نشأت ذاته، فكأن دارا رحل عنها ساكنها، فأنزله الملك في مقعد صدق عنده إلى يوم يبعثون، و يكون حاله في بعثه كذلك لا يتغير عليه حال مع كونه مع الحق لا من حيث ما يعطيه الحق مع الأنفاس، و هكذا في الحشر العام و في الجنان التي هي مقره و مسكنه، و في النشأة التي ينزل فيها، و هذا الرجوع ما هو رجوع التوبة فإنّه لذلك الرجوع حدّ خاص، و هذا رجوع عام في كل الأحوال التي يكون عليها الإنسان- تحقيق- المسافر ترك الحق في أهله خليفة، شفقة عليهم و حذرا و خيفة، و ما خاف عليهم إلا منه، لأنه ما يصدر شي‏ء إلا عنه، إذا كان السيد راعي الغنم، فما جار و ما ظلم، و ما ينال منها إلا ما يقوته، و قوته ما يفوته، قوته آثار أسمائه في عباده، و بها عمارة بلاده، فحراثة و زراعة، و تجارة و بضاعة، لذلك وصف باليدين، و أظهر في الكون النجدين، فالواحدة بائعة و الأخرى مبتاعة، إلى قيام الساعة، و لكل يد طريق، هذا هو التحقيق، فإن حكم المشتري ما هو حكم البائع، و هذا ما لا شك فيه من غير مانع و لا منازع، آئبون تائبون و هو التواب و إليه المآب- تحقيق- قال تعالى: «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» سمّي رجوعا لكونه منه خرج، و إليه يعود و فيما بين الخروج و العود، وضعت الموازين، و مد الصراط و وقعت الدعاوى، و ظهرت الآفات، و كانت الرسل و جاءت الأدواء، فمنهم المستعمل لها، و الآخذ بها و التارك لها.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏2، ص: 371

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=