تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة لقمان
سورة لقمان
[1- 28]
[سورة لقمان (31): الآيات 1 الى 28]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (2) هُدىً وَ رَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (6) وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11) وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَ إِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)
وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ اصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَ لا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (18) وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)
أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ (20) وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (21) وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَ إِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) وَ مَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (24)
وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (25) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28)
وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ أي: وجوده إلى اللّه بالفناء في أفعاله أو صفاته أو ذاته وَ هُوَ مُحْسِنٌ عابد له على مشاهدته بحسب مقامه يعمل في الأول بأعمال التوكل على مشاهدة أفعاله تعالى، و في الثاني بأعمال مقام الرضا على مشاهدة صفاته، و في الثالث بالاستقامة في التحقق به على شهود ذاته فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بدين التوحيد الذي هو أوثق العرى وَ إِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ بالفناء فيه و إليه انتهاء الكل.
[29- 31]
[سورة لقمان (31): الآيات 29 الى 31]
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَ أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31)
أَ لَمْ تَرَ أن فلك البدن تجري في بحر الهيولى بإفاضة آثار صفاته من الحياة و القدرة و الإدراك عليه و إعداده بالآلات بِنِعْمَتِ اللَّهِ أي: لقبول الكمالات عليه لِيُرِيَكُمْ بهذا الجري و الاستعداد من آيات تجليات أفعاله و صفاته إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ من تجليات أفعاله و صفاته، إذ لا تظهر إلا على هذا المظهر لِكُلِّ صَبَّارٍ يصبر مع اللّه في المجاهدة عن ظهور أفعال نفسه و صفاتها لأحكام مقام التوكل و الرضا شَكُورٍ يشكر نعم التجليات بالقيام بحقها و العمل بأحكام مقام التوكل في تجليات الأفعال و أحكام مقام الرضا في تجليات الصفات ليكون على مزيد من جلاله.
[32]
[سورة لقمان (31): آية 32]
وَ إِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32)
وَ إِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ من غلبات صفات النفس و مقتضيات الطبع كَالظُّلَلِ كالحجب الساترة لأنوار التجليات دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ التجؤوا إلى اللّه بالإخلاص و القيام بحقه في مقامهم لتنكشف الحجب ببركة الثبات على العمل بالإخلاص، فإن السالك إذا حجب بالتلوين عن المقام الأعلى وجب عليه التثبيت في المقام الذي دونه مما هو ملك له كالإخلاص بالنسبة إلى التوكل فَلَمَّا نَجَّاهُمْ بالتجلي الفعلي إلى برّ مقام التوكل و الأمن من الغرق في بحر الهيولى بغلبات النفس فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ثابت على العدل في القيام بحقوق التوكل و السير في أفعاله تعالى على التمكين وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا بإضافة حقوق مقامه في التجليات و احتجابه عنها في التلوينات إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ يغدر في الوفاء بعقد العزيمة و عهد الفطرة مع اللّه عند الابتلاء بالفترة كَفُورٍ لا يستعمل نعم اللّه في مراضيه و لا يقضي حقوق مقامه في التجليات، و لا يعمل بأعمال أهل التوكل و الرضا عند ظهور أنوار الأفعال و الصفات، أو تلك الشريعة تجري مراكبها في هذا البحر إلى ساحل برّ النجاة و جنّة الآثار ليريكم من آيات تجليات الأفعال.
[33]
[سورة لقمان (31): آية 33]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَ اخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَ لا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)
اتَّقُوا رَبَّكُمْ احذروه في الظهور بأفعالكم و صفاتكم و ذواتكم بالفناء فيه عنها وَ اخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ لانقطاع الوصل عند بروزكم للّه المتجلي بالوحدة و القهر و لا يبقى وجود للوالد و الولد، فلا يجزي بعضهم عن بعض شيئا فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا من الحياة القلبية التي هي أقرب إليكم بأنها حقيقية دائمة فإنه لا حياة لأحد حينئذ وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فتظهروا بالأنائية و تحتجبوا بوسوسته فتقعوا في الطغيان.
[34]
[سورة لقمان (31): آية 34]
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الكبرى لفناء الكل فيه حينئذ فكيف بعلومهم وَ يُنَزِّلُ غيث ذلك بحسب الاستعدادات قبل الفناء وَ يَعْلَمُ ما فِي أرحام الاستعداد من الكمالات أهي تامّة أم لا؟ أو في أرحام النفوس من أولاد القلوب أهي رشيدة كاملة أم لا؟، وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ من العلوم و المقامات في الزمان المستقبل لاحتجابها عما في استعدادها وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ من أراضي المقامات تَمُوتُ و يفنى استعدادها لانقضاء ما فيها من الكمالات، لأن علم الاستعدادات و حدودها مما استأثر به اللّه تعالى لذاته في غيب الغيب، و اللّه تعالى أعلم.