تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الحجر
سورة الحجر
[1- 20]
[سورة الحجر (15): الآيات 1 الى 20]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ قُرْآنٍ مُبِينٍ (1) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (4)
ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَ ما يَسْتَأْخِرُونَ (5) وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ ما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9)
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (11) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ قَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) وَ لَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14)
لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (16) وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (17) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (18) وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19)
وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (20)
وَ قُرْآنٍ مُبِينٍ أي: جامع لكل شيء، مظهر له وَ لَقَدْ جَعَلْنا في سماء العقل بُرُوجاً مقامات و مراتب من العقل الهيولاني و العقل بالملكة و العقل بالفعل و العقل المستفاد وَ زَيَّنَّاها بالعلوم و المعارف لِلنَّاظِرِينَ المتفكرين فيه وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ من الأوهام الباطلة إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فاختطف الحكم العقليّ باستراق السمع لقربه من أفق العقل فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ أي: برهان واضح فنطرده و نبطل حكمه.
و أرض النفس مَدَدْناها بسطناها بالنور القلبي وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ الفضائل وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ من الكمالات الخلقية و الأفعال الإرادية و الملكات الفاضلة و المدركات الحسيّة مَوْزُونٍ معين مقدّر بقدر عقلي عدلي غير مائل إلى طرفي الإفراط و التفريط لكل قوة بحسبها وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ بالتدابير الجزئية و الأعمال البدنية وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ممن ينسب إليكم و يتعلق بكم، أو جعلنا في سماء القلب بروجا مقامات كالصبر و الشكر و التوكل و الرضا و المعرفة و المحبة، و زيناها بالمعارف و الحكم و الحقائق و حفظناها من كل شيطان رجيم من الأوهام و التخيلات إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (18)[1] أي: إشراق نوري من طوالع أنوار الهداية.
[21]
[سورة الحجر (15): آية 21]
وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)
وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ أي: ما من شيء في الوجود إلا له عندنا خزانة في عالم القضاء أولا بارتسام صورته في أمّ الكتاب الذي هو العقل الكليّ على الوجه الكليّ، ثم خزانة أخرى في عالم النفس الكليّة و هو اللوح المحفوظ بارتسام صورته فيه متعلقا بأسبابه، ثم خزانة أخرى بل خزائن في النفوس الجزئية السماوية المعبّر عنها بسماء الدنيا و لوح القدر بارتسام صورته فيها جزئية مقدّرة بمقدارها و شكلها و وضعها وَ ما نُنَزِّلُهُ في عالم الشهادة إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ من شكل و قدر و وضع و وقت و محل معينة و استعداد مختص به في ذلك الوقت.
[22]
[سورة الحجر (15): آية 22]
وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَ ما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (22)
وَ أَرْسَلْنَا رياح النفحات الإلهية لَواقِحَ بالحكم و المعارف، مصفيّة للقلوب، معدّة للاستعدادات لقبول التجليات فَأَنْزَلْنا من سماء الروح ماء من العلوم الحقيقية فَأَسْقَيْناكُمُوهُ و أحييناكم به وَ ما أَنْتُمْ لذلك العلم بِخازِنِينَ لخلوكم عنها.
[23]
[سورة الحجر (15): آية 23]
وَ إِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ وَ نَحْنُ الْوارِثُونَ (23)
وَ إِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي بالحياة الحقيقية بماء الحياة العلمية و القيام في مقام الفطرة وَ نُمِيتُ بالإفناء في الوحدة وَ نَحْنُ الْوارِثُونَ للوجود، الباقون بعد فنائكم.
[24- 25]
[سورة الحجر (15): الآيات 24 الى 25]
وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25)
وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ أي: المستبصرين، المشتاقين من المحبين الطالبين للتقدّم وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ المنجذبين إلى عالم الحس و معدن الرجس باستيلاء صفات النفس و محبة البدن و لذاته، الطالبين للتأخر عن عالم القدس وَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ مع من يتولونه و يجمعهم إلى من يحبونه و ينزعون إليه إِنَّهُ حَكِيمٌ يدبّر أمرهم في الحشر على وفق الحكمة بحسب المناسبة عَلِيمٌ بكل ما فيهم من خفايا الميل و الانجذاب و المحبة و ما تقتضيه هيئاتهم و صفاتهم فسيجزيهم وصفهم.
[26- 43]
[سورة الحجر (15): الآيات 26 الى 43]
وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (27) وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)
إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (35)
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)
قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (42) وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43)
وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ أي: من العناصر الأربعة الممتزجة إذ الحمأ هو الطين المتغير و المسنون ما صبّ عليه الماء حتى خلص عن الأجزاء الصلبة الخشنة الغير المعتدلة المنافية لقبول الصورة التي يراد تصويرها منه.
و الصلصال ما تخلخل منه بالهواء و تجفّف بالحرارة وَ الْجَانَ أي: أصل الجنّ و هو جوهر الروح الحيواني الذي تولّد منه قوى الوهم و التخيل و غيرهما خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ أي: من الحرارة الغريزية و من بخارية الأخلاط و لطافتها المستحيلة بها، و إنما قال من قبل لتقدّم تأثير الحرارة في التركيب بالتمزيج و التعديل و إثارة ذلك البخار على صور الأعضاء بل القوى الفعالة المؤثرة متقدّمة على التركيب في الأصل و قد مرّ معنى انقياد الملائكة له و عدم انقياد إبليس.
فَاخْرُجْ من جنّة عالم القدس التي ترتقي إلى أفقه فَإِنَّكَ مرجوم، مطرود منها لكونك غير مجرّد عن المادة وَ إِنَّ عَلَيْكَ لعنة البعد في الرتبة إِلى يَوْمِ القيامة الصغرى و تجرّد النفس عن البدن بقطع علاقتها أو الكبرى بالفناء في التوحيد لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ الشهوات و اللذات في الجهة السفلية وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَإِلَّا عِبادَكَ أي: المخصوصين بك، الذين أخلصتهم من شوائب صفات النفس و طهّرتهم من دنس تعلق الطبيعة، و جرّدتهم بالتوجه إليك من بقايا صفاتهم و ذواتهم، أو الذين أخلصوا أعمالهم لك من غير حظ لغيرك فيها هذا صِراطٌ عَلَيَ حق نهجه و مراعاته مُسْتَقِيمٌ لا اعوجاج فيه، و هو أن لا سلطان لك على عبادي المخلصين إلّا الذين يناسبونك في الغواية و البعد عن صراطي فيتبعونك.
[44]
[سورة الحجر (15): آية 44]
لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44)
لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ هي الحواس الخمس و الشهوة و الغضب لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ عضو خاص به، أو بعض من الخلق يختصون بالدخول منه لغلبة قوّة ذلك الباب عليهم.
[45- 46]
[سورة الحجر (15): الآيات 45 الى 46]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (45) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (46)
إِنَّ الْمُتَّقِينَ الذين تزكّوا عن الغواشي الطبيعية و تجرّدوا عن الصفات البشرية فِي جَنَّاتٍ من روضات عالم القدس وَ عُيُونٍ من ماء حياة العلم مقولا لهم ادْخُلُوها بسلامة من الهيئات الجسدانية و أمراض القلوب المانعة عن الوصول إلى ذلك المقام آمِنِينَ من آفات عالم التضادّ و عوارض الكون و الفساد، و تغيرات أحوال الأزمنة و الموادّ.
[47]
[سورة الحجر (15): آية 47]
وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (47)
وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ أي: حقد راسخ و كل هيئة متصاعدة من النفس إلى وجه القلب الذي يليها بفيض النور و استيلاء قوة الروح و تأييد القدس، و هم الذين غلبت أنوارهم على ظلماتهم من أهل العلم و اليقين فاضمحلت و زالت عنهم الهيئات النفسانية الغاسقة و آثار العداوة اللازمة لهبوط النفس و الميل إلى عالم التضادّ، و أشرقت فيهم قوّة المحبة الفطرية بتعاكس أشعة القدس و أنوار التوحيد و اليقين من بعضهم إلى بعض، فصاروا إخوانا بحكم العقد الإيمانيّ و التناسب الروحاني. عَلى سُرُرٍ مراتب عالية مُتَقابِلِينَ لتساوي درجاتهم و تقارب مراتبهم و كونهم غير محتجبين.
[48- 86]
[سورة الحجر (15): الآيات 48 الى 86]
لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (48) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَ أَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (50) وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52)
قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (53) قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (55) قالَ وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (56) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57)
قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (60) فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62)
قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَ أَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّا لَصادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ اتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَ امْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَ جاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67)
قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (68) وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تُخْزُونِ (69) قالُوا أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (70) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77)
وَ إِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَ إِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (79) وَ لَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَ آتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (81) وَ كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (82)
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (84) وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (86)
لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ لامتناع أسباب المنافاة و التضادّ هناك وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ لسرمدية مقامهم و تنزّهه عن الزمان و تغيراته. و أما كيفية نزول الملائكة على النبيين و تجسد الأرواح العالية للمتجرّدين المنسلخين عن الهيئات البدنية المتقدّسين، فقد مرّت الإشارة إليها في سورة (هود).
[87- 97]
[سورة الحجر (15): الآيات 87 الى 97]
وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91)
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96)
وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (97)
وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً أي: الصفات السبع التي ثبتت للّه تعالى و هي: الحياة و العلم و القدرة و الإرادة و السمع و البصر و التكلّم مِنَ الْمَثانِي التي كرّر و ثنى ثبوتها لك أولا في مقام وجود القلب عند تخلقك بأخلاقه، و اتصافك بأوصافه، فكانت لك. و ثانيا: في مقام البقاء بالوجود الحقاني بعد الفناء في التوحيد وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ أي: الذات الجامعة لجميع الصفات و إنما كانت لمحمد عليه الصلاة و السلام سبعا، و لموسى تسعا لأنه ما أوتي القرآن العظيم بل كان مقامه التكليم، أي: مقام كشف الصفات دون كشف الذات، فله هذه السبع مع القلب و الروح.
[98- 99]
[سورة الحجر (15): الآيات 98 الى 99]
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)
فَسَبِّحْ بالتجريد عن عوارض الصفات المتعلقة بالمادة لتكون منزّها للّه تعالى بلسان الحال، حامدا لربّك بالاتصاف بالصفات الكمالية لتكون حامدا لنعم تجليات صفاته بأوصافك وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ بسجود الفناء في ذاته وَ اعْبُدْ رَبَّكَ بالتسبيح و التحميد و السجود المذكورة حَتَّى يَأْتِيَكَ حق الْيَقِينُ فتنتهي عبادتك بانقضاء وجودك، فيكون هو العابد و المعبود جميعا لا غيره.
[1] ( 1) سورة الحجر، الآية: 18.