تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره الكهف

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الكهف

سورة الكهف‏

[1]

[سورة الكهف (18): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1)

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ‏ أثنى اللّه تعالى بلسان التفصيل على نفسه باعتبار الجمع من حيث كونه منعوتا بإنزال الكتاب و هو إدراج معنى الجمع في صورة التفصيل فهو الحامد و المحمود تفصيلا و جمعا، فالحمد إظهار الكمالات الإلهية و الصفات الجمالية و الجلالية على الذات المحمدية باعتبار العروج بعد تخصيصه إياه بنفسه في العناية الأزلية المشار إليه بالإضافة في قوله: عبده، و ذلك جعل عينه في الأزل قابلة للكمال المطلق من فيضه و إيداع كتاب الجمع فيه بالقوة التي هي الاستعداد الكامل و إنزال الكتاب عليه إبراز تلك الحقائق عن ممكن الجمع الوحداني على ذلك المظهر الإنساني فهما متعاكسان باعتبار النزول و العروج و الإنزال في الحقيقة حمدا للّه تعالى لنبيه إذ المعاني الكامنة في غيب الغيب ما لم ينزل على قلبه فلم يمكنه حمد اللّه حق حمده فما لم يحمده اللّه لم يحمد اللّه بل حمد حمده كما قال: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، حمد أولا في عين الجمع نفسه باعتبار التفصيل ثم عكس فقال: الحمد للّه.

وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ‏ أي: لعبده‏ عِوَجاً أي: زيغا و ميلا إلى الغير كما قال: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏ (17)[1] أي: لم ير الغير في شهوده.

[2- 4]

[سورة الكهف (18): الآيات 2 الى 4]

قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (3) وَ يُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (4)

قَيِّماً أي: جعله قيما، يعني: مستقيما كما أمر بقوله: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ‏[2]، و المعنى: جعله موحدا فانيا فيه غير محتجب في شهوده بالغير و لا بنفسه لكونها غيرا أيضا ممكنا مستقيما حال البقاء، كما قال: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا*[3]، أو جعله قيما بأمر العباد و هدايتهم إذ التكميل يترتب على الكمال لأنه عليه الصلاة و السلام لما فرغ من تقويم نفسه و تزكيتها أقيمت نفوس أمته مقام نفسه فأمر بتقويمها و تزكيتها و لهذا المعنى سمى‏ إبراهيم صلوات اللّه عليه أمة، و هذه القيمية أي القيام بهداية الناس داخلة في الاستقامة المأمور هو بها في الحقيقة لِيُنْذِرَ متعلق بعامل قيما أي: جعله قيما بأمر العباد لينذر بَأْساً شَدِيداً و حذف المفعول الأول للتعميم لأن أحدا لا يخلو من بأس مؤمنا كان أو كافرا، كماقال تعالى: «أنذر الصدّيقين بأني غيور، و بشّر المذنبين بأني غفور».

 إذ البأس عبارة عن قهره و لذلك عظمه بالتنكير، أي: بأسا يليق بعظمته و عزّته و وصفه بالشدّة و خصصه بقوله: مِنْ لَدُنْهُ‏ و القهر قسمان: قهر محض ظاهره و باطنه قهر كالمختص بالمحجوبين بالشرك، و قسم ظاهره قهر و باطنه لطف، و كذا اللطف كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: سبحان من اشتدّت نقمته على أعدائه في سعة نعمته، و اتسعت رحمته لأوليائه في شدّة نقمته. و من القسم الثاني القهر المخصوص بالموحدين من أهل الفناء أطلق الإنذار للكل تنبيها ثم فصل اللطف و القهر مقيدين بحسب الصفات و الاستحقاقات فقال: وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ‏ أي: الموحدين لكونهم في مقابلة المشركين الذين قالوا: اتخذ اللّه ولدا.

الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ‏ أي: الباقيات من الخيرات و الفضائل لأن الأجر الحسن هو من جنة الآثار و الأفعال التي تستحق بالأعمال. و اعلم أن الإنذار و التبشير اللذين هما من باب التكميل اللازم لكونه قيما عليهم كلاهما أثر و نتيجة عن صفتي القهر و اللطف الإلهيين اللذين محل استعداد قبولهما من نفس العبد الغضب و الشهوة، فإنّ العبد ما استعدّ لقبولهما إلا بصفتي الغضب و الشهوة و فنائهما كما لم يستعدّ لفضيلتي الشجاعة و العفة إلا بوجودهما، فلما انتفتا قامتا مقامهما لأن كلّا منهما ظل لواحدة من تينك يزول بحصولها فعند ارتواء القلب منهما و كمال التخلق بهما حدث عن القهر الإنذار عند استحقاقية المحل بالكفر و الشرك و عن اللطف التبشير باستحقاقية الإيمان و العمل الصالح، إذ الإفاضة لا تكون إلا عند استحقاق المحل.

[5]

[سورة الكهف (18): آية 5]

ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَ لا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (5)

ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَ لا لِآبائِهِمْ‏ أي: ما لهم بهذا القول من علم بل إنما يصدر عن جهل مفرط و تقليد للآباء لا عن علم و يقين و يؤيده قوله: كَبُرَتْ كَلِمَةً أي: ما أكبرها كلمة تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ‏ ليس في قلوبهم من معناه شي‏ء لأنه مستحيل لا معنى له إذ العلم اليقيني يشهد أن الوجود الواجبي العلي أحديّ الذات لا يماثله الوجود الممكن المعلول.

و الولد هو المماثل لوالده في النوع المكافئ له في القوة و الشهود الذاتي يحكم بفناء الخلق في الحق و المعلول في المشهود فلم يكن، ثم سوّاه شي‏ء غيره فضلا عن الشبيه و الولد كما قال أحدهم:

هذا الوجود و إن تكثر ظاهرا و حياتكم ما فيه إلا أنتم‏

إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً لتطابق الدليل العقلي و الوجدان الذوقي الشهوديّ على إحالته.

[6، 7]

[سورة الكهف (18): الآيات 6 الى 7]

فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى‏ آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (6) إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)

فَلَعَلَّكَ باخِعٌ‏ أي: مهلك‏ نَفْسَكَ‏ من شدّة الوجد و الأسف على توليهم و إعراضهم، و ذلك لأن الشفقة على خلق اللّه و الرحمة عليهم من لوازم محبة اللّه و نتائجه و لما كان صلى اللّه عليه و سلم حبيب اللّه و من لوازم محبوبيته محبته للّه لقوله: يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ‏[4] و كلما كانت محبته للحق أقوى كانت شفقته و رحمته على خلقه أكثر لكون الشفقة عليهم ظلّ محبته للّه اشتدّ تعطفه عليهم، فإنهم كأولاده و أقاربه بل كأعضائه و جوارحه في الشهود الحقيقي، فلذلك بالغ في التأسف عليهم حتى كاد يهلك نفسه.

و أيضا علم أن المحب إذا تقوّى بالمحبوب في استمرار الوصل ظهر قبوله في القلوب لمحبة اللّه إياه فلما لم يؤمنوا بالقرآن استشعر ببقية من نفسه و توجس بنقصان حاله فعلاه الوجد و عزم على قهر النفس بالكلية طلبا للغاية و كان ذلك من فرط شفقته عليهم و كمال أدبه مع اللّه حيث أحال عدم إيمانهم على ضعف حاله لا على عدم استعدادهم و لذلك سلّاه بقوله: إِنَّا جَعَلْنا أي: لا تحزن عليهم فإنه لا عليك أن يهلكوا جميعا، إنّا نخرج جميع الأسباب من العدم إلى الوجود للابتلاء ثم نفنيها و لا حيف و لا نقص، أو إنّا جعلنا ما على أرض البدن من النفس و لذاتها و شهواتها و قوى صفاتها و إدراكاتها و دواعيها زِينَةً لها ليظهر أيهم أقهر لها و أعصى لهواها في رضاي و أقدر على مخالفتها لموافقتي.

[8، 9]

[سورة الكهف (18): الآيات 8 الى 9]

وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (8) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (9)

وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ‏ بتجلينا و تجلي صفاتنا ما عَلَيْها من صفاتها هامدة كأرض ملساء لا نبات فيها أي: نفنيها و صفاتها بالموت الحقيقي أو بالموت الطبيعي و لا نبالي، بل‏ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً أي: إذا شاهدت هذا الإنشاء و الإفناء فليس حال أصحاب الكهف آية عجيبة من آياتنا بل هذه أعجب.

و اعلم أن أصحاب الكهف هم السبعة الكمل القائمون بأمر الحق دائما الذين يقوم بهم العالم و لا يخلو عنهم الزمان على عدد الكواكب السبعة السيّارة و طبقها فكما سخرها اللّه تعالى في تدبير نظام عالم الصورة كما أشار إليه بقوله: فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (4) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (5)[5] على بعض التفاسير و كل نظام عالم المعنى و تكميل نظام الصورة إلى سبعة أنفس من السابقين كل ينتسب بحسب الوجود الصوري إلى واحد منهم، و القطب هو المنتسب إلى الشمس و الكهف هو باطن البدن و الرقيم ظاهره الذي انتقش بصور الحواس و الأعضاء إن فسر باللوح الذي رقمت فيه أسماؤهم و العالم الجسماني إن جعل اسم الوادي الذي فيه الجبل و الكهف و النفس الحيوانية إن جعل اسم الكلب و العالم العلوي إن جعل اسم قريتهم على اختلاف الأقوال في التفاسير و منهم الأنبياء السبعة المشهورون المبعوثون بحسب القرون و الأدوار، و إن كان كل نبيّ منهم على ذكر و هم:

آدم و إدريس و نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد عليهم الصلاة و السلام لأنه السابع المخصوص بمعجزة انشقاق القمر، أي: انفلاقه عنه لظهوره في دورة ختم النبوة و كمل به الدين الإلهي كما أشار إليه بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السموات و الأرض».

 إذ المتأخر بالزمان و الظهور أي: الوجود الحسيّ هو الحائز لصفات الكلّ و كمالاتهم كالإنسان بالنسبة إلى سائر الحيوانات، و لهذاقال صلى اللّه عليه و سلم: «كأنّ بنيان النبوّة قد تمّ و بقي منه موضع لبنة واحدة، فكنت أنا تلك اللبنة».

 و قد اتفق الحكماء المتألهة من قدماء الفرس أن مراتب العقول و الأرواح على مذهبهم في التنازل تتضاعف إشراقاتها، فكل ما تأخر في الرتبة كان حظه من إشراقات الحق و أنواره و سبحات أشعة وجهه و إشراقات أنوار الوسائط أوفر و أزيد فكذا في الزمان فهو الجامع الحاصر لصفات الكل و كمالاتهم الحاوي لخواصهم و معانيهم مع كماله الخاص به اللازم للهيئة الاجتماعية، كماقال صلى اللّه عليه و سلم: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

و من هذا ظهر تقدّمه عليهم بالشرف و الفضيلة و من جهة أن إبراهيم عليه السلام كان مظهر التوحيد الأعظمي الذاتي، و كان هو الوسط في الترتيب الزماني بمنزلة الشمس في الرتبة كان قطب النبوة، و لزمهم كلهم اتباعه و إن لم يظهر في المتقدمين عليه بالزمان كارتباط الكواكب الستة في سيرها بها، و لكن لا كالقمر، فتبعه بالحقيقة محمد صلى اللّه عليه و سلم.

و اعلم أن الأرواح في عالمها مراتب متعينة، و صفوف مترتبة و استعدادات متفاوتة متهيئة في الأزل بمحض العناية الأولى و الفيض الأقدس فأهل الصف الأول هم السابقون المفردون المقرّبون المحبوبون المخصوصون بفضل عنايته و سابقة كرامته المتعارفون بنوره المتحابون فيه، و الباقون يتباينون في الدرجات و بحسب تقاربها و تباعدها، يتعارفون و يتناكرون، فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف إلى آخر الصفوف، فلها مراكز ثابتة، و أصول راسخة في العالم العلوي و عند التعلق بالأبدان يتفاوت درجات كمالاتها و غاية سعاداتها بحسب ما لها من الاستعداد الأول‏ المخصوص بكل منها من مباديها في الأزل كماقال عليه الصلاة و السلام: «الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة»،

حتى انتهت الدرجات في العلوّ إلى الفناء في التوحيد الذاتي، فبهذا الاعتبار يكون محمد عليه السلام عين آدم بل عين السبعة و كذا باعتبار كونه جامعا لصفاتهم كما قيل‏ أنه سأله أبو يزيد رحمة اللّه عليه: أنت من السبعة؟ فقال صلى اللّه عليه و سلم: «أنا السبعة».

و باعتبار علوّ مرتبته و مكانته، و سبقه في القدم و ارتفاع درجة كماله و فضيلته، كان أقدمهم و أولهم و أفضلهم كما

قال: «أول ما خلق اللّه نوري و كنت نبيّا و آدم بين الماء و الطين».

فهو متقدم عليهم بالرتبة و العلية و الشرف و الفضيلة، متأخر عنهم بالزمان و هو عينهم باعتبار السر و الوحدة الذاتية، فالحاصل أن اختلافهم و تباينهم روحا و قلبا و نفسا لا ينافي اتحادهم في الحقيقة و كذا افتراقهم بالأزمنة لا ينافي معيتهم في الأزل و الأبد و عين الجمع كما قال: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏[6] مع قوله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ*[7].

و يجوز أن يكون المراد بأصحاب الكهف روحانيات الإنسان التي تبقى بعد خراب البدن. و قول من قال: ثلاثة، إشارة إلى الروح و العقل و القلب. و الكلب هي النفس الملازمة لباب الكهف. و من قال: خمسة إشارة إلى الروح و القلب و العقل النظري و العقل العمليّ و القوة القدسية للأنبياء التي هي الفكر لغيرهم. و من قال: سبعة فتلك الخمسة مع السرّ و الخفاء و اللّه أعلم.

[10]

[سورة الكهف (18): آية 10]

إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ هَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (10)

إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ‏ أي: كهف البدن بالتعلق به‏ فَقالُوا بلسان الحال‏ رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ‏ أي: من خزائن رحمتك التي هي أسماؤك الحسنى‏ رَحْمَةً كما لا يناسب استعدادنا و يقتضيه‏ وَ هَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا الذي نحن فيه من مفارقة العالم العلوي و الهبوط إلى العالم السفلي للاستكمال‏ رَشَداً استقامة إليك في سلوك طريقك و التوجه إلى جنابك، أي: طلبوا بالاتصال البدني و التعلق بآلات الكمال و أسبابه الكمال العلمي و العملي.

[11]

[سورة الكهف (18): آية 11]

فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (11)

فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ‏ أي: أنمناهم نومة الغفلة عن عالمهم و كمالهم نومة ثقيلة لا ينبههم صفير الخفير و لا دعوة الداعي الخبير. في كهف البدن‏ سِنِينَ‏ ذوات عدد، أي:كثيرة أو معدودة أي: قليلة هي مدة انغماسهم في تدبير البدن و انغمارهم في بحر الطبيعة مشتغلين بها، غافلين عما وراءها من عالمهم إلى أوان بلوغ الأشد الحقيقي، و الموت الإرادي‏ و الطبيعي، كماقال: «الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا».

[12، 13]

[سورة الكهف (18): الآيات 12 الى 13]

ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى‏ لِما لَبِثُوا أَمَداً (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً (13)

ثُمَّ بَعَثْناهُمْ‏ أي: نبهناهم عن نوم الغفلة بقيامهم عن مرقد البدن و معرفتهم باللّه و بنفوسهم المجرّدة لِنَعْلَمَ‏ أي: ليظهر علمنا في مظاهرهم أو مظاهر غيرهم من سائر الناس‏ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ‏ المختلفين في مدة لبثهم و ضبط غايته الذين يعينون المدة أم يكلون علمه إلى اللّه، فإن الناس مختلفون في زمان الغيبة.

يقول بعضهم: يخرج أحدهم على رأس كل ألف سنة و هو يوم عند اللّه، لقوله: وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏[8]. و يقول بعضهم: على رأس كل سبعمائة عام أو على رأس كل مائة، و هو بعض يوم، كما قالوا:لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏[9]. و المحققون المصيبون هم الذين يكلون علمه إلى اللّه كالذين قالوا: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ‏[10] و لهذا لم يعين رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم وقت ظهور المهديّ عليه السلام، وقال: «كذب الوقاتون».

 إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ‏ إيمانا يقينا علميا على طريق الاستدلال أو المكاشفة وَ زِدْناهُمْ هُدىً‏ أي: هداية موصلة إلى عين اليقين و مقام المشاهدة بالتوفيق.

[14، 15]

[سورة الكهف (18): الآيات 14 الى 15]

وَ رَبَطْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (14) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15)

وَ رَبَطْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ‏ قويناها بالصبر على المجاهدة، و شجعناهم على محاربة الشيطان و مخالفة النفس، و هجر المألوفات الجسمانية، و اللذات الحسيّة، و القيام بكلمة التوحيد، و نفي إلهية الهوى، و ترك عبادة صنم الجسم بين يدي جبّار النفس الأمّارة من غير مبالاة بها حين عاتبتهم على ترك عبادة إله الهوى و صنم البدن، و أوعدتهم بالفقر و الهلاك، إذ النفس داعية إلى عبادته و موافقته، و تهيئة أسباب حظوظه مخيفة للقلب من الخوف و الموت، أو جسرناهم على القيام بكلمة التوحيد، و إظهار الدين القويم و الدعوة إلى الحق عند كل جبّار هو دقيانوس وقته كنمروذ و فرعون و أبي جهل و أضرابهم ممن دان بدينهم و استولى عليه النفس الأمّارة فعبد الهوى، أو ادّعى الطغيان، و تمرد أنائيته و عدوانه الربوبية من غير مبالاة عند معاتبته إياهم على‏ ترك عبادة الصنم المجعول كما هو عادة بعضهم أو صنم نفسه، كما قال فرعون اللعين: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي‏[11] و أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏[12].

هؤُلاءِ قَوْمُنَا إشارة إلى النفس الأمارة و قواها، لأن لكل قوم إلها تعبده و هو مطلوبها و مرادها، و النفس تعبد الهوى كقوله: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ‏[13]، أو إلى أهل زمان كل من خرج منهم داعيا إلى اللّه، إذ كل من عكف على شي‏ء يهواه فقد عبده. لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ‏ أي: على عبادتهم و إلهيتهم و تأثيرهم و وجودهم‏ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ‏ أي: حجة بيّنة دليل على فساد التقليد و تبكيت بأن إقامة الحجة على إلهية غير اللّه و تأثيره و وجوده محال، كما قال:

إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ‏[14] أي: أسماء بلا مسميات لكونها ليست بشي‏ء.

[16]

[سورة الكهف (18): آية 16]

وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً (16)

وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ‏ أي: فارقتم نفوسكم و قواها بالتجرّد وَ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ‏ من مراداتها و أهوائها فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ‏ إلى البدن لاستعمال الآلات البدنية في الاستكمال بالعلوم و الأعمال، و انخزلوا فيه منكسرين، مرتاضين، كأنهم ميتون بترك الحركات النفسانية و النزوات البهيمية و السطوات السبعية، أي: موتوا موتا إراديا يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ‏ حياة حقيقة بالعلم و المعرفة وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً كما لا ينتفع به بظهور الفضائل و طلوع أنوار التجليات، فتلتذون بالمشاهدات و تتمتعون بالكمالات كما قال تعالى: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ‏[15]، و

قال عليه السلام‏ في أبي بكر رضي اللّه عنه: «من أراد أن ينظر ميتا يمشي على وجه الأرض فلينظر أبا بكر»، أي: ميتا عن نفسه يمشي باللّه.

أو و إذا اعتزلتم قومكم و معبوداتهم غير اللّه من مطالبهم المختلفة، و مقاصدهم المتشتتة، و أهوائهم المتفننة، و أصنامهم المتخذة، فأووا إلى كهوف أبدانكم و امتنعوا عن فضول الحركات و الخروج في أثر الشهوات، و اعكفوا على الرياضات، يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ‏[16] زيادة كمال و تقوية و نصرة بالأمداد الملكوتية، و التأييدات القدسية، فيغلبكم عليهم و يهيئ لكم دينا و طريقا ينتفع به، و قبولا يهتدي بكم الخلائق ناجين. و في الأوى إلى الكهف عند مفارقتهم سر آخر يفهم من دخول المهدي في الغار إذا خرج و نزل عيسى و اللّه أعلم. و في نشر الرحمة و تهيئة المرفق من أمرهم عند الأوى إلى الكهف إشارة إلى أنّ الرحمة الكامنة في استعدادهم إنما تنتشر بالتعلق البدني و الكمال بتهيئاته.

[17]

[سورة الكهف (18): آية 17]

وَ تَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَ إِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (17)

وَ تَرَى الشَّمْسَ‏ أي: شمس الروح‏ إِذا طَلَعَتْ‏ أي: ترقت بالتجرّد عن غواشي الجسم و ظهرت من أفقه تميل بهم من جهة البدن و ميله و محبته إلى جهة اليمين أي: جانب عالم القدس و طريق أعمال البرّ من الخيرات و الفضائل و الحسنات و الطاعات. و سيرة الأبرار، فإن الأبرار هم أصحاب اليمين.

وَ إِذا غَرَبَتْ‏ أي: هوت في الجسم و احتجبت به، و اختفت في ظلماته و غواشيه، و خمد نورها، تقطعهم و تفارقهم كائنين في جهة الشمال، أي: جانب النفس و طريق أعمال السوء فينهمكون في المعاصي و السيئات و الشرور و الرذائل. و سيرة الفجار الذين هم أصحاب الشمال‏ وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ‏ أي: في مجال متسع من بدنهم هو مقام النفس و الطبيعة، فإن فيه متفسحا لا يصيبهم فيه نور الروح.

و اعلم أن الوجه الذي يلي الروح من القلب موضع منور بنور الروح يسمى العقل و هو الباعث على الخير و المطرق لإلهام الملك و الوجه الذي يلي النفس منه مظلم بظلمة صفاتها يسمى الصدر و هو محل وسوسة الشيطان كما قال: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5)[17]، فإذا تحرك الروح و أقبل القلب بوجهه إليه تنور و تقوى بالقوة العقلية الباعثة المشوقة إلى الكمال و مال إلى الخير و الطاعة، و إذا تحركت النفس و أقبل القلب بوجهه إليها تكدر و احتجب عن نور الروح و أظلم العقل و مال إلى الشر و المعصية.

و في هاتين الحالتين تطرق الملك للإلهام و الشيطان للوسواس و خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا. و في الآية لطيفة هي: أنه استعمل في الميل إلى الخير الازورار عن الكهف، و في الميل إلى الشر قرضهم أي: قطعهم، و ذلك أن الروح يوافق القلب في طريق الخير و يأمره به و يوافقه معرضا عن جانب البدن و موافقاته و لا يوافقه في طريق الشر بل يقطعه و يفارقه و هو منغمس في ظلمات النفس و صفاتها الحاجبة إياه عن النور و هو إشارة إلى تلوينهم في السلوك، فإن السالك ما لم يصل إلى مقام التمكين و بقي في التلوين قد تظهر عليه النفس و صفاته فيحتجب عن نور الروح ثم يرجع ذلك أي: طلوع نور الروح و اختفاؤه من آيات اللّه التي يستدل بها و يتوصل منها إليه و إلى هدايته.

مَنْ يَهْدِ اللَّهُ‏ بإيصاله إلى مقام المشاهدة و التمكين فيها فَهُوَ الْمُهْتَدِ بالحقيقة لا غير وَ مَنْ يُضْلِلْ‏ بحجبه عن نور وجهه فلا هادي له و لا مرشد، أو من يهد اللّه إليهم و إلى حالهم بالحقيقة و من يضلله يحجبه عن حالهم.

[18]

[سورة الكهف (18): آية 18]

وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ وَ نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ وَ كَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (18)

وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً يا مخاطب لانفتاح أعينهم و إحساساتهم و حركاتهم الإرادية الحيوانية وَ هُمْ رُقُودٌ بالحقيقة في سنة الغفلة تراهم ينظرون إليك و هم لا يبصرون‏ وَ نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ‏ أي: نصرفهم إلى جهة الخير و طلب الفضيلة تارة، و إلى جهة الشر و مقتضى الطبيعة أخرى‏ وَ كَلْبُهُمْ‏ أي: نفسهم‏ باسِطٌ ذِراعَيْهِ‏ أي: ناشرة قوتيها الغضبية و الشهوانية بِالْوَصِيدِ أي: بفناء البدن، و لم يقل: و كلبهم هاجع لأنها لم ترقد بل بسطت القوتين في فناء البدن ملازمة له لا تبرح عنه، و الذراع الأيمن هو الغضب لأنه أقوى و أشرف و أقبل لدواعي القلب في تأديبه، و الأيسر هو الشهوة لضعفها و خستها لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ‏ أي: على حقائقهم المجردة و أحوالهم السنية و ما أودع اللّه فيهم من النورية و السنا، و ما ألبسهم من العز و البهاء لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ‏ فارّا لعدم اعتقادك بالنفوس المجردة و أحوالها و عدم استعدادك لقبول كمالهم، أو لوليت منهم للفرار عنهم و عن معاملاتهم لميلك إلى اللذات الحسيّة و الأمور الطبيعية وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً من أحوالهم و رياضاتهم، أو لو اطلعت عليهم بعد الوصول إلى الكمال و على أسرارهم و مقاماتهم في الوحدة لأعرضت عنهم و فررت من أحوالهم و ملئت منهم رعبا لما ألبسهم اللّه من عظمته و كبريائه. و أين الحدث من القدم، و أنى يسع الوجود العدم.

[19]

[سورة الكهف (18): آية 19]

وَ كَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْيَتَلَطَّفْ وَ لا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (19)

وَ كَذلِكَ بَعَثْناهُمْ‏ أي: مثل ذلك البعث الحقيقي و الإحياء المعنوي بعثناهم‏ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ‏ أي: ليتباحثوا بينهم عن المعاني المودعة في استعدادهم الحقائق المكنونة في ذواتهم فيكملوا بإبرازها و إخراجها إلى الفعل، و هو أول الانتباه الذي تسميه المتصوفة اليقظة قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ‏ مرّ تأويله، و المحققون منهم هم الذين‏ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ هذا هو زمان استبصارهم و استفادتهم و استكمالهم.

و الورق هو ما معهم من العلوم الأولية التي لا تحتاج إلى كسب، إذ بها تستفاد الحقائق الذهنية من العلوم الحقيقة و المعارف الإلهية. و المدينة محل الاجتماع، إذ لا بد من الصحبة و التربية أو مدينة العلم من‏ قوله عليه السلام: «أنا مدينة العلم و عليّ بابها».

و إنما بعثوا أحدهم لأن كمال الكل غير موقوف على التعليم و التعلم بل الكمال الأشرف هو العلمي فيكفي تعلم البعض عن كل فرقة و تنبيه الباقين كما قال تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ‏[18].

فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً أي: أهلها أطيب و أفضل علما و أنقى من الفضول و اللغو و الظواهر كعلم الخلاف و الجدل و النحو و أمثالها التي لا تتقوى و لا تكمل بها النفس كقوله:لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)[19]، إذ العلم غذاء القلب كالطعام للبدن و هو الرزق الحقيقي الإلهي‏ وَ لْيَتَلَطَّفْ‏ في اختيار الطعام و من يشتري منه أي: ليختر المحقق الزكي النفس، الرشيد السمت، الفاضل السيرة، النقي السريرة، الكامل المكمل دون الفضولي الظاهري الخبيث النفس، المتعالم، المتصدّر، لإفادة ما ليس عنده ليستفيد بصحبته و يظهر كماله بمجالسته و يستبصر بعلمه فيفيدنا أو ليتلطف في أمره حتى لا يشعر بحالكم و دينكم، جاهل من غير قصد له‏ وَ لا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً من أهل الظاهر المحجوبين و سكان عالم الطبيعة المنكرين، و إن أولنا أصحاب الكهف بالقوى الروحانية فالمبعوث هو الفكر، و المدينة محل اجتماع القوى الروحانية و النفسانية و الطبيعة و الذي هو أزكى طعاما العقل دون الوهم و الخيال و الحواس، لأن كل مدرك له طعام و الرزق هو العلم النظري على كلا التقديرين، و لا يشعرنّ بكم أحدا من القوى النفسانية.

[20]

[سورة الكهف (18): آية 20]

إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَ لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (20)

إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا أي: يغلبوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ‏ بحجارة الأهواء و الدواعي من الغضب و الشهوة و طلب اللذة فيقتلوكم بمنعكم عن كمالكم‏ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ‏ باستيلاء الوهم و غلبة الشيطان و الإمالة إلى الهوى و عبادة الأوثان و على التأويل الأول ظهور العوام، و استيلاء المقلدة و الحشوية المحجوبين، و أهل الباطل المطبوعين، و رجمهم أهل الحق، و دعوتهم إياهم إلى ملّتهم ظاهر كما كان في زمان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

[21]

[سورة الكهف (18): آية 21]

وَ كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى‏ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (21)

وَ كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ‏ أي: مثل ذلك البعث و الإنامة أطلعنا على حالهم المستعدّين القابلين لهديهم و معرفة حقائقهم‏ لِيَعْلَمُوا بصحبتهم و هدايتهم‏ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ‏ بالبعث و الجزاء حَقٌّ وَ أَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ‏ أي: حين يتنازع المستعدون الطالبون بينهم أمرهم في المعاد، فمنهم من يقول: إن البعث مخصوص بالأرواح المجردة دون الأجساد، و منهم من يقول: إنه بالأرواح و الأجساد معا، فعلموا بالاطلاع عليهم و معرفتهم أنه بالأرواح و الأجساد و أن المعاد الجسماني حق، فقالوا: ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً أي:فلما توفوا قالوا ذلك كالخانقاهات و المشاهد و المزارات المبنية على الكمل، المقربين من الأنبياء و الأولياء كإبراهيم و محمد، و على سائر الأنبياء و الأولياء عليهم الصلاة و السلام.

رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ‏ من كلام أتباعهم من أممهم و المقتدين بهم، أي: هم أجلّ و أعظم شأنا من أن يعرفهم غيرهم، الموحدون الهالكون في اللّه، المتحققون به، فهو أعلم بهم كماقال تعالى: «أوليائي تحت قبائي، لا يعرفهم غيري». قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى‏ أَمْرِهِمْ‏ من أصحابهم و الذين يلون أمرهم تبركا بهم و بمكانهم‏ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً يصلي فيه.

[22]

[سورة الكهف (18): آية 22]

سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَ لا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (22)

سَيَقُولُونَ‏ أي: الظاهريون من أهل الكتاب و المسلمين الذين لا علم لهم بالحقائق.

و قوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ‏ أي: رميا بالذي غاب عنهم، يعني: ظنّا خاليا عن اليقين بعد قولهم: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ‏ و خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ‏ و توسيط الواو الدالة على أن الصفة مجامعة للموصوف و لا تفارقه، و إنه لا عدد وراءه بين قوله: وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ و بين‏ وَ ثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ‏.

و قوله: ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ‏ بعده، يدل على أنّ العدد هو سبعة لا غير، فالقليل هم المحققون القائلون به و إن أوّلناهم بالقوى الروحانية فهم العاقلتان: النظرية و العملية، و الفكر و الوهم، و التخيل و الذكر، و الحسّ المشترك المسمى بنطاسيا، و الكلب النفس و الشمس و الروح على كلا التأويلين.

و لهذا روي عن أمير المؤمنين عليه السلام‏ أنه قال: «إنهم كانوا سبعة، ثلاثة عن يمين الملك و ثلاثة عن يساره، و السابع هو الراعي صاحب الكلب»، فإن صحت الرواية فالملك هو دقيانوس النفس الأمّارة، و الثلاثة الذين كانوا عن‏ يمينه يستشيرهم هم العاقلتان و الفكر، و الثلاثة الذين كانوا عن يساره يستوزرهم هم التخيل و الوهم و الذكر، و الراعي هو بنطاسيا صاحب أغنام الحواس، و الذين قالوا هم ثلاثة أرادوا القلب و العاقلتين، و الذين قالوا خمسة زادوا عليهم الفكر و الوهم و تركوا المدرك للصور و الذكر لعدم تصرفهما و كون كل منهما كالخزانة.

و على هذا التأويل فالاطلاع للفئة المحققين من الحضرة الإلهية على بقاء النفس بعد خراب البدن، و التنازع، هو التجاذب و التغالب الواقع بين القوى في الاستيلاء على البدن الذي يبعثون فيه و هو البنيان المأمور ببنائه و الآمرون هم الغالبون الذين قالوا: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً[20] يسجد، أي: ينقاد فيه جميع القوى الحيوانية و الطبيعية و النفسانية و المأمورون هم المغلوبون الفاعلون في البدن المبعوث فيه و اللّه أعلم.

[23، 24]

[سورة الكهف (18): الآيات 23 الى 24]

وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (23) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَ قُلْ عَسى‏ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (24)

وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ‏ أدّبه بالتأديب الإلهي بعد ما نهاه عن المماراة و السؤال،فقال: «لا تقولنّ إلا وقت أن يشاء اللّه»بأن يأذن لك في القول فتكون قائلا به و بمشيئته أو إلا بمشيئته على أنه حال، أي: ملتبسا بمشيئته، يعني: لا تقولنّ لما عزمت عليه من فعل إني فاعل ذلك في الزمان المستقبل إلا ملتبسا بمشيئة اللّه، قائلا: إن شاء اللّه، أي:

لا تسند الفعل إلى إرادتك بل إلى إرادة اللّه، فتكون فاعلا به و مشيئته‏ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ‏ بالرجوع إليه و الحضور إِذا نَسِيتَ‏ بالغفلة عند ظهور النفس و التلوين بظهور صفاتها وَ قُلْ عَسى‏ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا أي: من الذكر عند التلوين و إسناد الفعل إلى صفاته بالتمكين و الشهود الذاتي المخلص عن حجب الصفات‏ رَشَداً استقامة، و هو التمكين في الشهود الذاتي.

[25، 26]

[سورة الكهف (18): الآيات 25 الى 26]

وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَ أَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)

وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ‏ من التي تبتنى على دور القمر فتكون كل سنة شهرا و مجموعها خمسة و عشرون سنة، و ذلك وقت انتباههم و تيقظهم‏ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً هي مدة الحمل. و روعيت في الآية نكتة، هي أنه: لم يقل ثلاثمائة سنة و تسعا، أو ثلاثمائة و تسع سنين، لاستعمال السنة في العرف وقت نزول الوحي في دورة شمسية لا قمرية، فأجمل العدد ثم بيّنه بقوله: سنين، فاحتمل أن يكون المميز غيرها كالشهر مثلا، ثم بين أنّ المدة سنين مبهمة غير معينة، إذ لو قيل: ثلاثمائة شهر سنين، فأبدل سنين من مجموع العدد، كانت العبارة صحيحة و المراد سنين كذا عددا، أي: خمسة و عشرين. و يؤيده قوله بعده: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا و قال قتادة: هو حكاية كلام أهل الكتاب من تتمة سيقولون: و قوله: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ‏ ردّ عليهم. و في مصحف عبد اللّه: و قالوا: لبثوا، و ذلك أن اليقين غير محقق و لا مطرد.

[27]

[سورة الكهف (18): آية 27]

وَ اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27)

وَ اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ‏ يجوز أن تكون من لابتداء الغاية، و الكتاب هو اللوح الأول المشتمل على كل العلوم الذي منه أوحى إلى من أوحى إليه، و أن تكون بيانا لما أوحى. و الكتاب هو العقل الفرقاني و على التقديرين‏ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ‏ التي هي أصول الدين من التوحيد و العدل و أنواعهما وَ لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً تميل إليه لامتناع وجود ذلك.

[28، 29]

[سورة الكهف (18): الآيات 28 الى 29]

وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً (29)

وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ‏ أمر بالصبر مع اللّه و أهله و عدم الالتفات إلى غيره و هذا الصبر هو من باب الاستقامة و التمكين لا يكون إلا باللّه‏ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِ‏ أي: دائما هم الموحدون من الفقراء المجرّدين الذين لا يطلبون غير اللّه و لا حاجة لهم في الدنيا و الآخرة، و لا وقوف مع الأفعال و الصفات‏ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏ أي: ذاته فحسب، يدعونه و لا يحتجبون عنه بغيره وقت ظهورها غداة الفناء و وقت احتجابها بهم عند البقاء، فالصبر معهم هو الصبر مع اللّه، و مجاوزة العين عنهم المنهي عنها هو الالتفات إلى الغير.

إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ‏ أي: المشركين المحجوبين عن الحق لقوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏[21] ناراً عظيمة أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها من مراتب الأكوان كالطباع العنصرية و الصور النوعية المادية المحيطة بالأشخاص الهيولانية بِماءٍ كَالْمُهْلِ‏ من جنس الغساق و الغسلين، أي: المياه المتعفنة التي تسيل من أبدان أهل النار مسوّدة فيها دسومات يغاثون بها أو غسالاتهم القذرة أو من جنس الغصص و الهموم المحرقة.

[30، 31]

[سورة الكهف (18): الآيات 30 الى 31]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَ حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالتوحيد الذاتي لكونهم في مقابلة المشركين‏ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ من الأعمال المقصودة لذاتها في مقام الاستقامة إِنَّا لا نُضِيعُ‏ أجرهم، وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن الأجر إنما يستحق بالعمل دون العلم، إذ به يستحق ارتفاع الدرجة و الرتبة جَنَّاتُ عَدْنٍ‏ من الجنان الثلاث‏ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ‏ أي: يزينون فيها بأنواع الحليّ من حقائق التوحيد الذاتي و معاني التجليات العينية الأحدية، إذ الذهبيات من الحليّ هي العينيات و الفضيات هي الصفاتيات النورانيات كقوله: وَ حُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ[22].

وَ يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً يتّصفون بصفات بهيجة، حسنة، نضرة، موجبة للسرور مِنْ سُنْدُسٍ‏ الأحوال و المواهب لكونها ألطف‏ وَ إِسْتَبْرَقٍ‏ الأخلاق و المكاسب لكونها أكثف‏ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى‏ أرائك الأسماء الإلهية التي هي مبادئ أفعاله لاتصافهم بأوصافه و كون الصفة مع الذات هي الاسم المستند هو عليه في جنة الصفات و الأفعال‏ نِعْمَ الثَّوابُ وَ حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً في مقابلة: بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً.

[32- 47]

[سورة الكهف (18): الآيات 37 الى 47]

قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38) وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَ وَلَداً (39) فَعَسى‏ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَ يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (40) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (41)

وَ أُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى‏ ما أَنْفَقَ فِيها وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها وَ يَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42) وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما كانَ مُنْتَصِراً (43) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً (44) وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً (45) الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ أَمَلاً (46)

وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَ تَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (47)

وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ‏ أي: نذهب جبال الأعضاء بالتفتيت فنجعلها هباء منثورا وَ تَرَى‏ أرض البدن‏ بارِزَةً ظاهرة مستوية، مسطحة بسيطة، كما كانت، لا صورة عليها و لا تركيب، فيها ترابا خالصا وَ حَشَرْناهُمْ‏ الضمير إما للقوى المذكورة و إما لأفراد الناس‏ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً غير محشور.

[48]

[سورة الكهف (18): آية 48]

وَ عُرِضُوا عَلى‏ رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (48)

وَ عُرِضُوا عَلى‏ رَبِّكَ‏ عند البعث‏ صَفًّا أي: مصطفين مترتبين في المواقف لا يحجب بعضهم بعضا، كل في رتبته‏ لَقَدْ جِئْتُمُونا أي: قلنا لهم ذلك اليوم: لقد جئتمونا حفاة عراة، غرلا فرادى، أي: كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ‏ بإنكاركم البعث‏ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً وقتا لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث و النشور.

[49- 59]

[سورة الكهف (18): الآيات 49 الى 59]

وَ وُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (50) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51) وَ يَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (52) وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَ لَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (53)

وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَ كانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْ‏ءٍ جَدَلاً (54) وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى‏ وَ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (55) وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ يُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَ اتَّخَذُوا آياتِي وَ ما أُنْذِرُوا هُزُواً (56) وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَ نَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى‏ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (57) وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58)

وَ تِلْكَ الْقُرى‏ أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَ جَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (59)

وَ وُضِعَ الْكِتابُ‏ أي: كتاب القالب المطابق لما في نفوسهم من هيئات الأعمال الراسخة فيهم‏ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ‏ لعثورهم به على ما نسوا وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا يدعون الهلكة التي هلكوا بها من أثر العقيدة الفاسدة و الأعمال السيئة ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها لكون آثار حركاتهم و أعمالهم كلها باقية في نفوسهم صغيرة كانت أو كبيرة، ثابتة في ألواح النفوس الفلكية أيضا، مضبوطة فيها، تظهر عليهم على التفصيل في نشأتهم الثانية لا محيص لهم عنها، و هذا معنى قوله: وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً مرّ معنى سجود الملائكة و إباء إبليس.

و قوله: كانَ مِنَ الْجِنِ‏ كلام مستأنف، كأن قائلا قال: ما بال إبليس لم يسجد؟

قال: كان من الجنّ، أي: من القوى البدنية المختفية بالمواد، فلذلك فسق‏ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ‏ أي: لاحتجابه بالمادة و لواحقها.

[60]

[سورة الكهف (18): آية 60]

وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (60)

وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِفَتاهُ‏ ظاهره على ما ذكر في القصص و لا سبيل إلى إنكار المعجزات. و أما باطنه فأن يقال: و إذ قال موسى القلب لفتى النفس وقت التعلق بالبدن: لا أَبْرَحُ‏ أي: لا أنفك عن السير و المسافرة، أو لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ‏ أي:

ملتقى العالمين: عالم الروح و عالم الجسم، و هما العذاب و الأجاج في صورة الإنسانية و مقام القلب‏ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً أي: أسير مدة طويلة.

[61]

[سورة الكهف (18): آية 61]

فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (61)

فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما في الصورة الحاضرة الجامعة نَسِيا حُوتَهُما و هو الحوت الذي ابتلغ ذا النون عليه السلام بالنوع لا بالشخص، لأن غداءهما كان قبل الوصول إلى هذه الصورة في الخارج من ذلك الحوت الذي أمر بتزوده في السفر وقت العزيمة فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ‏ في بحر الجسد حيّا كما كان أو لا سَرَباً نقبا واسعا كما قيل: بقي طريقه في البحر منفرجا، لم ينضم عليه البحر.

[62]

[سورة الكهف (18): آية 62]

فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (62)

فَلَمَّا جاوَزا مكان مفارقة الحوت و ألقى على موسى النصب و الجوع، و لم ينصب في السفر و لا جاع قبل ذلك على ما حكى، تذكر الحوت و الاغتذاء منه و طلب الغداء من فتاه و إنما قال: آتِنا غَداءَنا لأن حاله ذلك نهارا بالنسبة إلى ما قبله في الرحم‏ لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً هو نصب الولادة و مشقتها.

[63]

[سورة الكهف (18): آية 63]

قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَ ما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (63)

قالَ أَ رَأَيْتَ‏ ما عراني‏ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ أي: النحر للارتضاع‏ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ‏ لاستغنائنا عنه‏ وَ ما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ‏ أي: و ما أنساني أن أذكره إلا الشيطان على إبدال أن أذكره من الضمير، و ذلك لأن موسى كان راقدا حين اتخذ الحوت‏ سبيله في البحر على ما قيل. و فتى النفس يقظان، فأنسى شيطان الوهم الذي زيّن الشجرة لآدم ذكر النفس الحوت لموسى لكون الحال حال ذهول و السبيل المتعجب منه هو السرب المذكور.

[64- 69]

[سورة الكهف (18): الآيات 64 الى 69]

قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى‏ آثارِهِما قَصَصاً (64) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (65) قالَ لَهُ مُوسى‏ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (67) وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (68)

قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (69)

قالَ ذلِكَ‏ أي: تملص الحوت و اتخاذه سبيله الذي كان عليه في جبلته‏ ما كُنَّا نطلبه، لأن هناك مجمع البحرين الذي وعد موسى عنده بوجود من هو أعلم منه، إذ الترقي إلى الكمال بمتابعة العقل القدسي لا يكون إلا في هذا المقام‏ فَارْتَدَّا عَلى‏ آثارِهِما في الترقي إلى مقام الفطرة الأولى كما كانا أولا يقصّان‏ قَصَصاً أي: يتبعان آثارهما عند الهبوط في الترقي إلى الكمال حتى وجد العقل القدسي، و هو عبد من عباد اللّه مخصوص بمزية عناية و رحمة آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا أي: كمالا معنويا بالتجرّد عن المواد و التقدّس عن الجهات.

و النورية المحضة التي هي آثار القرب و العندية وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً من المعارف القدسية و الحقائق الكلية اللدنية بلا واسطة تعليم بشريّ. و قوله: هَلْ أَتَّبِعُكَ‏ هو ظهور إرادة السلوك و الترقي إلى الكمال‏ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لكونك غير مطلع على الأمور الغيبية و الحقائق المعنوية لعدم تجرّدك و احتجابك بالبدن و غواشيه، فلا تطيق مرافقتي، و هذا معنى قوله: وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً لقوّة استعدادي و ثباتي على الطلب‏ وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً لتوجهي نحوك و قبولي أمرك، لصفائي و صدق إرادتي. و المقاولات كلها بلسان الحال.

[70، 71]

[سورة الكهف (18): الآيات 70 الى 71]

قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (70) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (71)

فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي‏ في سلوك طريق الكمال‏ فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ أي: عليك بالاقتداء و المتابعة في السير بالأعمال و الرياضات و الأخلاق و المجاهدات، و لا تطلب الحقائق و المعاني‏ حَتَّى‏ يأتي وقته، ف أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ‏ أي: من ذلك العلم‏ ذِكْراً و أخبرك بالحقائق الغيبية عند تجرّدك بالمعاملات القالبية و القلبية فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا في سفينة البدن البالغ إلى حدّ الرياضة الصالح للعبودية إلى العالم القدسي في بحر الهيولى للسير إلى اللّه‏ خَرَقَها أي: نقصها بالرياضة و تقليل الطعام و أضعف إحكامها و أوقع الخلل في نظامها و أوهنها قالَ‏ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها أي: أ كسرتها لتغرق القوى الحيوانية و النباتية التي فيها في بحر الهيولى فتهلك‏ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً و هذا الإنكار عبارة عن ظهور النفس بصفاتها و ميل القلب إليها، و التضجّر عن حرمان الحظوظ في الرياضة، و عدم القناعة بالحقوق.

[72- 76]

[سورة الكهف (18): الآيات 72 الى 76]

قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (72) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَ لا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (73) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (74) قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (75) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (76)

قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً تنبيه روحي و تحريض قدسي على أن العزيمة في السلوك يجب أن تكون أقوى من ذلك‏ قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ‏ إلى آخره، اعتذاره في مقام النفس اللوّامة فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً هو النفس التي تظهر بصفاتها فتحجب القلب فتكون أمّارة بالسوء. و قتله بإماتة الغضب و الشهوة و سائر الصفات‏ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً اعتراض لتحنن القلب على النفس و أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ‏ تذكير و تعبير روحي و إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ إلى آخره، اعتذار و إقرار بالذنب و اعتراف، و كلها من التلوينات عند كون النفس لوّامة.

[77]

[سورة الكهف (18): آية 77]

فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (77)

فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ هم القوى البدنية، و استطعامهما منهم هو طلب الغذاء الروحاني منهم، أي: بواسطتهم كانتزاع المعاني الكلية من مدركاتها الجزئية و إنما أبوا أن يضيفوهما و إن أطعموهما قبل ذلك لأن غذاءهما حينئذ كان من فوقهم من الأنوار القدسية و التجليات الجمالية و الجلالية و المعارف الإلهية و المعاني الغيبية لا من تحت أرجلهم كما كان قبل خرق السفينة، و قتل الغلام بالرياضة و القوى و الحواس مانعة من ذلك لا ممدة، بل لا تتهيأ إلا بعد نعاسهم و هدوّهم كما قال موسى لأهله: امكثوا. و الجدار الذي‏ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ‏ هو النفس المطمئنة و إنما عبر عنها بالجدار لأنها حدثت بعد قتل النفس الأمّارة و موتها بالرياضة، فصارت كالجماد غير متحركة بنفسها و إرادتها، و لشدة ضعفها كادت تهلك، فعبر عن حالها بإرادة الانقضاض.

و إقامته إياها تعديلها بالكمالات الخلقية و الفضائل الجميلة بنور القوة النطقية حتى قامت الفضائل مقام صفاتها من الرذائل. و قول موسى عليه السلام:لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً تلوين قلبي لا نفسي، و هو طلب الأجر و الثواب باكتساب الفضائل و استعمال الرياضة، و لهذا أجابه بقوله:

 

[78]

[سورة الكهف (18): آية 78]

قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (78)

هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ‏ أي: هذا هو مفارقة مقامي و مقامك و مباينتهما و الفرق بين حالي و حالك، فإن عمارة النفس بالرياضة و التخلق بالأخلاق الحميدة ليست لتوقع الثواب و الأجر و إلا فليست فضائل و لا كمالات لأن الفضيلة هي التخلق بالأخلاق الإلهية بحيث تصدر عن صاحبها الأفعال المقصودة لذاتها لا لغرض. و ما كان لغرض فهو حجاب و رذيلة لا فضيلة و المقصود هو طرح الحجاب و انكشاف غطاء صفات النفس، و البروز إلى عالم النور لتلقي المعاني الغيبية بل الاتصاف بالصفات الإلهية بل التحقق باللّه بعد الفناء فيه لا الثواب كما زعمت‏ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أي: لما اطمأنت النفس و استقرّت القوى أمكنك قبول المعاني و تلقي الغيب الذي نهيتك عن السؤال عنه حتى أحدث لك منه ذكرا فسأذكر لك و أنبئك بتأويل هذه الأمور إذا استعددت لقبول المعاني و المعارف.

[79- 81]

[سورة الكهف (18): الآيات 79 الى 81]

أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (79) وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً (80) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً (81)

أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ‏ في بحر الهيولى، أي: القوى البدنية من الحواس الظاهرة و القوى الطبيعية النباتية، و إنما سماها مساكين لدوام سكونها و ملازمتها لتراب البدن و ضعفها عن ممانعة القلب في السلوك و الاستيلاء عليه كسائر القوى الحيوانية. و حكي أنهم كانوا عشرة أخوة خمسة منهم زمنى و خمسة يعملون في البحر، و ذلك إشارة إلى الحواس الظاهرة و الباطنة فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها بالرياضة لئلا يأخذها ملك النفس الأمّارة غصبا و هو الملك الذي كان وراءهم أي: قدّامهم‏ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً بالاستيلاء عليها و استعمالها في أهوائه و مطالبه‏ وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ‏ اللذان هما الروح و الطبيعة الجسمانية مُؤْمِنَيْنِ‏ مقرين بالتوحيد لانقيادهما في سلك طاعة للّه و امتثالهما لأمر اللّه و إذعانهما لما أراد اللّه منهما فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما أي: يغشيهما طُغْياناً عليهما بظهوره بالأنائية عند شهود الروح‏ وَ كُفْراً لنعمتهما بعقوقه و سوء صنيعه أو كفرا بالحجاب فيفسد عليهما أمرهما و دينهما و يبطل عبوديتهما للّه‏ فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً كما بدّلهما بالنفس المطمئنة التي هي خير منه زكاة، أي: طهارة و نقاء وَ أَقْرَبَ رُحْماً تعطفا و رحمة لكونها أعطف على الروح و البدن و أنفع لهما، و أكثر شفقة. و يجوز أن يكون المراد بالأبوين الجدّ و الأب، فكان كناية عن الروح و القلب. و كونه أقرب رحما أنسب لهما و أشدّ تعطفا.

[82]

[سورة الكهف (18): آية 82]

وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَ يَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82)

وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ أي: العاقلتين النظرية و العملية المنقطعتين عن أبيهما الذي هو روح القدس لاحتجابهما عنه بالغواشي البدنية أو القلب الذي مات أو قتل قبل الكمال باستيلاء النفس في مدينة البدن‏ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما أي: كنز المعرفة التي لا تحصل إلا بهما في مقام القلب لإمكان اجتماع جميع الكليات و الجزئيات فيه بالفعل وقت الكمال و هو حال بلوغ الأشد و استخراج ذلك الكنز. و قال بعض أهل الظاهر من المفسرين: كان الكنز صحفا فيها علم‏ وَ كانَ أَبُوهُما على كلا التأويلين‏ صالِحاً و قيل:كان أبا أعلى لهما حفظهما اللّه له، فعلى هذا لا يكون إلا روح القدس.

[83- 85]

[سورة الكهف (18): الآيات 83 الى 85]

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً (84) فَأَتْبَعَ سَبَباً (85)

قصة ذي القرنين مشهورة و كان روميا قريب العهد و التطبيق، إن ذا القرنين في هذا الوجود هو القلب الذي ملك قرنيه، أي: خافقيه شرقها و غربها إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ‏ في أرض البدن بالإقدار و التمكين على جمع الأموال من المعاني الكلية و الجزئية و السير إلى أيّ قطر شاء من المشرق و المغرب. وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ أراده من الكمالات‏ سَبَباً أي: طريقا يتوصل به إليه‏ فَأَتْبَعَ‏ طريقا بالتعلق البدني و التوجه إلى العالم السفلي.

[86]

[سورة الكهف (18): آية 86]

حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَ وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (86)

حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ‏ أي: مكان غروب شمس الروح‏ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ أي: مختلطة بالحمأة، و هي المادة البدنية الممتزجة من الأجسام الغاسقة كقوله: مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏[23].

وَ وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً هم القوى النفسانية البدنية و الروحانية قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ‏ بالرياضة و القهر و الإماتة وَ إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً بالتعديل و إيفاء الحظ.

[87]

[سورة الكهف (18): آية 87]

قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى‏ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (87)

قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ‏ بالإفراط و عدم الاستسلام و الانقياد كالشهوة و الغضب و الوهم و التخيل‏ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ‏ بالرياضة ثُمَّ يُرَدُّ إِلى‏ رَبِّهِ‏ في القيامة الصغرى‏ فَيُعَذِّبُهُ‏ بالإلقاء في نار الطبيعة عَذاباً نُكْراً أي: منكرا أشدّ من عذابي، أو في القيامة الكبرى فيعذبه عذاب القهر و الإفناء.

 

[88]

[سورة الكهف (18): آية 88]

وَ أَمَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى‏ وَ سَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (88)

وَ أَمَّا مَنْ آمَنَ‏ بالعلم و المعرفة كالعاقلتين و الفكر و الحواس الظاهرة وَ عَمِلَ صالِحاً بالسعي في اكتساب الفضائل و الانقياد و الطاعة فَلَهُ جَزاءً المثوبة الْحُسْنى‏ من جنة الصفات و تجليات أنوارها و أنهار علومها وَ سَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي: قولا ذا يسر بحصول الملكات الفاضلة.

[89]

[سورة الكهف (18): الآيات 89 الى 91]

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (89) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى‏ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (90) كَذلِكَ وَ قَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (91)

ثُمَّ أَتْبَعَ‏ طريقا هي طريق الترقي و السلوك إلى اللّه بالتجرّد و التزكي‏ حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ‏ أي: مطلع شمس الروح‏ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى‏ قَوْمٍ‏ هم العاقلتان و الفكر و الحدس و القوة القدسية لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً أي: حجابا لتنوّرهم بنورها و إدراكهم المعاني الكلية كَذلِكَ‏ أي: أمره كما وصفنا وَ قَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ‏ من العلوم و المعارف و الكمالات و الفضائل‏ خُبْراً أي: علما، و معناه: لم يحط به غيرنا لكونه الحضرة الجامعة للعالمين فليس في الوجود من يقف على معلوماته إلا اللّه و لأمر ما سمي عرش اللّه.

[92، 93]

[سورة الكهف (18): الآيات 92 الى 93]

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (92) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (93)

ثُمَّ أَتْبَعَ‏ طريقا بالسير في اللّه‏ حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ‏ أي: الكونين، و ذلك مرتبته و مقامه الأصلي بين صدفي جبلي الإله و السير في المشرق و المغرب سفرة تنزلا و ترقيا وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً هم القوى الطبيعية البدنية و الحواس الظاهرة لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا لكونها غير مدركة للمعاني و لا ناطقة بها.

[94]

[سورة الكهف (18): آية 94]

قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى‏ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَ بَيْنَهُمْ سَدًّا (94)

قالُوا بلسان الحال‏ إِنَّ يَأْجُوجَ‏ الدواعي و الهواجس الوهمية وَ مَأْجُوجَ‏ الوساوس و النوازع الخيالية مُفْسِدُونَ‏ في أرض البدن بالتحريض على الرذائل و الشهوات المنافية للنظام و الحث على الأعمال الموجبة للخلل فيه و خراب القوانين الخيرية و القواعد الحكمية و إحداث النوائب و الفتن و الأهواء و البدع المنافية للعدالة المقتضية لفساد الزرع و النسل‏ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً بإمدادك بكمالاتنا و صور مدركاتنا عَلى‏ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَ بَيْنَهُمْ سَدًّا لا يتجاوزونه و حاجزا لا يعلونه، و ذلك هو الحد الشرعي و الحجاب القلبي من الحكمة العملية.

[95]

[سورة الكهف (18): آية 95]

قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ رَدْماً (95)

قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي‏ من المعاني الكلية و الجزئية الحاصلة بالتجربة و السير في المشرق و المغرب‏ خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أي: عمل و طاعة أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ رَدْماً هو الحكمة العملية و القانون الشرعي.

[96]

[سورة الكهف (18): آية 96]

آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى‏ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (96)

آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ من الصور العملية و أوضاع الأعمال‏ حَتَّى إِذا ساوى‏ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ‏ بالتعديل و التقدير قالَ‏ للقوى الحيوانية انْفُخُوا في هذه الصور نفخ المعاني الجزئية و الهيئات النفسانية من فضائل الأخلاق‏ حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً أي: علما برأسه من جملة العلوم يحتوي على بيان كيفية الأعمال‏ قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً النية و القصد الذي يتوسط بين العلم و العمل، فيتحد به روح العلم و جسد العمل كالروح الحيواني المتوسط بين الروح الإنساني و البدن، فحصل سدّ، أي: قاعدة و بنيان من زبر الأعمال و نفخ العلوم و الأخلاق و قطر العزائم و النيات، و اطمأنت به النفس و تدّبرت فآمنت.

[97]

[سورة الكهف (18): آية 97]

فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (97)

فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ‏ و يعلوه لارتفاع شأنه و كونه مشتملا على علوم و حجج لم يمكنهم دفعها و الاستيلاء عليها وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً لاستحكامه بالملكات و الأعمال و الأذكار.

[98]

[سورة الكهف (18): آية 98]

قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَ كانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)

قالَ هذا السدّ، أي: القانون‏ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي‏ على عباده، يوجب أمنهم و بقاءهم‏ فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي‏ بالقيامة الصغرى‏ جَعَلَهُ دَكًّا باطلا، منهدما، لامتناع العمل به عند الموت و خراب الآلات البدنية.

[99]

[سورة الكهف (18): آية 99]

وَ تَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (99)

وَ تَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ‏ بالاضطراب و الاختلاط، أي: تركناهم يختلطون لاجتماعهم في الروح مع عدم الحيلولة وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ للبعث في النشأة الثانية فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً أو بالقيامة الكبرى حال الفناء و ظهور الحق. جعله دكّا لارتفاع العلم و الحكمة هناك، و ظهور معنى الحل و الإباحة بتجلي الأفعال الإلهية و انتفاء الغير و فعله، و تركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض، حيارى، مختلطين شيئا واحدا لا حراك بهم. و نفخ في الصور بالإيجاد بالوجود الحقّاني حال البقاء فجمعناهم جمعا في التوحيد و الاستقامة و التمكين و كونهم باللّه لا بأنفسهم.

 

[100- 108]

[سورة الكهف (18): الآيات 100 الى 108]

وَ عَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (100) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (101) أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)

أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ لِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (105) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَ اتَّخَذُوا آياتِي وَ رُسُلِي هُزُواً (106) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (107) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (108)

وَ عَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ‏ أي: يوم القيامة الصغرى يتعذب المحجوبون عن الحق بأنواع العذاب و النيران كما ذكر في سورة (الأنعام) أو في ذلك الشهود، أي: ظهر لصاحب القيامة الكبرى تعذبهم في نار جهنم‏ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي‏ أي:

محجوبة عن آياتي و تجلّيات صفاتي الموجبة لذكري‏ لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي: تحولا لبلوغهم الكمال الذي يقتضيه استعدادهم، فلا شوق لهم إلى ما وراءه و إن وجد كمال وراء ذلك لعدم إدراكهم له فلا ذوق و لا شوق، و كونهم في مقابلة المشركين المحجوبين عن الحق بالغير. و كون جنّاتهم جنّات الفردوس يدلان على أن المراد بهم هم الموحدون الكاملون الاستعداد الذين لا كمال فوق كمالهم، فلا يبقى شي‏ء وراء مرتبتهم، يريدون التحوّل إليه.

[109]

[سورة الكهف (18): آية 109]

قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109)

قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ أي: بحر الهيولى القابلة للصور الممدّة لها في الظهور مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي‏ من المعاني و الحقائق و الأعيان و الأرواح‏ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي‏ لكونها غير متناهية و امتناع وفاء المتناهي بغير المتناهي، و اللّه أعلم.

(تم الجزء الأول و يليه الجزء الثاني أوّله سورة مريم)


[1] ( 1) سورة النجم، الآية: 17.

[2] ( 2) سورة فصلت، الآية: 30.

[3] ( 3) سورة الكهف، الآية: 4.

[4] ( 1) سورة المائدة، الآية: 54.

[5] ( 1) سورة النازعات، الآيات: 4- 5.

[6] ( 1) سورة البقرة، الآية: 253.

[7] ( 2) سورة البقرة، الآية: 136.

[8] ( 1) سورة الحج، الآية: 47.

[9] ( 2) سورة الكهف، الآية: 19.

[10] ( 3) نفس الهامش السابق.

[11] ( 1) سورة القصص، الآية: 38.

[12] ( 2) سورة النازعات، الآية: 24.

[13] ( 3) سورة الجاثية، الآية: 23.

[14] ( 4) سورة النجم، الآية: 23.

[15] ( 5) سورة الأنعام، الآية: 122.

[16] ( 6) سورة الكهف، الآية: 16.

[17] ( 1) سورة الناس، الآية: 5.

[18] ( 1) سورة التوبة، الآية: 122.

[19] ( 2) سورة الغاشية، الآية: 7.

[20] ( 1) سورة الكهف، الآية: 21.

[21] ( 1) سورة لقمان، الآية: 13.

[22] ( 1) سورة الإنسان، الآية: 21.

[23] ( 1) سورة الإنسان، الآية: 2.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=