تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره القيامة

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة القيامة

سورة القيامة

[1- 4]

[سورة القيامة (75): الآيات 1 الى 4]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1) وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (3) بَلى‏ قادِرِينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (4)

لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ* وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ جمع بين القيامة و النفس اللوّامة في القسم بهما تعظيما لشأنهما و تناسبا بينهما، إذ النفس اللوّامة هي المصدّقة بها، المقرّة بوقوعها، المهيئة لأسبابها لأنها تلوم نفسها أبدا في التقصير و التقاعد عن الخيرات و إن أحسنت لحرصها على الزيادة في الخير و أعمال البرّ تيقنا بالجزاء فكيف بها إن أخطأت و فرطت و بدرت منها بادرة غفلة و نسيانا. و حذف جواب القسم لدلالة قوله: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ‏ عليه و هو: لتبعثن. و المراد بالقيامة هاهنا الصغرى لهذه الدلالة بعينها بَلى‏ أي: بلى نجمعها قادِرِينَ عَلى‏ تسوية بنانه التي هي أطراف خلقته و تمامها بأن نعدّلها كما كانت. و قيل في بعض التفاسير الظاهرة: على أن نضمها فنجعلها مسوّاة شيئا واحدا كحافر الحمير و خفّ البعير.

 

 

[5- 12]

[سورة القيامة (75): الآيات 5 الى 12]

بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (5) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (6) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَ خَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ (9)

يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلاَّ لا وَزَرَ (11) إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)

بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ‏ ليدوم على الفجور بالميل إلى اللذات البدنية و الشهوات البهيمية غارزا رأسه فيها فيما بين يديه من الزمان الحاضر و المستقبل، فيغفل عن القيامة لقصور نظره عنها كونه مقصورا على اللذات العاجلة و فرط تهالكه عليها و احتجابه بها عن الآجلة سائلا عنها متعنتا مستبعدا إياها بقوله: أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ أي: تحير و دهش شاخصا من فزع الموت‏ وَ خَسَفَ‏ قمر القلب لذهاب نور العقل عنه‏ وَ جُمِعَ‏ شمس الروح و قمر القلب بأن جعلا شيئا واحدا طالعا عن مغرب البدن لا يعتبر له رتبتان كما كان حال الحياة بل اتحدا روحا واحدا يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ أي: يطلب مهربا و محيصا كَلَّا ردع له عن طلب المفرّ لا وَزَرَ لا ملجأ إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ خاصة مستقرّ من نار أو جنة مفوّض إليه لا إلى غيره و لا إلى اختياره أو إليه خاصة استقراره و رجوعه كقوله: إِنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الرُّجْعى‏ (8)[1].

 

 

[13- 15]

[سورة القيامة (75): الآيات 13 الى 15]

يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ (15)

يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ‏ من عمله الذي يوجب نجاته و ثوابه من الخيرات و الصالحات‏ وَ أَخَّرَ ففرّط و قصر فيه و لم يعمله‏ بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ حجة بينة يشهد بعلمه لبقاء هيئات أعماله المكتوبة عليه في نفسه و رسوخها في ذاته و صيرورة صفاته صور أعضائه، فلا حاجة إلى أن ينبأ من خارج‏ وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ‏ أي: أرخى ستوره فاختفى بها عند ارتكاب تلك الأعمال. أو و لو ألقى أعذاره مجادلا عن نفسه بكل معذرة.

 

 

[16- 21]

[سورة القيامة (75): الآيات 16 الى 21]

لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19) كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (20)

وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21)

لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ‏ أي: الإنسان عجول بالطبع كما قال: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏[2] فلذلك اختار العاجلة و احتجب بها عن الآجلة. أ لا ترى أنك مع وفور سكينتك و كمال وقارك باللّه تعجل عند إلقائنا الوحي إليك فتظهر نفسك لتتلقفه و هو ذنب حالك و حجاب وجودك، و هو معنى قوله: بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ* وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ فلا تفعل و لا تحرّك لسانك به، فظهور نفسك و اضطرابها عجلة به و لتكن قواك هادية و نفسك غائبة عن مورد الوحي و قلبك سالما عن صفاتها خالصا في التوجه آمنا عن حركة النفس.

إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ‏ إن علينا جمعه فيك و قرآنه أي: ليكن جمعه في مقام الوحدة و قراءتك إياه بنا فانيا عن ذاتك و في عين الجمع حيث لم يكن لك وجود و لا بقية و لا عين و لا أثر فَإِذا قَرَأْناهُ‏ أوجدناه حال فنائك فينا فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ‏ بالرجوع إلى مقام البقاء بعد الفناء و ظهور القلب و النفس فيّ، ثم عند كونك في مقام التفصيل‏ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏ و إظهار معانيه في حيز قلبك و نفسك مفصلة مشروحة كَلَّا ردع له عن العجلة بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ سواء حالك و حالهم بحكم البشرية و مقتضى الطبيعة و النفس الطيّاشة.

 

 

[22- 40]

[سورة القيامة (75): الآيات 22 الى 40]

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22) إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ (23) وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (25) كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (26)

وَ قِيلَ مَنْ راقٍ (27) وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (28) وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (30) فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى (31)

وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (34) ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (35) أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (36)

أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ (37) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ (39) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏ (40)

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ للتنوّر بنور القدس و الاتصال بعالم النور و السرور و النعيم الدائم متبجحة بزينة معارفها و هيئاتها، مبتهجة ببهجة ذواتها منخرطة في سلك الملكوت و الجبروت‏ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ أي: إلى حضرة الذات خاصة متوجهة متوقعة للرحمة التامة في مقام أنوار الصفات أو ناضرة بنوره إلى وجهه خاصة، ناظرة مشاهدة إياه لا تلتفت إلى ما سواه مشاهدة لجمال ذاته و سبحات وجهه أو مطالعة لحسن صفاته لا تشتغل بغيره‏ باسِرَةٌ كالحة لجهامة هيئاتها و ظلمة ما بها من الجحيم و النيران و سماجة ما تراه مما هناك من الأهوال و أنواع العذاب و الخسران‏ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها داهية تفصل فقار الظهر لشدّتها و سوء حالها و وبالها، و شتان ما بين المرتبتين، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج‏2، ص: 391


[1] ( 1) سورة العلق، الآية: 8.

[2] ( 1) سورة الأنبياء، الآية: 37.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=