تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الواقعة
سورة الواقعة
[1- 3]
[سورة الواقعة (56): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (2) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (3)
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي: القيامة الصغرى لَيْسَ لِوَقْعَتِها نفس تكذب على اللّه أن البعث و أحوال الآخرة لا تكون، لأن كل نفس تشاهد أحوالها من السعادة و الشقاوة خافِضَةٌ رافِعَةٌ تخفض الأشقياء إلى الدركات و ترفع السعداء إلى الدرجات.
[4- 9]
[سورة الواقعة (56): الآيات 4 الى 9]
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَ بُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (5) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (6) وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (7) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (8)
وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (9)
إِذا رُجَّتِ أي: حركت و زلزلت أرض البدن بمفارقة الروح تحريكا يخرج به جميع ما فيها و ينهدم معه جميع أعضائه وَ بُسَّتِ أي: فتتت جبال العظام بصيرورتها رميما و رفاتا أو سيقت و أذهبت حتى صارت هَباءً مُنْبَثًّا وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً السعداء الذين هم الأبرار و الصلحاء من الناس، و الأشقياء الذين هم الأشرار و المفسدون من الناس.
و إنما سمى الأولون أصحاب الميمنة لكونهم أهل اليمن و البركة أو لكونهم متوجهين إلى أفضل الجهتين و أقواهما التي هي الجهة العليا و عالم القدس، و سمى الآخرون أصحاب المشأمة لكونهم أهل الشؤم و النحوسة أو لكونهم متوجهين إلى أرذل الجهتين و أضعفهما التي هي الجهة السفلى و عالم الحسّ.
[10- 14]
[سورة الواقعة (56): الآيات 10 الى 14]
وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَ قَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)
وَ السَّابِقُونَ الموحدون الذين سبقوا الفريقين و جاوزوا العالمين بالفناء في اللّه السَّابِقُونَ أي: الذين لا يمكن مدحهم و الزيادة على أوصافهم أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ حال التحقق بالوجود الحقاني بعد الفناء فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ من جميع مراتب الجنان ثُلَّةٌ أي:
جماعة كثيرة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي: المحبوبين الذين هم أهل الصف الأول من صفوف الأرواح، أهل العناية الأولى في الأزل وَ قَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أي: المحبين الذين تتأخر مرتبتهم عن مرتبة المحبوبين أهل الصف الثاني، و وصفوا بالقليل لأن المحب قلما يدركه شأو المحبوب و يبلغ غايته في الكمال بل أكثرهم في جنات الصفات واقفين في درجات السعداء، و المحبوبون كلهم في جنة الذات بالغين أقصى الغايات، و لهذا
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «الثنتان جميعا من أمتي»
، أي: ليس الأولون من أمم المتقدمين و الآخرون من أمّته عليه السلام، بل العكس أولى أو ثلة من أوائل هذه الأمة الذين شاهدوا النبي صلى اللّه عليه و سلم و أدركوا طراوة الوحي في زمانه أو قاربوا زمانه و شاهدوا من صحبه من التابعين، و الآخرون هم الذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم في آخر دور الدعوة و قرب زمان خروج المهدي عليه السلام لا الذين هم في زمانه، فإن السابقين في زمانه أكثر لكونهم أصحاب القيامة الكبرى و أهل الكشف و الظهور.
[15- 16]
[سورة الواقعة (56): الآيات 15 الى 16]
عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (16)
عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ أي: متواصلة متراصفة من الوجودات الموهوبة الحقانية المخصوصة بكل أحد منهم،
كقوله عليه السلام: «على منابر من نور»
أو على مراتب الصفات مُتَّكِئِينَ عَلَيْها متظاهرين فيها لكونها من مقاماتهم مُتَقابِلِينَ متساوين في الرتب لا حجاب بينهم أصلا في عين الوحدة لتحققهم بالذات و تخيرهم في الظهور بأيّ صفة من الصفات شاءوا بجمعهم المحبة الذاتية لا يحتجبون بالصفات عن الذات و لا بالذات عن الصفات.
[17]
[سورة الواقعة (56): آية 17]
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (17)
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ تخدمهم قواهم الروحانية الدائمة بدولة ذواتهم أو الأحداث المستعدّون من أهل الإرادة المتصلون بهم بفرط الإرادة، كما قال: بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ[1] أو الملكوت السماوية.
[18- 24]
[سورة الواقعة (56): الآيات 18 الى 24]
بِأَكْوابٍ وَ أَبارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَ لا يُنْزِفُونَ (19) وَ فاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَ لَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَ حُورٌ عِينٌ (22)
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24)
بِأَكْوابٍ وَ أَبارِيقَ من خمور الإرادة و المعرفة و المحبة و العشق و الذوق و مياه الحكم و العلوم لا يُصَدَّعُونَ عَنْها أي: كلها لذّة لا ألم معها و لا خمار لكونهم واصلين واجدين لذة برد اليقين، شاربين الشراب الكافوري. فإن محبة الوصول خالصة عن ألم الشوق و خوف الفقدان وَ لا يُنْزِفُونَ لا يذهب تمييزهم و عقلهم بالسكر و لا يطفحون لكونهم أهل الصحو غير محجوبين بالذات عن الصفات فيلحقهم السكر و يغلب عليهم الحال وَ فاكِهَةٍ من مواجيدهم و كشفياتهم الذوقية مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يأخذون خيره لأنهم واجدون جميعها فيختارون أصفاها و أبهاها و أشرفها و أسناها وَ لَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ من لطائف الحكم و دقائق المعاني المقويّة لهم وَ حُورٌ عِينٌ من تجليات الصفات و مجردات الجبروت و ما في مراتبهم من الأرواح المجرّدة كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الرطب في صفائها و نوريتها الْمَكْنُونِ في الأصداف أو المخزون لكونها في بطنان الغيب و خزائنه مستورة عن الأغيار من أهل الظاهر جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في حال الاستقامة من الأعمال الإلهية المقصودة لذاتها المقارنة لجزائها، أو بما كانوا يعملون في حال السلوك من أعمال التزكية و التصفية.
[25- 26]
[سورة الواقعة (56): الآيات 25 الى 26]
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا تَأْثِيماً (25) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (26)
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً هذيانا و كلاما غير مفيد لمعنى لكونهم أهل التحقيق متأدّبين بين يدي اللّه بآداب الروحانيين وَ لا تَأْثِيماً من الفواحش التي يؤثم بها صاحبها كالغيبة و الكذب و أمثالهما إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً أي: قولا هو سلام في نفسه منزه عن النقائص مبرأ عن الفضول و الزوائد، و قولا يفيد سلامة السامع من العيوب و النقائص و يوجب سروره و كرامته و يبين كماله و بهجته لكون كلامهم كله معارف و حقائق و تحايا و لطائف على اختلاف وجهي الإعراب.
[27- 34]
[سورة الواقعة (56): الآيات 27 الى 34]
وَ أَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَ ماءٍ مَسْكُوبٍ (31)
وَ فاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ (33) وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34)
وَ أَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ أي: هم شرفاء عظماء كرماء يتعجب من أوصافهم في السعادة فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ أي: في جنة النفس المخضودة عن شوك تضادّ القوى و الطبائع و تنازع الأهواء و الدواعي لتجرّدها عن هيئات صفاتها بنور الروح و القلب أو موقرة بثمار الحسنات و الهيئات الصالحات على اختلاف التفسيرين وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ أي: في جنة القلب لأن الطلح شجرة الموز و ثمرتها حلوة دسمة لذيذة لا نوى لها كمدركات القلب و معانيه المجردة عن المواد و الهيئات الجرمية بخلاف السدر التي هي شجرة النبق الكثيرة النوى كمدركات النفس الجزئية المقرونة باللواحق المادية و الهيئات الجرمية منضود نضد ثمره من أسفله إلى أعلاه لا ساق بارزة لها لكثرة تكون مدركاته غير متناهية الكثرة وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ من نور الروح المروّح وَ ماءٍ مَسْكُوبٍ أي: علم يرشح عليهم و يسكب من عالم الروح، و إنما سكب سكبا و لم يجر جريانا لقلّة علوم السعداء بالنسبة إلى أعمالهم، إذ ثقل علومهم الروحانية من المواجيد و المعارف و التوحيديات و الذوقيات و إن كثرت علومهم النافعة وَ فاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ من المدركات الجزئية و الكلية اللذيذة كالمحسوسات و المخيلات و الموهومات و المعاني الكلية القلبية لا مَقْطُوعَةٍ لكونها غير متناهية وَ لا مَمْنُوعَةٍ لكونها اختيارية كلما شاؤوا أين شاؤوا وجدوها وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ من فضائل الأخلاق و الهيئات النورانية النفسية المكتسبة من الأعمال الحسنة، رفعت عن مرتبة الهيئات البدنية و الجهة السفلية إلى حيز الصدر الذي هو الجهة العليا من النفس المتصلة بالقلب، أو حور من النسوان أي: الملكوت المتصلة بهم المساوية في المرتبة على اختلاف التفسيرين.
[35- 40]
[سورة الواقعة (56): الآيات 35 الى 40]
إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (35) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (36) عُرُباً أَتْراباً (37) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39)
وَ ثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40)
إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً عجيبا نورانيا مجردة عن المواد، مطهرة عن أدناس الطبائع و ألواث العناصر فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً أي: لم تتأثر بملامسة الأمور الطبيعية و مباشرة الطبيعيين الظاهرين من أهل العادة و المخالطين للمادة من النفوس عُرُباً متحببة إليهم محبوبة لصفائها و حسن جوهرها و دوام اتصالها بهم أَتْراباً لكونها في درجة واحدة متساوية المراتب أزلية الجواهر ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ لأن المحبوبين يدخلون على أصحاب اليمين جناتهم عند التداني و الترقي في الدرجات و عند التدلي و الرجوع إلى الصفات فيختلطون بهم و ينخرطون في سلكهم وَ ثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ لأن المحبين أكثرهم أصحاب اليمين واقفون مع الصفات دون محبة الذات و إن فسرنا الأولين و الآخرين بأوائل الأمة المحمدية و أواخرها فظاهر لكثرة أصحاب اليمين في أواخرهم أيضا دون السابقين.
[41- 56]
[سورة الواقعة (56): الآيات 41 الى 56]
وَ أَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (41) فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ (42) وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لا بارِدٍ وَ لا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (45)
وَ كانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَ كانُوا يَقُولُونَ أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَ وَ آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50)
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55)
هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56)
وَ أَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ أي: هم الذين يتعجب من أحوالهم و صفاتهم في الشقاوة و النحوسة و الهوان و الخساسة فِي سَمُومٍ من الأهواء المردية و الهيئات الفاسقة المؤذية وَ حَمِيمٍ من العلوم الباطلة و العقائد الفاسدة وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ من هيئات النفوس المسودة بالصفات المظلمة و الهيئات السود الردئية لأن اليحموم دخان أسود بهيم لا بارِدٍ وَ لا كَرِيمٍ أي: ليس له صفتا الظل الذي يأوي إليه الناس من الروح و نفع من يأوي إليه بالراحة بل له إيذاء و إيلام و ضرّ بإيصال التعب و اللهب و الكرب إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ منهمكين في اللذات و الشهوات، منغمسين في الأمور الطبيعية و الغواشي البدنية، فبذلك اكتسبوا هذه الهيئات الموبقة و التبعات المهلكة وَ كانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ من الأقاويل الباطلة و العقائد الفاسدة التي استحقوا بها العذاب المخلّد و العقاب المؤبّد وَ كانُوا يَقُولُونَ أي: من جملة عقائدهم إنكار البعث الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ أي: الجاهلون المصرون على جهالاتهم و إنكار ما يخالف عقائدهم الباطلة من الحق لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ أي: من نفس متعبدة اللذات و الشهوات، منغمسة فيها، منجذبة إلى السفليات من الطبيعيات لتعوّدكم بها و بفوائدها فَمالِؤُنَ مِنْهَا و من ثمراتها الوبية البشعة المحرقة التي هي الهيئات المنافية للكمال الموجبة للوبال الْبُطُونَ لشدّة حرصكم و نهمكم و ضراوتكم بها لشرهكم و سقمكم فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ من الوهميات الباطلة و الشبهات الكاذبة التي هي من باب الجهل المورّط في المهالك و المعاطب، المسيغ لتلك الأعمال الشيطانية و الأعمال البهيمية الظلمانية فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ أي: التي بها الهيام من الإبل و هو داء لا ريّ معه لشدّة شغفكم و كلبكم بها.
[57- 74]
[سورة الواقعة (56): الآيات 57 الى 74]
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ (57) أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (58) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (61)
وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ (62) أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (63) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66)
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ (70) أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71)
أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (72) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَ مَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ بإظهاركم بوجودنا و ظهورنا في صوركم فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ* أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ بإفاضة الصورة الإنسانية عليه أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ بإنزال الصور النوعية عليه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ أَ فَرَأَيْتُمُ ماء العلم الذي تشربونه بتعطش استعدادكم أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ من مزن العقل الهيولاني أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً بصرفه في تدابير المعاش و ترتيب الحياة الدنيا فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ أَ فَرَأَيْتُمُ نار المعاني القدسية الَّتِي تُورُونَ بقدح زناد الفكر أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أي: القوة الفكرية أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً تذكير للعهد الأزلي في العالم القدسي وَ مَتاعاً للذين لا زاد لهم في السلوك من العلم و العمل.
[75- 76]
[سورة الواقعة (56): الآيات 75 الى 76]
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ أي: أوقات اتصال النفس المحمدية المقدّسة بروح القدس و هي أوقات وقوع نجوم القرآن إليه، فيا لها أوقاتا شريفة و اتصالات نورية، أو مساقط النجوم و هي أوقات غيبته عن الحواس و أفول حواسه في مغرب الجسد عند تعطيلها بانغماس سرّه في الغيب و انخراطه في سلك القدس بل غيبته في الحق و استغراقه في الوحدة وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ و أنى يعلمون، و أين هم و علم ذلك؟!.
[77- 80]
[سورة الواقعة (56): الآيات 77 الى 80]
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (80)
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ أي: علم مجموع له كرم و شرف قديم و قدر رفيع فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ هو قلبه المكنون في الغيب عن الحواس و ما عدا المقرّبين من الملائكة المطهرين لأن العقل القرآني مودع فيه كما قال عيسى عليه السلام: «لا تقولوا العلم في السماء من ينزل به، و لا في تخوم الأرض من يصعد به، و لا من وراء البحار من يعبر و يأتي به، بل العلم مجعول في قلوبكم تأدّبوا بين يدي اللّه بآداب الروحانيين يظهر عليكم»، أو الروح الأول الذي هو محل القضاء و مأوى الروح المحمدي، بل هو هو لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ من الأرواح المجرّدة المطهرة عن دنس الطبائع و لوث تعلق المواد تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ لأن علمه ظهر على المظهر المحمدي فهو منزل منه على مدرجته منجما.
[81- 82]
[سورة الواقعة (56): الآيات 81 الى 82]
أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)
أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ متهاونون و لا تبالون به و لا تتصلبون في القيام بحقه و فهم معناه كمن يلين جانبه و يداهن في الأمر تساهلا و تهاونا به وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ أي: قوتكم القلبي و رزقكم الحقيقي تكذيبه لاحتجابكم بعلومكم و إنكاركم ما ليس من جنسه كإنكار رجل جاهل ما يخالف اعتقاده كأن علمه نفس تكذيبه، أو رزقكم الصوري أي: لمداومتكم على التكذيب كأنكم تجعلون التكذيب غذاءكم كما تقول للمواظب على الكذب: الكذب غداؤه.
[83- 87]
[سورة الواقعة (56): الآيات 83 الى 87]
فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (87)
فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ أي: فلولا ترجعون الروح عند بلوغها الحلقوم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنكم غير مسوسين مربوبين مقهورين يعني أنكم مجبرون عاجزون تحت قهر الربوبية و إلا لأمكنكم دفع ما تكرهون أشدّ الكراهية و هو الموت.
[88- 96]
[سورة الواقعة (56): الآيات 88 الى 95]
فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (91) وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92)
فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95)
فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ من جملة الأصناف الثلاثة فله روح الوصول إلى جنة الذات و ريحان جنة الصفات و تجلياتها البهيجة المبهجة و جنة نعيم الأفعال و لذاتها وَ أَمَّا إِنْ كانَ من السعداء و الأبرار فله السرور و الحبور بلقاء أصحاب اليمين و تحيتهم إياه بسلامة الفطرة و النجاة من العذاب و البراءة عن نقائص صفات النفوس في جنة الصفات وَ أَمَّا إِنْ كانَ من الأشقياء و المعاندين للسابقين المنكرين لكمالاتهم المحجوبين بالجهل المركب فلهم عذاب هيئات الاعتقادات الفاسدة و ظلمات الجهالات الموحشة من فوق المشار إليه بقوله:
فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ و عذاب الهيئات البدنية و تبعات سيئاتهم العملية من تحت المشار إليه بقوله: وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هذا المذكور من أحوال الفرق الثلاث و عواقبهم لَهُوَ حقيّة الأمر و جلية الحال من معاينة أهل القيامة الكبرى المتحققين بالحق في يقينهم و عيانهم، و اللّه تعالى أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 317
[1] ( 1) سورة الطور، الآية: 21.