تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره البقره

تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق جیلی) سورة البقرة

سورة البقرة[1- 2]

[سورة البقرة (2): الآيات 1 الى 2]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الم (1)

ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2)

الم* ذلِكَ الْكِتابُ‏ أشار بهذه الحروف الثلاثة إلى كلّ الوجود من حيث هو كلّ لأن (ا) إشارة إلى ذات الذي هو أوّل الوجود على ما مرّ. و (ل) إلى العقل الفعّال المسمّى جبريل، و هو أوسط الوجود الذي يستفيض من المبدأ و يفيض إلى المنتهى. و (م) إلى محمد الذي هو آخر الوجود تتمّ به دائرته و تتصل بأوّلها، و لهذا ختم و قال: «إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السموات و الأرض». و عن بعض السلف أن (ل) ركبت من ألفين، أي:

وضعت بإزاء الذات مع صفة العلم اللذين هما عالمان من العوالم الثلاثة الإلهية التي أشرنا إليها، فهو اسم من أسماء اللّه تعالى، إذ كل اسم هو عبارة عن الذات مع صفة ما. و أمّا (م) فهي إشارة إلى الذات مع جميع الصفات و الأفعال التي احتجبت بها في الصورة المحمدية التي هي اسم اللّه الأعظم، بحيث لا يعرفها إلا من يعرفها. ألا تدري أن (م) التي هي صورة الذات كيف احتجب فيها، فإن الميم فيها الياء، و في الياء ألف.

و السرّ[1] في وضع حروف التهجي هو أن لا حرف إلا و فيه ألف، و يقرب من هذا قول من قال: معناه القسم باللّه العليم الحكيم، إذ جبريل مظهر العلم، فهو اسمه العليم. و محمد مظهر الحكمة، فهو اسمه الحكيم. و من هذا ظهر معنى قول من قال: تحت كلّ اسم من أسمائه تعالى أسماء بغير نهاية. و العلم لا يتمّ و لا يكمل إلا إذا قرن بالفعل في عالم الحكمة الذي هو عالم الأسباب و المسببات، فيصير حكمة. و من ثم لا يحصل الإسلام بمجرّد قول: لا إله إلا اللّه، إلا إذا قرن: بمحمد رسول اللّه.

فمعنى الآية الم* ذلِكَ الْكِتابُ‏ الموعود، أي: صورة الكلّ المومى إليها بكتاب الجفر و الجامعة المشتملة على كل شي‏ء، الموعود بأنه يكون مع المهدي في آخر الزمان لا يقرأه كما هو بالحقيقة إلا هو، و الجفر لوح القضاء الذي هو عقل الكلّ و الجامعة لوح القدر الذي هو نفس الكلّ، فمعنى كتاب الجفر و الجامعة: المحتويان على كلّ ما كان و يكون، كقولك سورة (البقرة) و سورة (النمل).

لا رَيْبَ فِيهِ‏ عند التحقيق بأنه الحق، و على تقدير القول معناه بالحق الذي هو الكلّ‏ من حيث هو كلّ لأنه مبين لذلك الكتاب الموعود على ألسنة الأنبياء و في كتبهم بأنه سيأتي كما قال عيسى عليه السلام: «نحن نأتيكم بالتنزيل، و أما التأويل فسيأتي به المهديّ في آخر الزمان». و حذف جواب القسم لدلالة ذلك الكتاب عليه، كما حذف في غير موضع من القرآن مثل (و الشمس) (و النازعات) و غير ذلك. أي إنّا منزلون لذلك الكتاب الموعود في التوراة و الإنجيل بأن يكون مع محمد حذف لدلالة قوله: ذلِكَ الْكِتابُ‏ عليه أي: ذلك الكتاب المعلوم في العلم السابق، الموعود في التوراة و الإنجيل حق بحيث لا مجال للريب فيه.

هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‏ أي هدى في نفسه للذين يتقون الرذائل و الحجب المانعة لقبول الحق فيه.

و اعلم أن الناس بحسب العاقبة سبعة أصناف لأنهم: إمّا سعداء، و إمّا أشقياء. قال اللّه تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ[2]، و الأشقياء أصحاب الشمال، و السعداء إمّا أصحاب اليمين، و إمّا السابقون المقرّبون. قال اللّه تعالى: وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً[3] الآية. و أصحاب الشمال إمّا المطرودون الذين حقّ عليهم القول و هم أهل الظلمة و الحجاب الكلي المختوم على قلوبهم أزلا، كما قال تعالى: وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ[4] إلى آخر الآية.

و في الحديث الربانيّ‏: «هؤلاء خلقتهم للنار و لا أبالي». و أما المنافقون الذين كانوا مستعدّين في الأصل، قابلين للتنوّر بحسب الفطرة و النشأة، و لكن احتجبت قلوبهم بالرين المستفاد من اكتساب الرذائل و ارتكاب المعاصي، و مباشرة الأعمال البهيمية، و السبعية، و مزاولة المكايد الشيطانية، حتى رسخت الهيئات الفاسقة و الملكات المظلمة في نفوسهم، و ارتكمت على أفئدتهم فبقوا شاكين حيارى تائهين، قد حبطت أعمالهم، و انتكست رؤوسهم فهم أشدّ عذابا و أسوأ حالا من الفريق الأول لمنافاة مسكة استعدادهم لحالهم. و الفريقان هم أهل الدنيا و أصحاب اليمين.

أما أهل الفضل و الثواب، الذين آمنوا و عملوا الصالحات للجنة راجين لها، راضين بها، فوجدوا ما عملوا حاضرا على تفاوت درجاتهم، و لكلّ درجات مما عملوا. و منهم أهل الرحمة الباقون على سلامة نفوسهم، و صفاء قلوبهم، المتبوّؤن درجات الجنة على حسب استعداداتهم من فضل ربهم، لا على حسب كمالاتهم من ميراث عملهم.

و أما أهل العفو الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا، و هم قسمان: المعفوّ عنهم رأسا لقوة اعتقادهم، و عدم رسوخ سيئاتهم لقلّة مزاولتهم إياها، أو لمكان توبتهم عنها. فأولئك‏ يبدّل اللّه سيئاتهم حسنات، و المعذبون حينا بحسب ما رسخ فيهم من المعاصي حتى خلصوا عن درن ما كسبوا، فنجوا و هم أهل العدل و العقاب، و الذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا. لكن الرحمة تتداركهم و ثلاثتهم أهل الآخرة.

و السابقون إمّا محبون و إمّا محبوبون، فالمحبون هم الذين جاهدوا في اللّه حقّ جهاده، و أنابوا إليه حقّ إنابته، فهداهم سبله. و المحبوبون هم أهل العناية الأزلية الذين اجتباهم و هداهم إلى صراط مستقيم. و الصنفان هما أهل اللّه، فالقرآن ليس هدى للفريق الأول من الأشقياء لامتناع قبولهم للهداية لعدم استعدادهم، و لا للثاني لزوال استعدادهم و مسخهم و طمسهم بالكلية بفساد اعتقادهم، فهم أهل الخلود في النار إلا ما شاء اللّه. فبقي هدى للخمسة الأخيرة الذين يشملهم المتقون، و المحبوب يحتاج إلى هداية الكتاب بعد الجذب و الوصول لسلوكه في اللّه لقوله تعالى لحبيبه كذلك: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ[5]، و قوله:

وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ[6]. و المحبّ يحتاج إليه قبل الوصول و الجذب و بعده لسلوكه إلى اللّه و في اللّه.

فعلى هذا، المتقون في هذا الموضع هم المستعدّون الذين بقوا على فطرتهم الأصلية، و اجتنبوا رين الشرك و الشك لصفاء قلوبهم و زكاء نفوسهم، و بقاء نورهم الفطري، فلم ينقضوا عهد اللّه. و هذه التقوى مقدّمة على الإيمان، و لها مراتب أخرى متأخرة عنه كما سيأتي إن شاء اللّه.

 

 

 

[3]

[سورة البقرة (2): آية 3]

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3)

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي: بما غاب عنهم الإيمان التقليديّ، أو التحقيقيّ العلميّ، فإنّ الإيمان قسمان: تقليديّ و تحقيقيّ. و التحقيقيّ قسمان: استدلالي و كشفيّ، و كلاهما إمّا واقف على حدّ العلم و الغيب، و إما غير واقف. و الأول هو الإيقان المسمّى علم اليقين. و الثاني: إمّا عيني، و هو المشاهدة المسمى عين اليقين، و إما حقّي، و هو الشهود الذاتي المسمّى حق اليقين. و القسمان الأخيران لا يدخلان تحت الإيمان بالغيب، و الإيمان بالغيب يستلزم الأعمال القلبية التي هي التزكية، و هي تطهير القلب عن الميل إلى السعادات البدنية الخارجية، الشاغلة عن إحراز السعادة الباقية. فإن السعادات ثلاث: قلبية، و بدنية، و ما حول البدن. فالقلبية هي المعارف، و الحكم، و الكمالات العلمية و العملية الخلقية. و البدنية هي الصحة و القوّة و اللذّات الجسمانية و الشهوات الطبيعية. و ما حول البدن‏ هي الأموال و الأسباب، كماقال أمير المؤمنين عليه السلام‏: «ألا و أنّ من النعم سعة المال، و أفضل من سعة المال صحة الجسد، و تقوى القلب». و يجب الاحتراز عن الأوليين لإحراز الأخيرة المطلوبة بالزهد و العبادة.

فإقامة الصلاة ترك الراحات البدنية و إتعاب الآلات الجسدية، و هي أمّ العبادات التي إذا وجدت لم يتأخر عنها البواقي‏ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ[7] إذ هي تحامل على البدن و النفس، و مشقة فادحة عليهما، و إنفاق المال هو الإعراض عن السعادة الخارجية المحبوبة إلى النفس المسمّى بالزهد، فإن الإنفاق ربما كان أشدّ عليها من بذل الروح للزوم الشحّ إياها، و لم يكتف بالقدر الواجب فقال: وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏ ليعتاد القلب ترك الفضول المالية بالجود و السخاء و بذل المال، في وجوه المروّات، و الهبات، و الصدقات الغير الواجبة، فيوقي شحّ نفسه، و خصص الإنفاق بالبعض بإيراد من التبعيضية لئلا يقع في رذيلة التبذير ببذل القدر الضروري فيحرم فضيلة الجود الذي هو من باب التخلق بأخلاق اللّه.

 

 

 

[4- 5]

[سورة البقرة (2): الآيات 4 الى 5]

وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)

أُولئِكَ عَلى‏ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ‏ أي: الإيمان التحقيقيّ الشامل للأقسام الثلاثة المستلزم للأعمال القلبية التي هي التحلية، و هي تفرّس القلب بالحكم و المعارف المنزّلة في الكتب الإلهية و العلوم المتعلقة بأحوال المعاد، و أمور الآخرة، و حقائق علم القدس. و لهذا قال: وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏ و أهل الآخرة الذين ما جاوزوا حدّ التزكية، و لم يصلوا إلى التحلية التي هي ميراثها،لقوله عليه السلام‏: «من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم». و أهل اللّه الموقنون الجامعون لها كلهم على هدى من ربهم إمّا إليه و إما إلى داره، دار السلامة و الفضل و الثواب و اللطف، و هم أهل الفلاح لا غير أما من العقاب و أما من الحجاب و لهذا قال:

أُولئِكَ‏ أي: الموصوفون بهذه الصفات المذكورة من التزكية و التحلية. عَلى‏ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ لأجلها، فعلى هذا الذين يؤمنون مبتدأ، و الذين يؤمنون الثاني معطوف عليه، و أولئك خبره، و لو جعل صفة للمتقين لكان المراد بهم الكاملين في التقوى بعد الهداية. و كان مجازا من باب تسمية الشي‏ء بما سيؤول إليه.

 

 

 

 

[6- 7]

[سورة البقرة (2): الآيات 6 الى 7]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6)

خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا– إلى قوله- عَظِيمٌ‏ هم الفريق الأول من الأشقياء الذين هم أهل القهر الإلهي لا ينجح فيهم الإنذار و لا سبيل إلى خلاصهم من النار، أولئك حقّت عليهم كلمة ربّك أنهم لا يؤمنون، و كذلك حقّت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار، سدّت عليهم الطرق، و أغلقت عليهم الأبواب، إذ القلب هو المشعر الإلهيّ الذي هو محلّ الإلهام، فحجبوا عنه بختمه. و السمع و البصر هما المشعران الإنسيان، أي الظاهران اللذان هما بابا الفهم و الاعتبار، فحرموا عن جدواهما لامتناع نفوذ المعنى فيهما إلى القلب، فلا سبيل لهم في الباطن إلى العلم الذوقيّ الكشفيّ و لا في الظاهر إلى العلم التعلميّ و الكسبيّ، فحبسوا في سجون الظلمات، فما أعظم عذابهم.

 

 

 

 

[8]

[سورة البقرة (2): الآيات 8 الى 9]

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)

يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ (9)

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا هم الفريق الثاني من الأشقياء، سلب عنهم الإيمان مع ادّعائهم له بقولهم‏ آمَنَّا بِاللَّهِ‏ لأنّ محلّ الإيمان هو القلب لا اللسان. قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ[8]. و معنى قولهم: آمنا باللّه‏ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ادّعاء علمي التوحيد و المعاد اللذين هما أصل الدين و أساسه أي لسنا من المشركين المحجوبين عن الحق و لا من أهل الكتاب المحجوزين عن الدين و المعاد، لأن اعتقاد أهل الكتاب في باب المعاد ليس مطابقا للحق. و اعلم أن الكفر هو الاحتجاب، و الحجاب إما عن الحق كما للمشركين و إمّا عن الدين كما لأهل الكتاب، و المحجوب عن الحق محجوب عن الدين الذي هو طريق الوصول إليه ضرورة، و أما المحجوب عن الدين فقد لا يحجب عن الحق، فهؤلاء ادّعوا رفع الحجابين معا فكذبوا بسلب الإيمان عن ذواتهم، أي ليسوا بمؤمنين ما داموا إياهم يخادعون. المخادعة استعمال الخدع من الجانبين، و هو إظهار الخير و استبطان الشرّ. و مخادعة اللّه مخادعة رسوله صلى اللّه عليه و سلم لقوله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ[9]، و قوله تعالى: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى[10] و لأنه حبيبه.

و قد ورد في الحديث‏: «لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع، و بصره الذي به يبصر، و لسانه الذي به يتكلم، و يده الذي بها يبطش، و رجله الذي بها يمشي»فخداعهم للّه و للمؤمنين إظهار الإيمان و المحبة، و استبطان الكفر و العداوة، و خداع اللّه و المؤمنين إياهم مسالمتهم و إجراء أحكام الإسلام عليهم بحقن الدماء و حصن الأموال و غير ذلك، و ادّخار العذاب الأليم و المآل الوخيم، و سوء المغبة لهم و خزيهم في الدنيا لافتضاحهم بإخباره تعالى و بالوحي عن حالهم لكن الفرق بين الخداعين أنّ خداعهم لا ينجح إلا في أنفسهم بإهلاكها و تحسيرها و إيراثها الوبال و النكال بازدياد الظلمة و الكفر و النفاق و اجتماع أسباب الهلكة و البعد و الشقاء عليها، و خداع اللّه يؤثر فيهم أبلغ تأثير و يوبقهم أشدّ إيباق، كقوله تعالى: وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54)[11] و هم من غاية تعمقهم في جهلهم لا يحسون بذلك الأمر الظاهر.

 

 

 

[9- 13]

[سورة البقرة (2): الآيات 10 الى 13]

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (10)

وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)

أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12)

وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13)

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏ أي شك و نفاق تنكير المرض. و إيراد الجملة الظرفية إشارة إلى عروض المرض و استقراره و رسوخه فيها كما أشرنا إليه في التقسيم، و إلا لقال قلوبهم مرضى أو موتى. فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً أي: آخر حقدا و حسدا و غلا بإعلاء كلمة الدين، و نصرة الرسول و المؤمنين، و الرذائل كلها أمراض القلوب لأنها أسباب ضعفها و آفتها في أفعالها الخاصة، و هلاكها في العاقبة. و فرق بين العذابين بالألم للمنافقين، و العظم للكافرين، لأن عذاب المطرودين في الأزل أعظم فلا يجدون شدّة ألمه لعدم صفاء إدراك قلوبهم، كحال العضو الميت، أو المفلوج و الخدل بالنسبة إلى ما يجري عليه من القطع و الكيّ و غير ذلك من الآلام. و أما المنافقون فلثبوت استعدادهم في الأصل و بقاء إدراكهم يجدون شدّة الألم فلا جرم كان عذابهم مؤلما مسببا عن المرض العارض المزمن الذي هو الكذب و لواحقه.

و إذا نهوا عن الإفساد في الأرض، أي في الجهة السفلية التي هي النفوس و ما يتعلق بها من المصالح بتكدير النفوس، و تهييج الفتن و الحروب، و العداوة و البغضاء بين الناس، أنكروا و بالغوا في إثبات الإصلاح لأنفسهم، إذ يرون الصلاح في تحصيل المعاش و تيسير أسبابه، و تنظيم أمور الدنيا لأنفسهم خاصة، لتوغلهم في محبة الدنيا و انهماكهم في اللذات البدنية، و احتجابهم بالمنافع الجزئية، و الملاذ الحسيّة عن المصالح العامة الكليّة، و اللذات العقلية، و بذلك يتيسر مرادهم، و يتسهل مطلوبهم و هم لا يحسون بإفسادهم المدرك بالحس.

و إذا دعوا إلى الإيمان الحقيقي، كإيمان فقراء المسلمين و الصعاليك المجرّدين، سفهوهم لمكان تركهم لحطام الدنيا و إعراضهم عن متاعها و لذاتها و طيباتها، لزهدهم الحقيقي. إذ قصارى همومهم، و قصوى مقاصد عقولهم الأسيرة في قيد الهوى المشوبة بالوهم، المؤدّية إلى الردى هي تلك اللذات يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون، و لا يعلمون أن غاية السفه هو اختيار الفاني الأخس على الباقي الأشرف. و فرق بين الفاصلتين بالشعور و العلم، لأنّ تأثير خداعهم في أنفسهم و إفسادهم في الأرض أمر بين كالمحسوس.

و أما ترجيح نعيم الآخرة على نعيم الدنيا المستلزم للفرق بين السفه و الحكمة فأمر استدلالي عقليّ صرف.

 

 

 

[14]

[سورة البقرة (2): آية 14]

وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى‏ شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14)

وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا حكاية لنفاقهم اللازم لحصول استعدادين فيهم الفطريّ النوريّ، الضعيف المغلوب، القريب من الانطفاء، الذي ناسبوا به المؤمنين، و الكسبيّ الظلماني القويّ الغالب الذي تألفوا به الكفار، إذ لو لم يكن فيهم أدنى نور لم يقدروا على مخالطة المؤمنين و مصاحبتهم أصلا كغيرهم من الكفار لتسافي الضروري بين النور و الظلمة من جميع الوجوه.

و الشيطان فيعال من الشطون، الذي هو البعد، و شياطينهم المتعمقون في البعد و هم المطرودون، و رؤساؤهم البالغون في النفاق و استهزاؤهم بالمؤمنين يدلّ على ضعف جهة النور و قوّة جهة الظلمة فيهم، إذ المستخف بالشي‏ء هو الذي يجد ذلك الشي‏ء في نفسه خفيفا، قليل الوزن و القدر. فهم يستخفون النورانيين لخفة النور عندهم، إذ بالنور يعرف قدر النور، و برجحان الظلمة فيهم أووا إلى الكفار و ألفوهم.

 

 

[15]

[سورة البقرة (2): آية 15]

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ‏ أي: يستخفهم، لأن الجهة التي هم بها ناسبوا الحضرة الإلهية فيهم خفيفة، ضعيفة. فبقدر ما فنيت فيهم الجهة الإلهية ثبتوا عند أنفسهم، كما أنّ المؤمنين بقدر ما فنيت فيهم أينيتهم النفسانية وجدوا عند اللّه شتان بين المرتبتين. وَ يَمُدُّهُمْ‏ في ظلماتهم البهيمية و السبعية التي هي الصفات الشيطانية و النفسانية بتهيئة موادّها و أسبابها التي هي مشتهياتهم و مستلذاتهم و أموالهم و معايشهم من الدنيا التي اختاروها بهواهم في حالة كونهم متحيرين. فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏ و العمه: عمى القلب. و طغيانهم: التعدّي عن حدّهم الذي كان ينبغي أن يكونوا عليه، و ذلك الحدّ هو الصدر، أي وجه القلب الذي يلي النفس كما أن الفؤاد وجهه الذي يلي الروح، فإنه متوسط بينهما ذو وجهين إليهما. و الوقوف على ذلك الحدّ هو التعبد بأوامر اللّه تعالى و نواهيه، مع التوجه إليه طلبا للتنوّر ليستنير ذلك الوجه فتتنوّر به النفس. كما أنّ الوقوف على الحدّ الآخر هو تلقي المعارف و العلوم و الحقائق و الحكم و الشرائع الإلهية لينتقش بها الصدر، فتتزين به النفس. فالطغيان هو الانهماك في الصفات النفسانية البهيمية و السبعية و الشيطانية و استيلاؤها على القلب ليسودّ و يعمى، فتتكدّر الروح.

 

 

 

 

[16]

[سورة البقرة (2): آية 16]

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ (16)

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏ أي: الظلمة، و الاحتجاب عن طريق الحق الذي هو الدين، أو عن الحق. فإنّ الضلالة تنقسم بإزاء الهداية بالنور الاستعداديّ الأصليّ. فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ‏ إذ كان رأس مالهم من عالم النور و البقاء ليكتسبوا به ما يجانسه من النور الفيضيّ الكماليّ، بالعلوم و الأعمال و الحكم و المعارف و الأخلاق و الملكات الفاضلة، فيصيرون أغنياء في الحقيقة، مستحقين للقرب و الكرامة و التعظيم و الوجاهة عند اللّه، فما ربحوا بكسبها و ضاعت الهداية الأصلية التي كانت بضاعتهم و رأس مالهم بإزالة استعدادهم و تكدير قلوبهم بالرين الموجب للحجاب و الحرمان الأبديّ، فخسروا بالخسران السرمديّ، أعاذنا اللّه من ذلك.

 

 

 

 

[17]

[سورة البقرة (2): آية 17]

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17)

مَثَلُهُمْ‏ أي: صفتهم في النفاق كصفة المستوقد للإضاءة الذي إذا أضاءت ما حوله من الأشياء القريبة منه خمدت ناره و بقي متحيّرا، لأن نور استعدادهم بمنزلة النار الموقدة، و إضاءتها لما حولهم هي اهتداؤهم إلى مصالح معاشهم القريبة منهم دون مصالح المعاد البعيدة بالنسبة إليهم و صحبة المؤمنين و موافقتهم في الظاهر و خمودها سريعا انطفاء نورهم الاستعداديّ و سرعة زوال ما متّعوا به من دنياهم و وشك انقضائه. ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ‏ الاستعداديّ بإمدادهم في الطغيان، و خلاهم محجوبين عن التوفيق في ظلمات صفات النفس‏ لا يُبْصِرُونَ‏ ببصر القلب، و وجه المخرج و لا ما ينفعهم من المعارف كمن تنطفئ ناره و هو في تيه بين أشغال و أسباب.

 

 

 

 

[18- 19]

[سورة البقرة (2): الآيات 18 الى 19]

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18)

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19)

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ‏ بالحقيقة لاحتجاب قلوبهم عن نور العقل الذي به تسمع الحق و تنطق به، و تراه في الظاهر لعدم فوائدهما، لانسداد الطرق من تلك المشاعر إلى القلب لمكان‏ الحجاب، فلم يصل إليها نور القلب ليحتفظوا بفوائدها و لم ترد مدركاتها على القلب ليفهموا و يعتبروا. فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ‏ إلى اللّه لوجود السّدين المضروبين على قلوبهم المذكورين في قوله: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا[12].

و فائدة التشبيه تصوير المعقول بصورة المحسوس، ليتمثل في نفوس العامة. ثم شبههم ثانيا بقوم أصابهم مطر فيه ظلمات و رعد و برق، فالمطر هو نزول الوحي الإلهي و وصول إمداد الرحمة إليهم ببركة صحبة المؤمنين، و بقية استعدادهم مما يفيد قلوبهم أدنى لين، و حصول النعم الظاهرة لهم بموافقتهم في الظاهر. و الظلمات هي الصفات النفسانية، و الشكوك الخيالية و الوهمية، و الوساوس الشيطانية مما تحيرهم و توحشهم. و الرعد هو التهديد الإلهيّ و الوعيد القهريّ الوارد في القرآن و الآيات و الآثار المسموعة و المشاهدة مما يخوّفهم فيفيد أدنى انكسار لقلوبهم الطاغية و انهزام لنفوسهم الآبية. و البرق هو اللوامع النورية و التنبهات الروحية عند سماع الوعد و تذكير الآلاء و النعماء مما يطمعهم و يرجيهم، فيفيدهم أدنى شوق و ميل إلى الإجابة.

و معنى‏ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ‏ يتشاغلون عن الفهم بالملاهي و الملاعب عن سماع آيات الوعيد، و لكي لا ينجع فيهم فيقطعهم عن اللذات الطبيعية بهمّ الآخرة، إذ الانقطاع عن اللذات الحسيّة هو موتهم، و اللّه قادر عليهم، قاطع إياهم عن تلك اللذات المألوفة بالموت الطبيعي، قدرة المحيط بالشي‏ء الذي لا يفوته منه، فلا فائدة لحذرهم.

 

 

 

 

[20]

[سورة البقرة (2): آية 20]

يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (20)

يَكادُ الْبَرْقُ‏ أي: اللامع النوريّ‏ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ‏ أي: عقولهم المحجوبة بالنعاس عن نور الهداية و الكشف، إذ العقل بصر القلب‏ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ‏ أي: ترقوا و قربوا من قبول الحق و الهدى، وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أي: ثبتوا على حيرتهم في ظلمتهم‏ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ‏ لطمس أفهامهم و عقولهم، و محا نور استعدادهم، كما للفريق الأول فلم يتأثروا بسماع الوحي أصلا إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ الشي‏ء الموجود الخارجيّ الواجب و الممكن، و الموجود الذهني الممكن و الممتنع، إذ اللاشي‏ء هو المعدوم الصرف الذي ليس في الذهن و لا في الخارج، لكن تعلق القدرة به خصصه بالممكن و أخرج عنه الواجب و الممتنع بدليل العقل.

هذا آخر الكلام في الأصناف السبعة على سبيل الإجمال، و فصل بين فريقي الأشقياء و أوجز ذكر الفريق الأوّل و أعرض عنهم، إذ الكلام فيهم لا يجدي. و بالغ في ذكر الفريق الثاني، و ذمّهم، و تعييرهم، و تقبيح صورة حالهم، و تهديدهم، و إبعادهم، و تهجين سيرهم، و عاداتهم لإمكان قبولهم للهداية و زوال مرضهم العارض، و اشتعال نور قرائحهم بمدد التوفيق الإلهيّ عسى التقريع يكسر أعواد شكائمهم، و التوبيخ يقلع أصول رذائلهم، فتتزكى بواطنهم و تتنوّر قلوبهم بنور الإرادة، فيسلكوا طريق الحق. و لعل موادعة المؤمنين و ملاطفتهم إياهم و مجالستهم معهم، تستميل طباعهم فتهيج فيهم محبة مّا، و شوقا تلين به قلوبهم إلى ذكر اللّه، و تنقاد به نفوسهم لأمر اللّه، فيتوبوا و يصلحوا كما قال اللّه تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَ لَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَ أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146)[13].

 

 

 

 

[21- 24]

[سورة البقرة (2): الآيات 21 الى 24]

يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى‏ عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23)

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (24)

يا أَيُّهَا النَّاسُ‏ ثم لما فرغ من ذكر السعداء و الأشقياء، دعاهم إلى التوحيد. و أوّل مراتب التوحيد: توحيد الأفعال، فلهذا علّق العبودية بالربوبية ليستأنسوا برؤية النعمة، فيحبوه، كما قال‏: «خلقت الخلق و تحببت إليهم بالنعم».

 فيشكروه بإزائها، إذ العبادة شكر فلا تكون إلا في مقابلة النعمة، و خصص ربوبيته بهم ليخصوا عبادتهم به، و قصد رفع الحجاب الأول من الحجب الثلاثة التي هي حجب الأفعال و الصفات و الذات، ببيان تجلي الأفعال لأن الخلق في الثلاثة كلهم محجوبون عن الحق بالكون مطلقا، فنسب إنشاءهم و إنشاء ما توقف عليه وجودهم من المبادئ و الأسباب و الشرائط كمن قبلهم من الآباء و الأمهات، و جعل الأرض فراشا لهم لتكون مقرّهم و مسكنهم، و جعل السماء بناء لتظلهم، و أنزل الماء من السماء و أخرج النبات به من الأرض ليكون رزقا لهم إلى نفسه لعلهم يتقون نسبة الفعل إلى غيره، فيتنزهون عن الشرك في الأفعال عند مشاهدة جميعها من اللّه، و لهذا ذكر نتيجة هذه المقدّمات بالفاء فقال: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏، ما ذكرنا من المقدمات كأنه قال: هو الذي فعل هذه الأفعال، فلا تحق العبادة إلا له، و لا تنبغي أن تجعل لغيره، فلا تجعلوا له ندّا بنسبة الفعل إليه، فيستحق أن يعبد عندكم فتعبدوه مع علمكم بهذا.

فعبادتهم إنما هي‏ للصانع، و ربهم هو المتجلّي في صورة الصنع، إذ كل عابد لا يعبد إلا ما يعرفه، و لا يعرف اللّه إلا بقدر ما وجد من الألوهية في نفسه، و هم ما وجدوا إلا الفاعل المختار فعبدوه. و غاية هذه العبادة الوصول إلى الجنّة التي هي كمال عالم الأفعال، فاللّه مهد لهم أراضي نفوسهم، و بنى عليها سموات أرواحهم، و أنزل من تلك السموات ماء علم توحيد الأفعال، فأخرج به من تلك الأرض نبات الاستسلام و الأعمال و الطاعات و الأخلاق الحسنة ليرزق قلوبهم منها ثمرات الإيقان و الأحوال و المقامات، كالصبر و الشكر و التوكل.

و لما أثبت التوحيد، استدل على إثبات النبوّة ليصح بهما الإسلام، فإنه لا يصح إلا بشهادتين لأن مجرّد التوحيد هو الاحتجاب بالجمع عن التفصيل و هو محض الجبر المؤدّي إلى الزندقة و الإباحة، و مجرّد إسناد الفعل و القول إلى الرسول، احتجاب بالتفصيل عن الجمع الذي هو صرف القدر المؤدّي إلى المجوسية و الثنوية، و الإسلام طريق بينهما بالجمع بين قولنا: لا إله إلا اللّه، و بين قولنا: محمد رسول اللّه، و اعتقاد مظهريته لأفعاله تعالى. فإن أفعال الخلق بالنسبة إلى أفعال الحق كالجسد بالنسبة إلى الروح، فكما أن مصدر الفعل هو الروح و لا يتم إلا بالجسد، فكذلك مبدئ الفعل هو الحق و لا يظهر إلا بالخلق. و لا بدّ من الرسالة لأن الخلق بسبب احتجابهم و بعدهم عن الحق لا يمكنهم تلقي المعارف من ربهم، فيجب وجود واسطة يجانس بروحه الشاهدة للحق الحضرة الإلهية، و بنفسه المخالطة للخلق الرتبة البشرية، ليتلقى قلبه من روحه الكلمات الربانية، و يلقي إلى نفسه القدسية، و يقبل منه الخلق برابطة الجنسية فقال:

وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا أي: في تنزيلنا على محمد فتشكوا في حقيقة نبوّته، فروزوا قواكم البشرية، و أحرزوا عقولكم المحتنكة بالقياس، المحجوبة عن نور الهداية، و أفكاركم الدريّة بتركيب الكلام و نظم المعاني، و أنتم و من حضركم من أبناء جنسكم، هل تقدرون على الإتيان بسورة أي: طائفة من الكلام مثله‏ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ في نسبته إلى محمد، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فأذعنوا و أسلموا و آمنوا، و اتركوا العناد المفضي بكم إلى النار.

فحذف الملزوم الذي هو الإيمان أو الإسلام، و أقام لازمه الذي هو اتقاء النار مقامه ليكون أدلّ على أن الإنكار موجب لدخول النار و حصول العذاب لهم. و قوله: وَ لَنْ تَفْعَلُوا اعتراض على طريق الإخبار بالغيب للعلم بامتناع عقول المحجوبين عن مثله. و المراد بالنار احتراقهم بثورة نفوسهم، و شرر طباعهم المصروفة عن الروح القدسيّ الروحانيّ، و النسيم الذوقيّ الرحمانيّ، المحرومة عن لذّة برد اليقين، و سلامة دار القرار المقطوعة بالمألوفات الحسيّة، و اللذات البدنيّة الممنوعة، بما ضريت به و ألفته مع بقاء حنينها إليه و ولهها، و رسوخ‏ هيئات التعلّق بالأمور السفليّة، و محبة الأجساد الأرضية فيها التي هي سبب استيقاد نيرانها، و لهذا قال: وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أي: الأمور الجاسية، السفلية، الصامتة، التي تعلقوا بها بالمحبة فرسخت صورها في أنفسهم، و سجنت نفوسهم بميلهم إليها، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏: «المرء يحشر مع من أحبّ حتى لو أحبّ أحدكم حجرا حشر معه» ، و كيف لا، و قد ركزت صورته في نفسه بالمحبة بحيث صار صورة قلبه صورته.

و اعلم أن حرارة النار تابعة لصورتها النوعية التي هي روحانيتها و ملكوتها، و إلّا ساوت سائر الأجسام في خواصها، و تلك الروحانية شرر من نار، قهر اللّه المعنوية بعد تنزلها في مراتب كثيرة كتنزلها في مرتبة النفس بثورة الغضب، إذ ربما تؤثر ثورة الغضب في إحراق الأخلاق ما لا تؤثر النار في الحطب. و من هذا يعلم أن كل مسخن لا يجب أن يكون حارّا.

و إذا كانت النار الجسمانية أثرا للنار الروحانية، فلا جرم أنّ إيلامها أشدّ و أدوم من إيلام هذه النار، كيف و كل قوّة جسمانية متناهية دون القوى الروحانية؟، و لهذا المعنى يقال: إن نار جهنم غسلت بالماء سبعين مرّة، ثم أنزلت إلى الدنيا ليمكن الانتفاع بها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ‏ المحجوبين عن الدين لانقطاعهم دون مرادهم.

 

 

 

 

[25]

[سورة البقرة (2): آية 25]

وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَ لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (25)

وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا بالصانع و عملوا ما يصلحهم للجنة بمقتضى علمهم بتوحيد الأفعال إن لهم مراداتهم و مشتهياتهم فوق ما تصوّروا و تمنوا، لتنكير الجنات، و الجنات الجارية من تحتها الأنهار أبهى و أطيب ما يكون من مقام، و ألذّ و أحلى ما يكون من مرام لأهل الدنيا، فهي لنفوسهم من جنس جنات الدنيا، و أصفى منها بحسب المعاد الجسمانيّ، فإنه حق كما ستعلم. كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ‏ في الدنيا، فإنها مألوفهم‏ وَ أُتُوا بالرزق‏ مُتَشابِهاً و لقلوبهم‏[1] هي مقاماتهم، كالتوكل مثلا، و روضات عالم القدوس التي تنشأ من كل مرتبة منها أنهار علوم تنفع السالكين، و تنفع علّة المتعطشين المشتاقين. و الثمرات هي الحكم و المعارف، و قولهم: هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ‏ إشارة إلى أن تلك العلوم و الحكم كانت ثابتة للقلب حالة التجرّد، فاحتجبت عنها بالتوغل في الأمور الطبيعية عند التعلق فنسيتها، ثم تذكرت حين تجرّدت عن ملابسها لقوله عليه الصلاة و السلام‏:«الحكمة ضالة المؤمن». و الأزواج لنفوسهم الحور العين المطهرّة عن الطمث و الفواحش،و لقلوبهم النفوس القدسيّة المطهرّة عن دنس الطبائع و كدر العناصر، و لا جنة لأرواحهم لاحتجابهم عن المشاهدة.

 

 

 

 

[26]

[سورة البقرة (2): آية 26]

إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (26)

إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي‏ لا يمتنع امتناع المستحيي‏ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها إذ الكافر عنده أحقر من بعوضة، و الدنيا من جناحها، كما نطق به الحديث. أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ‏ لمناسبة الممثل به الممثل له‏ وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ‏ الذين خرجوا من مقام القلب إلى مقام النفس، و من طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان. و هم الفريق الثاني من الأشقياء لا الفريق الأول، فإنهم ضالون في نفس الأمر على أيّ حال كان لا به و لا بسبب آخر.

و إضلالهم به مسبّب عن فسقهم في الحقيقة، إذ ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعليّة و هي زيادة عنادهم و إنكارهم و حقدهم و غلبة صفات نفوسهم على قلوبهم بورود القرآن فيزيدهم بعدا و ظلمة على ظلمة.

 

 

 

[27]

[سورة البقرة (2): آية 27]

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27)

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ‏ هو الذي أشار إليه في قوله: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى[2]. و قد ورد في الحديث‏: «أن اللّه تعالى مسح ظهر آدم بيده و أخرج ذريّته منه كهيئة الذرّ»

… الحديث. فيد اللّه هو العقل الأقدس، و الروح الأول الذي هو روح العالم المسمّى يمين الرحمن، و آدم هو النفس الناطقة الكلية التي هي قلب العالم. و مسحه ظهره تأثير العقل فيها و تنويره إياها بنوره بالاتصال الروحاني، و إخراج ذريّته منه إيجاد النفوس الشخصية الجزئية التي كانت فيها بالقوّة، و إخراجها إلى الفعل. و عهد اللّه إليهم بقوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‏ إيداع علم التوحيد في ذواتهم و ميثاق ذلك العهد ركز أدلة التوحيد في عقولهم و إلزام ذلك العلم إياهم و جعله من اللوازم الذاتية لهم، بحيث إذا تجرّدوا عن الصفات النفسانية و الغواشي الجسمانية تبين لهم ذلك، و انكشف عليهم أظهر شي‏ء و أبينه و هو إشهادهم على أنفسهم لكون ذلك العلم ضروريا حينئذ، و إجابتهم لذلك بقولهم: بَلى‏ قبولهم الذاتيّ له، و نقض ذلك العهد انهماكهم في اللذات البدنية و الغواشي الطبيعية و تعبدهم لهواهم و شهواتهم، بحيث احتجبوا بها عن وحدة اللّه و تعبده، و قطعهم ما أمر اللّه بوصله إعراضهم عن اتصال روح القدس و المبادئ العالية و الأرواح السماوية التي هي الملأ الأعلى، و سكان الحضرة الإلهية من أهل الجبروت و الملكوت الذين يجانسونهم بذواتهم و صفاتهم، و هم أهل قرابتهم الحقيقية، و رحمهم الظاهر المأمور بوصله حقيقة بتوجههم إلى العالم السفليّ و محبتهم للجواهر الفاسقة المظلمة، و عشقهم و شغفهم بالأمور الخسيسة الفانية. و لهذا قال عليه الصلاة و السلام‏: «إن اللّه يحب معالي الأمور و أشرافها، و يبغض سفاسفها»، إذ كلما كان مطلوب النفس أخسّ كانت عن العالم الشريف أبعد.

ضروب الناس عشاق ضروبا فأغدرهم أشقهم جيوبا

و قد مرّ تفسير الإفساد في الأرض، و الخسران الذي هو تضييع الجوهر النوريّ الباقي لأجل الظلمانيّ الفاني.

 

 

 

 

[28]

[سورة البقرة (2): آية 28]

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ‏ أي: على أيّ حال تحجبون عنه‏ وَ الحال أنكم‏ كُنْتُمْ أَمْواتاً نطفا في أصلاب آبائكم‏ فَأَحْياكُمْ‏ أي: لم لا تستدلون بالخلق على الخالق‏ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ‏ بالموت الطبيعي‏ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ‏ بالبعث، إذ الأوّل معلوم بالمشاهدة، و الثاني بالاستدلال عليه بالإنشاء الأوّل‏ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ للمجازاة، أو ثم يميتكم عن أنفسكم بالموت الإراديّ الذي هو الفناء في الوحدة ثم يحييكم بالحياة الحقيقية التي هي البقاء بعد الفناء بالوجود الموهوب الحقانيّ. ثم إليه ترجعون للمشاهدة إن كانت الوحدة وحدة الصفات، أو الشهود إن كانت وحدة الذات.

 

 

 

 

[29]

[سورة البقرة (2): آية 29]

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (29)

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي: الجهة السفليّة التي هي العالم العنصريّ جميعا لكونها مبادئ خلقكم و موادّ وجودكم و بقائكم‏ ثُمَّ اسْتَوى‏ أي: قصد قصدا مستويا إلى الجهة العلوية، و ثم للتفاوت بين الجهتين و الإيجادين الإبداعيّ و التكويني لا للتراخي بين الزمانين ليلزم تقدّم خلق الأرض على السماء.

فعدّلهنّ سبع سموات بحسب ما تراه العامة، إذ الثامن و التاسع هو الكرسيّ و العرش الظاهران. و الحقيقة أنّ الجهة السفليّة هي العالم الجسمانيّ كالبدن و أعضائه لدنوّ رتبته بالنسبة إلى العالم الروحانيّ الذي هو الجهة العلوية المعبر عنها بالسماء. و ثم للتفاوت بين الخلق‏ و الأمر. و سواهنّ سبع سموات إشارة إلى مراتب عالم الروحانيات، فالأول: هو عالم الملكوت الأرضية و القوى النفسانية و الجنّ. و الثاني: عالم النفس.

و الثالث: عالم القلب.و الرابع: عالم العقل. و الخامس: عالم السرّ. و السادس: عالم الروح. و السابع: عالم الخفاء الذي هو السرّ الروحيّ غير السرّ القلبيّ. و إلى هذاأشار أمير المؤمنين عليه السلام بقوله‏:«سلوني عن طرق السماء، فإني أعلم بها من طرق الأرض»، و طرقها: الأحوال و المقامات كالزهد، و التوكل، و الرضا، و أمثالها.

و اعلم أنّ العقل باصطلاح الحكمة هو الروح باصطلاح أهل التصوّف، و الذي سميناه هاهنا بالعقل على اصطلاح المتصوّفة هو القوّة العاقلة التي للنفس الناطقة عند الحكماء. و لهذا قالت المتصوّفة: العقل هو موضع صقيل من القلب، متنوّر بنور الروح. و القلب هو النفس الناطقة، فاحفظه لئلا يتشوّش الفهم باختلاف الاصطلاح.

 

 

 

[30]

[سورة البقرة (2): آية 30]

وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30)

وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إذ: إشارة إلى السرمد الذي هو من الأزل إلى الأبد، و القول هو إلقاء معنى تعلق مشيئة اللّه تعالى بإيجاد آدم في الذوات القدسية الجبروتية التي هي الملائكة المقرّبون و الأرواح المجرّدة و الملكوتية التي هي النفوس السماوية إذ كل ما يحدث في عالم الكون له صورة قبل التكوين في عالم الروح الذي هو عالم القضاء السابق، ثم في عالم القلب الذي هو قلب العالم المسمّى باللوح المحفوظ، ثم في عالم النفس أي: نفس العالم الذي هو لوح المحو و الإثبات المعبر عنه بالسماء الدنيا في التنزيل كما قال تعالى:

وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)[3]، فذلك قوله تعالى للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً و اعتبر بحالك في نفسك، فإنّ كل ما يظهر على جوارحك التي هي عالم كونك و شهادتك من القول و الفعل، له وجود في روحك التي هي ما وراء غيب غيبك، ثم في غيب غيبك، ثم في نفسك التي هي غيبك الأدنى و سماؤك الدنيا، ثم يظهر على جوارحك. و الجعل أعم من الإبداع و التكوين، فلم يقل (خالق) لأن الإنسان مركب من العالمين: خليفة يتخلق بأخلاقي، و يتصف بأوصافي، و ينفذ أمري، و يسوس خلقي، و يدبر أمرهم، و يضبط نظامهم، و يدعوهم إلى طاعتي.

و إنكار الملائكة بقولهم: قالُوا: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ و تعريضهم بأولويتهم لذلك بقولهم:

وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ‏ هو احتجابهم عن ظهور معنى الإلهية و الأوصاف الربانية فيه التي هي من خواص الهيئة الاجتماعية و التركيب الجامع للعالمين الحاصر لما في الكونين.

و علمهم بصدور الأفعال البهيمية التي هي الإفساد في الأرض، و السبعية المعبر عنها بسفك الدماء اللتين هما من خواص قوّة الشهوة و الغضب الضروري وجودهما في تعلق الروح بالبدن، و بنزاهة ذواتهم و تقدّس نفوسهم عن ذلك، إذ كل طبقة من الملائكة المقدّسة تطلع على ما تحتها و ما في أنفسها و لا تطلع على ما فوقها، فهي تعلم أنه لا بدّ في تعلق الروح العلوي النوراني بالبدن السفلي الظلماني من واسطة تناسب الروح من وجه، و تناسب الجسم من وجه، هي النفس، و هي مأوى كل شرّ، و منبع كل فساد. و لا تعلم أن الجمعية الإنسانية جالبة للنور الإلهيّ الذي هو سرّ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ‏ و الفرق بين التسبيح و التقديس، أن التسبيح: هو التنزيه عن الشريك و العجز و النقص. و التقديس: هو التنزيه عن التعلق بالمحل و قبول الانفعال و شوائب الإمكان و التعدّد في ذاته و صفاته و كون شي‏ء من كمالاته بالقوة.

فالتقديس أخص، إذ كل مقدّس مسبح و ليس كلّ مسبح مقدسا، فالملائكة المقرّبون الذين هم الأرواح المجرّدة بتجرّدهم و عدم احتجابهم عن نور ربهم و قهرهم ما تحتهم بإفاضة النور عليهم، و تأثيرهم في غيرهم، و كون جميع كمالاتهم بالفعل مقدّسون و غيرهم من الملائكة السماوية و الأرضية مسبّحون ببساطة ذواتهم و خواص أفعالهم و كمالاتهم.

 

 

 

 

[31- 33]

[سورة البقرة (2): الآيات 31 الى 33]

وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)

قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)

وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها أي: ألقى في قلبه خواص الأشياء التي تعرف بها هي و منافعها و مضارّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ‏ أي: عرض مسمياتها عَلَى الْمَلائِكَةِ بشهودهم البنية الإنسانية و مرافقتهم لآدم في التنزيل. و معنى قوله: فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ إرادته لانتعاشهم ببعض معلومات الإنسان باقتضاء التركيب الإنساني، و تأدّي محسوساته و معلوماته المتنوعة منها و الحادثة فيه بخاصية التركيب و الهيئة الاجتماعية إلى ذواتهم بعد ما لم تكن، إذ علومهم تابعة لعلمه و هو معنى إفحامهم و تعلق إرادته بذلك أمر آدم بالإنباء إذ جميع القوى الإنسانية و الملائكة التي بحضرته تنتعش بما لا تنتعش هي في غير ذلك المحل، و هو معنى إنباء آدم إياهم.

و معنى قوله: قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ‏ شهادة وجوداتهم بالدلالة و ألسنة الحال على قصورهم عن الكمالات الإنسانية و تخلفهم عن شأوها، و بتنزيه اللّه عن فعل ما فيه مفسدة بالإجمال، و علمهم بامتناع ترقيهم إلى مراتبهم بكسب العلوم، إذ كمالاتهم مقارنة لوجوداتهم، و بأن علمه تعالى فوق علمهم فهو العليم المطلق، و الحكيم الذي لا يفعل إلا ما ينبغي. و لهذا قال:

يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ‏ و لم يقل علمهم، لأنّ العلم المكتسب الموجب للترقي هو من خاصية الجمعية الإنسانية فلا يقبل كل منها إلا ما في طباعه من جنس مدركاته لا غير، و كما أن البصر مثلا من كثرة مبصراته لا يزيد علما و رتبة و لا يقبل إلا ما هو من جنس المبصرات فقط، و إن تكثرت عنده فكذلك حال كل قوة باطنة. و معنى: أَ لَمْ أَقُلْ‏ تقريره في طباع الملائكة أنه تعالى يعلم ما لا يعلمون من غيب السموات و الأرض الذي هو سرّ المعرفة و المحبة المودع في الإنسان الذي استأثر اللّه بعلمه‏ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ‏ من علمكم بمفاسد الإنسان‏ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏ من ترجيحكم ذواتكم عليه لنزاهتها و تقدّسها.

 

 

 

 

[34]

[سورة البقرة (2): آية 34]

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34)

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ‏ سجودهم لآدم انقيادهم و تذللهم له و مطاوعتهم و تسخرهم له‏ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ و إبليس هو القوة الوهمية لأنها ليست من الملائكة الأرضية الصرفة المحجوبة عن إدراك المعاني بإدراك الصور، فيذعن بالقهر مطاوعة لأمر اللّه، و لا من السماوية العقلية فتدرك شرف آدم و توافق عقله فيذعن بالمحبة طالبا لرضا اللّه. و كان جنيّا: أي من جملة الملكوت السفلية و القوى الأرضية، نشأ و تربى بين ظهور الملائكة السماوية لإدراكه المعاني الجزئية و ترقيه إلى الأفق العقليّ و لهذا كان في الحيوانات العجم بمنزلة العقل في الإنسان و إباؤه عدم انقياده للعقل، و امتناعه لقبول حكمه، و استكباره تفوّقه على الخلقة الطينية و الملائكة السماوية و الأرضية بعدم وقوفه على حدّه من إدراك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات و تعدّيه عن طوره بخوضه في المعاني العقلية و الأحكام الكلية. وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ‏ المحجوبين في الأزل عن الأنوار العقلية و الزوجية فضلا عن نور الوحدة.

 

 

 

 

[35]

[سورة البقرة (2): آية 35]

وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)

وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ زوجته: هي النفس، و سمّيت حواء لملازمتها الجسم الظلماني إذ الحياة هي اللون الذي يغلب عليه السواد كما أن القلب سمي آدم لتعلقه بالجسم دون الملازمة بالانطباع إذ الأدمة هي السمرة أي: اللون الذي يضرب إلى السواد و لو لا تعلقه لما سمي آدم. و الجنة المأمور بملازمتهما إياها هي سماء عالم الروح التي هي روضة القدس أي ألزما سماء الروح.

وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما أي: توسّعا و تفسحا في تلقي معانيها و معارفها و حكمها التي هي الأقوات القلبية و الفواكه الروحية توسعا بالغا على أي وجه و من أي مرتبة و حال و مقام شئتما إذ هي دائمة غير منقطعة و لا محجورة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏ الواضعين النور في محل الظلمة الذي ليس موضعه و الناقصين من نور استعدادكما و حظكما من عالم النور، فإن الظلم في العرف هو وضع الشي‏ء في غير موضعه و في اللغة نقص الحق و الحظ الواجب.

 

 

 

 

[36]

[سورة البقرة (2): آية 36]

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ (36)

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها أي: حملهما على الزلة من مقامهما إلى مهوى الطبيعة عن الجنة بتسويل الملاذ الجسمانية و دوامها عليهما فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ‏ من النعيم و الروح الدائم. و قيل: بينما هما يتفرّجان في الجنة إذ راعهما طاوس تجلّى لهما على سور الجنة، فدنت حواء منه و تبعها آدم فوسوس لهما الشيطان من وراء الجدار. و قيل: توسل بحيّة تتسوّر الجنة فأخذ بذنبها و صعد الجنة. و الأوّل إشارة إلى توسله من قبل الشهوة خارج الجنة.

و الثاني: إلى توسله بالغضب. و تسوّره جدار الجنة: إشارة إلى أن الغضب أقرب إلى الأفق الروحانيّ و الحيز القلبيّ من الشهوة. وَ قُلْنَا اهْبِطُوا أي: ألزمناهم الهبوط إلى الجهة السفلية التي هي العالم الجسمانيّ‏ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ حال من الهبوط مقيد له إذ الهبوط إلى الدنيا التي هي الجهة السفلية يستلزم كون مطالبها جزئية في ضيق المادة محصورة لا تحتمل الشركة. و كلما حظي بها أحد حرم منها غيره فمنعه، فيقع بينهما العداوة و البغضاء بخلاف المطالب الكلية و جمع الخطاب لأن خطابهما خطاب النوع إذ الأصل يتناول الفرع‏ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ‏ أي: في هذه الجهة مُسْتَقَرٌّ استقرار وَ مَتاعٌ‏ تمتع‏ إِلى‏ حِينٍ‏ أي: حين تجرّدهما بالموت الإرادي أو انقطاع حظوظهما بالموت الطبيعي و قيام أحد القيامتين الكبرى أو الصغرى.

 

 

 

 

[37]

[سورة البقرة (2): آية 37]

فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)

فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ‏ أي: استقبل من جهة ربّه أنوارا و أطوارا، أي: مراتب من‏ الملكوت و الجبروت و أرواحا مجرّدة، إذ كل مجرد كلمة لأنه من عالم الأمر كما سمي عيسى كلمة أو تلقن منه معارف و علوما و حقائق. فَتابَ عَلَيْهِ‏ تقبّل رجوعه إليه بالتجرّد عن الملابس الطبيعية و الانخراط في سلك الأنوار الملكوتية، و الاتصاف بالكمالات القدسية، و التجلّي بالعلوم الحقيقية. و أصل تاب عليه: ألقى الرجوع عليه و جعله راجعا. و لعمري إنها هي التوبة المقبولة لا الرجوع الناشئ من قبله. إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ‏ الكثير القبول لتوبة عباده‏ الرَّحِيمُ‏ الذي سبقت رحمته غضبه، فيرحم عبده في حين غضبه، كما جعل غضبه على آدم سبب كماله و رجوعه إليه و بعده ليقرب منه.

 

 

 

[38]

[سورة البقرة (2): آية 38]

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً كرر ذلك الأمر بالهبوط ليفيد أنه هو الذي أراد ذلك و لو لا إرادته لما قدر إبليس على إغوائهم، و لهذا أسند الإهباط إلى نفسه مجردا عن التعليق بالسبب بعد إسناد إخراجهما إلى الشيطان، فهو قريب مما قال لنبيه: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏[4] فتفطن منه سرّ قضائه و قدره و بين وجه حكمة الإهباط بتعقيبه بقوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ و إيراده بالفاء إذ لو لا الهبوط لما أمكنهم من متابعة الهدى، و لما تميز السعيد و الشقيّ، و لا حصل استحقاق الثواب و العقاب، و لبطل دار الجزاء من الجنة و النار، بل ما وجدت. و الهدى هو الشرع فمن تبعه أمن سوء العاقبة فلم يخف مما يأتي من العقاب و الفناء، و تسلى عن الشهوات و اللذات، فلم يحزن على ما فاته من حطام الدنيا و نعيمها لاكتحال بصيرته بنور المتابعة و اهتدائه إلى ما لا يقاس بلذات الدنيا من الأذواق الروحانية، و الفتوحات السريّة، و المشاهدات القلبية، و العلوم العقلية، و المواجيد النفسية.

 

 

 

 

[39- 41]

[سورة البقرة (2): الآيات 39 الى 41]

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39)

يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)

وَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَ إِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: حجبوا عن الدين لكونه في مقابلة اتباع الهدى. و إردافه بقوله:

وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ أي: نار الحرمان‏ هُمْ فِيها خالِدُونَ* يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ‏ بنو إسرائيل هم أهل اللطف الإلهيّ، و أرباب نعمة الهداية و النبوة، دعاهم باللطف و تذكير النعمة السابقة، و العهد السالف المأخوذ منهم في التوراة بتوحيد الأفعال بعد العهد الأزليّ كما هو عادة الأحباب عند الجفاء.

ألم يك بيننا رحم و وصل‏ و كان بنا المودّة و الإخاء

و هذه الدعوة مخصوصة بتوحيد الصفات الذي هو رفع الحجاب الثاني، فهي أخص من الدعوة الأولى العامة لتذكير النعمة الدينية و العهد و التجلّي بصفة المنعم و الوليّ، و التهديد على عدم إجابتها بالرهبة التي هي أخصّ من الخوف، فإن الخوف إنما يكون من العقاب، و الرهبة من السخط و القهر، و الإعراض و الاحتجاب و الخشيّة أخص منها لكونها مخصوصة باحتجاب الذات.

قال اللّه تعالى: وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ[5]. و كذا الهيبة لأنها قرنت بعظمة الذات.

وَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ‏ من القرآن على حبيبي من توحيد الصفات‏ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ‏ في التوراة من توحيد الأفعال‏ وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ‏ أي: أول محجوب عنه لاحتجابكم باعتقادكم‏ وَ لا تَشْتَرُوا أي: لا تستبدلوا بِآياتِي‏ الدالة على تجلّيات ذاتي و صفاتي كسورة (الإخلاص) و آية (الكرسي) و أمثالهما، ثَمَناً قَلِيلًا أي: جنتكم النفسية لتألفكم بالملاذ الحسيّة و ثواب الأعمال بتوحيد الأفعال. و إن اتقيتم عن الشرك فاتقوا سطوة قهري و جلالي و حجابي بابتغاء رضاي فلا تثبتوا صفة لغيري.

 

 

 

[42]

[سورة البقرة (2): آية 42]

وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)

وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ‏ أي: و لا تخلطوا صفاته تعالى الثابتة كعلمه و قدرته و إرادته بالباطل الذي هو صفات نفوسكم بظهورها بصفاتها و عدم تمييزكم بين دواعيها و خواطرها و دواعي الحق و خواطره، و لا تكتموها بحجاب صفات النفس و سترها إياها عند ظهورها وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ من علم توحيد الأفعال أنّ مصدر الفعل هو الصفة، فكما لم تسندوا الفعل إلى غيره لا تثبتوا صفة لغيره.

 

 

 

 

[43]

[سورة البقرة (2): آية 43]

وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ طلبا لمرضاتي لا رجاء لثوابي، و مصداقه قوله:

وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ‏ إذ الركوع هو الخضوع و الإذعان لما يفعل به فهو علامة الرضا الذي هو ميراث تجلّي الصفات و غايته، أي: ارضوا بقضائي عند مطالعة صفاتي و التوجه عند القيام بالفعل علامة طلب الثواب و الأجر لاستقلال النفس بصورتها، و السجود الذي هو غاية الخضوع علامة الفناء في الوحدة عند تجلي الذات.

 

 

 

 

[44]

[سورة البقرة (2): آية 44]

أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (44)

أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ الذي هو الفعل الجميل الموجب لصفاء القلب، و زكاء النفس الزائد منها بالتنوّر وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ‏ أفلا تفعلون ما ترتقون به من مقام تجلّي الأفعال إلى تجلّي الصفات‏ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ‏ كتاب فطرتكم الذي يأمركم باتباع محمد في دينه السالك بكم سبيل التوحيد أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ تعيير بالغ، و تهييج لحميتهم.

 

 

 

 

[45- 46]

[سورة البقرة (2): الآيات 45 الى 47]

وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45)

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46)

يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47)

وَ اسْتَعِينُوا و اطلبوا العون و المدد ممن له القدرة، إذ لا قدرة لكم على أفعالكم‏ بِالصَّبْرِ على ما تكرهون مما يفعل بكم و تكلفكم و نيتكم به لكي تصلوا إلى مقام الرضا وَ الصَّلاةِ التي هي حضور القلب لتلقي تجلّيات الصفات‏ وَ إِنَّها و إنّ المراقبة أي الحضور القلبيّ‏ لَكَبِيرَةٌ لشاقة ثقيلة إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ‏ المنكسرة، اللينة قلوبهم لقبول أنوار التجليات اللطيفة و استيلاء سطوات التجليات القهرية، الذين يتيقنون أنهم بحضرة ربهم، أي:حضرة الصفات لدلالة الربّ عليها في حال لقائه، وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ بفناء صفاتهم و محوها في صفاته.

كرّر الخطاب ليفيد أنّ الذي هداهم أولا و لطف بهم و فضّلهم على عالمي زمانهم المحجوبين بالهداية إلى رفع الحجاب الأول هو الذي يهديهم ثانيا، فكما لم يرد بهم شرّا في الهداية الأولى فكذلك في الثانية لا يريد بهم إلا خيرا.

 

 

 

 

 

[48]

[سورة البقرة (2): آية 48]

وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)

وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي‏ أي: حال تجلي صفة القهر حين لا تغني‏ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً من الإغناء لعدم القدرة لأحد وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ لعدم الشفاعة و المدد إذ كلهم ملوبو الصفات و الأفعال، كقوله:و لا ترى الضب بها ينحجر وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ‏ أي: فدية لعدم الملك لأحد وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ‏ لامتناع القوّة و النصرة لغيره تعالى.

 

 

 

 

[49]

[سورة البقرة (2): آية 49]

وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)

وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ‏ ظاهره و تفسيره على ما يفهم من تذكير النعمة لتهييج المحبة و باطنة و تأويله و إذ نجيناكم من آل فرعون النفس الأمارة المحجوبة بأنانيتها المستعلية على ملك الوجود و مصر مدينة البدن التي استعبدت هي و قواها التي هي الوهم و الخيال و المتخيلة و الغضب و الشهوة و القوى الروحانية التي هي أبناء صفوة اللّه يعقوب الروح و القوى الطبيعية البدنية من الحواس الظاهرة و القوى النباتية.

يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ‏ يكلفونكم المتاعب الصعبة و الكدّ و الأعمال الشاقّة في جمع المال و ادّخاره بالحرص و الأمل و ترتيب الأقوات و الملابس و غيرها مما يكدح فيه الحرّاص من أبناء الدنيا و يستعبدونكم في التفكر فيها و الاهتمام بها و ضبطها و تحصيل لذاتهم التي هي عذاب لمنعها إياكم عن لذاتكم. وَ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ‏ التي هي تلك القوى الروحانية عن العاقلة النظرية، و العاقلة العملية اللتين هما عينا القلب النظرية اليمنى و العملية اليسرى، و الفهم الذي هو سمع القلب، و السرّ الذي هو قلب القلب، و الفكر و الذكر وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ‏ القوى الطبيعية المذكورة بمنع الطائفة الأولى عن أفعالها الخاصة بالقهر و الاستيلاء و حجبها عن حياة نور الروح و مددها و أقدار الطائفة الثانية عن أفعالها و تمكينها.

وَ فِي ذلِكُمْ‏ الإنجاء نعمة عظيمة مِنْ رَبِّكُمْ‏ هي نعمة مطالعة صفات جلاله و جماله، أو في ذلكم التعذيب نقمة عظيمة من ربكم هي نقمة الاحتجاب و الحرمان و البعد، إذ البلاء الذي هو الامتحان يحصل بهما. قال اللّه تعالى: وَ بَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَ السَّيِّئاتِ[6].

 

 

 

 

[50]

[سورة البقرة (2): آية 50]

وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)

وَ إِذْ فَرَقْنا بوجودكم‏ الْبَحْرَ أي البحر الأسود الزعاق الذي هو المادة الجسمانية لانفلاقها بوجودكم انفلاق الأرض من النبات‏ فَأَنْجَيْناكُمْ‏ بالتجرّد منها وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ‏ أي: القوى النفسانية فيها بملازمتها إياها و هلاكها بفسادها، وَ أَنْتُمْ‏ تشاهدون ذلك. و على هذا يمكن أن يؤوّل بنو إسرائيل في أوّل الخطاب بتلك القوى الروحانية و النعمة التي أنعم بها عليهم هي التهدي إلى قبول الأنوار الفائضة عليها من عالم الروح و تلقي المعارف و الحكم، و إيفاؤهم بالعهد، و إبرازهم ما ركز فيها بحسب الاستعداد الأول من الأدلة التوحيدية و المعاني الكلية الكامنة فيها بالتصفية و مزاولة ما يختص بها من الأفعال، و إيفاؤه بعهدهم إفاضة النور الكماليّ عليها عند قيامها بحق النور الاستعدادي بالتصفية و استعمال ما عندها من المعاني.

و إن كنتم رهبتم شيئا فارهبوا احتجاب أنواري بزوال استعدادكم، و آمنوا أي: و اقبلوا ما أفيض عليكم من الإشراقات النورية و السوانح الغيبية مصدّقا لما في استعدادكم من النور الفطريّ، و لا تكونوا في أوّل رتبة المحتجبين عن قبولها بالتوجه إلى الجهة السفلية و لا تستبدلوا بها لذات النفس و مقاصدها، و لا تخلطوا حق المعارف الروحية و الأنوار القدسية بباطل المطالب الحسية و الصفات النفسية، و تكتموا تلك الأنوار و المعارف بظهور هذه عليكم.

و أقيموا و أديموا التوجه إلى حضرة الروح و امتثال أمره، و آتوا زكاة معلوماتكم التي هي أموالكم بتصفحها و تركيبها لتحرزوا بها ثواب النتائج و اللوازم، و أنفقوها على فقرائكم الذين بحضرتكم من القوى البدنية الطبيعية ليعيشوا بها، و يكتسبوا بها الأخلاق الفاضلة و الملكات الجميلة، و علموها أبناء جنسكم ليكملوا بها، و اركعوا و اخضعوا لقبول الأوامر العقلية و الأنوار الروحية و الأعمال القلبية.

أ تأمرون الناس بالبرّ و تنسون أنفسكم؟ أ تسوسون ما تحتكم من القوى بالعبادات الجميلة و الآداب الحسنة و الترقي إلى مقامكم و التأدب بآدابكم و تنسون أنفسكم في التأدّب بين يدي اللّه بآداب الروحانيين و التمرّن في المراقبة، و التنوّر بأنوار الروح في مقام المشاهدة و الترقي إلى مقامه عند الفناء في الوحدة، و أنتم تتلون كتاب المعقولات النازلة من ربّ الروح بواسطة ملك العقل إلى نبيّ القلب. أفلا تعقلون بالعقل المجرّد عن شوب الهوى و الوهم؟

و استعينوا بالصبر على ما يظهر عليكم و يرد من سلطنة أنوار سلطان الروح و أحكامه و قهر تجليات العظموت و الحضور مع الحق، و إن هذه الاستعانة لشاقّة إلا على الخاشعين، المرتاضين، المذعنين لانقياد أمر القلب و الروح، المتيقنين بأنهم بحضرته و في لقائه، و أنهم يرجعون إليه في قبول أنواره. و تفضيلهم على العالمين هو شرفهم على جميع ما في الإنسان من القوى.

 

 

 

 

[51]

[سورة البقرة (2): آية 51]

وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى‏ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ (51)

وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى‏ بعد فراغه من مقاومة آل فرعون و إهلاكهم‏ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يخلص لنا فيها لترفع بها الغشاوات الطبيعية التي حجبت قلبه عن معدن النور في الأربعين التي خلق فيها بدنه عند تكوّنه جنينا و احتجابه بالنشأة عن الفطرة كما ورد في الحديث‏: «خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا». و عن وجه قلبه، و تظهر حكمة التوراة من قلبه على لسانه‏ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ‏ عجل النفس الحيوانية الناقصة إلها من بعد اعتزاله و غيبته عنكم‏ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ‏ واضعون العبادة في غير موضعها.

 

 

 

 

[52]

[سورة البقرة (2): آية 52]

ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)

ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ‏ الفعل الشنيع، و الظلم القبيح، بتوبتكم عند رجوع‏ موسى إليكم لكي تشكروا نعمة عفوي بتصوّر تلك النعمة عن المنعم فتستعدّوا لقبول تجلّي صفة المنعم. و على التأويل الثاني: واعدنا موسى القلب عند تعلقه بالبدن و احتجابه عن قومه القوى الروحانية الأربعين التي خلقت فيها بنية بدنه ثم تعبّدتم عجل النفس الحيوانية الطفل من بعد غيبته و احتجابه في حال الصبا لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ التعبد بالبلوغ الحقيقيّ، و ظهور نور القلب بتجرّدكم لكي تشكروا نعمة توفيقي إياكم لذلك التجرّد و تهيئتي لأسباب كمالكم بسلوك سبيل صفاتي.

 

 

 

 

[53- 54]

[سورة البقرة (2): الآيات 53 الى 54]

وَ إِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ الْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)

وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

وَ إِذْ آتَيْنا مُوسَى‏ القلب كتاب المعقولات و الحكم و المعارف و التمييز الفارق بين الحق و الباطل، لكي تهتدوا بنور هداه. و على الوجه الأول غنيّ عن التأويل. ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ‏ نقصتم حقوقها و حظوظها من الثواب و التجليات المذكورة فَتُوبُوا إلى خالقكم برفع الحجاب الأول لدلالة ذكر البارئ عليه‏ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ‏ بسيف الرياضة و منعها عن حظوظها و أفعالها الخاصة بها على سبيل الاستقلال و قمع هواها التي هي روحها التي تحيا هي بها، و على الثاني ألهم القلب قواه أنكم نقصتم حقوقكم بتعبد النفس فارجعوا إلى بارئكم بنور هداه فامنعوا أنفسكم بالرياضة عما ضريتم فاقتلوها عن حياتها العارضة لها بغلبة الهوى لتحيوا بحياتكم الأصلية فتقبل توبتكم.

 

 

 

 

[55- 57]

[سورة البقرة (2): الآيات 55 الى 57]

وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)

ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)

وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى‏ كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)

وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏ لَنْ نُؤْمِنَ‏ لأجل هدايتك الإيمان الحقيقي حتى تصل إلى مقام المشاهدة و العيان‏ فَأَخَذَتْكُمُ‏ صاعقة الموت الذي هو الفناء في التجلي الذاتي‏ وَ أَنْتُمْ‏ تراقبون أو تشاهدون. ثُمَّ بَعَثْناكُمْ‏ بالحياة الحقيقية و البقاء بعد الفناء لكي تشكروا نعمة التوحيد و الوصول بالسلوك في اللّه‏ وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ‏ غمام تجلي الصفات لكونها حجب شمس الذات المحرقة بالكلية، وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ‏ من الأحوال و المقامات الذوقية الجامعة بين الحلاوة و إسهال رذائل أخلاق النفس كالتوكل و الرضا، و سلوى الحكم، و المعارف و العلوم الحقيقية التي تحشرها عليكم رياح الرحمة، و النفحات الإلهية في تيه الصفات عند سلوككم فيها.

كُلُوا أي: تناولوا و تلقوا هذه الطيبات‏ وَ ما ظَلَمُونا ما نقصوا حقوقنا و صفاتنا باحتجابهم‏ بصفات نفوسهم‏ وَ لكِنْ كانُوا ناقصين حقوق أنفسهم بحرمانها و خسرانها. هذا على التأويلين، و الخطاب و إن كان عاما لكنه مخصوص بالسبعين المختارين.

 

 

 

 

[58]

[سورة البقرة (2): آية 58]

وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)

وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ أي: روضة الروح المقدسة التي هي مقام المشاهدة وَ ادْخُلُوا الْبابَ‏ الذي هو الرضا كما

ورد في الحديث‏: «الرضا بالقضاء باب اللّه الأعظم»، سُجَّداً منحنين، خاضعين، لما يرد عليكم من التجليات الوصفية و الفعلية و الحملية.

و قوله: وَ قُولُوا حِطَّةٌ أي: اطلبوا أن يحط اللّه عنكم ذنوب صفاتكم و أخلاقكم و أفعالكم‏ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ‏ تلويناتكم و ذنوب أحوالكم‏ وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ‏ أي: المشاهدين‏ لقوله عليه الصلاة و السلام‏: «الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه». ثواب إحسانهم الذي هو كشف الذات أو إحسانهم بالسلوك في اللّه.

 

 

 

[59]

[سورة البقرة (2): آية 59]

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59)

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ‏ أي: طلبوا الاتصاف بصفات النفس ابتغاء حظوظها سوى طلب الاتصاف بصفات اللّه ابتغاء الحظوظ الروحية. كما روي عنهم حنطا سمقاثا أي: نطلب غذاء النفس. فَأَنْزَلْنا على الظالمين خاصة رِجْزاً عذابا و ضنكا و ضيقا و ظلمة في حبس النفس و أسرا في وثاق التمني و احتجابا في قيد الهوى، و حرمانا و ذلا بمحبة المادة السفلية و تغيرها و زوالها من جهة قهر سماء الروح، و منع اللطف و الروح عنهم بسبب فسقهم أي خروجهم عن طاعة القلب إلى طاعة النفس، و تركنا التأويل الثاني لقربه منه جدا.

 

 

 

 

[60- 61]

[سورة البقرة (2): الآيات 60 الى 61]

وَ إِذِ اسْتَسْقى‏ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)

وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏ لَنْ نَصْبِرَ عَلى‏ طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها وَ فُومِها وَ عَدَسِها وَ بَصَلِها قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى‏ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ (61)

وَ إِذِ اسْتَسْقى‏ مُوسى‏ طلب نزول أمطار العلوم و الحكم و المعاني من سماء الروح، فأمرناه بضرب عصا النفس التي يتوكأ عليها في تعلقه بالبدن و ثباته على أرضه بالفكر على‏ حجر الدماغ الذي هو منشأ العقل‏ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً من مياه العلوم على عدد المشاعر الإنسانية التي هي الحواس الخمس الظاهرة، و الخمس الباطنة، و العاقلة النظرية و العملية. و لهذاقال عليه الصلاة و السلام‏: «من فقد حسّا فقد فقد علما».

قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ‏ أي: أهل كل علم مشربهم من ذلك العلم، كأهل الصناعات، و العلماء العاملين من مشرب العقل العمليّ، و الحكماء و العارفين من النظريّ و الصباغين من علم الألوان المبصرة، و أهل صناعة الموسيقى من علم الأصوات و غير ذلك. و على التأويل الثاني: أمرنا موسى القلب، بضرب عصا النفس على حجر الدماغ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا هي المشاعر المذكورة التي تختص كلّ واحدة منها بقوّة من القوى الاثنتي عشرة المذكورة التي هي أسباط يعقوب الروح، قد علم كل منها مشربه‏ كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ‏ أي: انتفعوا بما رزقكم اللّه من العلم و العمل و الأحوال و المقامات. وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏ و لا تبالغوا في الفساد بالجهل.

لَنْ نَصْبِرَ عَلى‏ طَعامٍ واحِدٍ أي: الغذاء الروحاني من العلم و المعرفة و الحكمة فَادْعُ لَنا رَبَّكَ‏ أي: اسأل لنا ربّك يوسع علينا، و يرخص لنا فيما تنبته أرض نفوسنا من الشهوات الخبيثة و اللذات الخسيسة و التفكهات الباردة و كل ما فيه حظ النفس و عذابها. اهْبِطُوا مِصْراً أي: مدينة البدن‏ فَإِنَّ لَكُمْ‏ فيها ما سَأَلْتُمْ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ اللازمة لاتباع الشهوات و الحرص في المقتنيات‏ وَ الْمَسْكَنَةُ أي: دوام الاحتياج و دوام سكنى الجهة السفلية وَ باؤُ و استحقوا بِغَضَبٍ‏ البعد و الطرد مِنَ اللَّهِ ذلِكَ‏ باحتجابهم عن آيات اللّه و تجلياته، و الباقي ظاهر. و على الوجه الثاني: و بقتلهم أنبياء القلوب بغير أمر ثابت لهم عليهم يتوجه به ذلك بل بصرف باطلهم ذلك بعصيانهم أوامر القلوب و العقول و اعتدائهم عن ظهورهم.

 

 

 

 

[62]

[سورة البقرة (2): آية 62]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ النَّصارى‏ وَ الصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الإيمان التقليديّ، و الظاهريين و الباطنيين و الذين تعبدوا ملائكة العقول، لاحتجابهم بالمعقولات و كواكب القوى النفسانية لاحتجابهم بالوهميات و الخياليات‏ مَنْ آمَنَ‏ منهم الإيمان الحقيقي‏ بِاللَّهِ‏ و المعاد و أيقنوا علم التوحيد و القيامة، و عملوا ما يصلحهم للقاء اللّه و نيل السعادة في المعاد، فلهم الثواب الباقي الروحانيّ عند ربهم من جنّات الأفعال و الصفات‏ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ‏ من عقوبة أفعالهم‏ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ بفوات تجلّيات الصفات. و الجملة اعتراض بين خطاب بني إسرائيل.

 

 

 

[63- 66]

[سورة البقرة (2): الآيات 63 الى 66]

وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)

ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (64)

وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (65)

فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَ ما خَلْفَها وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)

وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ‏ أي: عهدكم السابق أو اللاحق المأخوذ منهم في التوراة أو بدلائل العقل بتوحيد الأفعال و الصفات‏ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ‏ طور الدماغ للتمكن من فهم المعاني و قبولها. و قلنا خُذُوا أي: اقبلوا ما آتَيْناكُمْ‏ من التوراة أو كتاب العقل الفرقاني بجدّ وَ اذْكُرُوا و عوا ما فيه من الحكم و المعارف و العلوم و الشرائع، لكي تتقوا الشرك و الجهل و الفسق‏ ثُمَ‏ أعرضتم‏ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ‏ بإقبالكم إلى الجهة السفلية فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ‏ بهدايته العقل‏ وَ رَحْمَتُهُ‏ بنور البصيرة و الشرع‏ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ‏وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا اعلم: إن الناس لو أهملوا و تركوا و خلّى بينهم و بين طباعهم لتوغلوا و انهمكوا في اللذات الجسمانية، و الغواشي الظلمانية لضراوتهم بها و اعتيادهم من الطفولية و الصبا حتى زالت استعداداتهم و انحطوا عن رتبة الإنسانية، فمسخوا كما قال تعالى: من لعنه اللّه و غضب عليه، و جعل منهم القردة و الخنازير، و إن حفظوا و روّعوا بالسياسات الشرعية و العقلية و الحكم و الآداب و المواعظ الوعدية و الوعيدية ترقوا و تنوّروا، كما قال الشاعر:

هي النفس إن تهمل تلازم خساسة و إن تبتعث نحو الفضائل تبهج‏

فلهذا وضعت العبادات، و فرض عليهم تكرارها في الأوقات المعينة ليزول عنهم بها درن الطباع المتراكم في أوقات الغفلات و ظلمة الشواغل العارضة في أزمنة اتخاذ اللذات، و ارتكاب الشهوات. فتتنوّر بواطنهم بنور الحضور، و تنتعش قلوبهم بالتوجه إلى الحق عن السقوط في هاوية النفس و العثور، و تستريح بروح الروح، و حبّ الوحدة عن وحشة الهوى، و تعلق الكثرة، كما قال عليه السلام‏: «الصلاة بعد الصلاة كفارة ما بينهما من الصغائر إذا اجتنبت الكبائر».

ألا ترى كيف أمرهم عند الحدث الأكبر و مباشرة الشهوة بتطهير الغسل، و عند الأصغر بالوضوء، و عند الاشتغال بالأشغال الدنيوية في ساعات اليوم و الليل بالصلوات الخمس المزيلة لكدورات الحواس الخمس الحاصلة في النفس بسببها، كل بما يناسبه، فلذلك وضعوا بإزاء وحشة تفرقة الأسبوع و ظلمة انفرادهم بدءوب الأشغال و المكاسب، و الملابس البدنية، و الملاذ النفسانية، اجتماع يوم واحد على العبادة و التوجه لتزول وحشة التفرقة بأنس الاجتماع و تحصل بينهم المحبة و الأنس و تزول ظلمة الاشتغال بالأمور الدنيوية و الإعراض عن الحق بنور العبادة و التوجه، و يحصل لهم التنوّر فوضع لليهود أول أيام الأسابيع لكونهم أهل‏ المبدأ و الظاهر، و للنصارى بعده لأنهم أهل المعاد و الروحاني و الباطن المتأخرين عن المبدأ و الظاهر بالنسبة إلينا، و للمسلمين آخرها الذي هو يوم الجمعة لكونهم في آخر الزمان أهل النبوّة الخاتمة و أهل الوحدة الجامعة للكل، و إن جعل السبت آخر الأيام- على ما نقل أنه السابع- فبالنسبة إلى الحقّ تعالى لأن عالم الحسّ الذي إليه دعوة اليهود هو آخر العوالم، و عالم العقل الذي إليه دعوة النصارى أوّلها، و الجمعة هي يوم الجمع و الختم، فمن لم يراع هذه الأوضاع و المراقبات أصلا زال نور استعداده، فمسخ كما مسخت أصحاب السبت.

نهوا عن الصيد، أي: إحراز الحظوظ النفسانية و اقتنائها في يوم السبت، فاحتالوا فيه فاتخذوا حياضا على ساحل البحر ليحبسوا فيها الحيتان و يصطادوها يوم الأحد. أي: ادخروا في سائر أيام الأسبوع من ماء بحر الهيولى الجرمية و الجرمانيات المادية في حياض بيوتهم فجمعوا بها أنواع المطاعم و المشارب و الملاذ و الملاهي، فاجتمع لهم من كل الحظوظ النفسانية في يوم السبت ما اكتفوا به سائر أيام الأسبوع ليفرغوا فيها إلى الاشتغال بالمكاسب و الصناعات و المهن، كما هو عادة اليهود اليوم و شطار المسلمين في الجماعات فإن أكثر فسقهم فيها، فذلك اعتيادهم في السبت و هو يدل على أنّ جميع أوقات حضورهم مصروفة في هموم الدنيا و طلب حظوظ النفس و الهوى. كما ترى اليوم واحدا من المسلمين قالبه في المسجد في الصلاة و قلبه في السوق في المعاملة، حتى قال أحدهم: جريدة حسابي هي الصلاة. أي: إذا فرغت من أشغال الدنيا إلى الصلاة أخذ قلبي في تصفح تجاراتي و ما لي على الناس و ما للناس عليّ، و ذلك موجب للانحطاط عن العالم العلويّ الإنساني إلى الأفق السفليّ الحيواني.

و هو معنى قوله:فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً أي: مشابهين الناس في الصورة و ليسوا بهم‏ خاسِئِينَ‏ بعيدين، طريدين. و المسخ بالحقيقة حق غير منكر في الدنيا و الآخرة، وردت به الآيات و الأحاديث كقوله تعالى: وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ[7]، و قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏: «يحشر بعض الناس على صور يحسن عندها القردة و الخنازير».

و قدروي عنه عليه الصلاة و السلام‏:«المسوخ ثلاثة عشر»، ثم عدّهم و بين أعمالهم و معاصيهم و موجبات مسخهم. و الحاصل أنّ من غلب عليه وصف من أوصاف الحيوانات و رسخ فيه بحيث أزال استعداده و تمكن في طباعه و صار صورة ذاتية له كالماء الذي منبعه معدن الكبريت مثلا صار طباعه طباع ذلك الحيوان و نفسه نفسه، فاتصلت روحه عند المفارقة ببدن يناسب صفته فصارت صفته صورته و اللّه أعلم بذلك.

 

 

 

[67]

[سورة البقرة (2): آية 67]

وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (67)

وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً هي النفس الحيوانية، و ذبحها قمع هواها الذي هو حياتها و منعها عن أفعالها الخاصة بها بشفرة سكين الرياضة قالُوا أَ تَتَّخِذُنا مهزوّا بنا، و تستخفنا لنطيعك و نتسخر لك كما جاء في حق فرعون: فاستخف قومه فأطاعوه. قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ‏ الاستخفاف و الاستهزاء و طلب الترؤس هو فعل الجهال.

 

 

 

[68- 71]

[سورة البقرة (2): الآيات 68 الى 71]

قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (68)

قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)

قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)

قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ (71)

قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ‏ أي: سل لنا ربّك ما هي‏ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ‏ أي: غير مسنّة لزوال استعدادها و رسوخ اعتقادها و ضراوتها بعاداتها كما قيل: الصوفيّ بعد الأربعين بارد. وَ لا بِكْرٌ أي: فتيّة، لقصور استعدادها عما يراد منها و عسر احتمالها للرّياضة لغلبة القوى الطبيعية و قوتها فيها عَوانٌ‏ نصفة بَيْنَ‏ ما ذكر صَفْراءُ لأن لون الجسم أسود لعدم النورية فيه أصلا، و لون النفس النباتية أخضر لظهور النورية فيها، و غلبة السواد عليها لعدم إدراكها، و لون القلب أبيض لتجرّده عن الجسم، و قوّة إدراكه، و كمال نوريته.

فلزم أن يكون لون النفس الحيوانية في الحيوانات العجم أحمر لتركب نورية إدراكها و سواد تعلقها بالجسم، إذ الحمرة لون بين البياض و السواد و مركب منهما، لكن السواد فيه أكثر.

و في الإنسان أصفر لغلبة نورية إدراكها بمجاورة القلب، إذ الصفرة حمرة عليها البياض‏ فاقِعٌ لَوْنُها لصفاء استعدادها و شعشعان شعاع نور القلب عليها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ‏ لقوة نور استعدادها و تشعشعها و الناظرون هم الكاملون المطلعون على الاستعدادات لوجوب محبتهم للمستعدّين المستبصرين و ذوقهم بحضورهم. إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا لكثرة البقر الموصوف بهذه الصفة، أي: كثرة أصناف المستعدّين و ما كل مستعدّ طالبا. كما قيل: ما كلّ طبع قابلا و لا كل قابل طالبا، و لا كلّ طالب صابرا، و لا كلّ صابر واجدا. وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ‏ إلى ذبح هذه البقرة. و قولهم: إن شاء اللّه، دليل على استعدادهم لعلمهم بأن الأمور متعلقة بمشيئة اللّه، ميسّرة بتوفيقه. و لهذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏: «لو لم يستثنوا لما ظفروا بها أبد الدهر».

لا ذَلُولٌ‏ غير مذلّلة، منقادة لأمر الشرع‏ تُثِيرُ أرض الاستعداد بالأعمال الصالحة و العبادات‏ وَ لا تَسْقِي‏ حرث المعارف و الحكم التي فيها بالقوّة باستقاء ماء العلوم الكسبية و الأفكار الثاقبة، لعدم احتياج مثل هذه البقرة إلى الذبح‏ مُسَلَّمَةٌ سلمها أهلها لترعى، غير مسوسة برسوم و عادات و شرائع و آداب‏ لا شِيَةَ فِيها أي: لم يرسخ فيها اعتقاد و مذهب لعدم صلاحيتها للذبح.

جِئْتَ بِالْحَقِ‏ الثابت في بيان المستعد المشتاق، الطالب للكمال‏ فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ‏ لكثرة سؤالاتهم و مبالغاتهم و تعمقهم في البحث و التفتيش عن حالها، و فضول كلامهم في بيانها التي تدلّ على عدم انقياد النفس بالسرعة، و إبائها للرياضة، و غلبة الفضول عليها، و تعذر مطلوبهم، و تأخرهم عنه بسبب ذلك.

و لهذاقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏: «لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، و لكن شدّدوا فشدّد اللّه عليهم»، أي: لو لم يكن منهم كثرة فضول البحث و السؤال لما عزّ عليهم مطلوبهم لقوّة قبولهم و إرادتهم، فكان سلس القياد، سهل الانقياد. و نهى صلى اللّه عليه و سلم عن كثرة السؤال، وقال‏: «إنما هلك من كان قبلكم بكثرة السؤال». قال اللّه تعالى: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ[8].

و قيل في قصتها: إنّ شيخا من بني إسرائيل نتجت له عجلة على هذه الصفة، و كان له ابن طفل، فجاء بها إلى عجوزة و قال: إنها لهذا الطفل، سلميها في مرعاها عساها تنفعه إذا بلغ. فلما وقعت هذه الواقعة و سعى بنو إسرائيل في طلب البقرة أربعين سنة سمعت العجوز بها، فأخبرت ابنها بما فعل أبوه و قد ترعرع، فجاء إلى المرعى فوجدها، فأتى بها فساوموه في شرائها و منعته العجوز عن بيعها حتى اشتروها بمل‏ء مسكها ذهبا. فالشيخ هو الروح، و العجوز الطبيعة الجسمانية، و ابنه الطفل هو العقل الذي هو نتيجة الروح، و الشابّ المقتول هو القلب.

سلّم شيخ الروح عجل النفس إلى عجوز الطبع ليرعى في مرعى اللذات الطبيعية حتى يكبر عسى طفل العقل أن ينتفع بها وقت البلوغ في انتزاع المعقولات من محسوساتها و استعمال الفكر الذي هو من قواها في اكتساب العلوم العقلية. و هو الذي جاء بها من المرعى و سعي بني إسرائيل أربعين سنة إشارة إلى السير إلى اللّه بالأعمال و الآداب و التخلق بالأخلاق، إلى أوان البلوغ الحقيقي، و تجرّد القلب، كما قال اللّه تعالى: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً[9] و بلغ أربعين سنة. و مساومتهم إياها في شرائها إشارة إلى طلب القوى الروحانية المنوّرة بنور الهداية الشرعية و الإرادة، و انتزاعها من العقل المشوب بالوهم، و استعباد العقل إياها بالمعقولات القياسية، و تسخيرها بالفكريات، و حجبها عن نور الهداية الشرعية بالقياسات العقلية، و عدم تحليتها بالشرعيات. و هذا هو الموجب لتشدّدهم في السؤال و تأخرهم و تباطئهم في الامتثال.

و منع العجوز إياه هو ممانعة الطبع في الانقياد للشرع، و موافقة العقل إياه في ذلك لرعاية العقل جانب الطبع في مصالح المعاش و ترفيهه إياه، و ترخيصه و التوسيع عليه أكثر من الشرع. و بيعها بمل‏ء مسكها ذهبا إشارة إلى تحليها بعد الذبح و السلخ بالعلوم النافعة الشرعية و العقلية الخلقية و الأحكام الفرعية الدينية، و اشتمال صورتها عليها التي توافق العقل و الطبع و تنفعهما باستعمالهما إياها في تحصيل مصالح المعاش و المباغي الطبيعية و المطالب العقلية العملية بإذن الشرع من الوجه الحلال و التصرّف المباح و أنواع الرخص في جميع التمتعات بعد حصول الكمال و تمام السلوك.

 

 

 

 

[72]

[سورة البقرة (2): آية 72]

وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)

وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها إشارة إلى بيان سبب الأمر بذبح البقرة، و هو أنه كان شيخ موسر من بني إسرائيل و له ابن شاب فقتله ابنا عمه، أو بنو عمه، طمعا في ميراث أبيه و طرحوه بين أسباط بني إسرائيل على الطريق، فتدافعوا في قتله، فورد الأمر بذبح البقرة و ضربه ببعضها ليحيا فيخبر بالقاتل.

فالشابّ هو القلب الذي هو ابن الروح الموسر بأموال المعارف و الحكم، و قتله منعه عن حياته الحقيقية و إزالة العشق الحقيقي الذي هو حياته عنه باستيلاء قوّتي الشهوة و الغضب اللذين هما ابنا عمه النفس الحيوانية أو جميع قواها عليه، إذ الروح و النفس إخوان باعتبار فيضانهما و ولادتهما من أب هو العقل الفعال المسمّى «روح القدس» على قياس ما ورد في الحديث‏: «أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من بقية طين آدم».

فإن النفس النباتية الكاملة التي إذا كانت عمّة النفس الإنسانية، كانت النفس الحيوانية عمّتها. قتلاه طمعا في استعمال المعاني العقلية و الحكم التي هي ميراث أبيه في تحصيل مطالبهما و كمالاتهما و لذاتهما بأنواع الحيل و المكر و صناعة الفكر. و طرحاه على طرق القوى الروحانية و الطبيعية بين محالها و تدافعهم في قتله هو إحالة كلّ قوة منها الفساد و الإثم إلى الأخرى، و الصلاح و البراءة إلى نفسها لتنازعها و تجاذبها في أفعالها و لذاتها و احتجاب كلّ منها بما يلائمها عما يلائم الأخرى و رؤيتها الصلاح فيه و الفساد في ضدّه. وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏ من نور القلب و حياته، بالاستيلاء عليه.

 

 

 

 

[73]

[سورة البقرة (2): آية 73]

فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى‏ وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)

فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها بذنبها أو لسانها، على ما ورد في القصة، ليحيا، فيخبركم‏ بالقاتل. و ضرب الذنب إشارة إلى إماتة النفس و تبقية أضعف قواها و آخرها، و جهتها التي تلي النفس النباتية و رابطتها بها كالحسّ اللمسيّ مثلا و سائر الحواس الظاهرة فإنها ذنبها. و ضرب اللسان إشارة إلى تعديل أخلاقها و قواها و تبقية فكرها الذي هو لسانها، و هما طريقان: طريق الرياضة و إماتة الغضب و الشهوة، كما هو طريق التصوّف و هو بالنفوس القوية الجانية المستولية الطاغية أولى، و طريق التحصيل و تعديل الأخلاق كما هو سبيل العلماء و الحكماء، و هو بالنفوس الضعيفة و الصافية المنقادة اللينة أولى. فضربوه، فقام و أوداجه تشخب دما، و أخبر بقاتليه، أي: صار حيا قائما بالحياة الحقيقية و عليه أثر القتل لتعلقه بالبدن و تلوّثه بمطالبه بحسب الضرورة، و عرف حال القوى البدنية في منعها إياه عن إدراكه و حجبها له عن نوره.

كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى‏ أي: مثل ذلك الإحياء العظيم، يحيي اللّه موتى الجهل بالحياة الحقيقية العملية وَ يُرِيكُمْ‏ دلائله و آيات صفاته لكي تعقلون.

 

 

 

 

[74- 79]

[سورة البقرة (2): الآيات 74 الى 79]

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)

أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (75)

وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (76)

أَ وَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ (77)

وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78)

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ‏ أي: بعد تطاول الأمد، و تراخي مدّة الفترة، و تتابع التلوينات، و توالي النزغات، قست قلوبكم بكثرة مباشرة الأمور و اللذات البدنية، و ملابسة الصفات النفسانية فَهِيَ كَالْحِجارَةِ من عدم تأثرها بالنقش العلميّ‏ أَوْ شي‏ء أَشَدُّ قَسْوَةً منها، كالحديد مثلا. ثم بين أنّ الحجارة ألين منها بأنّ حالها منحصر في الوجوه الثلاثة المذكورة، فأفاد أن القلوب أربعة: قلب تنوّر بالنور الإلهيّ منطمسا فيه، و استغرق في البحر العلميّ منغمسا فيه، فانفجرت منه أنهار العلم، فمن شرب منها يحيا أبدا كقلوب أهل اللّه السابقين و هو المشار إليه بقوله تعالى: وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ و قلب ارتوى من العلم، فحفظ و وعى، فانتفع به الناس، كقلوب العلماء الراسخين و هو المشار إليه بقوله:وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ و قلب خشع و انقاد و استسلم و أطاع، كقلوب العباد و الزهّاد من المسلمين، و هو المشار إليه بقوله: وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ‏ و أدنى أحوال حاله هو الهبوط من خشية اللّه، أي: الانقياد لما أمر اللّه من الميل إلى المركز بالسلاسة. و بقي قلب لم يتأثر قطّ بالعلم و لم يتلين بالخوف آبيا للهدى، متكبرا، ممتلئا بالهوى، متمرّدا، فلا يوجد من الجواهر ما يشبهه لقبول جميعها ما أمر اللّه به، فكيف بالحديد الذي يلين لما يراد منه؟

قال النبي عليه السلام‏: «مثل ما بعثني اللّه به من الهدى و العلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضا فكانت طائفة منها طيبة قبلت الماء و أنبتت الكلأ و العشب الكثير، و كانت منها طائفة أجادب‏[10] أمسكت الماء، فنفع اللّه بها الناس فشربوا و سقوا و زرعوا، و أصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء و لا تنبت كلاء. فذلك مثل من فقه في الدين فعلم و علّم، و مثل من لم يرفع بذلك رأسا و لم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به». فبين عليه السلام القلوب الثلاثة الأخيرة، و الأول من الأربعة هو القلب المحمديّ. وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏ تهديد للقاسية قلوبهم، أي: اللّه مطلع فيحجبهم عن نوره و يتركهم في ظلماتهم، و الآيات التي تتلوها ظاهره.

و تأويل الأولى: أَ فَتَطْمَعُونَ‏ أن يوحدوا بتوحيد الصفات لأجل هدايتكم‏ وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ‏ يقبلون صفات اللّه ثم يحرّفونها بنسبتها إلى أنفسهم‏ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ‏ أي:

علموا توحيد الصفات و ما وجدوه بالعيان‏ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏ أن تلك الصفات للّه، لكن نفوسهم ينتحلونها بالإشراك حالة ذهول العقل عن استيلائها على القلب لعدم كون توحيدهم ملكة و حالا، بل علما. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ‏، أي: ويل لمن بقيت منه بقايا صفات النفس و هو لا يشعر بها أو يشعر فيحتال أو لا يحتفل بها فيفعل و يقول بنفسه و صفاتها، و يدّعي أنه من عند اللّه ليكتسب به حظا من حظوظ النفس، بل عين ذلك القول و الفعل و نسبته إلى اللّه حظ تامّ لها و ذنب لا ذنب أقوى منه. و يمكن أن تؤوّل الآيات الثلاث الأول على الوجه الثاني المبني على التطبيق فيقال: أ فتطمعون، أيتها القوى الروحانية، أن تؤمن هذه القوى النفسانية لأجل هدايتكم منقادة. و قد كان فريق منهم كالوهم و الخيال يسمعون كلام اللّه، أي: يتلقفون المعاني الواردة من عند اللّه على القلب ثم يحرّفونه بالمحاكاة و كثرة الانتقالات و جعلها جزئية، و إعطائها أحكام الجزئيات كما في المنامات و الواقعات. من بعد ما عقلوه، أي: أدركوه على حاله و هم يعلمون تحريفها و انتقالاتها إلى اللوازم و الأشباه و الأضداد.

و إذا لقوكم بالتوجه نحوكم، و تلقن مدركاتكم عند حضوركم، و مشايعتها إياكم،و عروجها، أذعنوا و صدّقوا. وَ إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ‏ في أوقات الغفلات، منع بعضهم بعضا عن إلقاء ما فتح اللّه عليهم من مدركاتهم المحسوسة و المخيلة و الموهومة ليركبوا منها الحجج و يحاجوهم بها في الحضرة الروحانية عند ربهم.

أَ وَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ‏ عنكم من مدركاتهم‏ وَ ما يُعْلِنُونَ‏ فيطلعكم عليها و ينصركم عليهم‏ وَ مِنْهُمْ‏ أي: القوى الطبيعية الغير المدركة و الحواس الظاهرة لا يَعْلَمُونَ‏ كتاب المعاني المعقولة إِلَّا أَمانِيَ‏ لذاتهم و شهواتهم و ما يتيقنون خاتمة عاقبتها و مضرّتها في طريق الكمال، بل يظنون نفعها و خيريتها.

 

 

 

 

[80- 82]

[سورة البقرة (2): الآيات 80 الى 82]

وَ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (80)

بَلى‏ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (81)

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82)

وَ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلى آخر الآية. اعتقدوا أن زمان العقاب يساوي زمان مباشرة الذنب، و لم يعلموا أنّ الذنب إذا كان معتقدا فاسدا، ثابتا في النفس، و هيئة راسخة فيها، و صار ملكة كصورة ذاتية لها، كان سببا لتخليد العذاب. و هو معنى قوله تعالى: وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ‏ أي: استولت عليه و استوعبت كالسواد المستوعب للثوب. و لو لم يكن كذلك لما كانت الطاعة أيضا سبب خلود الثواب.

 

 

[83]

[سورة البقرة (2): آية 83]

وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ ذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)

وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ‏ عاهدناهم بالتوحيد. و مقتضى التوحيد ملاحظة الحضرة الربوبية و مشاهدة تجلياتها في مظاهرها، و القيام بحقها على حسب ظهور أوصافها. و أول من يظهر عليه صفات الربوبية و آثارها في الظاهر و عالم الشهادة هما الأبوان لمكان النسبة و التربية و العطوفية، التي هي آثار الموجد الربّ الرحيم فيهما له. فالإحسان إليهما يجب أن يلي عبادة اللّه بحسب ظهوره في مظهريهما، ثم ذوي القربى لظهور المواصلة و المرحمة الإلهية فيهم بالنسبة إليه، ثم اليتامى لاختصاص ولايته و حفظه تعالى بهم فوق من عداهم إذ هو وليّ من لا وليّ له، ثم المساكين لتوليته رعايتهم و رزقهم بنفسه بلا واسطة غيره، ثم سائر الناس للمرحمة العامّة بينهم التي هي ظلّ الرحمانية. فالإحسان المأمور به في الآية على درجاته و تفاضله في مراتبه هو تخصيص العبادة باللّه مع مشاهدة صفاته في مظاهرها و رعاية حقوق تجلياتها و أحكامها.

 

 

 

[84]

[سورة البقرة (2): آية 84]

وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)

وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ‏ بهواكم إلى مقارّ النفس و صفاتها و ميلكم إلى هواها و طباعها، و متاركتكم حياتكم الحقيقية، و خواص أفعالكم لأجل تحصيل مآربها و لذاتها وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ‏ أي: ذواتكم. إذ يعبر بالنفس عن الذات‏ مِنْ دِيارِكُمْ‏ أي: مقارّكم الروحانية و الروضات القدسية ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ‏ بقبولكم لذلك‏ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ‏ عليه باستعداداتكم الأوليّة و عقولكم الفطرية.

 

 

 

 

[85- 86]

[سورة البقرة (2): الآيات 85 الى 86]

ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى‏ تُفادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى‏ أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)

ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ الساقطون عن الفطرة، المحتجبون عن نور الاستعداد الأصليّ‏ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ‏ بغوايتكم و متابعتكم للهوى‏ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ‏ أوطانهم القديمة الأصلية، بإغوائهم و إضلالهم و تحريضهم على ارتكاب المعاصي و اتباع الهوى‏ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ‏ تتعاونون عليهم‏ بِالْإِثْمِ‏ بارتكاب الفواحش و المعاصي ليروكم فيتبعوكم فيها وَ الْعُدْوانِ‏ و الاستطالة على الناس ليتعدّى إليهم ظلمكم، و إلزامكم إياهم رذائل القوّتين البهيمية و السبعية و تحريضكم لهم عليها، و تزيينكم لهم إياها كما هو عادة ملاحدة المسلمين من أهل الإباحة المدّعين للتوحيد.

وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى‏ في قيد تبعات ارتكبوها و شين أفعالهم القبيحة، أخذتكم الندامة و عيرتهم عقولهم و عقول أبناء جنسهم بما لحقهم من العار و الشنار تُفادُوهُمْ‏ بكلمات الحكمة و الموعظة و النصيحة الدالة على أنّ اللذات المستعلية هي: العقلية و الروحية و عاقبة اتباع الهوى و النفس و الشيطان و خيمة، و مشاركة البهائم و الهوامّ في أفعالها مذمومة رديئة، فيتيقظوا بها و يتخلصوا من قيد الهوى سويعة كما نشاهد من حال علوج مدّعي التوحيد و المعرفة و الحكمة و أتباعهم في زماننا هذا.

أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ‏ أي: كتاب العقل و الشرع قولا و إقرارا، فتقرون به و تصدّقونه و هو أنّ اتباع الهوى و النفس مذموم، موجب للوبال و الهلاك و الخسران‏ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ‏ فعلا و عملا فلا تنتهون عما نهاكم عنه، و هو إباحتهم و استحلالهم للمحرّمات و المنهيات‏ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ‏ افتضاح و ذلة فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: حال‏ المفارقة التي هي القيامة الصغرى‏ يُرَدُّونَ إِلى‏ أَشَدِّ الْعَذابِ‏ الذي هو تعذيبهم بالهيئات المظلمة الراسخة في نفوسهم و احتراقهم بنيرانها أو مسخهم عن صورهم بالكلية، و تضاعف البليّة وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ‏ عن أعمالكم، أحصاها و ضبطها في أنفسكم و كتبها عليكم، كما قال تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَ نَسُوهُ[1].

 

 

 

 

[87- 101]

[سورة البقرة (2): الآيات 87 الى 101]

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى‏ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87)

وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (88)

وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89)

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى‏ غَضَبٍ وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90)

وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)

وَ لَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى‏ بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ (92)

وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَ عَصَيْنا وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)

قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94)

وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)

وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى‏ حَياةٍ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَ ما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96)

قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُدىً وَ بُشْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ (97)

مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98)

وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (99)

أَ وَ كُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100)

وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101)

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ‏ إلى قوله: لا يَعْلَمُونَ‏ ظاهر و معلوم مما مرّ. و الظاهر أن جبرائيل هو العقل الفعال. و ميكائيل هو روح الفلك السادس، و عقله المفيض للنفس النباتية الكلية الموكلة بأرزاق العباد. و إسرافيل هو روح الفلك الرابع، و عقله المفيض للنفس‏ الحيوانية الكلية، الموكلة بالحيوانات. و عزرائيل هو روح الفلك السابع الموكل بالأرواح الإنسانية كلها، يقبضها بنفسه أو بالوسائط التي هي أعوانه و يسلمها إلى اللّه تعالى.

 

 

 

 

[102]

[سورة البقرة (2): آية 102]

وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى‏ مُلْكِ سُلَيْمانَ وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102)

وَ اتَّبَعُوا أي: اتبع اليهود و القوى الروحانية ما تَتْلُوا شياطين الأنس الذين هم المتمرّدة العصاة الأشرار، الأقوياء، و شياطين الجنّ و هم الأوهام و الخيالات و المتخيلات المحجوبة عن نور الروح، العاصية لأمر العقل المتمرّدة عن طاعة القلب‏ عَلى‏ عهد مُلْكِ سُلَيْمانَ‏ النبيّ أو سليمان الروح من كتب السحر و علومه، يزعمون أنه علم سليمان و به استولى على الملك و سخّر ما سخّر من الجنّ و الإنس و الطير و علم الحيل و الشعبذة و الموهومات و المتخيلات و السفسطة. وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ‏ بإسناد التأثير إلى غير اللّه، إذ السحر كفر و احتجاب عن مؤثرية اللّه، بإسناد التأثير إلى غيره‏ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا احتجبوا و لم يعلموا أن لا مؤثر إلا اللّه‏ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ‏ أي:

العقل النظري و العمليّ المائلين إلى النفس المنكوسين من بئر الطبيعة لتوجه هما إليها باستجذاب النفس إياهما إليها بِبابِلَ‏ الصدر المعذبين بضيق المكان بين أبخرة الموادّ و أدخنة نيران الشهوات من العلوم و الأعمال من باب الحيل و النيرنجات و الطلسمات على التأويلين‏ وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ امتحان و بلاء من اللّه لقوّة النورية و بقية الملكوتية فيهما، فينبهان على حالهما بالنور العقليّ‏ فَلا تَكْفُرْ باستعمال هذا العلم في المفاسد و المناهي و إسناد التأثير إليه‏ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ‏ القلب و النفس، و بين الروح و النفس، و تكدير القلب‏ وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏ أي: إلا إذا أراد اللّه أن يضرّه عند ذلك الفعل، فيفعل ما يريد و يكون زيادة ابتلاء للساحر و إمهالا له في كفره و احتجابه لرؤيته ذلك من تأثير سحره. وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ‏ بزيادة الاحتجاب و شدّة الميل و الهوى‏ وَ لا يَنْفَعُهُمْ‏ في رفع الحجاب برؤيتهم ذلك ابتلاء من اللّه و استعاذاتهم باللّه ليقيهم من شرّه. وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ‏ أي: نصيب، لإقباله على النفس و الهوى بالكلية و استعمال ذلك في اكتساب حطام الدنيا و تمتعاتها.

 

 

 

[103- 105]

[سورة البقرة (2): الآيات 103 الى 105]

وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَ قُولُوا انْظُرْنا وَ اسْمَعُوا وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (104)

ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ لا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)

وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا برؤية الأفعال من اللّه‏ وَ اتَّقَوْا الشرك بنسبة التأثير إلى غيره‏ لَمَثُوبَةٌ دائمة كائنة مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏ من الأنوار الروحية، و المواهب الفتوحية، و الأحوال القلبية، و المعارف الإلهية خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏.

 

 

 

 

[106]

[سورة البقرة (2): آية 106]

ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (106)

ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ بإبطال حكمها و إبقاء لفظها أَوْ نُنْسِها و نذهب بها من قبلك بإزالة لفظها و معناها، أو لفظها دون معناها، كآية الرجم‏ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أي: بما هو أصلح في بابه منها في بابها أو يساويها في الخير و الصلاح. و اعلم أن الأحكام المثبتة في اللوح المحفوظ إما مخصوصة و إما عامة، و المخصوصة إما أن تختص بحسب الأشخاص و إما أن تختص بحسب الأزمنة، فإذا نزلت بقلب الرسول فالتي تختص بالأشخاص تبقى بقاء الأشخاص، و التي تختص بالأزمنة تنسخ و تزال بانقراض تلك الأزمنة، قصيرة كانت كمنسوخات القرآن، أو طويلة كأحكام الشرائع المتقدمة. و لا ينافي ذلك ثبوتها في اللوح إذ كانت فيه كذلك، و العامة تبقى ما بقي الدهر كتكلم الإنسان و استواء قامته مثلا.

 

 

 

 

[107]

[سورة البقرة (2): آية 107]

أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (107)

أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ أي: له ملك سموات عالم الأرواح و أرض الأجساد و هو المتصرف فيهما بيد قدرته بل كله ظاهره و باطنه فلم يبق شي‏ء غيره ينصركم و يليكم.

 

 

 

 

[108]

[سورة البقرة (2): آية 108]

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى‏ مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (108)

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ‏ من قبل اللذات الدينية الحسيّة و الشهوات الخسيسة النفسية كَما سُئِلَ مُوسى‏ مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ‏ الظلمة بالنور فَقَدْ ضَلَ‏ الطريق المستقيم.

 

 

 

 

[109- 112]

[سورة البقرة (2): الآيات 109 الى 112]

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (109)

وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)

وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى‏ تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111)

بَلى‏ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)

وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى‏ أي: قالت اليهود: لن يدخل الجنة المعهودة عندهم، أي: جنة الظاهر و عالم الملك التي هي جنة الأفعال و جنة النفس إلا من كان هودا. و قالت النصارى: لن يدخل الجنة المعهودة عندهم، أي: جنة الباطن و عالم الملكوت التي هي جنة الصفات، و جنة القلب إلا من كان نصرانيا. و لهذا قال عيسى عليه السلام في دعوتهم إلى جنّتهم: «لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرّتين»، و كانت دعوته إلى السماء أي: السماء الروحانية تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ‏ أي: غاية مطالبهم التي وقفوا على حدّها و احتجبوا بها عما فوقها قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ‏ أي: دليلكم الدال على نفي دخول غيركم جنّتكم‏ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ في دعواكم، بل الدليل دلّ على نقيض مدعاكم.

فإنّ‏ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ‏ أي: ذاته الموجودة مع جميع لوازمها و عوارضها لِلَّهِ‏ بالتوحيد الذاتيّ عند المحو الكليّ و الفناء في ذات اللّه‏ وَ هُوَ مُحْسِنٌ‏ أي: مستقيم في أحواله بالبقاء بعد الفناء، مشاهد ربّه في أعماله، راجع من الشهود الذاتيّ إلى مقام الإحسان الصفاتيّ الذي هو المشاهدة بالوجود الحقانيّ لمكان الاستقامة و العبادة، لا بالوجود النفساني‏ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ‏ أي: ما ذكرتم من الجنة و أصفى و ألذّ لاختصاصها بمقام العندية أي المشاهدة التي احتجبتهم عنها وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ أي: و زيادة على ما لكم من الجنة و هو عدم خوفهم من احتجاب الذات و بقاء النفس اللازم لوجود بقيتهم و عدم حزنهم على ما فاتهم بسبب الوقوف بحجاب جنّة الأفعال و الصفات و التلذّذ بها و الاستراحة فيها و الاستدامة إليها من شهود جمال الذات. فإنهم و إن تركوها بالشوق إلى تجلّي الذات فإنها حاصلة لهم و أدنى مقامهم تحت جنة الذات.

 

 

 

 

[113]

[سورة البقرة (2): آية 113]

وَ قالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى‏ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ وَ قالَتِ النَّصارى‏ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ وَ هُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)

وَ قالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى‏ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ لاحتجابهم بدينهم عن دينهم، و كذا قالت النصارى لاحتجابهم بالباطن عن الظاهر كما احتجب اليهود بالظاهر عن الباطن على ما هو حال أهل المذاهب اليوم في الإسلام.

وَ هُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ‏ و فيه ما يرشدهم إلى رفع الحجاب، و رؤية حق كل دين و مذهب، و ليس أهل ذلك الدين و المذهب حقهم بباطل لتقيّدهم بمعتقدهم، فما الفرق بينهم و بين الذين لا علم لهم و لا كتاب، كالمشركين، فإنهم يقولون مثل قولهم بل هم أعذر، إذ ليس عليهم إلا حجة العقل و هم بحجة العقل و الشرع‏ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ‏ بالحق في اختلافاتهم‏ يَوْمَ‏ قيام‏ الْقِيامَةِ الكبرى و ظهور الوحدة الذاتية عند خروج المهديّ عليه السلام. و في الحديث ما معناه: «إنّ اللّه يتجلى لعباده في صورة معتقداتهم فيعرفونه، ثم يتحوّل عن صورته إلى صورة أخرى فينكرونه»، و حينئذ يكونون كلهم ضالّين محجوبين إلا ما شاء اللّه و هو الموحد الذي لم يتقيد بصورة معتقده.

 

 

 

 

[114]

[سورة البقرة (2): آية 114]

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَ سَعى‏ فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (114)

وَ مَنْ أَظْلَمُ‏ أي: أنقص حقا و أبخس حظا مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ‏ أي: مواضع سجود اللّه التي هي القلوب التي يعرف فيها فيسجد بالفناء الذاتيّ‏ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏ الخاص الذي هو الاسم الأعظم، إذ لا يتجلى بهذا الاسم إلا في القلب، و هو التجلي بالذات مع جميع الصفات أو اسمه المخصوص بكل واحد منها، أي الكمال اللائق باستعداده المقتضى له. وَ سَعى‏ فِي خَرابِها بتكديرها بالتعصبات الباردة و غلبة و استيلاء التمنيات عليها، و منع أهلها المستعدّين عنها بالهرج و المرج و تهييج الفتن اللازمة لتجاذب قوى النفس و دواعي الشيطان و الوهم‏ أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ‏ و يصلوا إليها، أي: منكسرين لظهور تجلّي الحق فيها لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ‏ أي: افتضاح و ذلّة بظهور بطلان دينهم و معتقدهم، و فسخه بدين الحق و انقهارهم و تحسرهم و مغلوبيتهم. وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ هو الاحتجاب عن الحق بدينهم.

 

 

 

 

[115]

[سورة البقرة (2): آية 115]

وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (115)

وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ‏ أي: عالم النور و الظهور الذي هو جنّة النصارى و قبلتهم بالحقيقة هو باطنه‏ وَ الْمَغْرِبُ‏ أي: عالم الظلمة و الاختفاء الذي هو جنّة اليهود و قبلتهم بالحقيقة هو ظاهره‏ فَأَيْنَما تُوَلُّوا أي: أي جهة تتوجهوا من الظاهر و الباطن‏ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ‏ أي: ذات اللّه المتجلية بجميع صفاته، أو و للّه الإشراق على قلوبكم بالظهور فيها و التجلي لها بصفة جماله حالة شهودكم و فنائكم، و الغروب فيها بتستره و احتجابه بصورها و ذواتها، و اختفائه بصفة جلاله حالة بقائكم بعد الفناء. فأيّ جهة تتوجهوا حينئذ فثمّ وجهه لم يكن شي‏ء إلا إيّاه وحده‏ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ‏ جميع الوجود شامل لجميع الجهات و الوجودات‏ عَلِيمٌ‏ بكل العلوم و المعلومات.

 

 

 

 

[116]

[سورة البقرة (2): آية 116]

وَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (116)

وَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً أي: أوجد موجودا مستقلا بذاته مخصوصا دونه‏ سُبْحانَهُ‏ ننزّهه عن أن يكون غيره شي‏ء فضلا عما يجانسه‏ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ أي: له عالم الأرواح و الأجساد و هي باطنه و ظاهره، كما تقول: له الذات و الوجه و الصفات و أمثال ذلك. كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ‏ موجودون بوجوده، فاعلون بفعله، معدومون بذواتهم، و هو غاية الطاعة و القيام بحقه إذ هو الوجود المطلق، فلا يوجد بدونه شي‏ء. و الوجودات المعينة صفاته و أسماؤه لامتيازها بتعيّناتها التي هي أمور إمكانية عدمية ليست عينه بالاعتبار العقليّ الذي يقسمها إلى الوجود و الماهية التي هي بدون الوجود ليست شيئا في الخارج، لكن في العقل.

و العقليات باطنه، فهي في الحقيقة ليست غيره فلا يكون غيره موجودا حتى يكون ولدا، أي:معلولا أو مخلوقا أو ما شئت فسمه.

 

 

 

 

[117]

[سورة البقرة (2): آية 117]

بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)

بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ أي: مبدع سماواته و أرضه غير مسبوقة بمادّة و مدة، بل هي ظلال ذاته و منشأ عالميته منورة باسمه النورانيّ، موجودة بوجوده الخارجيّ و لو لم يكن جهات الإمكان و اعتبارات العقل بحسب اليقينيات لما اعتبرت وجوداتها أصلا إذ هي بلا هو غير شي‏ء فلا تكون معه موجودة بالمقارنة بل بالتحقيق بوجوده، و لا تكون غيره بالمفارقة بل بالاعتبار العقلي. فهي باعتبار تعيناتها خلق، و باعتبار حقيقتها حق.

وَ إِذا قَضى‏ أَمْراً أي حكم به‏ فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ أي: فلا يكون إلا تعلق إرادته به فيوجد بلا تخلل زمان و لا توسط شي‏ء، بل معا. و ذلك التعلق هو قوله و إلا لم يكن ثمّ قول و لا صوت.

 

 

 

 

[118- 123]

[سورة البقرة (2): الآيات 118 الى 123]

وَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)

إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (119)

وَ لَنْ تَرْضى‏ عَنْكَ الْيَهُودُ وَ لا النَّصارى‏ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى‏ وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (120)

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121)

يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122)

وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)

وَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ علم التوحيد من المشركين‏ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ إلى قوله: تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ‏ في الجهل بعلم التوحيد و بكلام اللّه و آياته، إذ العلم بهما فرع علم التوحيد قَدْ بَيَّنَّا دلائل التوحيد و كيفية المكالمة لأهل الإيقان‏ وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ‏ أي: و لا تؤخذ باحتجابهم و ما عليك أن تنقذهم من ظلمات حجبهم، إنما عليك أن تدعوهم بالبشارة و الإنذار. قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى‏ أي: طريق الوحدة المخصوصة بالحق هو الطريق لا غير. كما قال عليّ عليه السلام‏: «اليمين و الشمال مضلّة، و الطريق الوسطى هي الجادّة». وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ‏ أي: من علم التوحيد و المعرفة ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ لامتناع وجود غيره.

 

 

 

 

[124- 125]

[سورة البقرة (2): الآيات 124 الى 125]

وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)

وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)

وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ‏ أي: بمراتب الروحانيات، كالقلب و السرّ و الروح و الخفاء و الوحدة و الأحوال و المقامات، التي يعبر بها على تلك المراتب كالتسليم و التوكل و الرضا و علومها فَأَتَمَّهُنَ‏ بالسلوك إلى اللّه و في اللّه حتى الفناء قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً بالبقاء بعد الفناء، و الرجوع إلى الخلق من الحق تؤمّهم و تهديهم سلوك سبيلي و يقتدون بك فيهتدون.

قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي‏ أي: و اجعل بعض ذرّيتي أيضا إماما قالَ‏ قد يكون منهم ظالمون و لا يَنالُ عَهْدِي‏ إياهم، أي: لا يكونون خلفائي و لا أعهد إلى الظالمين بالإمامة وَ إِذْ جَعَلْنَا بيت القلب‏ مَثابَةً أي: مرجعا و مبوّأ لِلنَّاسِ وَ أَمْناً و محل أمن أو سبب أمن و سلامة لهم يأمنون بالوصول إليه و السكون فيه شرّ غوائل صفات النفس و فتك فتاك القوى الطبيعية و إفسادها، و تخييل شياطين الوهم و الخيال، و إغوائهم و مكائدهم‏ وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ‏ الذي هو مقام الروح و مقام الخلة مُصَلًّى‏ موطنا للصلاة الحقيقية التي هي المشاهدة و المواصلة الإلهية و الخلة الذوقية وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ‏ أمرناهما بتطهير بيت القلب من قاذورات أحاديث النفس، و نجاسات وساوس الشيطان، و أرجاس دواعي الهوى، و أدناس صفات القوى‏ لِلطَّائِفِينَ‏ أي: للسالكين المشتاقين الذين يدورون حول القلب في سيرهم‏ وَ الْعاكِفِينَ‏ الواصلين إلى مقام القلب بالتوكل الذي هو توحيد الأفعال المقيمين فيه بلا تلوينات النفس و إزعاجها منه‏ وَ الرُّكَّعِ‏ أي: الخاضعين الذين بلغوا إلى مقام تجلّي الصفات، و كمال مرتبة الرضا و السجود الفانين في الوحدة.

 

 

[126]

[سورة البقرة (2): آية 126]

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (126)

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا الصدر الذي هو حرم القلب‏ بَلَداً آمِناً من استيلاء صفات النفس و اغتيال العدوّ اللعين، و تخطف جنّ القوى البدنية أهله‏ وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ‏ من ثمرات معارف الروح أو حكمه و أنواره‏ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ من وحد اللّه منهم و علم المعاد قالَ وَ مَنْ كَفَرَ أي: و من احتجب أيضا من الذين سكنوا الصدر و لا يجاوزون حدّه بالترقي إلى مقام العين لاحتجابهم بالعلم الذي وعاؤه الصدر فَأُمَتِّعُهُ‏ تمتيعا قَلِيلًا من المعاني العقلية، و المعلومات الكلية النازلة إليهم من عالم الروح على قدر ما تعيشوا به‏ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ‏ نار الحرمان و الحجاب‏ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ مصيرهم، لتعذبهم بنقصانهم و تألمهم بحرمانهم.

 

 

 

 

[127- 129]

[سورة البقرة (2): الآيات 127 الى 129]

وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)

رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)

رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)

وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ‏ قيل: إنّ الكعبة أنزلت من السماء في زمان آدم و لها بابان إلى المشرق و المغرب، فحجّ آدم عليه السلام من أرض الهند و استقبله الملائكة أربعين فرسخا فطاف بالبيت و دخله. ثم رفعت في زمان طوفان نوح عليه السلام، ثم أنزلت مرة أخرى في زمان إبراهيم صلوات اللّه عليه، فزارها و رفع قواعدها و جعل بأبيها بابا واحدا.

و قيل: ثم تمخض أبو قبيس فانشق عن الحجر الأسود و كان ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة نزل بها جبرائيل فخبئت فيه في زمان الطوفان إلى زمن إبراهيم عليه السلام، فوضعه إبراهيم مكانه، ثم اسودّ بملامسة النساء الحيض.

فنزولها في زمان آدم إشارة إلى ظهور القلب في زمانه بوجوده عليه. و كونه ذا بابين شرقيّ و غربيّ إشارة إلى ظهور علم المبدأ و المعاد، و معرفة عالم النور، و عالم الظلمة في زمانه دون علم التوحيد. و قصده زيارتها من أرض الهند إشارة إلى توجهه بالتكوين و الاعتدال من عالم الطبيعية الجسمانية المظلمة إلى مقام القلب، و استقبال الملائكة إشارة إلى تعلق القوى الحيوانية و النباتية بالبدن و ظهور آثارها فيه قبل آثار القلب في الأربعين التي تكوّنت فيها بنيته و تخمرت طينته أو توجهه بالسير و السلوك من عالم النفس الظلماني إلى مقام القلب.

و استقبال الملائكة تلقي القوى النفسانية و البدنية إياه بقبول الإذعان و الأخلاق الجميلة و الملكات الفاضلة و التمرّن فيها و التنقل في المقامات قبل وصوله إلى مقام القلب. و طوافه بالبيت إشارة إلى وصوله إلى مقام القلب و سلوكه فيه مع التلوين، و دخوله إشارة إلى تمكنه و استقامته فيه. و رفعه في زمان الطوفان إلى السماء إشارة إلى احتجاب الناس بغلبة الهوى و طوفان الجهل في زمان نوح عليه السلام عن مقام القلب. و بقاؤه في السماء الرابعة، أي: البيت المعمور الذي هو قلب العالم و نزوله مرة أخرى في زمان إبراهيم عليه السلام إشارة إلى اهتداء الناس في زمانه إلى مقام القلب بهدايته.

و رفع إبراهيم قواعده و جعله ذا باب واحد إشارة إلى تلقي القلب بسلوكه عليه السلام من مقامه إلى مقام الروح الذي هو السر و ارتفاع مراتبه و وصوله إلى مقام التوحيد، إذ هو أوّل من ظهر عليه التوحيد الذاتيّ كما قال عليه السلام:إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)[2]. و الحجر الأسود إشارة إلى الروح. و تمخض أبي قبيس و انشقاقه عنه إشارة إلى ظهوره بالرياضة و تحرّك آلات البدن باستعمالها بالتفكر و التعبد في طلب ظهوره، و لهذا قيل: خبئت فيه، يعني:

احتجبت بالبدن. و اسوداده بملامسة النساء الحيض إشارة إلى اختفائه و تكدّره بغلبة القوى النفسانية على القلب و استيلائها عليه و تسويدها الوجه النورانيّ الذي يلي الروح منه. و كذا إسماعيل أيضا كان من الموحدين لعطفه عليه في رفع قواعد البيت.

رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ‏ أي: لا تكلنا إلى أنفسنا فنسلم بأنفسنا بل بك و بجعلك‏ رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا هو محمد صلى اللّه عليه و سلم، و لهذا قال عليه السلام‏: «أنا دعوة أبي إبراهيم، و بشرى عيسى، و رؤيا أمي» و قد رأت في المنام أن نورا خرج منها فأضاءت لها قصور الشام.

 

 

 

 

[130- 134]

[سورة البقرة (2): الآيات 130 الى 134]

وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)

إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131)

وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)

أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134)

وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ‏ أي: ملّة التوحيد إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ‏ إلا من احتجب عن نور العقل بالكلية و بقي في مقام ظلمة نفسه. أي: سفه نفسا على التمييز أو في نفسه على انتزاع الخافض‏ وَ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ‏ أي: من كان من المحبوبين المرادين بالسابقة الأزلية فاخترناه حالة الفناء في التوحيد وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ أي: حالة البقاء بعد الفناء من أهل‏ الاستقامة الصالحين لتدبير النظام و تكميل النوع‏ إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ‏ أي: وحد و أسلم ذاتك إلى اللّه، يعني: جعله في الأزل من أهل الصف الأول مسلما موحدا مذعنا لربّ العالمين، فانيا فيه‏ وَ وَصَّى بِها أي: بكلمة التوحيد إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ‏ بنيه تأسيا يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ‏ أي: دينه الذي يدين به الموحد، لا دين له غيره، و لا ذات، فدينه دين اللّه و ذاته ذات اللّه‏ فَلا تَمُوتُنَ‏ إلا على هذا الدين، أي: لا تموتنّ بالموت الطبيعي موت الجهل، بل كونوا ميتين بأنفسكم، أحياء باللّه أبدا، فيدرككم موت البدن على هذه الحالة تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ‏ أي: لا تكونوا مقلدين و لا تكتفوا بالتقليد الصرف في الدين إذ لا اعتماد على النقل، فليس لأحد إلا ما كسب من العلم و العمل و الاعتقاد و السيرة، لا يجازى أحد بمعتقد غيره و لا بعمله، فكونوا على بصائركم و اطلبوا اليقين و اعملوا عليه.

 

 

 

 

[135- 137]

[سورة البقرة (2): الآيات 135 الى 137]

وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى‏ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)

قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)

وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى‏ كلّ محجوب بدينه يزعم أنّ الحق دينه لا غير قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ‏ فإنّ الهدى المطلق هو التوحيد الذي يشمل كلّ دين، و يرفع كل حجاب كما ذكر بعده في قوله‏ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ‏ إلى آخره‏ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ‏ بنفي دين البعض و إبطال ملّته و إثبات الآخر و حقيته، بل نقول باجتماعهم على الحق و اتفاقهم على التوحيد، و نقبل جميع أديانهم بالتوحيد الشامل لكلها فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ‏ من التوحيد الجامع من كل دين و مذهب‏ فَقَدِ اهْتَدَوْا الاهتداء المطلق، أي: كل الاهتداء وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ‏ في طرف من الدين و شقّ من الهداية يشاقونكم فيه.

 

 

 

 

[138- 141]

[سورة البقرة (2): الآيات 138 الى 141]

صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138)

قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَ هُوَ رَبُّنا وَ رَبُّكُمْ وَ لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى‏ قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140)

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141)

صِبْغَةَ اللَّهِ‏ أي: آمنا باللّه و صبغنا اللّه صبغة، فإن كل ذي اعتقاد و مذهب باطنه مصبوغ بصبغ اعتقاده و دينه و مذهبه. فالمتعبدون بالملل المتفرّقة مصبوغون بصبغ نيتهم، و المتمذهبون‏ بصبغ إمامهم و قائدهم، و الحكماء بصبغ عقولهم، و أهل الأهواء و البدع المتفرّقة بصبغ أهوائهم و نفوسهم، و الموحدون بصبغة اللّه خاصة التي لا صبغ أحسن منها و لا صبغ بعدها. كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏: «إن اللّه تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رشّ عليهم من نوره، فمن أصاب من ذلك النور اهتدى، و من أخطأ ضلّ»، فذلك النور هو صبغته.

 

 

 

 

[142- 143]

[سورة البقرة (2): الآيات 142 الى 143]

سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)

وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى‏ عَقِبَيْهِ وَ إِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (143)

سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ‏ سمّاهم سفهاء خفاف العقول، لعدم وفاء عقولهم بإدراك حقيقة دين الإسلام و قضائها على ما عرفت بحق مذهبها و وقوفها به، و لذلك كانت محاجتهم في اللّه مع اتفاقهم في التوحيد و اختصاص المسلمين بالإخلاص، إذ لو أدركوا الحق لأدركوا إخلاصهم فلم تبق محاجتهم معهم. و لو كانت عقولهم رزينة لاستدلت بالآيات و أدركت في كل دين و مذهب حقه، و فرّقت بين ذلك الدين الحق الذي هو كالروح لذلك، و بين باطل أهله الذي اختلط به و لبسه خاصة دين الإسلام، فإن كله حق، بل هو حق الحقوق و لذلك جعلوا أمّة وسطا أي: عدلا بين الأمم، فضلاء شهداء عليهم.

ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها لأنهم كانوا مقيدين بالجهة فلم يقبلوا إلا مقيدا و لم يعرفوا التوحيد الوافي بالجهات كلها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ‏ على ما مرّ من التأويلين‏ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ أي: طريق الوحدة التي تتساوى الجهات بالنسبة إليها لكون الحق المتوجه إليه لا في جهة، و كون الجهات كلها فيه و به و له، كما قال تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ[3].

و معنى شهادتهم على الناس و شهادة الرسول عليهم، اطلاعهم بنور التوحيد على حقوق الأديان و معرفتهم بحق أهل كل دين و حق، كل ذي دين من دينه و باطلهم الذي ليس حقهم الذي هو مخترعات نفوسهم و تمنياتها و أكاذيب أخبارهم و ملفقاتهم، و وقوفهم على حدّ دينهم، و إبطالهم لما عداه من الأديان، و احتجابهم و تقيدهم بظاهره دون التعمّق إلى باطنه و أصله و إلا عرفوا حقيّة دين الإسلام لأن طريق الحق واحد فلا يستخفون بحق سائر الأديان و خاصة دين الإسلام الذي هو الحق الأعظم الأظهر، و الرسول مطلع على رتبة كل متدين بدينه في دينه، و حقيقته التي هو عليها من دينه، و حجابه الذي هو به محجوب عن كمال دينه، فهو يعرف ذنوبهم‏ و حدود إيمانهم و أعمالهم و حسناتهم و سيئاتهم و إخلاصهم و نفاقهم و غير ذلك بنور الحق، و أمّته يعرفون ذلك من سائر الأمم بنوره.

وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ‏ بالعلم التفصيليّ التابع لوقوع المعلوم لا العلم السابق في عين جميع أوّل الوجود فإنه معلوم له بذلك العلم قبل وجوده، لأن العلم كله له لا علم لأحد غيره. فعلومنا التي نعلم بها الأشياء تظهر على مظاهرنا من علمه و ذلك علمه التفصيليّ أي: علمه في تفاصيل الموجودات. فهو يعلم بذلك العلم التفصيلي بالظاهر في مظاهرنا الأشياء بعد وجودها، كما يعلمها بالعلم الأول الذي هو في عين الجمع قبل وجودها.

مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ‏ في توحيده‏ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى‏ عَقِبَيْهِ‏ لاحتجابه بالتقييد بالدين‏ وَ إِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً أي: أنه كانت التحويلة الكبيرة لشاقة ثقيلة إِلَّا عَلَى الَّذِينَ‏ هداهم اللّه إلى التوحيد و نجاهم عن الاحتجاب بالتقييد وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ‏ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس لكونها للّه، و إذا كانت له فحيثما توجهتم قبلها. و لعمري أنها إنما شقت على طائفتين: المحجوبين بالحق عن الخلق، و المحجوبين بالخلق عن الحق. فإنّ الأولى عرفت أن التحويلة الأولى التي كانت من الكعبة إلى بيت المقدس هي صورة العروج من مقام القلب و السرّ، أي: المكاشفة و المكالمة إلى مقام الروح و الخفاء، أي: المشاهدة و المعاينة فحسبوا التحويلة الثانية التي كانت صورة الرجوع إلى مقام القلب حالة الاستقامة و التمكين للدّعوة و النبوّة و مشاهدة الجمع في عين التفصيل، و التفصيل في عين الجمع، حيث لا احتجاب عن الخلق بالحق، و لا عن الحق بالخلق، هو النزول بعد العروج، و البعد بعد القرب.

و ظنوا ضياع السعي إلى المقام الأشرف و حصول الهجر بعد الوصول، و السقوط عن الرتبة، فشقّ عليهم ذلك. و أما الطائفة الثانية فتقيدوا بصورة نسكهم و عملهم و ما عرفوا حكمة التحويلة، فظنوا صحة العبادة الثانية دون الأولى، فشقّ عليهم ضياعها و بطلانها الذي توهموه فهدينا إلى خلاف ما توهموه بما فهم من الآية.

إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ‏ يرؤف بهم بشرح الصدر، و رفع الحجاب حال البقاء بعد الفناء للأولى، و بقبول ما عملت الثانية بصدقهم، و إن لم يعلموا ما يفعلون‏ رَحِيمٌ‏ يرحمهم بالوجود الحقانيّ للأولى و ثواب الأعمال و الهداية إلى الحقيقة للثانية، و توفيقهم للترقي من حالهم و مقامهم إلى مقام اليقين.

 

 

 

 

[144]

[سورة البقرة (2): آية 144]

قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)

قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ‏ في جهة سماء الروح في مقام الجمع عند الاستغراق في الوحدة و الاحتجاب بالحق عن الخلق يؤدك وزر النبوّة و مقام الدعوة، لعدم التفاتك إلى الكثرة، و يعسر عليك الرجوع إلى الحق في أوّل حال البقاء بعد الفناء قبل التمكن لقوة توجهك إلى الحق‏ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فلنجعلنّ وجهك يلي قبلة القلب بانشراح الصدر، كما قال تعالى: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3)[4] فإنها قبلة ترضاها لوجود الجمع هناك في صورة التفصيل و عدم احتجاب الوحدة بالكثرة، فترضى تلك القبلة بدعوة الخلق إلى الحق مع بقاء شهود الوحدة فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏ جانب الصدر المشروح المحرّم من وصول صفات النفس، و دواعي الهوى و الشيطان‏ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ‏ أيها المؤمنون و المحققون، سواء كنتم في جهة مشرق الروح و مغرب النفس‏ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ‏ جانبه ليتيسر عليكم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في الأولى، أي: الجهة الشرقية. و الترقي عن حالكم و مقامكم، و التوقي عن احتجابكم بدواعي الهوى و الشيطان في الثانية. وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏ أي: التوراة و الإنجيل و كتاب العقل الفرقاني، أي: العقل المستفاد لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ‏ لاهتدائهم بما في الكتاب من توحيد الأفعال، و الصفات، و الدلالة على التوحيد المحمديّ الذاتيّ إليه، أو بنور العقل المنوّر بالنور الشرعيّ لا المحجوب بالقياس الفكريّ.

 

[145]

[سورة البقرة (2): آية 145]

وَ لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَ ما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَ ما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)

وَ لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ دالة على صحة نبوّتك و حقية قبلتك و لو من كتابهم، أو ما كانت عقلية قطعية ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ‏ لاحتجابهم بدينهم و معقولهم و تقيدهم به‏ وَ ما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ‏ لعلوك عن رتبة دينهم و ترقيك عن مقامهم‏ وَ ما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ‏ لاحتجاب كلّ بدينه و تضادّ وجههم الناشئ من التضادّ المركوز في طباعهم‏ وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ‏ المتفرّقة مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ‏ علم التوحيد الجامع إيّاك‏ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ‏ الناقصين حقك و حقّ مقامك.

 

 

 

[146- 150]

[سورة البقرة (2): الآيات 146 الى 150]

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (146)

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)

وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (148)

وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149)

وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِي وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ‏ إيتاء فهم و دراية يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ‏ أي:كالمحسوس المشاهد، القريب الدائم الإحساس لقربهم منه بالحقيقة، و توسمهم إيّاه بالدلائل الواضحة وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها أي: و لكلّ أحد منكم غاية و كمال بحسب استعداده الأول، اللّه موجه وجهه إليها أو هو نفسه موجه نفسه إليها و يتوجه نحوها بمقتضى هويته و استعداده بإذن اللّه‏ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ‏ الأمور المقرّبة إياكم من كمالكم و غايتكم التي خلقتم لأجلها و ندبتم إليها أَيْنَما تَكُونُوا من مقام و حال دونها أو تخالفها لكونها في مقابلها يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إلى تلك الغاية قريبا أو بعيدا بحسب اقتضاء المقرّبات و استباقها إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ* وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ‏ من طرق حواسك و ميلك إلى حظوظك و الاهتمام بمصالحك و مصالح المؤمنين‏ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏ أي: فكن حاضرا للحق في قلبك، مواجها صدرك، تشاهد مشاهد فيه، مراعيا جانبه لتكون في الأشياء باللّه لا بالنفس‏ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ‏ أيها المؤمنون‏ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ‏ جانب الصدر، تشاهدون مشاهدكم فيه، مراعين له غير معرضين عنه في حال‏ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ سلطنة بوقوعهم في أعينكم و اعتباركم إياهم عند غيبتكم عن الحق، و ترفّعهم عليكم، أو غلبة بالقول أو الفعل في مقاصدكم و مطالبكم لكونكم بالحق فيها حينئذ، بل يخضعون و ينقادون لكم، فإنّ حزب اللّه هم الغالبون‏ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ‏ أي: الكفار المردودين الذين احتجبوا عن الحقّ مطلقا، فإنهم يرتفعون عليكم و لا يخضعون، و لا ينقادون لعدم انفعالهم عن الحق مطلقا.

و سمّى شبهتهم التي يسوقونها مساق الحجة، و اعتراضهم على المسلمين قولا و فعلا، و ترفهم عليهم في أنفسهم حجة مجازا. و قرئ ألا للتنبيه و استؤنف الذين ظلموا فَلا تَخْشَوْهُمْ‏ لأنهم لا يغلبونكم و لا يضرّونكم‏ وَ اخْشَوْنِي‏ كونوا على هيبة من تجلي عظمتي لئلا يقعوا في قلوبكم و أعينكم و لا يميلوا صدوركم فتميلوا إلى موافقتهم إجلالا لهم و تعظيما لكونكم في الغيبة و بالنفس، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام‏: «عظم الخالق عندك يصغر المخلوق في عينك». و لإتمامي نعمة الكمال عليكم و لإرادتي اهتداءكم أمرتكم بدوام الحضور و المراقبة.

 

 

 

 

[151- 152]

[سورة البقرة (2): الآيات 151 الى 152]

كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَ يُزَكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ (152)

كَما أَرْسَلْنا أي: كما ذكرتم بإرسال رسول‏ فِيكُمْ‏ من جنسكم ليمكنكم التلقي و التعلم، و قبول الهداية منه لجنسية النفس و رابطة البشرية فَاذْكُرُونِي‏ بالإجابة و الطاعة و الإرادة أَذْكُرْكُمْ‏ بالمزيد و التوالي للسلوك و إفاضة نور اليقين‏ وَ اشْكُرُوا لِي‏ على نعمة الإرسال و الهداية بسلوك صراطي على قدم المحبة أزدكم عرفاني و محبتي‏ وَ لا تَكْفُرُونِ‏ بالفترة و الاحتجاب بنعمة الدين عن المنعم، فإنه كفران بل كفر.

 

 

 

 

[153]

[سورة البقرة (2): آية 153]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الإيمان العيانيّ‏ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ معي عند سطوات تجلّيات عظمتي و كبريائي‏ وَ الصَّلاةِ أي: الشهود الحقيقي بي‏ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏ المطيقين لتجليات أنواره.

 

 

 

 

[154]

[سورة البقرة (2): آية 154]

وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154)

وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ أي: يجعل فانيا مقتولة نفسه في سلوك سبيل التوحيد ميتا عن هواه، كما

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏: «موتوا قبل أن تموتوا». هم‏ أَمْواتٌ‏ أي:عجزة مساكين‏ بَلْ‏ هم‏ أَحْياءٌ عند ربهم بالحياة الحقيقية، و حياة اللّه الدائمة السرمدية، شهداء اللّه بالحضور الذاتيّ، قادرون به‏ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ‏ لعمى بصيرتكم و حرمانكم عن النور الذي تبصر به القلوب أعيان عالم القدّوس و حقائق الأرواح.

 

 

 

 

[155- 157]

[سورة البقرة (2): الآيات 155 الى 157]

وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)

وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ‏ أي: خوفي الموجب لانكسار النفس و انهزامها وَ الْجُوعِ‏ الموجب لنهك البدن، و ضعف قواه، و رفع حجاب الهوى، و سدّ طريق الشيطان إلى القلب‏ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ‏ التي هي موادّ الشهوات المقوّية للنفس الزائدة في طغيانها وَ الْأَنْفُسِ‏ المستولية على القلب بصفاتها، و المستغنية بذاتها، ليزيد بنقصها القلب و يقوى، أو أنفس الأقرباء و الأصدقاء الذين تأوون إليهم و تستظهرون بهم لتنقطعوا إليّ و تبتلوا وَ الثَّمَراتِ‏ أي: الملاذ و المتمتعات النفسانية لتلتذوا بالمكاشفات و المعارف القلبية، و المشاهدات الروحية عند صفاء بواطنكم بالانقطاع منها و خلوص بصائر قلوبكم بنار الرياضة و البلاء و العزلة من غشّ صفات نفوسكم.

وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ‏ يعني: الصابرين عن مألوفاتهم بلذّة محبتي و قوّة إرادتي‏ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ من تصرّفاتي فيهم دائما شاهدوا آثار قدرتي، بل أنوار تجليات صفتي و قالُوا إِنَّا لِلَّهِ‏ أي: سلموا و أيقنوا أنهم ملكي، أتصرّف فيه‏ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ أي: تفانوا فيّ، و شاهدوا تهلكهم فيّ بي‏ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ‏ بالوجود الموهوب لهم بعد الفناء الموصوف بصفاتي المنوّر بأنواري‏ وَ رَحْمَةٌ و نور و هداية يهدون بها الخلق إليّ‏ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ‏ بهداي كما ورد في الدعاء: «و اجعلنا هادين مهديين غير ضالين و لا مضلين».

 

 

 

 

[158]

[سورة البقرة (2): آية 158]

إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (158)

إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ أي: إنّ صفاء وجود القلب و مروة وجود النفس‏ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ‏ من أعلام دينه و مناسكه القلبية كاليقين، و الرضا، و الإخلاص، و التوكل، و القالبية، كالصلاة و الصيام و سائر العبادات البدنية فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ‏ أي: بلغ مقام الوحدة الذاتية و دخل الحضرة الإلهية بالفناء الذاتيّ الكليّ‏ أَوِ اعْتَمَرَ نار الحضرة بتوحيد الصفات و الفناء في أنوار تجليات الجمال و الجلال‏ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ‏ حينئذ في‏ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما أي: يرجع إلى مقامهما، و يتردّد بينهما، لا بوجودهما التكويني، فإنه جناح و ذنب، بل بالوجود الموهوب بعد الفناء عند التمكين و لهذا نفى الحرج، فإنّ في هذا الوجود سعة بخلاف الأوّل‏ وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً أي: و من تبرّع خيرا من باب التعاليم و شفقة الخلق و النصيحة و محبة أهل الخير و الصلاح بوجود القلب، و من باب الأخلاق، و طرق البر و التقوى، و معاونة الضعفاء و المساكين، و تحصيل الرفق لهم و لعياله بوجود النفس بعد كمال السلوك و البقاء بعد الفناء فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ يشكر عمله بثواب المزيد عَلِيمٌ‏ بأنه من باب التصرّف في الأشياء باللّه لا من باب التكوين و الابتلاء و الفترة.

 

 

 

 

[159- 161]

[سورة البقرة (2): الآيات 159 الى 161]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (159)

إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ (161)

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ أي: يكتمون ما أفضنا عليهم من بينات أنوار المعارف و علوم تجليات الأفعال و الصفات، و هدى الأحوال و المقامات أو الهداية إلى التوحيد الذاتيّ بطريق علم اليقين، فإنّ العيانيّ لا ينكتم بالتلوينات النفسية أو القلبية الحاجبة للمكاشفات القلبية و المسامرات السريّة و المشاهدات الروحية مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ‏ لِلنَّاسِ‏ في كتاب عقولهم المنوّرة بنور المتابعة المدركة لآثار أنوار القلوب و الأرواح ببركة الصحبة أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ‏ يردّهم و يطردهم‏ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ‏ من الملأ الأعلى بخذلانهم و ترك إمدادهم من عالم الأبد و النور، و من المستعدّين المشتاقين الذين كانوا قد استأنسوا بنور قلوبهم و استفاضوا منهم النور بقوّة صدقهم، و استراحوا إلى صحبتهم و ملازمتهم يتبرّكون بهم و بأنفاسهم عند استشراق لمعان أحوالهم بالهجران و الانقطاع عن صحبتهم و الصدّ و الإعراض عنهم لفقدانهم ذلك و استشعارهم بتكدّر صفائهم‏ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا أي: رجعوا عن ذنوب أحوالهم و علموا أن ذلك كان ابتلاء من اللّه‏ وَ أَصْلَحُوا أحوالهم بالإنابة و الرياضة وَ بَيَّنُوا أي: كشفوا و أظهروا بصدق المعاملة مع اللّه و الإخلاص ما احتجب عنهم‏ فَأُولئِكَ‏ أتقبل توبتهم و ألقي التوبة عليهم‏ وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا حجبوا عن الدين أو الحق‏ وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ أي: بقوا على احتجابهم حتى زال استعدادهم و انطفأ نور فطرتهم بدين الحجاب، و انقطعوا عن الأسباب التي يمكن بها رفع حجاب الموت‏ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏ أي: استحقوا البعد و الحرمان و الطرد الكليّ عن الحق و عن عالم الملكوت و عن الفطرة الإنسانية المعبر عنه بالطمس.

 

 

 

[162- 164]

[سورة البقرة (2): الآيات 162 الى 164]

خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)

وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163)

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)

خالِدِينَ فِيها لطموس استعدادهم و انطفاء نور فطرتهم‏ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ‏ لرسوخ هيئاتهم المعذّبة في جواهر نفوسهم‏ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ‏ للزوم تلك الهيئات المظلمة إياهم‏ وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ و معبودكم الذي خصصتموه بالعبادة أيها الموحدون معبود واحد بالذات، واحد مطلق لا شي‏ء في الوجود غيره، و لا موجود سواه فيعبد، فكيف يمكنكم الشرك به و غيره العدم البحث فلا شرك إلا للجهل به. الرَّحْمنُ‏ الشامل الرحمة لكلّ موجود الرَّحِيمُ‏ الذي يخصّ رحمة هدايته بالمؤمنين الموحدين و هي أوّل آية نزلت في التوحيد بحسب الرتبة، أي: أقدم توحيد من جهة الحق لا من جهتنا.

فإنّ أول التوحيد من طرفنا توحيد الأفعال و هذا هو توحيد الذات و لما بعد هذا التوحيد عن مبالغ أفهام الناس تنزل إلى مقام توحيد الأفعال ليستدلّ به عليه فقال:إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ إلى آخره، أي: أنّ في إيجاد سموات و الأرواح‏ و القلوب و العقول و أرض النفوس‏ وَ اخْتِلافِ‏ النور و الظلمة بينهما و فلك البدن التي تجري في بحر الجسم المطلق‏ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ‏ في كسب كمالاتهم‏ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ أي: الروح من ماء العلم‏ فَأَحْيا بِهِ‏ أرض النفس بعد موتها بالجهل‏ وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ القوى الحيوانية الحية بحياة القلب‏ وَ تَصْرِيفِ‏ عصوف زيادة الأفعال الحقانية، و سحاب تجلي الصفات الربانية المسخر المهيأ بين سماء الروح و أرض النفس‏ لَآياتٍ‏ لدلائل‏ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ بالعقل المنوّر بنور الشرع، المجرّد عن شوب الوهم.

 

 

 

 

[165- 167]

[سورة البقرة (2): الآيات 165 الى 167]

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (166) وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ‏ أي: من يعبد من دون اللّه أشياء إمّا أناسيّ من جنسهم كالأزواج، و الأولاد، و الآباء، و الأجداد، و الإخوان، و الأحباب، و الرؤساء، و الملوك، و غيرهم. و إمّا غير أناسيّ كالحيوانات، و الجمادات، و سائر أموالهم، بالإقبال عليهم و التوجه نحوهم، و مراعاتهم، و حفظهم، و الاهتمام بهم و بحالهم، و التفكّر في بابهم، يحبونهم كحبهم اللّه، أي: كما يجب أن يحب اللّه، فتكون تلك الأشياء عندهم مساوية في المحبة مع اللّه فتكون أندادا أو شركاء للّه بالنسبة إليهم، أو تكون هي محبوباتهم و معبوداتهم لا غير، فهي آلهتهم كما أن اللّه إله الخلق فهم جعلوا لأنفسهم آلهة أندادا لإله سائر الخلق، إله العالمين.

وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ‏ من غيره لأنهم لا يحبون إلا اللّه، لا يختلط حبهم له بحب غيره و لا يتغير، و يحبون الأشياء بمحبة اللّه و للّه، و بقدر ما يجدون فيها من الجهة الإلهية كما قال بعضهم: «الحق حبيبنا، و الخلق حبيبنا و إذا اختلفا فالحق أحبّ إلينا» أي: إذا لم تبق جهة الإلهية فيهم بمخالفتهم إياه لم تبق محبتنا لهم، أو أشدّ حبا من محبتهم لآلهتهم لأنهم يحبون الأشياء بأنفسهم لأنفسهم، فلا جرم تتغير محبتهم بتغيير إعراض النفوس أنفسهم عند خوف الهلاك و مضرّة النفس عليهم و المؤمنون يحبون اللّه بأرواحهم و قلوبهم، بل باللّه للّه، لا تتغير محبتهم لكونها لا لغرض، و يبذلون أرواحهم و أنفسهم لوجهه و رضاه، و يتركون جميع مراداتهم لمراده و يحبون أفعاله و إن كانت بخلاف هواهم، كما قال أحدهم:

أريد وصاله و يريد هجري‏ فأترك ما أريد لما يريد

وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي: أشركوا بمحبة الإنذار في وقت رؤيتهم عذاب الاحتجاب بآلهتهم‏ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ‏ أي: القدرة كلها للّه ليس لآلهتهم شي‏ء منها، و شدّة عذاب اللّه بقرنهم بآلهتهم في نار الحرمان بالسلاسل النارية المستفاد من محبتهم إياها، لكان ما لا يدخل تحت الوصف و لهذا المعنى حذف جواب لو إِذْ تَبَرَّأَ بدل من: إذ يرون العذاب، أي: وقت رؤيتهم العذاب هو وقت تبرّئ المتبوعين من التابعين مع لزوم كلّ منهما الآخر بمقتضى المحبة التي كانت بينهم لتعذب كلّ منهم بالآخر و تقيده و احتجابه به عن كمالاته و لذاته و انقطاع الأسباب و الوصل الموجبة للفوائد و التمتعات التي كانت بينهم في الدنيا من القرابة، و الرحم، و الألفة، و العهد، و سائر المواصلات الدنيوية الجالبة للنفع و اللذة، فإنها تنقطع كلها بانقطاع لوازمها و موجباتها دون المواصلات الخيرية و المحبّات الإلهية المبنية على المناسبة الروحية و التعارف الأزليّ، فإنها تبقى ببقاء الروح أبدا و تزيد في الآخرة بعد رفع الحجب البدنية لاقتضائها محبة اللّه المفيدة في الآخرة، كما قال تعالى: «وجبت محبتي للمتحابين فيّ».

و الواو في‏ وَ رَأَوُا الْعَذابَ‏ واو الحال، أي: تبرّؤا عنهم في حال رؤيتهم العذاب و تقطع الوصل بينهم، يعني: حال ظهور شرّ المقارنة و تبعتها، و نفاد خيرها و فائدتها، كحال سفاح الكلاب مثلا وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً أي: ليت لنا كرّة كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ‏ أي: تنقلب محباتهم و ما يبتنى عليها من الأعمال حسرات عليهم، و كذا يكون حال القوى الروحانية المصادقة للقوى النفسانية التابعة لها، المسخرّة إياها في تحصيل لذاتها.

 

 

 

 

[168]

[سورة البقرة (2): آية 168]

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ‏ أي: تناولوا من اللذّات و التمتعات التي في الجهة السفلية من عالم النفس و البدن على وجه يحلّ و يطيب، أي: على قانون العدالة بإذن الشرع و استصواب العقل بقدر الاحتياج و الضرورة، و لا تخطوا حدّ الاعتدال الذي به تطيب و تنفع إلى حدود الإسراف، فإنها خطوات الشيطان.

و لهذا قال تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ‏[1] فإنه عدو لكم. بيّن العداوة يريد أن يهلككم و يبغضكم إلى ربكم بارتكاب الاسرافات المذمومة فإنه لا يحب المسرفين. و اعلم أن العداوة في عالم النفس هي ظلّ الألفة في عالم القلب، و الاعتدال ظلها في عالم البدن، و الألفة ظلّ المحبة في عالم الروح و هي ظلّ الوحدة الحقيقية. فالاعتدال هو الظلّ الرابع للوحدة و الشيطان يفرّ من ظلّ الحق و لا يطيقه‏ فيخطوا أبدا في مجال تلك الظلال إلى جوانب الإسرافات و حيث يعجز فإلى جوانب التفريطات كما في المحبة و الألفة، و لهذا قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام‏: «لا ترى الجاهل إلا مفرطا أو مفرّطا» ، فإن الجاهل سخرة الشيطان.

 

 

 

 

[169- 170]

[سورة البقرة (2): الآيات 169 الى 170]

إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (169)

وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ (170)

إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ الإضرار و الأذى الذي هو إفراط القوة الغضبية وَ الْفَحْشاءِ أي: القبائح التي هي إفراط القوّة الشهوانية وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ الذي هو إفراط القوّة النطقية لشوب العقل بالوهم الذي هو الشيطان المسخر له‏ وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ‏ من مراعاة حدّ الاعتدال و العدالة في كلّ شي‏ء على الوجه المأمور به في الشرع‏ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من الإسرافات المذمومة في الجاهلية تقليدا لهم‏ أَ تتبعونهم‏ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من الدين و العلم‏ وَ لا يَهْتَدُونَ‏ إلى الصواب في العمل لجهلهم.

 

 

 

 

[171- 172]

[سورة البقرة (2): الآيات 171 الى 172]

وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ اشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)

وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: مثل داعي الكفار المردودين‏ كَمَثَلِ‏ الناعق بالبهائم فإنها لا تسمع إلا صوتا و لا تفهم ما معناه فكذا حالهم‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن كنتم موحدين تخصون العبادة باللّه فلا تتناولوا إلا من طيبات ما رزقناكم، أي: ما ينبغي في العدالة أن يستعمل من المرزوقات‏ وَ اشْكُرُوا لِلَّهِ‏ باستعمالها فيما يجب أن تستعمل على الوجه الذي ينبغي أن تستعمل بالقدر الذي ينبغي، فإنّ التوحيد يقتضي مراعاة الاعتدال و العدالة في كل شي‏ء اقتضاء الذات ظلها و لازمها عن النبي صلى اللّه عليه و سلم عن اللّه تعالى‏: «إني و الجنّ و الإنس في نبأ عظيم، أخلق و يعبد غيري، و أرزق و يشكر غيري».

 

 

 

 

[173- 176]

[سورة البقرة (2): الآيات 173 الى 176]

إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (174)

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏ وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)

ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (176)

إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ لجمود الدم فيها، و بعدها عن الاعتدال بانحراف المزاج‏ وَ الدَّمَ‏ لاختلاطه بالفضلات النجسة البعيدة عن قبول الحياة و العدالة و النورية و عدم صلاحيته لذلك بعد لقصور النضج‏ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ لغلبة السبعية و الشره و مباشرة القاذورات و الدياثة على طبعه فيولد في أكله مثل ذلك‏ وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ‏ أي: رفع الصوت بذبحه لغير اللّه يعني ما قصد بذبحه و أكله الشرك لمنافاته التوحيد سفيرا عن الشرك. و يفهم منه ما يقوي آكله به على الكلام و رفع الصوت لغير اللّه أي: كل ما يؤكل لا على التوحيد فهو محرّم على آكله‏ فَمَنِ اضْطُرَّ أي: من الجماعة غَيْرَ باغٍ‏ على مضطرّ آخر باستئثاره‏ وَ لا عادٍ سدّ الرمق‏ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ‏ أي: مل‏ء بطونهم إلا ما هو وقود نار الحرمان و سبب اشتعال نيران الطبيعة الحاجبة عن نور الحق المعذبة بهيئات السوء المظلمة الموقعة صاحبها في جحيم الهيولى الجسمانية وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ‏ عبارة عن شدّة غضبه عليهم و بعدهم عنه.

 

 

 

 

[177]

[سورة البقرة (2): آية 177]

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ‏ مشرق عالم الأرواح و مغرب عالم الأجساد، فإنه تقيد و احتجاب‏ وَ لكِنَّ الْبِرَّ برّ الموحدين الذين آمنوا باللّه و المعاد في مقام الجمع، إذ التوحيد في مقام الجمع يلزمه البقاء الأبديّ الذي هو المعاد الحقيقي. و شاهدوا الجمع في تفاصيل الكثرة و لم يحتجبوا بالجمع عن التفصيل الذي هو باطن عالم الملائكة و ظاهر عالم النبيين.

وَ الْكِتابِ‏ الذي جمع بين الظاهر بالأحكام و المعارف، و أفاد علم الاستقامة ثم استقاموا بعد تمام التوحيد جمعا و تفصيلا بالأعمال المذكورة، فإن الاستقامة عبارة عن وقوف جميع القوى على حدودها بالأمر الإلهيّ لتنوّرها بنور الروح عند تحقق صاحبها باللّه في مقام البقاء بعد الفناء و ذلك مقام العدالة، فتكون هي في ظلّ الحق منخرطة في سلك الوحدة بكليتها. عَلى‏ حُبِّهِ‏ أي: في حال الاحتياج إليه و الشحّ به، كما قال ابن مسعود: أن تؤتيه و أنت صحيح شحيح، تأمل العيش، و تخشى الفقر، و لا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان: كذا، و لفلان: كذا. قال اللّه تعالى: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ[2] أو على حب‏ اللّه لئلا يشغل قلبه عنه و لأنه تعالى يرضى بإيتائه أو على حبّ الإيتاء، يعني: بطيب النفس، فإن الكريم هو الفرح و طيب النفس بالإعطاء.

و من قوله: وَ آتَى الْمالَ‏ إلى قوله: وَ آتَى الزَّكاةَ من باب العفة التي هي كمال القوة الشهوانية و وقوفها على حدّها فيما يتعلق بها، و قوله: وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا من باب العدالة المستلزمة للحكمة التي هي كمال القوّة النطقية فإنها ما لم تعلم تبعة الغدر و الخيانة و فائدة الفضيلة المقابلة لهما، لم تف بالعهد.

و قوله: وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ أي: الشدّة و الفقر وَ الضَّرَّاءِ أي: المرض و الزمانة وَ حِينَ الْبَأْسِ‏ أي: الحرب من باب الشجاعة التي هي كمال القوّة الغضبية أُولئِكَ‏ الموصوفون بهذه الفضائل كلها، الثابتون في مقام الاستقامة الَّذِينَ صَدَقُوا اللّه في مواطن التجريد بأفعالهم التي هي البرّ كله‏ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏ عن محبة غير اللّه حتى النفس، المجرّدون عن غواشي النشأة و الطبيعة.

و يمكن أن يؤوّل المال بالعلم الذي هو مال القلب، لأنه يقوى به و يستغنى، أي: أعطي العلم مع كونه محبوبا ذوي قربى القوى الروحانية لقربها منه، و يتامى القوى النفسانية لانقطاعها عن نور الروح الذي هو الأب الحقيقيّ و مساكين القوى الطبيعية لكونها دائمة السكون لثواب البدن و علمها علم الأخلاق و السياسات الفاضلة.

ثم إذا ارتوى من العلم، علم المعارف و الأخلاق و الآداب و المعايش جملة و تفصيلا و فرغ من نفسه، أفاض على أبناء السبيل، أي: السالكين و السائلين، أي: طلبة العلم و في فكّ رقاب عبدة الدنيا و الشهوات من أسرهم بالوعظ و الخطابة و أقام صلاة الحضور، أي: أدامها بالمشاهدة، و آتى ما يزكي نفسه عن النظر إلى الغير، و التفاتات الخواطر بالنفي، و محو الصفات، و الموفون بعهد الأزل بملازمة التوحيد و إفناء الذات و الآنية، و الصابرين في بأساء الافتقار إلى اللّه دائما، و ضرّاء كسر النفس و قمع الهوى، و حين بأس محاربة الشيطان، أولئك الذين صدقوا اللّه في الوفاء بعهده و عزيمة السلوك و عقده، و أولئك هم المتقون عن الشرك، المنزّهون عن البقية.

 

 

 

 

[178- 184]

[سورة البقرة (2): الآيات 178 الى 184]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى‏ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى‏ بِالْأُنْثى‏ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى‏ بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (178)

وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)

فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181)

فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)

أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)

القصاص قانون من قوانين العدالة، فرض لإزالة عدوان القوّة السبعية، و هو ظلّ من ظلال عدله تعالى فإنه إذا تصرّف في عبده بإفنائه فيه عوّضه عن حرّ روحه روحا موهوما خيرا منه، و عن عبد قلبه قلبا موهوبا، و عن أنثى نفسه نفسا موهوبة كاملة. وَ لَكُمْ‏ في مقاصّة اللّه إياكم بما ذكر حَياةٌ عظيمة، أي: حياة لا يوصف كنهها يا أُولِي الْأَلْبابِ‏ أي: العقول الخالصة عن قشر الأوهام و غواشي العينيات و الإجرام.

فكذا في هذا القصاص- لكي تتقوا تركه و تحافظوا عليه- الوصية و المحافظة عليها قانون آخر فرض لإزالة نقصان القوّة الملكية، أي: القوّة النطقية و قصورها عما يقتضي الحكمة من التصرّف في الأموال، و السلطنة على القوّتين الأخريين بنور الحق و حكم الشرع، و منعها عن عدوانها أيضا بتبديل الوصية الذي هو نوع من الجريمة و الخيانة، و تحريضها على التحقيق و التدقيق في باب الحكمة التي هي كمالها بالإصلاح بين الموصى لهم على مقتضى الحكمة، إذا توقع و علم من الموصي إضرارا بالسهو أو العمد- الصيام قانون آخر مما فرض لإزالة عدوان القوّة البهيمية و تسلطها- و اعلم أنّ قصاص أهل الحقيقة ما ذكر، و وصيتهم هي بالمحافظة على عهد الأزل بترك ما سوى الحق، كما قال تعالى: وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ[3]. و صيامهم هو الإمساك عن كلّ قول و فعل و حركة و سكون ليس بالحق للحق.

 

 

 

 

[185]

[سورة البقرة (2): آية 185]

شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)

شَهْرُ رَمَضانَ‏ أي: احتراق النفس بنور الحق‏ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ‏ في ذلك الوقت‏ الْقُرْآنُ‏ أي: العلم الجامع الإجمالي، المسمّى بالعقل القرآنيّ الموصل إلى مقام الجمع- هداية للناس إلى الوحدة باعتبار الجمع‏ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ و دلائل متصلة من الجمع و الفرق، أي: العلم التفصيلي المسمّى بالعقل الفرقاني- فمن حضر منكم في ذلك الوقت، أي: بلغ مقام شهود الذات‏ فَلْيَصُمْهُ‏ أي: فليمسك عن قول و فعل و حركة ليس بالحق فيه‏ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أي: مبتلى بأمراض قلبه من الحجب النفسانية المانعة من ذلك الشهود أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أي: في سلوك بعد و لم يصل إلى الشهود الذاتيّ، فعليه مراتب أخر يقطعها حتى يصل إلى ذلك المقام‏ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ بالوصول إلى مقام التوحيد و الامتداد بقدرة اللّه‏ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ أي: تكلف الأفعال بالنفس الضعيفة العاجزة وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ و لتتموا تلك المراتب و الأحوال و المقامات الموصلة. و لتعظموا اللّه و تعرفوا عظمته و كبرياءه على هدايته إياكم إلى مقام الجمع‏ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ بالاستقامة أمركم بذلك.

 

 

 

 

[186]

[سورة البقرة (2): آية 186]

وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)

وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي‏ السالكون الطالبون المتوجهون إليّ، عن معرفتي‏ فَإِنِّي قَرِيبٌ‏ ظاهر أُجِيبُ دَعْوَةَ من يدعوني بلسان الحال و الاستعداد بإعطائه ما اقتضى حاله و استعداده‏ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي‏ بتصفية الاستعداد بالزهد و العبادة، فإني أدعوهم إلى نفسي و أعلمهم كيفية السلوك إليّ، و ليشاهدوني عند التصفية، فإني أتجلّى عليهم في مرائي قلوبهم لكي يرشدوا بالاستقامة، أي: لكي يستقيموا و يصلحوا.

 

 

 

 

[187]

[سورة البقرة (2): آية 187]

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)

أُحِلَّ لَكُمْ‏ أي: أبيح لكم‏ لَيْلَةَ الصِّيامِ‏ أي: في وقت الغفلة الذي يتخلل ذلك الإمساك المذكور في زمان حضوركم‏ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ‏ التنزّل إلى مقارفة نفوسكم بحظوظها إذ لا مصابرة لكم عنها لكونها تلابسكم و كونكم تلابسونها بالتعلق الضروري‏ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ‏ باستراق الحظوظ في أزمنة تلك السلوك و الرياضة و الحضور فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ‏ أي: في وقت الاستقامة و التمكين حال البقاء بعد الفناء بَاشِرُوهُنَ‏ في أوقات الغفلات‏ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏ من التقوى و التمكن بتلك الحظوظ على توفير حقوق الاستقامة و القيام بما أمر اللّه به من العبودية و الدعوة إليه‏ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا أي: كونوا مع رفقها حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ حتى تظهر عليكم بوادي الحضور و لوامعه و تغلب آثاره و أنواره على سواد الغفلة و ظلمتها، ثم كونوا على الإمساك المذكور بالحضور مع الحق حتى يأتي زمان الغفلة، لو لا ذلك لما أمكنه القيام بمصالح معاشه و مهماته. و لا تقاربوهن في حال كونكم معتكفين مقيمين حاضرين في‏ مساجد قلوبكم و إلا لتشوّش وقتكم بظهورها.

 

 

 

[188]

[سورة البقرة (2): آية 188]

وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)

وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ‏ معارفكم و معلوماتكم‏ بَيْنَكُمْ‏ بباطل شهوات النفس و لذاتها بتحصيل مآربها و اكتساب مقاصدها الحسيّة و الخيالية باستعمالها وَ تُدْلُوا بِها و ترسلوا إلى حكّام النفوس الأمّارة بالسوء لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ‏ القوى الروحانية بِالْإِثْمِ‏ أي: بالظلم لصرفكم إياها في ملاذ القوى النفسانية وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ أنّ ذلك إثم و وضع للشي‏ء في غير موضعه.

 

 

 

 

[189- 190]

[سورة البقرة (2): الآيات 189 الى 190]

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)

وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ أي: عن الطوالع القلبية عند إشراق نور الروح عليها قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ‏ أي: أوقات وجوب المعاملة في سبيل اللّه و عزيمة السلوك، و طواف بيت القلب، و الوقوف في مقام المعرفة وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا بيوت قلوبكم‏ مِنْ ظُهُورِها من طرق حواسكم و معلوماتكم المأخوذة من المشاعر البدنية فإنّ ظهر القلب هو الجهة التي تلي البدن‏ وَ لكِنَّ الْبِرَّ برّ مَنِ اتَّقى‏ شواغل الحواس و هواجس الخيال و وساوس النفس‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها الباطنة التي تلي الروح و الحق، فإنّ باب القلب هو الطريق الذي انفتح منه إلى الحق‏ وَ اتَّقُوا اللَّهَ‏ في الاشتغال بما يشغلكم عنه‏ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ‏ من الشيطان و قوى النفس الأمّارة وَ لا تَعْتَدُوا في قتالها بأن تميتوها عن قيامها بحقوقها و الوقوف على حدودها حتى تقع في التفريط و القصور و الفتور إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ‏ لكونهم خارجين عن ظلّ المحبة و الوحدة الذي هو العدالة.

 

 

 

 

[191- 193]

[سورة البقرة (2): الآيات 191 الى 193]

وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193)

وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ‏ وجدتموهم أزيلوا حياتهم و امنعوهم عن أفعالها بقمع هواها الذي هو روحها حيث كانوا وَ أَخْرِجُوهُمْ‏ من مكة الصدر عند استيلائها عليها كما أخرجوكم عنها باستنزالكم إلى بقعة النفس و إخراجكم عن مقرّ القلب.

و فتنتهم التي هي عبادة هواها و أصنام لذّاتها أشد من قمع هواها و إماتتها الكلية، أو محنتكم و ابتلاؤكم بها عند استيلائها أشدّ عليكم من القتل الذي هو طمس غرائزكم و محو استعدادكم بالكلية لزيادة الألم هناك‏ وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏ الذي هو مقام القلب، أي: عند الحضور القلبيّ إذا وافقوكم في توجهكم فإنها أعوانكم على السلوك حينئذ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ‏ و ينازعوكم في مطالبهم و يجرّوكم عن جناب القلب و دين الحق إلى مقام النفس و دينهم الذي هو عبادة العجل‏ وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ من تنازعهم و دواعيهم و تعبدهم‏ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ‏ بتوجه جميعها إلى جناب القدس و مشايعتها للسرّ في التوجه إلى الحق، ليس للشيطان و الهوى فيه نصيب‏ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ‏ عليهم إلا العادين المجاوزين عن حدودهم.

 

 

 

 

[194]

[سورة البقرة (2): آية 194]

الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)

الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ‏ أي: وقت منعها إياكم عن مقصدكم و دينكم هو بعينه وقت منعكم إياها عن عقوقها حتى ترضى بالوقوف على حدودها، و شهرها الحرام هو وقت قيامها بحقوقها، و شهركم الحرام هو وقت الحضور و المراقبة.

 

 

 

 

[195]

[سورة البقرة (2): آية 195]

وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)

وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ ما معكم من العلوم بالعمل بها و لا تدّخروها لوقت آخر عسى لا تدركونه فلا شي‏ء أضرّ من التسويف‏ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى‏ تهلكة التفريط و تأخير العمل بالعلم و إنفاقه في مصالح النفس فإنه موجب للحرمان‏ وَ أَحْسِنُوا أي: و كونوا في عملكم مشاهدين‏ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏ المشاهدين في أعمالهم ربّهم، مخلصين له فيها.

 

 

 

[196]

[سورة البقرة (2): آية 196]

وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196)

وَ أَتِمُّوا حجّ توحيد الذات و عمرة توحيد الصفات بإتمام جميع المقامات و الأحوال، بالسلوك إلى اللّه و في اللّه، فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ‏ بمنع كفار النفس الأمّارة إياكم عنهما فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ‏ فجاهدوا في اللّه بسوق هدى النفس و ذبحها بفناء كعبة القلب أو عرصة ما تمنى‏ منها القلب من المقام. و ما استيسر إشارة إلى أنّ النفوس مختلفة في استعداداتها و صفاتها، فبعضها موصوف بصفات حيوان ضعيف، و بعضها بصفات حيوان قوي. و لكلّ ما تيسر أو بعضها بصفات حيوان ذلول سهل الانقياد، و بعضها بصفات حيوان صعب عسر الانقياد، و ربما كان لبعضها صفة لم يتيسر قمعها و إن تيسر قمع سائر صفاتها. و مثل هذا الحاج محصر أبدا.

وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ‏ و لا تزيلوا آثار الطبيعة و تختاروا طيب القلب و فراغ الخاطر من الهموم و التعلقات كلها، و العادات و العبادات و تقتصروا على صفاء الوقت كما هو مذهب القلندرية حَتَّى يَبْلُغَ‏ هدي النفس‏ مَحِلَّهُ‏ أي: مكانه، و هو مذبحه أو منحره الذي يقتضي أن تكون أفعالها التي كانت محرّمة عند حياتها بهواها تصير حلا عند قتلها لكونها بالقلب فتأمنوا من بقاياها، و إلّا لتشوّش وقتكم و تكدّر صفاؤكم بظهورها و نشاطها بالدعوى عند بسط القلب كما هو حال أكثر القلندرية اليوم.

فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أي: ضعيف الاستعداد مملوء القلب بعوارض لازمة في جبلتها أو مكتسبة من العادات‏ أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ‏ أو ممنوعا مبتلى بهموم و تعلّقات و رذائل و هيئات، و لم يتيسر له السلوك و المجاهدة على ما ينبغي و أراد أن يقتصر على طيب القلب و صفاء الوقت ليبقى على الفطرة و لا ينتكس و ينحط عن درجته و إن لم يترق. فعليه فدية من إمساك عن بعض لذاته و شواغله النفسانية.

أو فعل برّ أو رياضة و مجاهدة تقمع بعض القوى المزاحمة، فليحفظ وقته و ليراع صفاءه بزهد ما أو عبادة أو مخالفة نفس‏ فَإِذا أَمِنْتُمْ‏ من العدوّ المحصر فَمَنْ تَمَتَّعَ‏ بذوق تجلي الصفات متوسلا به إلى حج تجلي الذات‏ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ‏ بحسب حاله‏ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ لضعف نفسه و خمودها و انقهارها فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ‏ فعليه الإمساك عن أفعال القوى التي هي الأصول القوية في وقت التجلي و الاستغراق في الجمع و الفناء في الوحدة فإنها لا بدّ من أن تحجب و تجرّ إلى حضيض النفس و الصدر، و هي العقل و الوهم و المتخيلة وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ‏ إلى مقام التفصيل و الكثرة و هي الحواس الخمس الظاهرة و الغضب و الشهوة ليكون عند الاستقامة في الأشياء باللّه‏ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ فذلكة، أي: تلك الإمساكات المذكورة عن أفعال هذه القوى و المشاعر جميع التفاصيل الكاملة الموجبة لأفاعيل قوى وجوده الموهوب بالحق عند حصول الكمال، كما

قال‏: «كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به»إلى آخر الحديث. ذلِكَ‏ الحكم‏ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏ من المحبوبين الكاملين الحاضري مقام القلب في الوحدة، فإنه لا هدى له و لا مجاهدة و لا رياضة في وصوله و سلوكه إلى اللّه، بل هو للمحبين.

 

 

 

 

[197]

[سورة البقرة (2): آية 197]

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏ وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197)

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ‏ أي: وقت الحج أزمنة معلومة، و هو من وقت بلوغ الحلم إلى الأربعين، كما قال تعالى في وصف البقرة: لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ‏[4]، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَ‏ على نفسه بالعزيمة و التزم‏ فَلا رَفَثَ‏ أي: فاحشة ظهور القوة الشهوانية وَ لا فُسُوقَ‏ أي لأسباب يعني خروج القوّة الغضبية عن طاعة القلب‏ وَ لا جِدالَ‏ أي: تعدّي القوة النطقية بالشيطنة فِي الْحَجِ‏ أي: في قصد بيت القلب‏ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ من فضيلة من أفعال هذه القوى الثلاث بأمر الشرع و العقل دون رذائلها يَعْلَمْهُ اللَّهُ‏ و يثبكم عليه‏ وَ تَزَوَّدُوا من فضائلها التي يلزمها الاجتناب عن رذائلها فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏ منها وَ اتَّقُونِ‏ في أعمالكم و نياتكم‏ يا أُولِي الْأَلْبابِ‏ فإن قضية اللبّ أي: العقل الخالص من شوب الوهم و قشر المادة اتقائي.

 

 

 

 

[198]

[سورة البقرة (2): آية 198]

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ‏ أي: لا حرج عليكم عند الرجوع إلى الكثرة في أن تطلبوا رفقا لأنفسكم و تمتعوها بحظوظها على مقتضى الشرع بإذن الحق، فإنّ حظها حينئذ يقويها على موافقة القلب في مقاصده و لأنها غير طاغية لتنوّرها بنور الحق‏ فَإِذا أَفَضْتُمْ‏ أي: دفعتم أنفسكم من مقام المعرفة التامة الذي هو نهاية مناسك الحج و أمّها كما قال النبي صلى اللّه عليه و سلم‏: «الحجّ عرفة».

فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ‏ أي: شاهدوا جمال اللّه عند السرّ الروحيّ المسمّى بالخفيّ، فإنّ الذكر في هذا المقام هو المشاهدة، و المشعر هو محل الشعور بالجمال المحرّم من أن يصل إليه الغير وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ‏ إلى ذكره في المراتب فإنه تعالى هدى أولا إلى الذكر باللسان و هو ذكر النفس ثم إلى الذكر بالقلب و هو ذكر الأفعال الذي تصدر نعماء اللّه و آلاؤه منه. ثم ذكر السرّ و هو معاينة الأفعال و مكاشفة علوم تجليات الصفات. ثم ذكر الروح و هو مشاهدة أنوار تجليات الصفات مع ملاحظة نور الذات.

ثم ذكر الخفيّ و هو مشاهدة جمال الذات مع بقاء الإثنينية. ثم ذكر الذات و هو الشهود الذاتي بارتفاع البقية وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ‏ أي: من قبل الوصول إلى عرفات المعرفة و الوقوف بها لَمِنَ الضَّالِّينَ‏ عن هذه الأذكار.

 

 

 

 

 

[199]

[سورة البقرة (2): آية 199]

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ‏ ثم أفيضوا إلى ظواهر العبادات و الطاعات و سائر وظائف الشرعيات و المعاملات من حيث، أي: من مقام إفاضة سائر الناس فيها، و كونوا كأحدهم. قيل لجنيد رحمة اللّه عليه: ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية. وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ‏ من ظهور النفس و تبرمها بالحال و طغيانها.

قال النبي صلى اللّه عليه و سلم‏: «إنه ليغان على قلبي، و أني لأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرة». و قال صلى اللّه عليه و سلم‏: «اللهم ثبتني على دينك»، فقيل له في ذلك‏ فقال صلى اللّه عليه و سلم‏: «أو ما يؤمنني، إنّ مثل القلب كمثل ريشة في فلاة، تقلّبها الرياح كيف شاءت».

و لما تورّمت قدماه‏ فقالت له عائشة رضي اللّه عنها: أما غفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال صلى اللّه عليه و سلم: «أفلا أكون عبدا شكورا». و قال أمير المؤمنين عليه السلام‏: «أعوذ باللّه من الضلال بعد الهدى».

 

 

 

 

 

 [200]

[سورة البقرة (2): آية 200]

فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200)

فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ‏ و فرغتم من الحجّ‏ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً أي: فلا تكونوا كأهل العادة مشغولين بذكر الأنساب و المفاخرات و سائر أحوال الدنيا، فإنّ ذلك يكدّر وقتكم و يقسي قلوبكم بل كونوا مشتغلين بأنواع الذكر و المذاكرة مع الإخوان مثل ما كنتم تذكرون أحوال الأنساب و سائر أحوال الدنيا قبل السلوك أو كما يذكر الناس هذه الأحوال بالعادة أو أبلغ و أقوى و أكثر ذكرا منها ليبقى صفاؤكم و يهتدي بكم الناس‏ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا أي: لا يطلب إلا متاع الدنيا و لا يشتغل إلا بذكرها و لا يعبد اللّه إلا لأجلها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ‏ فإنّ توجهه إلى الأخس يمنعه عن قبول الأشرف لعدم نهوض همّته إليه و اكتساب الظلمة المنافية للنور.

 

 

 

 

[201]

[سورة البقرة (2): آية 201]

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ (201)

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا أي: يطلب خير كل من الدارين و يحترز عن الاحتجاب بالظلمة و التعذب بنيران الطبيعة و الحرمان عن أنوار الرحمة أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا من حظوظ الآخرة و أنوار دار القرار و اللذات الباقية بالأعمال الصالحة بعد المحاسبة و حط بعض الحسنات بالسيئات و التعذيب بحسبها أو العفو.

 

 

 

 

 

[202- 203]

[سورة البقرة (2): الآيات 202 الى 203]

أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202)

وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى‏ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)

وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ‏ أي: مراتب معدودة بعد الفراغ من الحجّ، و هو مرتبة الروح و القلب و النفس، لأن الواصل إذا رجع، رجع إلى هذه المراتب و عليه في المراتب الثلاث أن يكون باللّه فذلك ذكره‏ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏ أي: فمن تعجّل إلى حظوظه في مرتبة الروح و القلب فلا إثم عليه إذ الروح و القلب و حظوظهما لا يحجبان و لا يضران. و معنى التعجل هو أن الحركة إذا كانت باللّه كانت أسرع و لا يكون معها لبث و لا وقوف ريثما يظهر القلب أو الروح و يصير حجابا نوريا كما يكون لأصحاب التلوين‏ وَ مَنْ تَأَخَّرَ إلى الثالث الذي هو مرتبة النفس‏ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى‏ أي: ذلك الحكم لمن اتقى أن يكون مع حظوظ النفس بالنفس، فإنّ النفس ألزم لحظها من صاحبيها و حظها أغلظ و أبعد من النور من حظوظهما و سريعا ما تظهر للزوم الطيش و الحركة إياها بخلاف صاحبيها و حظها أيضا كثيرا ما يحجب، و إذا حجب كان حجابه غليظا ظلمانيا فالاحتراز هناك و الاحتياط واجب و أولى من الباقيين لأنهما إن ظهرا رقّ حجابهما و سهل زواله، أو ذلك التخيير لمن اتقى في المراتب الثلاث. وَ اتَّقُوا اللَّهَ‏ في المواطن الثلاثة من ظهور الأنانية و الآنية حتى تكونوا في الحظوظ به لا بالنفس و لا بالقلب و لا بالروح‏ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏ أي: أنكم محشورون معه تحشرون من اسم إلى اسم حاضرون بحضرته فأنتم على خطر عظيم بخلاف سائر الناس كما ورد في الحديث‏: «المخلصون على خطر عظيم». و عن النبي صلى اللّه عليه و سلم عن اللّه تعالى‏: «بشر المذنبين بأني غفور و أنذر الصدّيقين بأني غفور».

 

 

 

 

 

 [204- 205]

[سورة البقرة (2): الآيات 204 الى 205]

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى‏ ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204)

وَ إِذا تَوَلَّى سَعى‏ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205)

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ‏ أي: يدّعي المحبّة و هو ألدّ الخصام لكونه في مقام النفس زنديقا، و لهذا قال: قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إذ ليس له قول في الآخرة بالقلب‏ وَ إِذا تَوَلَّى سَعى‏ فِي الْأَرْضِ‏ لإباحته و تزندقه كما ترى عليه أكثر مدّعي المحبة و التوحيد وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ أي: هو مفسد و يدّعي محبة اللّه. و كيف تتأتى له و المحبّ لا يفعل إلا ما يحبّ محبوبه، و اللّه لا يحبّ ما يفعله فلا يكون صادقا في دعواه، كما قال الشاعر:

تعصي الإله و أنت تظهر حبه‏ هذا قبيح بالفعال بديع‏
لو كان حبك صادقا لأطعته‏ إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع‏

 

 

 

 

[206- 208]

[سورة البقرة (2): الآيات 206 الى 208]

وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ (206)

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)

وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ‏ أي: حملته الحمية النفسانية حمية الجاهلية على الإثم لجاجا و أشرا لظهور نفسه حينئذ و زعمه أنه أعلم بما يفعل من ناصحه‏ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ‏ أي: غايته عمق حضيض رتبته التي هو فيها و ظلمتها، فإنّ جهنم معناه: مهوى بعيد العمق مظلمة يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ‏ يبذل نفسه في سلوك سبيل اللّه طلبا لرضاه‏ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ‏ أي: في الاستسلام و تسليم الوجوه للّه، إذ معاداة القوى بعضها بعضا، و عدم موافقتها في التسليم لأمر اللّه دليل تتبع الشيطان، و هو يريد أن تستحقوا قهر اللّه بارتكاب الإسرافات المذمومة لعداوته الغريزية لكم لاختلاف جبلته و جبلتكم، و قصوره عن نور فطرتكم، لكونه ناريّ الخلقة لا يطلب منكم إلا أن تكونوا ناريين مثله لا نورانيين. فهو عدوّ في الحقيقة في صورة المحبّ.

 

 

 

 

[209]

[سورة البقرة (2): آية 209]

فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)

فَإِنْ زَلَلْتُمْ‏ عن مقام التسليم لأمر اللّه‏ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ‏ دلائل تجليات الأفعال و الصفات‏ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب يقهركم‏ حَكِيمٌ‏ لا يقهر إلا على مقتضى الحكمة، و الحكمة تقتضي قهر المخالف المنازع، ليعتبر المطيع الموافق و يزيد في الطاعة.

 

 

 

 

 

[210- 212]

[سورة البقرة (2): الآيات 210 الى 212]

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)

سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211)

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212)

هَلْ يَنْظُرُونَ‏ أي: هل ينتظرون‏ إِلَّا أَنْ‏ يتجلى‏ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ‏ صفات الهوية من جملة تجلّيات الصفات و صور ملائكة القوى السماوية. و قضى في اللوح أمر إهلاكهم‏ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ فيقابل كل امرئ بجزائه أو تزهق إليه بالفناء.

 

 

 

 

 

[213]

[سورة البقرة (2): آية 213]

كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)

 

كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً أي: على الفطرة و دين الحق، كما قال صلى اللّه عليه و سلم‏: «كلّ مولود يولد على الفطرة»، و هو في عهد الفطرة الأولى على الحقيقة، أو في زمن الطفولة، أو في عهد آدم عليه السلام‏ كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ثم اختلفوا في النشأة بحسب اختلاف طبائعهم و غلبة صفات نفوسهم، و تفرّق أهوائهم.

فإن تضادّ أصول بنيتهم و مراكز أبدانهم باختلاف البقاع و الأهوية، اقتضى ذلك و كذا ما في طباعهم من جذب النفع الخاص و دفع الضرّ الخاص لاحتجاب كل بمادة بدنه و اقتضاء الحكمة الإلهية ذلك لمصلحة النشو و النماء يقتضي التعادي و التخالف‏ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ‏ ليدعوهم من الخلاف إلى الوفاق، و من الكثرة إلى الوحدة، و من العداوة إلى المحبة، فتفرّقوا و تحزبوا عليهم و تميزوا، فأمّا السفليون الذين رسخت في طباعهم محبة الباطل و غلب على قلوبهم الرين و طبع عليها و عميت و زال استعدادهم بغلبة هواهم، فازدادوا خلافا و عنادا، فكأنهم ما اختلفوا إلا عند بعثهم و إتيانهم بالكتاب الذي هو سبب ظهور الحق و الوفاق حسدا بينهم، ناشئا من عند أنفسهم، و غلبة هواهم و احتجابهم.

و أمّا العلويون الذين بقوا على الصفاء الأصليّ و الاستعداد الأول فهداهم اللّه إلى الحق الذي اختلفوا فيه و زال خلافهم و سلكوا الصراط المستقيم.

 

 

 

 

[214- 215]

[سورة البقرة (2): الآيات 214 الى 215]

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى‏ نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)

يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا جنّة تجلّي الجمال‏ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ‏ حال‏ الَّذِينَ‏ مضوا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ‏ بأساء الترك و التجريد و الفقر و الافتقار، و ضرّاء المجاهدة و الرياضة و كسر النفس بالعبادة وَ زُلْزِلُوا بدواعي الشوق و المحبة عن مقارّ نفوسهم ليظهروا ما في استعدادهم بالقوّة حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى‏ نَصْرُ اللَّهِ‏ أي: حتى تضجروا من طول مدّة الحجاب، و كثرة الجهاد من الفراق، و عيل صبرهم عن مشاهدة الجمال، و ذوق الوصال، و طلبوا نصر اللّه بالتجلي على قمع صفات النفوس مع قوة مصابرتهم، و حسن تحملهم، لما يفعل المحبوب و يريد بهم من ابتلائهم بالهجران، و إذاقتهم طعم الفرقة لاشتداد قوة المحبة، فكيف بغيرهم؟ فأجيبوا إذا بلغ جهدهم و نفدت طاقتهم و قيل لهم‏ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ‏ أي: رفع الحجاب و ظهرت آثار الجمال.

 

 

 

 

[216]

[سورة البقرة (2): آية 216]

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216)

كُتِبَ عَلَيْكُمُ‏ قتال النفس و الشيطان و هو مكروه لكم أمرّ من طعم العلقم، و أشدّ من ضغم الضيغم‏ وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ‏ لاحتجابكم بهوى النفس و حب اللذّة العاجلة عما في ضمنه من الخير الكثير، و اللذّة العظيمة الروحانية التي تستحقر تلك الشدّة السريعة، الانقضاء بالقياس إلى ذلك الخير الباقي، و اللذّة السرمدية و كذا عكسه‏ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ‏ ما في الأمور من الخير و الشرّ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ ذلك لاحتجابكم بالعاجل عن الآجل، و بالظاهر عن الباطن.

 

 

 

 

[217]

[سورة البقرة (2): آية 217]

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَ لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217)

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ‏ يسألونك عن جهاد النفس و أعوانها، و الشيطان و جنوده في وقت التوجه و السلوك إلى الحق و جمعية الباطن الحرام فيه حركة السرّ قُلْ‏ الجهاد في ذلك الوقت أمر عظيم شاق، و صرف وجوهكم عن سبيل اللّه، و مقام السر، و محل الحضور احتجاب عن الحق، و إخراج أهل القلب الذين هم القوى الروحانية عن مقارّهم أعظم و أكبر عند اللّه، و فتنة الشرك و الكفر و بلاؤهما عليكم أشدّ من قتلكم إياهم بسيف الرياضة.

و لا تزال تلك القوى النفسانية و الأهواء الشيطانية يقاتلونكم بذبكم عن دينكم و مقصدكم، و دعوتكم إلى دين الهوى و الشيطان‏ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ‏ باتباعهم‏ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ‏ التي عملوها في الاستسلام و الانقياد وَ أُولئِكَ أَصْحابُ‏ نار الحجاب و التعذيب‏ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏.

 

 

 

 

[218]

[سورة البقرة (2): آية 218]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يقينا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا أوطان النفس و مألوفات الهوى‏ وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ و جنود الشيطان و النفس الأمّارة أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ‏ تجليات الصفات و أنوار المشاهدة.

 

 

 

 

 

[219- 242]

[سورة البقرة (2): الآيات 219 الى 242]

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)

فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى‏ قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)

وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَ لا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَ يُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)

نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)

وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224)

لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)

لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226)

وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)

وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)

الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)

فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)

وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَ لا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَ الْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (231)

وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى‏ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232)

وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)

وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)

وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)

لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)

وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)

حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى‏ وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (238)

فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)

وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)

وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)

كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)

يَسْئَلُونَكَ عَنِ‏ خمر الهوى و حبّ الدنيا و ميسر احتيال النفس في جذب الحظ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ‏ الحجاب و البعد وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ‏ في باب المعاش و تحصيل اللذّة النفسانية، و الفرح بالذهول عن الهيئات الرديئة المشوّشة و الهموم المكدّرة.

 

 

 

 

[243]

[سورة البقرة (2): آية 243]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243)

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ‏ أي: أوطانهم المألوفة و مقارّ نفوسهم المعهودة و مقاماتهم و مراتبهم من الدنيا و ما ركنوا إليها بدواعي الهوى، و هم قوم كثير حَذَرَ الْمَوْتِ‏ الجهل و الانقطاع عن الحياة الحقيقية و الوقوع في المهاوي الطبيعية فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا أي:

أمرهم بالموت الإرادي، أو أماتهم عن ذواتهم بالتجلي الذاتي، حتى فنوا في الوحدة ثُمَّ أَحْياهُمْ‏ بالحياة الحقيقية العلمية، أو به بالوجود الموهوب الحقاني، و البقاء بعد الفناء. و لا يبعد أن يريد به ما أراد من قصة عزير، أي: خرجوا هاربين من الموت الطبيعي فأماتهم اللّه ثم أحياهم بتعلق أرواحهم بأبدان من جنس أبدانهم ليحصلوا بها كمالهم.

 

 

 

 

[244- 245]

[سورة البقرة (2): الآيات 244 الى 245]

وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)

وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ النفس و الشيطان على الأول و الثاني. و على الثالث لا تخافوا من الموت في مقاتلة الأعداء، فإن الهرب منه لا ينفع كما لم ينفع أولئك. و اللّه يحييكم كما أحياهم‏ قَرْضاً حَسَناً هو بذل النفس بالجهاد، أو بذل المال بالإيثار وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ أي: هو مع معاملتكم في القبض و البسط، فإنكم بأوصافكم تستنزلون أوصافه. إن تبخلوا بما في أيديكم يضيّق عليكم و يقتر، و إن تجودوا يوسع عليكم بحسب جودكم كما

ورد في الحديث‏: «تنزل المعونة على قدر المؤونة».

 

 

 

 [246- 254]

[سورة البقرة (2): الآيات 246 الى 254]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى‏ إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَ ما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَ أَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)

وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (247)

وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى‏ وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)

فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)

وَ لَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250)

فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251)

تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شَفاعَةٌ وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)

طالُوتَ‏ كان رجلا فقيرا، لا نسب له، و لا مال، فما قبلوه للملك. لأن استحقاق الملك و الرياسة عند العامة إنما هو بالسعادة الخارجية التي هي المال و النسب، فنبّه نبيهم على أن الاستحقاق إنما يكون بالسعادتين الأخريين: الروحانية التي هي العلم. و البدنية: التي هي زيادة القوى و شدّة البنية و البسطة، بقوله: وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ‏ و اللّه أعلم بمن‏ يستحق الملك فيؤتيه‏ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ‏ كثير العطاء، يؤتي المال كما يؤتي الملك‏ عَلِيمٌ‏ بمن له الاستحقاق و ما يحتاج إليه من المال الذي يعتضد به، فيعطيه. ثم بيّن أن استحقاق الملك له علامة أخرى و هي: إذعان الخلق له، و وقوع هيبته و وقاره في القلوب، و سكون قلوبهم إليه، و محبتهم له، و قبولهم لأمره على الطاعة و الانقياد. و هو الذي كان يسميه الأعاجم من قدماء الفرس «خوره».

و ما يختص بالملوك كيان خوره، ثم من بعدهم سموه «فر» فقالوا: كان فر للملك في أفريدون، و ذهب عن كيكاؤوس فر الملك، فطلبوا من له الفر، فوجدوا للملك المبارك كيخسرو و سمّاه «التابوت» أي: ما يرجع إليه من الأمور. لأنّ التابوت فعلوت من التوب، أي: يأتيكم من جهته ما يرجع في ثبوت ملكه من الإذعان و الطاعة و الانقياد و المحبة له بإلقاء اللّه له ذلك في قلوبكم، كما قال النبي صلى اللّه عليه و سلم‏: «نصرت بالرعب مسيرة شهر».

أو ما يرجع إليه من الحالة النفسانية، و الهيئة الشاهدة له على صحة ملكه‏ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ‏ أي: ما تسكن قلوبكم إليه‏ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى‏ وَ آلُ هارُونَ‏ في أولادهم من المعنى المسمّى «فر» و هو نور ملكوتيّ تستضي‏ء به النفس باتصالها بالملكوت السماوية، و استفاضتها ذلك من عالم القدرة مستلزم لحصول علم السياسة و تدبير الملك و الحكمة المزيّنة لها تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ أي: ينزل إليكم بتوسط الملائكة السماوية. و يمكن أنه كان صندوقا فيه طلسم من باب نصرة الجيش و غيره من الطلسمات التي تذكر أنها للملك على ما يرى من أنه كان فيه صورة لها رأس كرأس الآدمي و الهرّ، و ذنب كذنبه كالذي كان في عهد أفريدون المسمى «درفش كاويان».

إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ هو منهل الطبيعة الجسمانية فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي‏ أي:

من كرع فيه مفرطا في الريّ منه. لأنّ أهل الطبيعة و عبدة الشهوات أذلّ و أعجز خلق اللّه، لا قوّة لهم بقتال جالوت النفس الأمّارة، و لا بجالوت عدّو الدين، إذ لا حمية لهم و لا تشدّد إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ‏ أي: إلا من اقتنع منه بقدر الضرورة و الاحتياج من غير حرص و انهماك فيه‏ فَشَرِبُوا مِنْهُ‏ أي: كرعوا فيه و انهمكوا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ‏ إذ المتنزهون عن الأقذار الطبيعية، المتقدّسون عن ملابسها، المتجرّدون عن غواشيها قليلون بالنسبة إلى من عداهم. قال اللّه تعالى: وَ قَلِيلٌ ما هُمْ‏[1]، وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ[2] و هم الذين آمنوا معه من أهل اليقين الذين كانوا يعلمون بنور يقينهم أن الغلبة ليست بالكثرة، بل بالنصرة الإلهية، فصبروا على ما عاينوا بقوّة يقينهم، فظفروا.

و قلّ من جدّ في أمر يطالبه‏ و استصحب الصبر إلا فاز بالظفر

 

 

 

 

[255]

[سورة البقرة (2): آية 255]

اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ في الوجود، فكلّ ما عبد دونه لم تقع العبادة إلا له، علم أو لم يعلم، إذ لا معبود و لا موجود سواه‏ الْحَيُ‏ الذي حياته عين ذاته، و كلّ ما هو حيّ لم يحيى إلا بحياته‏ الْقَيُّومُ‏ الذي يقوم بنفسه و يقوم كلّ ما يقوم به. فلو لا قيامه ما قام شي‏ء في الوجود لا تَأْخُذُهُ‏ غفوة و نعاس، كما يعتري الأحياء من غير قصدهم. فإنّ ذلك لا يكون إلا لمن حياته عارضة، فتغلبه الطبيعة بالحالة الذاتية طلبا للهدوء و الراحة و الإبدال عن تحليل اليقظة.

فأمّا من حياته عين ذاته، فلا يمكن له ذلك. و بين كون حياته غير عارضة بقوله‏ وَ لا نَوْمٌ‏ فإنّ النوم ينافي كون الحياة ذاتية، لأنه أشبه شي‏ء بالموت. و لهذا قيل: النوم أخو الموت. و من لا نوم له لذاته، لمنافاة كون الحياة غير ذاته، فلا سنة له، إذ السنة من مقدّماته و آثاره كما تقول: ليس له ضحك و لا تعجب، و قوله: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ‏ بيان لقيوميته‏ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏ نواصيهم بيده، يفعل بهم ما يشاء. مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ‏ إذ كلهم له و به يتكلم من يتكلم به و بكلامه، فكيف يتكلم بغير إذنه و إرادته‏ يَعْلَمُ‏ ما قبلهم و ما بعدهم، فكيف بهم و بحالهم. أي: علمه شامل للأزمنة و الأشخاص و الأحوال كلها، فيعلم المستحق للشفاعة، و غير المستحق لها وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ أي: بما اقتضت مشيئته أن يعلمهم، فعلم كلّ ذي علم شي‏ء من علمه ظهر على ذلك المظهر، كما قالت الملائكة: لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا[3].

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ أي: علمه، إذ الكرسيّ مكان العلم الذي هو القلب. كما قال أبو يزيد البسطامي رحمة اللّه عليه: لو وقع العالم و ما فيه ألف ألف مرّة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ به لغاية سعته. و لهذا قال الحسن: كرسيه: عرشه، مأخوذ من‏ قوله عليه السلام‏: «قلب المؤمن من عرش اللّه». و الكرسي في اللغة: عرش صغير لا يفضل عن مقعد القاعد، شبه القلب به تصويرا و تخييلا لعظمته وسعته. و أما العرش المجيد الأكبر فهو الروح الأول و صورتهما و مثالهما في الشاهد الفلك الأعظم، و الثامن المحيط بالسموات السبع و ما فيهنّ‏ وَ لا يَؤُدُهُ‏ أي: و لا يثقله‏ حِفْظُهُما لأنهما غير موجودين بدونه ليثقله حملهما، بل العالم المعنوي كله باطنه و الصوريّ ظاهره، فلا وجود لهما إلا به و ليس‏ غيره. وَ هُوَ الْعَلِيُ‏ الشأن الذي لا يعلوه شي‏ء و هو يعلو كل شي‏ء، و يقهره بالفناء الْعَظِيمُ‏ الذي لا يتصوّر كنه عظمته، و كل عظمة تتصور لشي‏ء فهي رشحة من عظمته، و كل عظيم فبنصيب من عظمته و حصة منها عظيمة. فالعظمة مطلقا له دون غيره، بل كلها له، ليس لغيره فيها نصيب. و هي أعظم آية في القرآن لعظم مدلولها.

 

 

 

 

[256]

[سورة البقرة (2): آية 256]

لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ لا انْفِصامَ لَها وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)

لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ‏ لأن الدين في الحقيقة هو الهدى المستفاد من النور القلبي، اللازم للفطرة الإنسانية، المستلزم للإيمان اليقيني. كما قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[4]، و الإسلام الذي هو ظاهر الدين مبتن عليه و هو أمر لا مدخل للإكراه فيه. و الدليل على أنّ باطن الدين و حقيقته الإيمان كما أن ظاهره و صورته الإسلام ما بعده‏ قَدْ تَبَيَّنَ‏ أي تميز الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ‏ بالدلائل الواضحة لمن له بصيرة و عقل، كما قيل: قد أضاء الصبح لذي عينين.

فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ‏ أي: ما سوى اللّه و ينفي وجوده و تأثيره‏ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ‏ إيمانا شهوديا حقيقيا فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ أي: تمسك بالوحدة الذاتية التي وثوقها و إحكامها بنفسها، فلا شي‏ء أوثق منها، إذ كلّ وثيق بها موثوق، بل كل وجود بها موجود و بنفسه معدوم، فإذا اعتبر وجوده فله انفصام في نفسه لأن الممكن وثاقته و وجوده بالواجب، فإذا قطع النظر عنه فقد انقطع وجود ذلك الممكن و لم يكن في نفسه شيئا.

و لا يمكن انفصامه عن وجود عين ذاته، إذ ليس فيه تجزؤ و اثنينية، و في الانفصام لطيفة و هو أنه انكسار بلا انفصال. و لما لم ينفصل شي‏ء من الممكنات من ذاته تعالى، و لم يخرج منه، لأنه إما فعله و إما صفته، فلا انفصال قطعا، بل إذا اعتبره العقل بانفراده كان منفصما، أي: منقطع الوجود متعلقا وجوده بوجوده تعالى‏ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ‏ يسمع قول ذوي دين‏ عَلِيمٌ‏ بنياتهم و إيمانهم.

 

 

 

 

[257]

[سورة البقرة (2): آية 257]

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (257)

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا متولي أمورهم و محبتهم‏ يُخْرِجُهُمْ‏ من ظلمات صفات النفس و شبه الخيال و الوهم، إلى نور اليقين و الهدى و فضاء عالم الروح‏ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ‏ ما يعبدون من دون اللّه‏ يُخْرِجُونَهُمْ‏ من نور الاستعداد و الهداية الفطرية إلى ظلمات صفات النفس و الشكوك و الشبهات.

 

 

 

 

[258- 260]

[سورة البقرة (2): الآيات 258 الى 260]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى‏ طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلى‏ حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (259)

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ قَرْيَةٍ أي: أ رأيت مثل الذي مرّ على قرية باد أهلها، و سقطت سقوفها، و خرّت جدرانها عليها، فتعجب من إحيائها لكونه طالبا سالكا لم يصل إلى مقام اليقين بعد، و لم يستعد لقبول نور تجلّي اسم المحيي- و المشهور أنه كان عزير- فَأَماتَهُ اللَّهُ‏ أي: فأبقاه على موت الجهل. كما قال: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ[5] على قول، و قال تعالى: وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ‏[6]. مِائَةَ عامٍ‏ يمكن أن يكون العام في عهدهم كان مبنيا على دور القمر، فيكون ثمانية أعوام و أربعة أشهر، و أن يكون مبنيا على فصول السنة فيكون خمسة و عشرين سنة، و أن تكون أعمارهم في ذلك الزمان كانت طويلة ثُمَّ بَعَثَهُ‏ بالحياة الحقيقية و طلب منه الوقوف على مدّة اللبث فما ظنها إلا يوما أو بعض يوم، استصغار المدة اللبث في موت الجهل المنقضية بالنسبة إلى الحياة الأبدية و لعدم شعوره بمرور المدة كالنائم الغافل عن الزمان و مروره.

ثم لما تفكّر نبّهه اللّه تعالى على طول مدة الجهل و موت الغفلة، بأنه مائة عام، أو أماته بالموت الإراديّ في إحدى المدد المذكورة، فتكون المدة زمان رياضته و سلوكه و مجاهدته في سبيل اللّه، أو أماته حتف أنفه بالموت الطبيعي فتعلق روحه ببدن آخر من جنسه لاكتساب الكمال إما بعد زمان و إما في الحال حتى مرّ عليه إحدى المدد الثلاث المذكورة، و هو لا يطّلع على حاله فيها، و لم يشعر بمبدئه و معاده و كان ميتا ثمّ بالحياة الحقيقية فاطلع بنور العلم على حاله و عرف مبدأه و معاده.

و قوله: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏ كقوله تعالى:وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ[7]، و قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (46)[8]، و قوله: وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ[9] كل ذلك لغفلتهم عن مرور الزمان و كذا مفارق أخا أو مصاحبا أو شيئا آخر إذا أدرك الوصال بعد طول مدة الفراق كأن تلك المدة حينئذ لم تكن، إذ لا يحس بها بعد مضيها و إن قاساها قبل الوصال‏ فَانْظُرْ إِلى‏ طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ‏ قيل: طعامه التين و العنب، و شرابه الخمر و اللبن.

فالتين إشارة إلى المدركات الكلية لكونه لبا كله، و كون الجزئيات فيها بالقوة، كالحبات التي في التين، و العنب إشارة إلى الجزئيات لبقاء اللواحق الماديّة معها في الإدراك كالثجير و العجم. و اللبن إشارة إلى العلم النافع كالشرائع. و الخمر إشارة إلى العشق و الإرادة و علوم المعارف و الحقائق. لم يتسنه أي: لم يتغير عما كان في الأزل بحسب الفطرة مودعا فيك، فإن العلوم مخزونة في كل نفس بحسب استعدادها، كما قال عليه السلام‏: «الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة». فإن حجبت بالموادّ و خفيت مدّة بالتقلّب في البرازخ و ظلماتها، لم تبطل و لم تتغير عن حالها.

حتى إذا رفع الحجاب بصفاء القلب ظهرت كما كانت، و لهذا قال عليه السلام‏: «الحكمة ضالّة المؤمن». وَ انْظُرْ إِلى‏ حِمارِكَ‏ أي: بدنك بحاله على الوجه الأول و الثاني، و كيف نخرت عظامه و بليت على الوجه الثالث‏ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ‏ أي: و لنجعلك دليلا للناس على البعث، بعثناك‏ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها أي: نرفعها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً على كلا الوجهين ظاهر، فإنه إذا بعث و علم حاله و تجرّده عن البدن علم تركيب بدنه برفع العظام و جمعها و كسوتها لحما فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ‏ ذلك البعث و النشور قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌوَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ أي: بلغني إلى مقام العيان من مقام العلم الإيقاني. و لهذا قرر إيمانه بهمزة الاستفهام التقريرية.

فقالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ‏ أي: أو لم تعلم ذلك يقينا؟، و أجاب إبراهيم عليه السلام بقوله: بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي‏ أي: ليسكن و تحصل طمأنينته بالمعاينة، فإنّ عين اليقين إنما يوجب الطمأنينة لا علمه‏ قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ أي: القوى الأربعة التي تمنعه عن مقام العيان و شهود الحياة الحقيقية. و قيل: كانت طاوسا و ديكا و غرابا و حمامة. و في رواية بطّة، فالطاوس هو العجب، و الديك الشهوة، و الغراب الحرص، و الحمامة حبّ الدنيا لتألفها و كرها و برجها. و الظاهر أنها بطة فتكون إشارة إلى الشره الغالب عليها فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ‏ أي:أملهنّ و اضممهنّ إليك بضبطها و منعها عن الخروج إلى طلب لذاتها و النزوع إلى مألوفاتها.

و قيل: أمر بأن يذبحها و ينتف ريشها و يخلط لحومها و دماءها بالدق و يحفظ رؤوسها عنده، أي: يمنعها عن أفعالها و يزيل هيئاتها عن النفس، و يقمع دواعيها و طبائعها و عاداتها بالرياضة، و يبقي أصولها فيه.

ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً أي: من الجبال التي بحضرتك، و هي العناصر الأربعة التي هي أركان بدنه، أي: اقمعها و أمتها حتى لا يبقى إلا أصولها المركوزة في وجودك و موادّها المعدّة في طبائع العناصر التي فيك. كانت الجبال سبعة، فعلى هذا يشير بها إلى الأعضاء السبعة التي هي أجزاء البدن‏ ثُمَّ ادْعُهُنَ‏ أي: أنها إذا أنت حييت بحياتها كانت غير طيعة مستولية عليك، وحشية ممتنعة عن قبول أمرك، فإذا قتلتها كنت حيا بالحياة الحقيقية الموهوبة بعد الفناء و المحو. فتصير هي حيّة بحياتك لا بحياتها، حياة النفس مطيعة لك منقادة لأمرك فإذ دعوتها يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب على قهر النفوس‏ حَكِيمٌ‏ لا يقهرها إلا بحكمة. و يمكن حمله على حشر الوحوش و الطيور، و على هذا فيكون جعل أجزائها على الجبال تغذية الجسم بها و دعاؤه و إتيانه إليه ساعية توجهها إلى الإنسان بعد النشور.

 

 

 

 

 

[261- 262]

[سورة البقرة (2): الآيات 261 الى 262]

مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (261)

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)

مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ ذكر سبحانه ثلاث إنفاقات و فاضل بينها في الجزاء، أولها: الإنفاق في سبيل اللّه و هو إنفاق في عالم الملك عن تجلي الأفعال يعطيه صاحبه ليثيبه اللّه تعالى، فأثابه سبعمائة أضعاف ما أعطى ثم زاد في الأضعاف إلى ما لا يتناهى بحسب المشيئة لأنّ يده تعالى أبسط و أطول من يده بما لا يتناهى.

وَ اللَّهُ واسِعٌ‏ كثير العطاء، لا يتقدّر بأعطيتنا عطاؤه‏ عَلِيمٌ‏ بنيّات المعطين و اعتقاداتهم أنه من فضل اللّه تعالى، فيثيبهم على حسب ذلك. و ثانيها: الإنفاق عن مقام مشاهدة الصفات على ما سيأتي، و هو الإنفاق لطلب رضاء اللّه كما أن الأولى هو الإنفاق لطلب عطاء اللّه. و ثالثها: الإنفاق باللّه، و هو عن مقام شهود الذات‏ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً‏ نبّه على أن الإنفاق يبطله المنّ و الأذى، لأن الإنفاق إنما يكون محمودا لثلاثة أوجه: كونه موافقا للأمر بالنسبة إلى اللّه تعالى، و كونه مزيلا لرذيلة البخل بالنسبة إلى نفس المنفق، و كونه نافعا مريحا بالنسبة إلى‏ المستحق.

فإذا منّ صاحبه فقد خالف أمر اللّه لأنه منهيّ و ظهرت نفسه بالاستطالة و الاعتداد بالنعمة و العجب و الاحتجاب بفعلها و رؤية النعمة منها لا من اللّه، و كلها رذائل أردأ من البخل، لازمة له، و لو لم يكن له إلا رؤية نفسه بالفضيلة لكفاه مبطلا. و أما الوجه الثالث الذي هو بالنسبة إلى المستحق، فيبطله الأذى المنافي للراحة و النفع و المن أيضا مبطل له لاقتضائه الترفع و إظهار الاصطناع و إثبات حق عليه.

ثم قال: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً‏ إذ القول الجميل، و إن كان بالردّ، يفرح قلبه، و يروّح روحه، و الصدقة إنما تنفع جسده و لا تفرّح القلب إلا بالتبعية و تصوّر النفع، فإذا قارن ما ينفع الجسد ما يؤذي الروح تكدّر النفع و تنغص، و لم يقع في مقابلة الفرح الحاصل من القول الجميل، و لو لم يكن مع التنغيص أيضا لأن الروحانيات أشرف و أحسن و أوقع في النفوس‏ وَ اللَّهُ غَنِيٌ‏ عن الصدقة المقرونة بالأذى، فيعطي المستحق من خزائن غيبه‏ حَلِيمٌ‏ لا يعاجل بالعقوبة.

 

 

 

 

[264- 265]

[سورة البقرة (2): الآيات 264 الى 265]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏ كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264) وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)

مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ‏ هذا هو القسم الثاني من الإنفاق. فضّله على الأول بتشبيهه بالجنة، فإن الجنة مع إيتاء أكلها تبقى بحالها بخلاف الحبة، فأشار بها أنه ملك لهم كأنه صفة ذاتية و لهذا قال: وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ أي: توطينا لها على الجود الذي هو صفة ربانية، و قوله: بِرَبْوَةٍ إشارة إلى ارتفاع رتبة هذا الإنفاق و ارتقائه عن درجة الأول‏ أَصابَها وابِلٌ‏ أي: حظ كثير من صفة الرحمة الرحمانية و مدد وافر من فيض جوده لأنها ملكة الاتصال باللّه تعالى بمناسبة الوصف و استعداد قبوله و الاتصاف به‏ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ‏ أي: حظ كثير، فحظ قليل‏ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ بأعمالكم يرى أنها من أيّ القبيل.

 

 

 

 

 

[266- 267]

[سورة البقرة (2): الآيات 266 الى 267]

أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَ أَصابَهُ الْكِبَرُ وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَ مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)

أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ‏ تمثيل لحال من عمل صالحا إنفاقا كان أو غيره متقرّبا به إلى اللّه مبتغيا رضاه، كما في هذا القسم من الإنفاق، ثم ظهرت نفسه فيه، و تحرّكت، فكانت حركاتها المتخالفة بحركة الروح و دواعيها المتفاوتة المضادّة لداعية القلب إعصارا، فافترض الشيطان حركتها و اتخذها مجالا له بالوسوسة، فنفث فيها رؤية عملها أو رياء فكان ذلك النفث نارا أحرقت عملها أحوج ما يكون إليه، كما قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام‏: «اللهم اغفر لي ما تقرّبت به إليك ثم خالفه قلبي».

أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ‏ أمر بالقسم الثالث من الإنفاق من طيبات ما كسبتم، إذ المختار باللّه يختار الأشرف من كل شي‏ء للمناسبة كما قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام‏:«إن اللّه جميل يحبّ الجمال» و من كان في إنفاقه بالنفس لا يقدر على إنفاق الأشرف لضنّ النفس و محبتها إياه، و استئثارها به عن تخصيصه باللّه، فما كان بالنفس ليس ببر أصلا لقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[10]، وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ‏ تخصونه بالإنفاق كعادة المنفقين بالنفس و الطبيعة وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ‏ لمحبتكم الأطيب من المال لأنفسكم لاختصاص محبتكم بالذات إياها، و لهذا لا تؤثرون اللّه بالمال عليها فتنفقوا أطيبه له‏ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌ‏ فاتصفوا بغناه فتستفيضوا به عن المال و محبته‏ حَمِيدٌ لا يفعل إلا الفعل المحمود، فاقتدوا به.

 

 

 

 

[268]

[سورة البقرة (2): آية 268]

الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَ اللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلاً وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (268)

الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ أي: الخصلة القبيحة التي هي البخل، فتعوّذوا منه باللّه، فإنه‏ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ‏ أي: سترا لصفات نفوسكم بنوره‏ وَ فَضْلًا و موهبة من مواهب صفاته لكم و تجلياتها كالغنى المطلق فلا يبقى فيكم خوف الفقر وَ اللَّهُ واسِعٌ‏ يسع ذواتكم و صفاتكم و عطاؤكم لا يضيق وعاء جوده بالعطاء و لا ينفد عطاياه‏ عَلِيمٌ‏ بمواقع تجلياته و استعدادها و استحقاقها.

 

 

 

 

[269]

[سورة البقرة (2): آية 269]

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ ما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (269)

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ لإخلاصه في الإنفاق و كونه فيه باللّه، فيعطيه حكمة الإنفاق لينفق من الحكمة الإلهية لكونه متصفا بصفاته‏ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً لأنها أخصّ صفات اللّه‏ وَ ما يَذَّكَّرُ أنّ الحكمة أشرف الأشياء و أخصّ الصفات‏ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ‏ الذين نوّر اللّه عقولهم بنور الهداية فصفاها عن شوائب الوهم و قشور الرسوم و العادات و هو النفس فجزاء الإنفاق الأول هو الإضعاف، و جزاء الثاني هو الجنّة الصفاتية المثمرة للإضعاف، و جزاء الثالث هو الحكمة اللازمة للوجود و الموهوب. فانظر كم بينها من التفاوت.

 

 

 

 

[270- 273]

[سورة البقرة (2): الآيات 270 الى 273]

وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (270)

إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)

لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَ ما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272)

لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)

وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ‏ من أيّ القبول هو، فيجازيكم بحسبه‏ وَ ما لِلظَّالِمِينَ‏ أي: المنفقين رئاء الناس، الواضعين الإنفاق في غير موضعه، أو الناقصين حقوقهم برؤية إنفاقهم أو ضم المنّ و الأذى إليه أو بالإنفاق من الخبيث‏ مِنْ أَنْصارٍ يحفظونهم من بأس اللّه‏ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ‏ لبعدها عن الرياء و كونها أقرب إلى الإخلاص‏ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ‏ إلى الإنفاقات الثلاثة المذكورة المبرّأة عن المنّ و الأذى و الرياء و رؤية الإنفاق و كونه من الخبيث أي: لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إنما عليك تبليغ الهداية وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ‏ فلم تمنون به على الناس و تؤذونهم‏ وَ ما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ‏ فما لكم تستطيلون به على الناس؟ و كيف تراءون فيه؟ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ‏ ليس لغيركم فيه نصيب، فلا تنفقوا إلا على أنفسكم في الحقيقة، لا على غيركم فلا ينقص به شي‏ء منكم، فما لكم تقصدون الخبيث بالإنفاق منه فثلاثتها مصروفة إلى الأقسام الثلاثة المذكورة من الإنفاق للتحذير عن آفاتها بتصوير غاياتها لِلْفُقَراءِ أي:

اقصدوا بصدقاتكم الفقراء الَّذِينَ‏ أحصرهم المجاهدة فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ‏ للتجارة و الكسب لاشتغالهم باللّه و استغراقهم في الأحوال و صرف أوقاتهم في العبادات. يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ‏ عن السؤال و الاستغناء عن الناس‏ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ‏ من صفرة وجوههم، و نور جباههم، و هيئة سحناتهم، أنهم عرفاء فقراء، أهل اللّه،لا يعرفهم إلا اللّه و من هو منهم‏ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً أي: إلحاحا. و المراد نفي مسألة الناس بالكلية كقوله:

على لاحب لا يهتدى بمناره و المراد نفي المنار و الاهتداء جميعا، أو نفي الإلحاف و إثبات التعطف في المسألة.

وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ على أيّ من أنفقتم، غنيا كان أو فقيرا فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ‏ أي: بأن ذلك الإنفاق له أو لغيره، فيجازى بحسبه.

 

 

 

 

[274- 275]

[سورة البقرة (2): الآيات 274 الى 275]

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى‏ فَلَهُ ما سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَ مَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275)

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ‏ عمم الإنفاق أولا و ثانيا بحسب الأوقات و الأحوال ليعلم أنه لا يتفاوت بها، بل بالقصد و النيّة الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ‏ إلى آخره، آكل الربا أسوأ حالا من جميع مرتكبي الكبائر، فإنّ كل مكتسب له توكل ما في كسبه قليلا كان أو كثيرا، كالتاجر و الزارع و المحترف، إذ لم يعينوا أرزاقهم بعقولهم و لم تتعين لهم قبل الاكتساب فهم على غير معلوم في الحقيقة، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏: «أبى اللّه أن يرزق المؤمن إلا من حيث لا يعلم».

و أما آكل الربا فقد عين على آخذه مكسبه و رزقه سواء ربح الآخذ أو خسر، فهو محجوب عن ربه بنفسه و عن رزقه بتعيينه، لا توكل له أصلا، فوكّله اللّه تعالى إلى نفسه و عقله، و أخرجه من حفظه و كلاءته، فاختطفه الجنّ و خبلته، فيقوم يوم القيامة و لا رابطة بينه و بين اللّه كسائر الناس المرتبطين به بالتوكل، فيكون كالمصروع الذي مسّه الشيطان فتخبطه لا يهتدي إلى مقصد ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا أي: ذلك بسبب احتجابهم بقياسهم و أول من قاس إبليس فيكونون من أصحابه مطرودين مثله.

 

 

 

 

 

[276- 283]

[سورة البقرة (2): الآيات 276 الى 283]

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَ يُرْبِي الصَّدَقاتِ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ (279)

وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى‏ مَيْسَرَةٍ وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)

وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَ لا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى‏ وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَ لا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى‏ أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَ أَدْنى‏ أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ وَ إِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (282)

وَ إِنْ كُنْتُمْ عَلى‏ سَفَرٍ وَ لَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا و إن كان زيادة في الظاهر وَ يُرْبِي الصَّدَقاتِ‏ و إن كان نقصانا في الشاهد، لأنّ الزيادة و النقصان إنما يكونان باعتبار العاقبة و النفع في الدارين. و المال الحاصل من الربا لا بركة له، لأنه حصل من مخالفة الحق فتكون عاقبته و خيمة و صاحبه يرتكب سائر المعاصي إذ كلّ طعام يولد في أكله دواعي و أفعالا من جنسه، فإن كان حراما يدعوه إلى أفعال محرمة، و إن كان مكروها فإلى أفعال مكروهة، و إن كان مباحا فإلى مباحة، و إن كان من طعام الفضل فإلى مندوبات، و كان في أفعاله متبرّعا متفضلا، و إن كان بقدر الواجب من الحقوق فأفعاله تكون واجبة ضرورية، و إن كان من الفضول و الحظوظ فأفعاله تكون كذلك، فعليه إثم الربا و آثار أفعاله المحرّمة المتولدة من أكله على ما ورد في الحديث‏: «الذنب بعد الذنب عقوبة للذنب الأول»، فتزداد عقوباته و آثامه أبدا، و يتلف اللّه ما له في الدنيا فلا ينتفع به أعقابه و أولاده فيكون ممن خسر الدنيا و الآخرة، و ذلك هو المحق الكليّ.

و أما المتصدّق، فلكون ما له مزكّى، يبارك اللّه في تثميره مع حفظ الأصل و آكله لا يكون إلا مطيعا في أفعاله، و يبقى ما له في أعقابه و أولاده منتفعا به و ذلك هو الزيادة في الحقيقة، و لو لم تكن زيادته إلا ما صرف في طاعة اللّه لكفى به زيادة، و أيّ زيادة أفضل مما تبقّى عند اللّه، و لو لم يكن نقصان الربا إلا حصوله من مخالفة اللّه و ارتكاب نهيه لكفى به نقصانا، و أيّ نقصان أفحش مما يكون سبب حجاب صاحبه و عذابه و نقصان حظه عند اللّه. وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ‏ أي: آكل الربا كفار أثيم بفعله و اللّه لا يحبّ من كان كذلك.

 

 

 

 

[284]

[سورة البقرة (2): آية 284]

لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (284)

لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ‏ أي: في العالم الروحاني كله، بواطنه و صفاته و أستار غيوبه و دفائن جوده‏ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏ أي: في العالم الجسمانيّ كله ظواهره و أسماؤه و أفعاله، تشهد العالمين، و هو على كل شي‏ء شهيد وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ‏ يشهده بأسمائه و ظواهره، فيعلمه و يحاسبكم به، و إن تخفوه يشهده بصفاته و بواطنه فيعلمه و يحاسبكم به‏ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ لتوحيده و قوّة يقينه، و عروض سيئاته، و عدم رسوخها في ذاته، فإنّ مشيئته مبنيّة على حكمته‏ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ لفساد اعتقاده، و وجود شكّه، أو رسوخ سيئاته في نفسه‏ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ فيقدر على المغفرة و التعذيب جميعا.

 

 

 

 

[285]

[سورة البقرة (2): آية 285]

آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)

آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ‏ صدقه بقبوله و التخلق به، كما قالت عائشة: «كان خلقه القرآن و الترقي بمعانيه و التحقيق». وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ‏ وحده جميعا وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ‏ أي: وحده تفصيلا عند الاستقامة مشاهدا لوحدته في صورة تلك الكثرة معطيا لكل تجلّ من تجلياته في مظهر من مظاهره حكمة لا نُفَرِّقُ‏ أي: يقولون: لا نفرّق بينهم بردّ بعض و قبول بعض، و لا نشك في كونهم على الحق و بالحق لشهود التوحيد و مشاهدة الحق فيهم بالحق‏ وَ قالُوا سَمِعْنا أي: أجبنا ربّنا في كتبه و رسله و نزول ملائكته و استقمنا في سيرنا غُفْرانَكَ رَبَّنا أي: اغفر لنا وجوداتنا و صفاتنا و امحها بوجودك و وجود صفاتك‏ وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ بالفناء فيك.

 

 

 

 

[286]

[سورة البقرة (2): آية 286]

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (286)

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لا يحملها إلّا ما يسعها، و لا يضيق به طوقها و استعدادها من التجليات، فإن حظ كلّ أحد من الكشوف و التجليات ما يطيق به وعاء استعداده الموهوب له في الأزل من الفيض الأقدس، و لا يضيق عليه‏ لَها ما كَسَبَتْ‏ من الخيرات و العلوم و الكمالات و الكشوف على أيّ وجد، سواء كانت بقصدها أو لا بقصدها، فإنها من عالم النور فالخيرات كلها ذاتية لها، ترجع فائدتها إليها دون الشرور من الجهالات‏ و الرذائل و المعاصي و النقائص، فإنها أمور ظلمانية غريبة عن جوهرها فلا تضرّها و لا تلحق تبعتها بها إلا إذا كانت منجذبة إليها متوجهة بالقصد و الاعتمال لتكسبها و لهذا ورد في الحديث‏: «إن صاحب اليمين يكتب كل حسنة تصدر عن صاحبها في الحال، و صاحب الشمال لا يكتب حتى تمضي عليه ست ساعات، فإن استغفر فيها و تاب أو ندم، فلم يكتب، و إن أصرّ كتب». و المراد بالنفس هاهنا الذات و إلا لكان الأمر بالعكس، فيكون حينئذ معناه لا يكلفها إلا ما يسعها و يتيسر لها من الأعمال دون مدى الجهد و الطاقة و ذكر الكسب في موضع الخير لكونها غير معتنية به معتملة له، و الاكتساب في موضع الشرّ لكونها منجذبة إليه، معتملة له بالقصد، لكونها مأوى الشرّ.

رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا عهدك‏ أَوْ أَخْطَأْنا في العمل لما سواك، و القران على فراقك محتجبين عنك، فإنّا غرباء، بعداء، طال العهد بنا مسافرين عنك، ممتحنين في الظلمات بأنواع البلاء، و لا قدر و لا مقدار لنا في حضرتك، حتى تؤاخذنا بذنوبنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً في ذاتنا و صفاتنا و أفعالنا، فتأصرنا و تحبسنا في مكاننا مهجورين عنك، فإنه لا ثقل أثقل منها كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا من المحتجبين بظواهر الأفعال أو بواطن الصفات‏ رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏ من ثقل الهجران و الحرمان عن وصالك، و مشاهدة جمالك، بحجب جلالك‏ وَ اعْفُ عَنَّا سيئات أفعالنا و صفاتنا فإنها كلها سيئات حجبتنا عنك، و حرمتنا برد عفوك و لذة رضوانك‏ وَ اغْفِرْ لَنا ذنوب وجوداتنا فإنها أكبر الكبائر كما قيل.

إذا قلت ما أذنبت قالت مجيبة وجودك ذنب لا يقاس به ذنب‏

وَ ارْحَمْنا بالوجود الموهوب بعد الفناء أَنْتَ مَوْلانا ناصرنا و متولي أمورنا فَانْصُرْنا فإنّ من حق الوليّ أن ينصر من يتولّاه، أو سيدنا، و من حقّ السيد أن ينصر عبيده‏ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏ من قوى نفوسنا الأمّارة و صفاتها، و جنود شياطين أوهامنا و خيالاتنا، المحجوبين عنك، الحاجبين إيّانا بكفرها و ظلمتها.


 

[1] ( 1) قوله: و لقلوبهم بهم إلخ … كذا في الأصل و ظاهر أن فيه سقطا و ليحرّر، اه مصححه.

[2] ( 1) سورة الأعراف، الآية: 172.

[3] ( 1) سورة الحجر، الآية: 21.

[4] ( 1) سورة الأنفال، الآية: 17.

[5] ( 1) سورة الرعد، الآية: 21.

[6] ( 1) سورة الأعراف، الآية: 168.

[7] ( 1) سورة المائدة، الآية: 60.

[8] ( 1) سورة المائدة، الآية: 101.

[9] ( 2) سورة الأحقاف، الآية: 15.

[10] ( 1) في المطبوع:« أخاذات». و المثبت من« فتح الباري»( 1/ 175)، و« صحيح مسلم»( 4/ 1787).

[1] ( 1) سورة المجادلة، الآية: 6.

[2] ( 1) سورة الأنعام، الآية: 79.

[3] ( 1) سورة البقرة، الآية: 115.

[4] ( 1) سورة الشرح، الآيات: 1- 3.

[1] ( 1) سورة الإسراء، الآية: 27.

[2] ( 1) سورة الحشر، الآية: 59.

[3] ( 1) سورة البقرة، الآية: 132.

[4] ( 1) سورة البقرة، الآية: 68.

[1] ( 1) سورة ص، الآية: 24.

[2] ( 2) سورة سبأ، الآية: 13.

[3] ( 1) سورة البقرة، الآية: 32.

[4] ( 1) سورة الروم، الآية: 30.

[5] ( 1) سورة غافر، الآية: 11.

[6] ( 2) سورة البقرة، الآية: 28.

[7] ( 1) سورة يونس، الآية: 45.

[8] ( 2) سورة النازعات، الآية: 46.

[9] ( 3) سورة الروم، الآية: 55.

[10] ( 1) سورة آل عمران، الآية: 92.

[1] ( 1) قوله: و السرّ في وضع إلخ … كذا في الأصل و هو محل نظر اه.

[2] ( 1) سورة هود، الآية: 105.

[3] ( 2) سورة الواقعة، الآية: 7.

[4] ( 3) سورة الأعراف، الآية: 179.

[5] ( 1) سورة الفرقان، الآية: 32.

[6] ( 2) سورة هود، الآية: 120.

[7] ( 1) سورة العنكبوت، الآية: 45.

[8] ( 1) سورة الحجرات، الآية: 14.

[9] ( 2) سورة النساء، الآية: 80.

[10] ( 3) سورة الأنفال، الآية: 17.

[11] ( 1) سورة آل عمران، الآية: 54.

[12] ( 1) سورة يس، الآية: 9.

[13] ( 1) سورة النساء، الآيات: 145- 146.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=