تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الفرقان
(25) سورة الفرقان مكيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة الفرقان (25): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (1)
[اعلم أن اللّه أنزل الكتاب فرقانا في ليلة القدر، ليلة النصف من شعبان،]
اعلم أن اللّه أنزل الكتاب فرقانا في ليلة القدر، ليلة النصف من شعبان، و أنزله قرآنا في شهر رمضان، كل ذلك إلى السماء الدنيا، و من هناك نزل في ثلاث و عشرين سنة فرقانا نجوما ذا آيات و سور، لتعلم المنازل، و تتبين المراتب، فمن نزوله إلى الأرض في شهر شعبان يتلى فرقانا، و من نزوله في شهر رمضان يتلى قرآنا.
[سورة الفرقان (25): آية 2]
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (2)
[ «وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً»]
أول أثر إلهي في الخلق التقدير، لذلك قال تعالى: «وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً» و أعلم أن الجوهر الثابت هو العماء، و ليس إلا نفس الرحمن، و العالم جميع ما ظهر فيه من الصور فهي أعراض فيه، و أما نضده على الظهور و الترتيب، فأرواح نورية إلهية مهيمة في صور نورية خلقية إبداعية في جوهر نفس هو العماء، و من جملتها العقل الأول، و هو القلم،ثم النفس و هو اللوح المحفوظ، ثم الجسم، ثم العرش و مقره و هو الماء الجامد و الهواء و الظلمة، ثم ملائكته، ثم الكرسي، ثم ملائكته، ثم الأطلس، ثم ملائكته، ثم فلك المنازل، ثم الجنات بما فيها، ثم ما يختص بها و بهذا الفلك من الكواكب، ثم الأرض، ثم الماء، ثم الهواء العنصري، ثم النار، ثم الدخان و فتق فيه سبع سماوات: سماء القمر، و سماء الكاتب، و سماء الزهرة، و سماء الشمس، و سماء الأحمر، و سماء المشتري، و سماء المقاتل، ثم أفلاكها المخلوقون منها، ثم ملائكة النار و الماء و الهواء و الأرض، ثم المولدات المعدن و النبات و الحيوان، ثم نشأة جسد الإنسان، ثم ما ظهر من أشخاص كل نوع من الحيوان و النبات و المعدن، ثم الصور المخلوقات من أعمال المكلفين و هي آخر نوع، هذا ترتيبه بالظهور في الإيجاد. و أما ترتيبه بالمكان الوجودي أو المتوهم، فالمكان المتوهم المعقولات التي ذكرناها إلى الجسم الكل، ثم العرش، ثم الكرسي، ثم الأطلس، ثم المكوكب- و فيه الجنات- ثم سماء زحل، ثم سماء المشتري، ثم سماء المريخ، ثم سماء الشمس، ثم سماء الزهرة، ثم سماء الكاتب، ثم سماء القمر، ثم الأثير، ثم الهواء، ثم الماء، ثم الأرض.
و أما ترتيبه بالمكانة:فالإنسان الكامل، ثم العقل الأول، ثم الأرواح المهيمة، ثم النفس، ثم العرش، ثم الكرسي، ثم الأطلس، ثم الكثيب، ثم الوسيلة، ثم عدن، ثم الفردوس، ثم دار السلام، ثم دار المقامة، ثم المأوى، ثم الخلد، ثم النعيم، ثم فلك المنازل، ثم البيت المعمور، ثم سماء الشمس، ثم القمر، ثم المشتري، ثم زحل، ثم الزهرة، ثم الكاتب، ثم المريخ، ثم الهواء، ثم الماء، ثم التراب، ثم النار، ثم الحيوان، ثم النبات، ثم المعدن.
و في الناس: الرسل، ثم الأنبياء، ثم الأولياء، ثم المؤمنون، ثم سائر الخلق. و في الأمم: أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم، ثم أمة موسى عليه السلام، ثم الأمم على منازل رسلها، فنقول بعد هذا الإيجاز: إنه لما شاء سبحانه أن يوجد الأشياء من غير موجود، و أن يبرزها في أعيانها بما تقتضيه من الرسوم و الحدود، لظهور سلطان الأعراض و الخواص و الفصول و الأنواع و الأجناس، الدافعين شبه الشكوك، و الرافعين حجب الالتباس، بوسائط العبارات الشارحة، و الصفات الرسمية و الذاتية، النيرة النبراس، انجلى في صورة العلم صور الجواهر المتماثلات و الأعراض المختلفات و المتماثلات و المتقابلات، و فصل بين هذه الذوات بين المتحيزات منها و غير المتحيزات، كما انجلى في ذوات الأعراض و الجواهر صور الهيئات و الحالات، بالكيفيات و صور المقادير و الأوزان المتصلات و المنفصلات بالكميات، و صور الأدوار و الحركات الزمانيات، و صور الأقطار و الأكوار المكانيات، و الصور الحافظات الماسكات نظام العالم، الحاملات أسباب المناقب و المثالب العرضيات، و أسباب المدائح أو المذام الشرعيات، و أسباب الصلاح و الفساد الوضعيات الحكميات، و صور الإضافات بين المالك و المملوك، و الآباء و الأبناء و البنات، و صور التمليك بالعبيد و الإماء الخارجات، و الحسن و الجمال و العلم و أمثال ذلك الداخلات، و صور التوجهات الفعلية القائمة بالفاعلات، و صور المنفعلات التي هي بالفعل و الفاعلات مرتبطات، و قال عند ما جلّاها بالشمس و ضحاها و القمر إذا تلاها، و النهار إذا جلّاها و الليل إذا يغشاها، و السماء و ما بناها، و الأرض و ما طحاها. هذه حقائق الآباء العلويات، و الأمهات السفليات، و لها البقاء بالإبقاء، مع استمرار التكوينات و التلوينات بالتغيير و الاستحالات، ليثبت عندها علم ما هي الحضرة الإلهية عليه من العزة و الثبات، فهذا هو الذي أبرز سبحانه من المعلومات، و لا يجوز غير ذلك فإنه لم يبق سوى الواجبات و المحالات.
فأول موجود أداره سبحانه فلك الإشارات إدارة إحاطة معنوية، و هو أول الأفلاك الممكنات المحدثات المعقولات، و أول صورة ظهر في هذا الفلك العمائي صور الروحانيات المهيمات، الذي منها القلم الإلهي الكاتب العلام في الرسالات، و هو العقل الأول الفياض في الحكميات و الإنباءات، و هو الحقيقة المحمدية، و الحق المخلوق به، و العدل، عند أهل اللطائف و الإشارات، و هو الروح القدسي الكل، عند أهل الكشوف و التلويحات، فجعله عالما حافظا باقيا تاما كاملا فياضا كاتبا من دواة العلم، تحركه يمين القدرة عن سلطان الإرادة و العلوم الجاريات إلى نهايات، و هو مستوى الأسماء الإلهيات.
ثم أدار معدن فلك النفوس دون هذا الفلك و هو اللوح المحفوظ في النبوات، و هو النفس المنفعلة عند أصحاب الإدراكات و الإشارات و المكاشفات، فجعلها باقية تامة غير كاملة و فائضة غير مفيضة فيض العقل، فهي في محل القصور و العجز عن بلوغ الغايات، ثم أوجد الهباء في الكشف، و الهيولى في النظر، و الطبيعة في الأذهان، لا في الأعيان، فأول صورة أظهر في ذلك الهباء صور الأبعاد الثلاثة فكان المكان، فوجه عليه سبحانه سلطان الأربعة الأركان، فظهرت البروج الناريات و الترابيات و الهوائيات و المائيات، فتميزت الأكوان، و سمى هذا الجسم الشفاف اللطيف المستدير المحيط بأجسام العالم، العرش العظيم الكريم،و استوى عليه باسمه الرحمن، استواء منزها عن الحد و المقدار، معلوما عنده غير مكيف و لا معلوم للعقول و الأذهان، ثم أدار سبحانه في جوف هذا الفلك الأول فلكا ثانيا، سماه الكرسي، فتدلت إليه القدمان، فانفرق فيه كل أمر حكيم بتقدير عزيز عليم، و عنده أوجد الخيرات الحسان، و المقصورات في خيام الجنان، ثم رتب فيه منازل الأمور كلها، و أحكمها في روحانيات سخرها و حكّمها بالتأثيرات السبعية من ألف إلى ساعة عن اختلاف الملوان، و جعل هذه المنازل بين وسط ممزوج، و طرفي سعد مستقر، و نحس مستمر، بنزول المقدر المفرد الإنسان، ثم أدار سبحانه في جوف هذا الفلك الثاني فلكا ثالثا، و خلق فيه كوكبا سابحا من الخنس الكنس، مسخرا فقيرا، أودع لديه كل أسود حالك، و قرن به ضيق المسالك، و الوعر و الحزن و الكرب و الحزن و حسرات الفوت، و سكرات الموت، و أسرار الظلمات، و المفازات المهلكات، و الأشجار المثمرات، و الأفاعي و الحيات، و الحيوانات المضرات، و الحرات الموحشات، و الطرق الدارسات، و العنا و المشقات، و خلق عند مساعدته النفس الكلية الجبال، لتسكين الأرضين المدحيات، و أسكن في هذا الفلك روحانية خليله إبراهيم عليه السلام، عبده و رسوله.
ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكا رابعا، خلق فيه كوكبا سابحا من الخنس الكنس، أودع لديه النخل الباسقات، و العدل في القضايا و الحكومات، و أسباب الخير و السعادات، و البيض الحسان المنعمات، و الاعتدالات و التمامات، و أسرار العبادات و القربات، و الصدقات البرهانيات، و الصلوات النوريات، و إجابة الدعوات، و الناظرين إلى الواقفين بعرفات، و قبول النسك بموضع رمي الجمرات، و خلق عند مساعدته النفس الكلية تحليل المياه الجامدات، و أسكن في هذا الفلك روحانية نبيه موسى عليه السلام عبده و نجيه.
ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكا خامسا، خلق فيه كوكبا سابحا من الخنس الكنس، أودع لديه حماية المذاهب بالقواضب المرهفات، و الموازن السمهريات، و تجميز قدور راسيات، و ملء جفون كالجوابي المستديرات، و التعصبات و الحميات، و إيقاع الفتن و الحروب بين أهل الهدايات و الضلالات، و تقابل الشبه المضلات، و الأدلة الواضحات بين أهل العقول السليمة و التخيلات، و خلق عند مساعدته النفس الكل لتلطيف الأهوية السخيفات، و أسكن في هذا الفلك روح رسوليه هارون و يحيى عليهما السلام موضحي سبيليه. ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكا سادسا،خلق فيه كوكبا عظيما مشرقا سابحا، و أودع لديه أسرار الروحانيات، و الأنوار المشرقات، و الضياءات اللامعات، و البروق الخاطفات، و الشعاعات النيرات، و الأجساد المستنيرات، و المراتب الكاملات، و الاستواءات المعتدلات، و المعارف اللؤلؤيات و اليواقيت العاليات، و الجمع بين الأنوار و الأسرار الساريات، و معالم التأسيسات، و أنفاس النور الجاريات، و خلع الأرواح المدبرات، و إيضاح الأمور المبهمات، و حل المسائل المشكلات، و حسن إيقاع السماع في النغمات، و توالي الواردات، و ترادف التنزلات الغيبيات، و ارتقاء المعاني الروحانيات، إلى أوج الانتهاءات، و دفع العلل بالعلالات النافعات، و الكلمات المستحسنات، و الأعراف العطريات، و أمثال ذلك مما يطول ذكره، و خلق عند مساعدته النفس الكل تحريك الفلك الأثير لتسخين العالم بهذه الحركات، و أسكن في هذا الفلك إدريس النبي، المخصوص بالمكان العلي. ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكا سابعا خلق فيه كوكبا سابحا من الخنس الكنس، أودع لديه التصوير التام، و حسن النظام، و السماع الشهي، و المنظر الرائق البهي، و الهيبة و الجمال، و الانس و الجلال، و خلق عند مساعدته النفس الكل تقطير ماء رطب في كل ركن البخارات، و أسكن في هذا الفلك روحانية النبي الجميل يوسف عليه السلام.
ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكا ثامنا، خلق فيه كوكبا سابحا من الخنس الكنس، أودع لديه الأوهام و الإيهام، و الوحي و الإلهام، و مهالك الآراء الفاسدة و القياسات، و الأحلام الرديئة و المبشرات، و الاختراعات الصناعيات و الاستنباطات العمليات، و ما في الأفكار من الغلطات و الإصابات، و القوى الفاعلات و الوهميات، و الزجر و الكهانات و الفراسات، و السحر و العزائم و الطلسميات، و خلق عند مساعدته النفس الكل مزج البخارات الرطبة بالبخارات اليابسات، و أسكن في هذا الفلك روحانية روحه و كلمته عيسى عليه السلام عبده و رسوله و ابن أمته. ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكا آخر تاسعا خلق فيه كوكبا سابحا أودع اللّه لديه الزيادة و النقصان، و الربو و الاستحالات بالاضمحلالات، و خلق عند مساعدته النفس الكل إمداد المولدات بركن العصارات، و أسكن في هذا الفلك روحانية نبيه آدم عليه السلام عبده و رسوله و صفيه، و أسكن هذه الأفلاك المستديرات أصناف الملائكة الصافات التاليات، فمنها القائمات و القاعدات، و منها الراكعات و الساجدات، كما قال تعالى إخبارا عنهم (وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) فهم عمار السموات، و جعل منهم الأرواح المطهرات، المعتكفين بأشرف الحضرات، و جعل منهم الملائكة المسخرات، و الوكلاء على ما يخلقه اللّه من التكوينات، فوكل بالأرجاء الزاجرات و الأنباء المرسلات، و بالإلهام و اللمات الملقيات، و بالتفصيل و التصوير و الترتيب المقسمات، و بالترغيب و الترحيب الناشرات، و بالترهيب الناشطات، و التشتيت النازعات، و بالسوق السابحات، و بالاعتناء السابقات، و بالأحكام المدبرات.
ثم أدار في جوف هذا الفلك كرة الأثير، أودع فيها رجوم المسترقات الطارقات، ثم جعل دونه كرة الهواء أجرى فيه الذاريات العاصفات، السابقات الحاملات المعصرات، و موّج فيه البحور الزاخرات الكائنات من البخارات المستحيلات، و يسمى دائرة كرة الزمهرير، تتعلم منه صناعة التقطير، و أمسك في هذه الكرة أرواح الأجسام الطائرات، و أظهر في هاتين الكرتين الرعود القاصفات، و البروق الخاطفات، و الصواعق المهلكات، و الأحجار القاتلات، و الجبال الشامخات، و الأرواح الناريات الصاعدات النازلات، و المياه الجامدات.
ثم أدار في جوف هذه الكرة كرة أودع فيها سبحانه ما أخبرنا به في الآيات البينات، من أسرار إحياء الموات، و أجرى فيها الأعلام الجاريات، و أسكنها الحيوانات الصامتات، ثم أدار في جوفها كرة أخرى أودع فيها ضروب التكوينات من المعادن و النباتات و الحيوانات، فأما المعادن فجعلها عزّ و جل ثلاث طبقات: منها المائيات و الترابيات و الحجريات، و كذلك النبات: منها النابتات و المغروسات و المزروعات، و كذلك الحيوانات: منها المولدات المرضعات و الحاضنات و المعفنات، ثم كون الإنسان مضاهيا لجميع ما ذكرناه من المحدثات، ثم وهبه معالم الأسماء و الصفات، فمهدت له هذه المخلوقات المعجزات، و لهذا كان آخر الموجدات، فمن روحانيته صح له سر الأولية في البدايات، و من جسميته صح له الآخرية في الغايات، فبه بدأ الأمر و ختم، إظهارا للعنايات و أقامه خليفة في الأرض، لأن فيها ما في السموات، و أيده بالآيات و العلامات و الدلالات و المعجزات، و اختصه بأصناف الكرامات، و نصب به القضايا المشروعات، ليميز اللّه به الخبيثات من الطيبات، فيلحق الخبيث بالشقاوات في الدركات، و يلحق الطيب بالسعادات في الدرجات، كما سبق في القبضتين اللتين هما صفتان للذات، فسبحان مبدئ هذه الآيات، و ناصب هذه الدلالات، على أنه واحد قهار الأرض و السموات.
[سورة الفرقان (25): آية 3]
وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ وَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً (3)
من اتخذ إلها من غير دعوى منه، بل هو في نفسه عبد، غير راض بما نسب إليه، و عاجز عن إزالة ما ادعي فيه، فإنه مظلوم حيث سلب عنه هذا المدعي ما يستحقه، و هو كونه عبدا، فظلمه فينتصر اللّه له لا لنفسه، فاتخاذ الشريك من مظالم العباد.
[سورة الفرقان (25): الآيات 4 الى 13]
وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَ أَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَ زُوراً (4) وَ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (6) وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَ قالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (8)
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (9) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (11) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً (12) وَ إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (13)
«وَ إِذا أُلْقُوا مِنْها» يعني من جهنم «مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً» فإن النفوس تكون في أشد ألم، و أضيق حبس، إذا شقيت و حبست في المكان الضيق، لأن الأرواح من عالم السعة و الانفساح بالأصل، فإذا انحصرت في هذا العالم الضيق بما اكتسبت كان الضيق عليها أشد عذابا، فإن الضيق نقيض الرحمة. و الثبور الهلاك.
[سورة الفرقان (25): آية 14]
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَ ادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (14)
ثبورا لا يتناهى، فإن عذابكم لا يتناهى.
[سورة الفرقان (25): الآيات 15 الى 17]
قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَ مَصِيراً (15) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (16) وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17)
النجاة مطلوبة لكل نفس و لأهل كل ملة، فهي محبوبة للجميع، غير أنهم لما جهلوا الطريق الموصل إليها فكل ذي نحلة و ملة يتخيل أنه على الطريق الموصل إليها، فالقدح الذي يقع بين أهل الملل و النحل إنما هو من جهة الطرق التي سلوكها للوصول إليها، لا من جهتها، و لو علم المخطئ طريقها أنه على خطأ ما أقام عليه.
[سورة الفرقان (25): الآيات 18 الى 19]
قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَ لكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَ كانُوا قَوْماً بُوراً (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَ لا نَصْراً وَ مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (19)
الظلم هنا الذي جاء في قوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) و ليس إلا الظلم الذي قال فيه لقمان لابنه (لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) كذا فسره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.
[سورة الفرقان (25): الآيات 20 الى 23]
وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَ كانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20) وَ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَ يَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (22) وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (23)
فمن الغيرة الإلهية أن الناس ينادي مناد فيهم من قبل اللّه: أين ما أعطي لغير اللّه؟ فيؤتى بالأموال الجسام، و العقار و الأملاك، ثم يقال: أين ما أعطي لوجهي؟ فيؤتى بالكسر اليابسة، و الفلوس و قطع الفضة المحقرة، و الخليع من الثياب، فغار الحق لذلك أن يعطى لوجهه من نعمته مثل ذلك، فأخذ الصدقة بيده و رباها حتى صارت مثل جبل أحد أكبر ما يكون، فيظهرها له على رءوس الأشهاد، و يحقر ما أعطي لغير اللّه، فيجعله هباء منثورا.
[سورة الفرقان (25): آية 24]
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلاً (24)
لا مفاضلة بين الخير و الشر، فما كان خير أصحاب الجنة أفضل و أحسن إلا من كونه واقعا وجوديا محسوسا، فهو أفضل من الخير الذي كان الكافر يتوهمه في الدنيا، و يظن أنه يصل إليه بكفره لجهله، فلهذا قال فيه خير و أحسن، فأتى ببنية المفاضلة.
[سورة الفرقان (25): آية 25]
وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَ نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (25)
«يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ» أي بسبب الغمام، أي لتكون غماما، فتفتح أبوابا كلها فتصير غماما، و قد كان الملائكة عمارها و هي سماء، فيكونون فيها و هي غمام، و فيها يأتون يوم القيامة إلى الحشر التقديري، و الملائكة في ظل من الغمام، و الظلل أبوابها يقول اللّه تعالى (وَ فُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً) و قال «يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَ نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا» و هو إتيانهم في ذلك الغمام لإتيان اللّه للقضاء و الفصل بين عباده يوم القيامة في تجلي القهر و الرحمة.
[سورة الفرقان (25): الآيات 26 الى 27]
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَ كانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (26) وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)
«وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ» و هم الكفار المقلدة «يَقُولُ» القائل منهم «يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا» فإنه قد زالت العداوة العرضية، فهم الذين بلغتهم دعوة الرسل عليهم السلام فردوها و لم يعملوا بها.
[سورة الفرقان (25): الآيات 28 الى 29]
يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَ كانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (29)
«وَ كانَ الشَّيْطانُ» يعني شيطان الإنس لا شيطان الجن «لِلْإِنْسانِ خَذُولًا» فإنه قال:
ما أضلني عن الذكر إلا فلان، و سمى إنسانا مثله، حيث أصغى إليه و قلده في مقالته، و حال بينه و بين اتباع ما أمره اللّه باتباعه، و هو ما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.
[سورة الفرقان (25): الآيات 30 الى 43]
وَ قالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَ كَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَ نَصِيراً (31) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (32) وَ لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَ أَحْسَنَ تَفْسِيراً (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضَلُّ سَبِيلاً (34)
وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ جَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (35) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (36) وَ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَ جَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَ أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (37) وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِّ وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (38) وَ كُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَ كُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (39)
وَ لَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (40) وَ إِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (41) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَ سَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (42) أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)راجع الجاثية آية 23.
| عبد الهوى آبق عن ملك مولاه | و ليس يخرج عنه فهو تياه | |
| الحرّ من ملك الأكوان أجمعها | و ليس يملكه مال و لا جاه | |
لما كان الهواء إذا تحرك أقوى المؤثرات الطبيعية في الأجسام و الأرواح، لم يكن ثمّ أقوى من الهواء إلا الإنسان، حيث يقدر على قمع هواه بعقله الذي أوجده اللّه فيه، فيظهر عقله في حكمه على هواه، فإنه لقوة الصورة التي خلق عليها، الرئاسة له ذاتية، و لكونه ممكنا الفقر و الذلة له ذاتية، فإذا غلّب فقره على رئاسته، فظهر بعبوديته و لم يظهر لربوبية الصورة فيه أثر، لم يكن مخلوق أشد منه. ورد في الخبر عن أنس بن مالك عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال [لما خلق اللّه الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت، فعجبت الملائكة فقالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، فقالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟
قال: نعم الريح، قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله] فأعطى اللّه من القوة النافذة للهوى ما يظهر بها على أكثر العقول إلا أن يعصم اللّه تعالى، فإن الهوى يقول: أنا الإله المعبود عند كل موجود، فإنه يعرض عن العقل و ما جاء به النقل، و تتبعه الشياطين و الشهوة.
[سورة الفرقان (25): آية 44]
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)
«إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ» يعني في الضلال الذي هو الحيرة، و ما شبّه اللّه أهل الضلال بالأنعام نقصا بالأنعام، فقد أثنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم على البهائم بقوله: [لو يعلم البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا] و إنما وقع التشبيه في الحيرة، لا في المحار فيه، فإن الأنعام و البهائم عالمة باللّه بالفطرة حائرة فيه، لذلك قال تعالى «إن هم إلا كالأنعام فإن لهم قلوبا يعقلون بها، و إن لهم أعينا يبصرون بها، و إن لهم آذانا يسمعون بها، فأنزلوا أنفسهم منزلة الأنعام «بل هم أضل سبيلا» لأن الأنعام ما جعل اللّه لهم هذه القوى التي توجب لصاحب البصر أن يعتبر، و لصاحب الأذن أن يعي ما يسمع، و لصاحب القلب أن يعقل؛ و السبيل الطريق، فزادوا ضلالا أي حيرة في الطريق التي يطلبونها للوصول إلى معرفة ربهم من طريق أفكارهم، فهذه حيرة زائدة على الحيرة في اللّه، و كذلك قال فيهم حيثما قال، إنما جعل الزيادة في السبيل و ليس إلا الفكر و التفكر فيما منع التفكر فيه، و هو النظر، فقال تعالى (وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا)– راجع الأعراف 178-.
[سورة الفرقان (25): الآيات 45 الى 46]
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (46)
[ «أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ»]
«أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ» قبض الظل و مدّه من اللطف ما إذا فكر فيه الإنسان رأى عظيم أمر، و لهذا نصبه اللّه دليلا على معرفته. فقال «أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ» فلا يدرك البصر عين امتداده حالا بعد حال، فإنه لا يشهد له حركة مع شهود انتقاله، فهو عنده متحرك لا متحرك، و كذلك في فيئه و هو قوله «ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً» فمنه خرج، فإنه لا ينقبض إلا إلى ما منه خرج، كذلك تشهده العين،
و قد قال تعالى و هو الصادق إنه قبضه إليه، فعلمنا أن عين ما خرج منه هو الحق، ظهر بصورة خلق، فيه ظل يبرزه إذا شاء، و يقبضه إذا شاء لكن جعل الشمس عليه دليلا و لم يتعرض لتمام الدلالة، و هو كثافة الجسم الخارج الممتد عنه الظل، فبالمجموع كان امتداد الظل، فهذا شمس، و هذا جدار، و هذا ظل، و هذا حكم امتداد و قبض بفيء و رجوع إلى ما منه بدأ فإليه عاد، و العين واحدة، فهل يكون شيء ألطف من هذا؟
فالأبصار و إن لم تدركه فما أدركت إلا هو، فإنه ما أحالنا إلا على مشهود بقوله «أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ» و ما مده إلا بشمس و ذات كثيفة تحجب وصول نور الشمس إلى ما امتد عليه ظل هذه الذات، و جهة خاصة، ثم قبضه كذلك، فهذه كيفية ما خاطبنا بها أن ننظر إليها و ما قال: فيها فكنا نصرف النظر تألقا إلى الفكر، و لكن بأداة «إلى» أراد شهود البصر، و إن كانت الأدوات يدخل بعضها في مكان بعض، و لكن لا يعرف ذلك إلا بقرائن الأحوال،
و هي إذا استحال أن يكون حكم هذه الأداة بالوضع في هذا الموضع، علمنا أنها بدل و عوض من أداة ما يستحقه ذلك الموضع، و هذا معلوم في اللسان، و بهذا اللسان أنزل القرآن، فلا بد أن يجري به على ما تواطئوا عليه في لحنهم، فقرن الرؤية ب «إلى» و جعل المرئي الكيف، فلم يشهد هنا ذات الحق و هو يكيف مد الظل، و إنما رأينا مد الظلال عن الأشخاص الكثيفة، التي تحجب الأنوار أن تنبسط على الأماكن التي تمتد فيها ظلال هذه الأشخاص، فعلمنا أن الرؤية في هذا الخطاب إنما متعلقها العلم بالكيف المشهود الذي ذكرناه، و أن ذلك من اللّه سبحانه لا من غيره، أي أنه لو أراد أن تكون الأشخاص الكثيفة منصوبة،
و الأنوار في جهة منها بمنع تلك الأشخاص انبساط النور على تلك الأماكن فيسمى منعها ظلالا، أو يقبض تلك الظلال عن الانبساط على تلك الأماكن و لا يخلق فيها نورا آخر، و لا ينبسط ذلك النور المحجوب على تلك الأماكن لما قصرت إرادته عن ذلك، كما قال تعالى: «ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً» و هو رجوع الظل إلى الشخص الممتد منه ببروز النور حتى يشهد ذلك المكان، فجعل المقبوض إنما كان قبضه إلى اللّه لا إلى الجدار، و في الشاهد و ما تراه العين أن سبب انقباض الظل و تشميره إلى جهة الشخص الكثيف إنما هو بروز النور،
فهذه آية الدلالة على اللّه بضرب مثل الظل، فأمرنا سبحانه بالنظر إليه، و النظر إليه معرفته، و لكن من حيث أنه مد الظل، و هو إظهاره وجود عينك، و ما في المسائل الإلهية ما تقع فيها الحيرة أكثر و لا أعظم من مسئلة الأفعال، فما نظرت إليه من حيث أحدية ذاته في هذا المقام و إنما نظرت إليه من حيث أحدية فعله في إيجادك في الدلالة، و هذه الآية دليل من قال بمنع تجليه سبحانه في الأفعال، أي في نسبة ظهور الكائنات و المظاهر عن الذات التي تتكون عنها الكائنات، و هو قوله تعالى (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ) و الأمر بينك و بين الحق في الوجود بين الاقتدار الإلهي، و بين القبول من الممكن، فقبض الظل إليه ليعرفك بك و بنفسه، لأنه ما خرج الظل إلا منك، و لو لا أنت لم يكن ظل، و لو لا الشمس أو النور لم يكن ظل، و كلما كثف الشخص تحققت أعيان الظلال، فمهما ارتفع واحد من الأمرين، ارتفع الوجود الحادث، كذلك إذا ارتفع العين المشرق أو الجسم الكثيف الحائل عن نفوذ هذا الإشراق فيه لما حدث الظل،
و قوله تعالى «ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا» الضمير في عليه يطلب الظل لأنه أقرب مذكور، و يطلب الاسم الرب، و إعادته على الرب أوجه، فإنه بالشمس ضرب اللّه المثل في رؤيته يوم القيامة، فقال على لسان نبيه صلّى اللّه عليه و سلم [ترون ربكم كما ترون الشمس بالظهيرة] أي وقت الظهر، و أراد عند الاستواء بقبض الظل في الشخص في ذلك الوقت لعموم النور ذات الرائي، و هو حال فنائه عن رؤية نفسه في مشاهدة ربه، ثم قال «ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً» و هو عند الاستواء، ثم عاد إلى مده بدلوك الشمس و هو بعد الزوال، لأنه في هذا الوقت تثبت له المعرفة بربه من حيث مده الظل،
و هنا تكون إعادة الضمير من «عليه» على الرب أوجه، فإنه عند الطلوع يعاين مد الظل، فينظر ما السبب في مده؟ فيرى ذاته حائلة بين الظل و الشمس، فينظر إلى الشمس فيعرف في مده ظله ما للشمس في ذلك من الأثر، فكان الظل على الشمس دليلا في النظر، و كان الشمس على مد الظل دليلا في الأثر. و اعلم أن الممكنات التي أوجدها الحق تعالى هي للأعيان التي تتضمنها حضرة الإمكان- و هي برزخ بين حضرة الوجود المطلق و العدم المطلق- بمنزلة الظلالات للأجسام، بل هي الظلالات الحقيقية،
و هي التي وصفها الحق سبحانه بالسجود له مع سجود أعيانها، فما زالت تلك الأعيان ساجدة له قبل وجودها، فلما وجدت ظلالاتها، وجدت ساجدة للّه تعالى، لسجود أعيانها التي وجدت عنها، من سماء و أرض و شمس و قمر و نجم و جبال و شجر و دواب و كل موجود، ثم لهذه الظلالات- التي ظهرت عن تلك الأعيان الثابتة من حيث ما تكونت أجساما- ظلالات، أوجدها الحق لها دلالات على معرفة نفسها من أين صدرت، ثم أنها تمتد مع ميل النور أكثر من حد الجسم الذي تظهر عنه إلى ما لا يدركه طولا، و مع هذا ينسب إليه، و هو تنبيه أن العين التي في البرزخ التي وجدت عنها لا نهاية لها مما تتصف به من الأحوال و الأعراض و الصفات و الأكوان، فهو عالم لا يتناهى و ما له طرف ينتهي إليه، فإنه الحضرة الفاصلة بين الوجود المطلق و العدم المطلق، و أنت بين هذين الظلالين ذو مقدار، فأنت موجود عن حضرة لا مقدار لها، و يظهر عنك ظل لا مقدار له،
فامتداده يطلب تلك الحضرة البرزخية، و تلك الحضرة البرزخية هي ظل الوجود المطلق من الاسم النور، الذي ينطلق على وجوده، فلهذا نسميها ظلا، و وجود الأعيان ظل ذلك الظل، و الظلالات المحسوسة ظلالات هذه الموجودات في الحس، و لما كان الظل في حكم الزوال لا في حكم الثبات، و كانت الممكنات و إن وجدت في حكم العدم، سميت ظلالات ليفصل بينها و بين من له الثبات المطلق في الوجود، و هو واجب الوجود، و بين من له الثبات المطلق في العدم و هو المحال، لتتميز المراتب، فالأعيان الموجودات إذا ظهرت ففي هذا البرزخ هي فإنه ما تمّ حضرة تخرج إليه، ففيها تكتسب حالة الوجود، و الوجود فيها متناه ما حصل منه، و الإيجاد فيها لا ينتهي، فهذا مثل ضربه اللّه على دوام الخلق و التكوين، و على العين الثابتة ثم ظهورها للوجود:
| انظر إلى نقص ظل الشخص فيه إذا | ما الشمس تعلو فتفني ظله فيه | |
| ذاك الدليل على تحريكه أبدا | بدأ و فيئا و هذا القدر يكفيه | |
| لو كان يسكن وقتا ما بدا أثر | في الكون من كن و ذاك الحكم من فيه | |
| فالكون من نفس الرحمن ليس له | أصل سواه فحكم القول يبديه | |
– اعتبار- ظلك على صورتك، و أنت على الصورة، فأنت ظل قام الدليل على أن التحريك للحق لا لك، كذلك التحريك لك لا للظل، غير أنك تعترض فلم تعرف قدرك، و ظلك لا يعترض، فيا من هو ظله أعلم بقدره منه متى تفلح؟ ما مدّت الظلال للاستظلال، و إنما مدّت لتكون سلّما إلى معرفة اللّه معك، فأنت الظل و سيقبضك إليه، فمن نظر إلى ظله عرف أن حكمه في الحركة و السكون من أصله، فأراد الحق منك بهذه الآية أن تكون معه كظلك معك من عدم الاعتراض عليه فيما يجريه عليك، و التسليم و التفويض إليه فيما تصرف فيك به، و ينبهك بذلك أن حركتك عين تحريكه، و أن سكونك كذلك، ما الظل يحرك الشخص، كذلك فلتكن مع اللّه، فإن الأمر كما شاهدته فهو المؤثر فيك
[الإنسان الكامل هو ظل اللّه]
– من باب الإشارة- الإنسان الكامل هو ظل اللّه في كل ما سوى اللّه، و صورته في الغيب صورة الظل في الشخص الذي امتد عنه الظل، أ لا ترى الشخص إذا امتد له ظل في الأرض، أ ليس له ظل في ذات الشخص الذي يقابله ذلك الظل الممتد؟ فذلك الظل القائم بذات الشخص المقابل للظل الممتد ذلك هو الأمر الذي بقي من الإنسان، الذي هو ظل اللّه الممدود في الغيب، لا يمكن خروجه أبدا و هو باطن الظل الممدود، و الظل الممدود هو الظاهر، فظاهر الإنسان ما امتد من الإنسان فظهر، و باطنه ما لم يفارق الغيب فلا يعلم باطن الإنسان أبدا،
و قبضه قبضا يسيرا عودته إلى غيبه، فاعتبر في الإشارة أن الإنسان الذي لم يزل يحفظ صورة الحق في نفسه ظل له، و اعلم أن الإنسان لما كان مثال الصورة الإلهية، كالظل للشخص الذي لا يفارقه على كل حال، غير أنه يظهر للحس تارة، و يخفى تارة، فإذا خفي فهو معقول فيه، و إذا ظهر فهو مشهود بالبصر لمن يراه، فالإنسان الكامل في الحق معقول فيه، كالظل إذا خفي في الشمس فلا يظهر، فلم يزل الإنسان أزلا و أبدا، و لهذا كان مشهودا للحق من كونه موصوفا بأنّ له بصرا، فلما مد الظل منه ظهر بصورته «أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً» أي ثابتا فيمن هو ظله فلا يمده،
فلا يظهر له عين في الوجود الحسي إلا للّه وحده، فلم يزل مع اللّه، و لا يزال مع اللّه، فهو باق ببقاء اللّه، و ما عدا الإنسان الكامل فهو باق بإبقاء اللّه، فالإنسان الكامل الذي لا أكمل منه هو محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و هذا الكمال هو الغاية من العالم، فحاز محمد صلّى اللّه عليه و سلم درجة الكمال بتمام الصورة الإلهية، و الكمل من الأناسي النازلين عن درجة هذا الكمال هم الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم، و منزلة محمد صلّى اللّه عليه و سلم من العالم كله منزلة النفس الناطقة من الإنسان، التي من دونها لا يكون إنسانا، فحال العالم قبل ظهوره صلّى اللّه عليه و سلم كان بمنزلة الجسد المسوى، و حال العالم بعد موته بمنزلة النائم، و حالة العالم ببعثه يوم القيامة بمنزلة الانتباه و اليقظة بعد النوم، فهو صلّى اللّه عليه و سلم روح العالم،
و هذه الآية ضرب مثال على خفاء ظهور رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في العالم قبل ظهور نشأته الظاهرة، و بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، و أنه هو أكمل صورة إلهية في الظهور و الخفاء لمن فهم المعنى، و أنه بقبضه صلّى اللّه عليه و سلم لم يختف من العالم اختفاء عدميا، بل هو كالظل المندرج في أصله، فروح العالم صلّى اللّه عليه و سلم هو الآن من العالم في صورة المحل الذي هو فيه روح الإنسان عند النوم، إلى يوم البعث، الذي هو مثل يقظة النائم هنا، فالعالم اليوم بفقد جمعية محمد صلّى اللّه عليه و سلم في ظهوره روحا و جسما و صورة و معنى، نائم لا ميت، فإنه تعالى ذكر الكيف، و الظل لا يخرج إلا على صورة من مد منه، فخلقه رحمة، فمدّ الظل رحمة وافية، فلا أعظم رحمة من الإنسان الكامل، و النور من الصفات، و الظل على صورة الذات- إشارة- ما مد الظلال للراحة، و إنما مدها لتكون سلما إلى معرفته فأنت ذلك الظل و سيقبضك إليه.
[سورة الفرقان (25): آية 47]
وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَ النَّوْمَ سُباتاً وَ جَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (47)
[ «جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً»]
«جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً» لأهله يلبسونه فيسترهم «وَ النَّوْمَ سُباتاً» أي راحة طبيعية للناس- من باب الإشارة- «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً» هذا لأهل الليل أي يسترهم عن أعين الأغيار فلا يشهد أحد فعل أهل الليل مع اللّه في عبادتهم، لحجاب ظلمة الليل التي أرسلها اللّه دونهم، فيتمتعون في خلواتهم الليلية بحبيبهم فيناجونه من غير رقيب، لأنه جعل النوم في أعين الرقباء سباتا، أي راحة لأهل الليل إلهية، كما هو راحة للناس طبيعية، فإذا نام الناس استراح هؤلاء مع ربهم، و خلوا به حسا و معنى فيما يسألونه من قبول توبة، و إجابة دعوة، و مغفرة حوبة، و غير ذلك. فنوم الناس راحة لهم، فإن اللّه تعالى ينزل إليهم بالليل إلى السماء الدنيا فلا يبقى بينه و بينهم حجاب فلكي، و نزوله إليهم رحمة بهم، ورد في الخبر: كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني، أ ليس كل محب يطلب الخلوة بحبيبه، ها أنا ذا قد تجليت لعبادي هل من داع فأستجيب له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟
هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى ينصدع الفجر.
[سورة الفرقان (25): آية 48]
وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (48)
قال صلّى اللّه عليه و سلم [إن اللّه خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء] فإذا حصلت النجاسة فيه بلا شك.
لكنها متميزة عن الماء- بقي الماء طاهرا على أصله، إلا أنه يعسر إزالة النجاسة منه، فما أباح الشارع من استعمال الماء الذي فيه النجاسة استعملناه، و ما منع من ذلك امتنعنا منه لأمر الشرع، مع عقلنا أن النجاسة في الماء، و عقلنا أن الماء طهور في ذاته لا ينجسه شيء، فما منعنا الشارع من استعمال الماء الذي فيه النجاسة لكونه نجسا أو تنجس، و إنما منعنا من استعمال الشيء النجس لكوننا لا نقدر على فصل أجزائه من أجزاء الماء الطاهر، فبين النجاسة و الماء برزخ مانع لا يلتقيان لأجله، و لو التقيا لتنجّس الماء.
[سورة الفرقان (25): الآيات 49 الى 53]
لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَ نُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَ أَناسِيَّ كَثِيراً (49) وَ لَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (50) وَ لَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (51) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ جاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (52) وَ هُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَ جَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَ حِجْراً مَحْجُوراً (53)
[دور البحر فى تصفية الهواء]
«و هو الذي مرج البحرين هذا عذاب فرات» لمصالح العباد فيما يستعملونه من الشرب و غير ذلك، «وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ» لمصالح العباد فيما يذهب به من عفونات الهواء، فبما فيه من الملوحة يصفي الجو من الوخم و العفونات التي تطرأ فيه من أبخرة الأرض و أنفاس العالم، فيطرأ التعفين في الجو، فيذهب ذلك التعفين ما في البحر من الملوحة، فيصفو الجو، و ذلك من رحمة اللّه بخلقه.
[سورة الفرقان (25): الآيات 54 الى 59]
وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كانَ رَبُّكَ قَدِيراً (54) وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَ لا يَضُرُّهُمْ وَ كانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (55) وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (56) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (57) وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَ كَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (58)
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (59)
هذه الآية دليل على أن الأيام كانت موجودة بوجود حركة فلك البروج، و هي الأيام المعروفة عندنا لا غير، فإذا دار فلك البروج دورة واحدة فذلك هو اليوم الذي خلق اللّه فيه السموات و الأرض، ثم أحدث الليل و النهار عند وجود الشمس، لا الأيام، و اليوم أربع و عشرون ساعة، و قد يسمى النهار وحده يوما بحكم الاصطلاح و اعلم أن اللّه خلق العالم في ستة أيام، بدأ به يوم الأحد، و فرغ منه يوم الجمعة،
[ «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ»*]
«ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ»* فلما كان اليوم السابع من الأسبوع و فرغ من العالم كان يشبه المستريح الذي مسه اللغوب، فاستلقى و وضع إحدى رجليه على الأخرى، و قال: أنا الملك؛ كذا ورد في الأخبار النبوية، فالفراغ الإلهي إنما كان من الأجناس في الستة الأيام، و أما أشخاص الأنواع فلا «الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ» الضمير في به يعود على الاستواء «خَبِيراً» و هو العارف من عباد اللّه من نبي و غيره، ممن شاء اللّه من عباده، لأنه قال (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ) و الخبير المسئول يعني كل من حصل له ذلك ذوقا، و صفته نزول القرآن على قلبه، فكان قلبه عرشا لاستواء القرآن ذوقا، يعلم لذوقه و خبرته اتصاف الرحمن بالاستواء على العرش ما معناه، فإذا أردت أن تسأل عن حقيقة أمر ما، فاسأل عنه من له فيه ذوق، و من لا ذوق له في الأشياء فلا تسأله فإنه لا يخبرك إلا باسم ما سألت عنه لا بحقيقته.
[سورة الفرقان (25): آية 60]
وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ مَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَ زادَهُمْ نُفُوراً (60)
لما كان المشركون لا يعلمون للحق إلا مسمى اللّه، و لم يعلموا أنه عين الرحمن قيل:
إن الاسم الرحمن لم يكن عندهم، و لا سمعوا به قبل هذا، فلما قال لهم صلّى اللّه عليه و سلم «اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ» و هو سجود إنعام لا سجود قهر، قالوا: و ما الرحمن؟ على طريق الاستفهام، و قد قيل: إنهم كانوا يعرفونه مركبا الرحمن الرحيم اسم واحد، كبعلبك و رام هرمز، فلما أفرده بغير نسب أنكروه، و لم تنكر العرب كلمة اللّه، فإنهم القائلون (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) فعلموه، و لما كان الرحمن يعطي الاشتقاق من الرحمة، و هي صفة موجودة فيهم، خافوا أن يكون المعبود الذي يدلهم عليه من جنسهم، فأنكروا و قالوا:
و ما الرحمن؟ لما لم يكن من شرط كل كلام أن يفهم معناه، و لهذا قال تعالى (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) لما كان اللفظان راجعين إلى ذات واحدة، فما أنكره من أنكره- أعني الاسم الرحمن- إلا للقرب المفرط، فإنه لا أقرب من الرحمة إلى الخلق، و ما ثمّ أقرب إليهم من وجودهم، و وجودهم رحمة بلا شك، و لم يقروا باللّه إلا لما يتضمنه هذا الاسم من الرحمة و القهر، فعلم، و جهل الرحمن، فتخيلوا في الرحمن أنه شريك للّه الذي يقرون به و يتزلفون إليه، فأنكروا ذلك و لم ينكروا ذلك فيمن نصبوه إلها، لأنهم عالمون بأسماء من نصبوهم آلهة من دون اللّه، فعلموا بأسمائهم أنهم ليسوا في الحقيقة في الألوهة مثله، و قد دلهم صلّى اللّه عليه و سلم بالسجود للرحمن على عبادة غيب، فقالوا «وَ مَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَ زادَهُمْ نُفُوراً» فزادهم هذا الاسم نفورا لجهلهم به، فإنهم لا يعرفون إلا اللّه الذي بيده الاقتدار الإلهي و الأخذ الشديد،
و هو الكبير عندهم المتعالي، فهم لذلك يعبدون الشركاء ليقربوهم إلى اللّه زلفى و يشفعوا عنده، و أخطأ الكفار حيث رأوا أن الرحمن يناقض التكليف، و رأوا أن الأمر بالسجود تكليف، فلا ينبغي أن يكون السجود لمن هو هذا الاسم الرحمن، لما فيه من المبالغة في الرحمة، فلو ذكره بالاسم الذي يقتضي القهر، ربما سارع الكافر إلى السجود خوفا، كما صدر من الجبار عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من رؤساء الجاهلية حيث قال له: يا محمد اتل عليّ ممّا جئت به حتى أسمع؛ فتلا عليه (حم السجدة) فلما وصل إلى قوله تعالى (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ) و هما من العرب،و حديثهما مشهور عندهم بالحجاز، فلما سمع هذه الآية ارتعدت فرائصه، و اصفر لونه، و ضرط من شدة ما سمع و معرفته بذلك،
و قال: هذا كلام جبار؛ فما زادهم نفورا إلا اقتران التكليف بالاسم الرحمن لجهلهم به، و لو علم هذا الجاهل أن أمره تعالى بالسجود للرحمن لا يناقض التكليف، و إنما يناقض المؤاخذة و يزيد في الجزاء بالحسنى لبادر إلى ذلك، كما بادر المؤمن، كما أن الكفار ما علموا في الغيب إلا إلها واحدا، قال اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) فتعجبوا من ذلك غاية العجب، لأنهم تخيلوا أن مسمى الرحمن ليس هو اللّه، و أن لكل واحد الأسماء الحسنى، و ذلك لمّا أعمى اللّه بصائرهم، و كثّف أغطيتهم، فلم يعقلوا عن اللّه ما أراد بما أنزله- و هذه السجدة للمؤمن تسمى سجدة الامتياز فإنه يسجدها عند ما يتلو ليمتاز عن الكافر المنكر لاسمه الرحمن، و يقع الامتياز بين الاسم الرحمن و بين العارفين به يوم القيامة بالسجود الذي كان منهم عند التلاوة.
[سورة الفرقان (25): الآيات 61 الى 63]
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً (61) وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (62) وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (63)
[عباد الرحمن]
اعلم أن للّه عبادا من حيث اسمه الرحمن، و هو قوله تعالى «وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً» و ذلك من أثر الوقار، الذي هو من الوقر، و هو الثقل، و إذا حصل الثقل ضعف الإسراع و الحركة، فسمى ذلك السكون وقارا أي سكون عن ثقل عارض لا عن مزاج طبيعي، فإن السكون الكائن عن الأمر الذي يورث الهيبة و العظمة في نفس الشخص يسمى وقارا و سكينة، و السكون الطبيعي الذي يكون في الإنسان من مزاجه لغلبة البرد و الرطوبة على الحرارة و اليبس لا يسمى وقارا، إنما الوقار نتيجة التعظيم و العظمة، و هذا لا يكون إلا إذا تجلى لهم الحق في جلال الجمال «وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ» الجاهل من أشرك باللّه، خفيا كان الشرك أو جليا «قالُوا سَلاماً» فلو أجابوهم لانتظموا معهم في سلك الجهالة، فإن كل إنسان ما يكلم إنسانا بأمر ما من الأمور ابتداء أو مجيبا، حتى ينصبغ بصفة ذلك الأمر الذي يكلمه به، كان ذلك ما كان، فلم يتمكن لهؤلاء أن يزيدوا على قولهم سلاما شيئا.
[سورة الفرقان (25): آية 64]
وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً (64)
شغلهم هول المعاد عن الرقاد، فعاملوا الحق بالتعظيم و الإجلال.
[سورة الفرقان (25): آية 65]
وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (65)
أي مهلكا، فإن الغريم هو الذي لزمه الدين، و به سمي غريما، و مقلوبه أيضا الرغام، و هو اللصوق بالتراب، فإن الرغام التراب، يقال: رغم أنفه؛ إذ كان الأنف محل العزة قوبل بالرغام في الدعاء، فألصقوه بالتراب، فيكون الغرام حكمه في المغرم من المقلوب، فهو موصوف بالذلة، لأن التراب أذل الأذلاء.
[سورة الفرقان (25): الآيات 66 الى 67]
إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً (66) وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (67)
«وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا» أي لم يوسعوا ما يخرج عن الحاجة «وَ لَمْ يَقْتُرُوا» لم ينقصوا مما تمس إليه الحاجة «وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً» و هو العدل في الإنفاق، فضمروا بطونهم بالصيام للسباق في حلبة النجاة.
[سورة الفرقان (25): الآيات 68 الى 70]
وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ لا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (68) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (69) إِلاَّ مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)
اعلم أنه لما لم يتمكن للتائب أن يرد عليه وارد التوبة إلا حتى ينتبه من سنة الغفلة، فيعرف ما هو فيه من الأعمال التي مآلها إلى هلاكه و عطبه، خاف و رأى أنه في أسر هواه، و أنه مقتول بسيف أعماله القبيحة، فقال له حاجب الباب الإلهي: قد رسم الملك أنك إذا أقلعت عن هذه المخالفات، و رجعت إليه و وقفت عند حدوده و مراسمه، أنه يعطيك الأمان من عقابه، و يحسن إليك و يكون من جملة إحسانه أن كل قبيح أتيته يرد صورته حسنة، ثم أعطاه التوقيع الإلهي، فإذا مكتوب فيه «وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ …» الآيات، إلى قوله «إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» و ذلك نتيجة العمل الصالح فيقع التبديل، فيبدل اللّه سيئاته حسنات، حتى يود لو أنه أتى جميع الكبائر الواقعة في العالم من العالم، و هذا من الكرم الإلهي، فلا بد لطائفة من التبديل كبير بكبير، و من الناس من يبدله له بالتوبة و العمل الصالح، و من الناس من يبدله له بعد أخذ العقوبة حقها منه، و سبب إنفاذ الوعيد في حق طائفة حكم المشيئة الإلهية، فإذا انتهت المدة طلبت المشيئة في أولئك تبديل العذاب الذي كانوا فيه بالنعيم المماثل له، فإن حكم المشيئة أقوى من حكم الأمر، و قد وقع التبديل بالأمر فهو بالإرادة أحق بالوقوع، و لو لا ما بين السيئ و الحسن مناسبة تقتضي جمعهما في عين واحدة يكون بها حسنا سيئا ما قبل التبديل،
و مثال ذلك: شخص في غاية الجمال طرأ عليه وسخ من غبار، فنظف من ذلك الوسخ العارض، فبان جماله، ثم كسي بزة حسنة فاخرة، تضاعف بها جماله و حسنه، و لهذا وصف الذنوب بالمغفرة و هي الستر، و ما وصفها بذهاب العين، و إنما يسترها بثوب الحسن الذي يكسوها به، لأنه تعالى لا يرد ما أوجده إلى عدم، بل يوجد على الدوام و لا يعدم.
و ستر اللّه هذا العلم عن بعض عباده، و أطلع عليه من شاء من عباده، و هو من علم الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا، و لذلك قال الحق «وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً»– الوجه الأول- أي يستر عمن يشاء الوقوف على مثل هذا كشفا- الوجه الثاني- غفورا لذنوبهم السابقة، أي سترها عنهم، فإن اللّه تعالى إذا قبل توبة عبده أنساه ذنبه فلم يذكّره إياه، فإنه إن ذكره أحضره بينه و بين الحق، و هو قبيح الصورة، فجعل بينه و بين الحق صورة قبيحة تؤذن بالبعد فهذا فائدة النسيان، و الستر من الحق على نوعين: إما أن يستر الذنوب جملة واحدة، و إما أن تبدل بحسنة فتحسن صورة تلك السيئة بالتوبة، فتظهر له حسنة، و ذلك ليسرع العبد في الرجعة إلى اللّه «رَحِيماً» بذلك الستر، رحمة به لمعنى علمه سبحانه لم يعيّنه لنا،
و التبديل على وجوه:- الوجه الأول- اعلم أنه ما من كلمة يتكلم بها العبد إلا و يخلق اللّه من تلك الكلمة ملكا، فإن كانت خيرا كان ملك رحمة، و إن كانت شرا كان ملك نقمة، فإن تاب إلى اللّه و تلفظ بتوبته خلق اللّه من تلك اللفظة ملك رحمة، و خلع من المعنى الذي دل عليه ذلك اللفظ بالتوبة الذي قام بقلب ذلك التائب على ذلك الملك الذي كان خلقه من كلمة الشر خلعة رحمة، و واخى بينه و بين الملك الذي خلقه من كلمة التوبة، و هو قوله: تبت إلى اللّه؛ فإن كانت التوبة عامة، خلع على كل ملك نقمة كان مخلوقا لذلك العبد من كلمات شره خلع رحمة، و جعل مصاحبا للملك المخلوق من لفظة توبته،
فإنه إذا قال العبد: تبت إليك من كل شيء لا يرضيك؛ كان في هذه اللفظة من الخير جميعة كل شيء من الشر، فخلق من هذا اللفظ ملائكة كثيرة بعدد كلمات الشر التي كانت منه، فإن الإنسان أعطي لفظا يدل على الأفراد، و أعطي لفظا يدل على الاثنين، و أعطي لفظا يدل على الكثرة، فلفظة كل تدل على الكثرة، فعلم أن قوله «تبت إلى اللّه من كل شيء»، أنه تبت إلى اللّه من كذا، تبت إلى اللّه من كذا، تبت إلى اللّه من كذا، فلهذا خلق اللّه من كلمة الجمع ملائكة بعدد ما تعمه تلك الكلمة،
و إنما قلنا بأن الملائكة المخلوقة من كلمة الشر يخلع عليها خلع الخير، و ترجع ملائكة رحمة في حق هذا التائب، و يصاحب بينها و بين الملائكة المخلوقة من لفظة التوبة عن ذلك الشر، لقوله تعالى «فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» فجعل التبديل في عين السيئة- الوجه الثاني- من أنسأ اللّه في أجله بعد توبته فعمل عملا صالحا بدل اللّه سيئاته حسنات، أي ما كان يتصرف به من السوء عاد يتصرف فيه حسنا، فبدّل اللّه فعله بما وفقه إليه من طاعته و رحمته، و غفر له جميع ما كان وقع منه قبل ذلك، و لم يؤاخذه بشيء منه.
– الوجه الثالث- في حق أهل الشهود الذي يرون و يشهدون الأفعال كلها للّه، فما كان من حسن أضافوه إليه تعالى خلقا فيهم، و أضافوه إليهم من كونهم محلا لظهوره، و إن كان سيئا أضافوه إليهم بإضافة اللّه، فيكونون حاكين قول اللّه، فيريهم اللّه حسن ما في ذلك المسمى سوءا بأن يريه عين ما كان يراه سيئة حسنة، و قد كان حسنها غائبا عنه بحكم الشرع، فلما وصل إلى موضع ارتفاع الأحكام، و هو الدار الآخرة، رأى عند كشف الغطاء حسن ما في الأعمال كلها، لأنه ينكشف له أن العامل هو اللّه لا غيره،فهي أعماله تعالى، و أعماله كلها كاملة الحسن، لا نقض فيها و لا قبح، فإن السوء و القبح الذي كان ينسب إليها إنما كان ذلك بمخالفة حكم اللّه لا أعيانها، فبدل اللّه سيئاتهم حسنات، و ما هو إلا تبديل الحكم لا تبديل العين، فمن حكم في نفسه لنفسه، و ندم في يومه على ما فرط فيه من أمسه، ليجبر بذلك ما فاته،
و يحيي منه بالندم ما أماته، فإذا أقامه من قبره، فذلك أوان نشره، و أوان حشره، فيبدل اللّه سيئاته حسنات، و ينقل من أسفل درجاته إلى أعلى الدرجات، حتى يود لو أنه أتى بقراب الأرض خطايا، أو لو حمل ذنوب البرايا، لما يعاينه من حسن التحويل، و جميل صور التبديل، فيفوز بالحسنيين، و هنالك يعلم ما أخفى له فيه من قرة عين، ففاز في الدنيا باتباع الهوى، و في الآخرة بجنة المأوى، فمن الناس من إذا حرم رحم، و جوزي جزاء من عصم، فجزاء بعض المذنبين أعظم من جزاء المحسنين، و لا سيما أهل الكبائر، و المنتظرين حلول الدوائر، و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء.
لما نزلت هذه الآية قال وحشي قاتل حمزة رضي اللّه عنه: و من لي بأن أوفق إلى العمل الصالح الذي اشترطه علينا في التبديل؟ فجاءه الجواب: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) فقال وحشي: و ما أدري هل أنا ممن شاء أن يغفر له أم لا؟ فجاءه الجواب: (يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فلما قرأ وحشي هذا قال: الآن فأسلم، و لهذا قال حاجب الباب الإلهي و هو الشارع [إن التائب من الذنب كمن لا ذنب له] فيبدل سيئاته حسنات بالتوبة و العمل الصالح.
[سورة الفرقان (25): الآيات 71 الى 72]
وَ مَنْ تابَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (71) وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (72)
«وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ» شهادة الزور الميل إلى الباطل عن الحق، فإن الزور هو الميل «وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً» أي لم ينظروا لما أسقط اللّه النظر إليه، فلم يتدنسوا بشيء منه، فمروا به غير ملتفتين إليه «كِراماً» فما أثر فيهم، فإنه مقام تستحليه النفوس، و تقبل عليه للمخالفة التي جبلها اللّه عليه، و هذه هي النفوس الأبية أي التي تأبى الرذائل،فهي نفوس الكرام من عباد اللّه، و التحقوا بهذه الصفة بالملإ الأعلى، الذين قال اللّه فيهم: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ) فنعتهم بأنهم كرام، فكل وصف يلحقك بالملإ الأعلى فهو شرف في حقك.
[سورة الفرقان (25): الآيات 73 الى 77]
وَ الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَ عُمْياناً (73) وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (74) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَ يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَ سَلاماً (75) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً (76) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (77)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج3، ص: 258