تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة إبراهيم (عليه السلام)
سورة إبراهيم (عليه السلام)
[1- 2]
[سورة إبراهيم (14): الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ وَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (2)
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ من ظلمات الكثرة إلى نور الوحدة، أو من ظلمات صفات النشأة إلى نور الفطرة، أو من ظلمات حجب الأفعال و الصفات إلى نور الذات بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بتيسيره بإيداع ذلك النور فيهم بهيئة الاستعداد من الفيض الأقدس من عالم الألوهية و توفيقه بتهيئة أسباب خروجه إلى الفعل من حضرة الربوبية، إذ الإذن منه هبة الاستعداد و تهيئة الأسباب و إلا لم يكن لأحد إخراجهم إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ القوي الذي يقهر ظلمات الكثرة بنور وحدته الْحَمِيدِ بكمال ذاته. و على المعنى الثاني: صراط العزيز الذي يقهر صفات النفس بنور القلب الحميد الذي يهب نعم الفضائل و العلوم عند صفاء الفطرة.
و على الثالث: العزيز الذي يقهر بسبحات ذاته أنوار صفاته و يفنى بحقيقة هويته جميع مخلوقاته الحميد الذي يهب الوجود الباقي الكامل بعد فناء الرذائل الناقص بوجود ذاته و جمال وجهه.
وَ وَيْلٌ لِلْكافِرِينَ المحجوبين عن الوحدة أو الفطرة أو تجلي الذات و كشفه. و يترتب على الوجوه الثلاثة مراتب العذاب، فهو إما عذاب محبّة الأنداد في جحيم التضادّ و إما عذاب هيئات الرذائل و نيران صفات النفس و مقتضيات الطبائع أو عذاب حجب الأفعال و الصفات و الحرمان عن نور الذات.
[3]
[سورة إبراهيم (14): آية 3]
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3)
الَّذِينَ يؤثرون الْحَياةَ الدُّنْيا الحسيّة على العقلية و الصورية على المعنوية لوصفه الضلال بالبعد و كون عالم الحسّ في أبعد المراتب عن اللّه تعالى.
[4- 21]
[سورة إبراهيم (14): الآيات 4 الى 21]
وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (7) وَ قالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَ قالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (10) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَ ما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13)
وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَ خافَ وَعِيدِ (14) وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَ لا يَكادُ يُسِيغُهُ وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ وَ مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (17) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (18)
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) وَ بَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (21)
وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ أي: بكلام يناسب ما عليه حالهم بحسب استعدادهم و على قدر عقولهم و إلا لم يفهموا لبعد ذلك المعنى عن أفهامهم و عدم مناسبته لمقامهم، فلم يمكنه أن يبين لهم ما في استعدادهم الأول بالقوة من الكمال اللائق به و ما تقتضيه هوياتهم بحسب الفطرة فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ لزوال استعداده بالهيئات الظلمانية و رسوخها و الاعتقادات الباطلة و استقرارها وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ممن بقي على استعداده أو لم يترسخ فيه حواجب هيئاته و صور اعتقاداته وَ هُوَ الْعَزِيزُ القويّ الذي لا يغلب على مشيئته فيهدي من يشاء هدايته و يضلّ من يشاء ضلالته الْحَكِيمُ الذي يدبر أمر هداية المهتدي بأنواع اللطف و أمر ضلال الضالّ بأصناف الخذلان على مقتضى الحكمة البالغة.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أي: لكل مؤمن بالإيمان الغيبي إذ الصبر و الشكر مقامان للسالك قبل الوصول حال العقد الإيماني و السير في الأفعال لتحصيل رتبة التوكل، و حينئذ آياته التي يعتبر بها و يستمدها يتمسك بها و يعتمدها في سلوكه هي الأفعال، فكلما رأى نعمة أو سمع بها أو وصلت إليه من هداية و غيرها شكره باللسان و بالقلب بتصوره من عند اللّه، و بالجوارح بحسن التلقي و القبول و الطاعة و العمل بمقتضاها على ما ينبغي، و كلما رأى أو سمع بلاء أو نزل به صبر بحفظ اللسان عن الجزع. و قول: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ[1] و ربط القلب و تصوّر أن له فيه خير أو مصلحة و إلا لما ابتلاه اللّه به و منع الجوارح عن الاضطراب. أَ فِي اللَّهِ شَكٌ مع وضوحه، أي: كيف تشكون فيما ندعوكم إليه و هو الذي لا مجال للشك فيه لغاية ظهوره و إنما يوضح ما يوضح به.
يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ليستر بنوره ظلمات حجب صفاتكم فلا تشكّون فيه عند جلية اليقين وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى غاية يقتضيها استعدادكم من السعادة إذ كل شخص عين له بحسب استعداده الأول كمال هو أجله المعنوي كما أن لكل أحد بحسب مزاجه الأول غاية من العمر هي أجله الطبيعي، و كما أن الآجال الاخترامية تقطع العمر دون الوصول إلى الغاية المسمّاة بسبب من الأسباب فكذلك الآفات و الموانع التي هي حجب الاستعداد تحول دون الوصول إلى الكمال المعين.
وَ بَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً للخلائق ثلاث برزات، برزة عند القيامة الصغرى بموت الجسد و بروز كل أحد من حجاب جسده إلى عرصة الحساب و الجزاء، و برزة عند القيامة الوسطى بالموت الإرادي عن حجاب صفات النفس و البروز إلى عرصة القلب بالرجوع إلى الفطرة، و برزة عند القيامة الكبرى بالفناء المحض عن حجاب الإنية إلى فضاء الوحدة الحقيقية و هذا هو البروز المشار إليه بقوله تعالى: وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ[2]، و من كان من أهل هذه القيامة يراهم بارزين لا يخفى على اللّه منهم شيء. و أما ظهور هذه القيامة للكل و بروز الجميع للّه، و حدوث التقاول بين الضعفاء و المستكبرين، فهو بوجود المهديّ القائم بالحق، الفارق بين أهل الجنّة و النار عند قضاء الأمر الإلهي بنجاة السعداء و هلاك الأشقياء.
[22- 26]
[سورة إبراهيم (14): الآيات 22 الى 26]
وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (22) وَ أُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (23) أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (26)
وَ قالَ الشَّيْطانُ ظهر سلطان الحق على شيطان الوهم و تنوّر بنوره، فأسلم و أطاع و صار محقا عالما بأن الحجة للّه في دعوته للخلق إلى الحق لا له، و دعوته إلى الباطل بتسويل الحطام و تزيين الحياة الدنيا عليهم واهية فارغة عن الحجة، و أقرّ بأن وعده تعالى بالبقاء بعد خراب البدن و الثواب و العقاب عند البعث حق قد وفى به. و وعدي بأن ليس إلا الحياة الدنيا باطل اختلقته، فاستحقاق اللوم ليس إلا لمن قبل الدعوة الخالية عن الحجة فاستجاب لها و أعرض عن الدعوة المقرونة بالبرهان فلم يستجب لها فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ.
كَلِمَةً طَيِّبَةً أي: نفسا طيبة، كما مرّ في تسمية عيسى عليه السلام (كلمة). كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ كما شبهها بالزيتونة في القرآن و بالنخلة في الحديث أَصْلُها ثابِتٌ بالاطمئنان و ثبات الاعتقاد بالبرهان وَ فَرْعُها فِي سماء الروح تُؤْتِي أُكُلَها من ثمرات المعارف و الحكم و الحقائق كُلَ وقت بِإِذْنِ رَبِّها بتسهيله و تيسيره بتوفيق الأسباب و تهيئتها وَ مَثَلُ نفس خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ مثل الحنظلة أو الشرجط اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ استؤصلت للطيش الذي فيها و تشوش الاعتقاد و عدم القرار على شيء.
[27- 29]
[سورة إبراهيم (14): الآيات 27 الى 29]
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (27) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ (29)
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا الإيمان اليقيني بالبرهان الحقيقي فِي الْحَياةِ الحسيّة لاستقامتهم في الشريعة و سلوكهم في تحصيل المعاش طريق الفضيلة و العدالة وَ فِي الْآخِرَةِ أي: الحياة الروحانية لاهتدائهم بنور الحق في الطريقة و كونهم في تحصيل المعارف على بصيرة من اللّه و بيّنة من ربّهم وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ في الحياتين لنقص استعداداتهم بحظوظ صفات النفس و بقائهم في الحيرة للاحتجاب عن نور الحق بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ التي أنعم بها عليهم في الأزل من الهداية الأصلية و النور الاستعدادي الذي هو بضاعة النجاة كُفْراً أي:
احتجابا و ضلالة، كما قال تعالى: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ[3] أضاعوا النور الباقي و استبدلوا به اللذة الحسية الفانية، فبقوا في الظلمة الدائمة وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ من في قوى نفوسهم أو من اقتدى بطريقتهم و تأسى بهم و تابعهم في ذلك دارَ الْبَوارِ.
[30- 31]
[سورة إبراهيم (14): الآيات 30 الى 31]
وَ جَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خِلالٌ (31)
وَ جَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً من متاع الدنيا و طيباتها و مشتهياتها يحبونها كحبّ اللّه، إذ كل ما غلب حبه فهو معبود. قال اللّه تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ[4] إلخ، لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ كل من نظر إليهم من الأحداث المستعدّين و من دان بدينهم. قُلْ تَمَتَّعُوا أي: اذهبوا فيه بأمر الوهم فإنّ تمتعكم قليل سريع الزوال، و شيك الفناء، و عاقبته و خيمة بالمصير إلى النار.
[32- 34]
[سورة إبراهيم (14): الآيات 32 الى 34]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (32) وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ (33) وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سموات الأرواح و أرض الجسد وَ أَنْزَلَ مِنَ سماء عالم القدس ماء العلم فَأَخْرَجَ بِهِ من أرض النفس ثمرات الحكم و الفضائل رِزْقاً لَكُمْ و تقوى القلب بها وَ سَخَّرَ لَكُمُ أنهار العلم بالاستنتاج و الاستنباط و التفريع و التفصيل وَ سَخَّرَ لَكُمُ شمس الروح و قمر القلب دائِبَيْنِ في السير بالمكاشفة و المشاهدة وَ سَخَّرَ لَكُمُ ليل ظلمة صفات النفس و نهار نور الروح لطلب المعاش و المعاد و الراحة و الاستنارة وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ بألسنة استعداداتكم، فإنّ كل شيء يسأله بلسان استعداده كمالا يفيض عليه مع السؤال بلا تخلف و تراخ كما قال تعالى: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)[5].
وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ من الأمور السابقة على وجودكم الفائضة من الحضرة الإلهية و من اللاحقة بكم من أمداد التربية الواصلة عن الحضرة الربوبية لا تُحْصُوها لعدم تناهيها كما تقرّر في الحكمة إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ بوضع نور الاستعداد و مادة البقاء في ظلمة الطبيعة و محل الفناء و صرفه فيها، أو بنقص حقّ اللّه أو حق نفسه بإبطال الاستعداد كَفَّارٌ بتلك النعم التي لا تحصى باستعمالها في غير ما ينبغي أن تستعمل و غفلته عن المنعم عليه بها و احتجابه بها عنه.
[35]
[سورة إبراهيم (14): آية 35]
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (35)
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ الروح بلسان الحال عند التوجه إلى اللّه في طلب الشهود رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ أي: بلد البدن آمِناً من غلبات صفات النفس و تنازع القوى و تجاذب الأهواء وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَ القوى العاقلة النظرية و العملية و الفكر و الحدس و الذكر و غيرها. أَنْ نَعْبُدَ أصنام الكثرة عن المشتهيات الحسية و المرغوبات البدنية و المألوفات الطبيعية بالمحبة.
[36]
[سورة إبراهيم (14): آية 36]
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36)
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بالتعلق بها، و الانجذاب إليها، و الاحتجاب بها عن الوحدة فَمَنْ تَبِعَنِي في سلوك طريق التوحيد فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ تستر عنه تلك الهيئة المظلمة بنورك رَحِيمٌ ترحمه بإفاضة الكمال عليه بعد المغفرة.
[37]
[سورة إبراهيم (14): آية 37]
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذريّة قواي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ أي: وادي الطبيعة الجسمانية الخالية عن زرع الإدراك و العلم و المعرفة و الفضيلة عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ الذي هو القلب رَبَّنا لِيُقِيمُوا صلاة المناجاة و المكاشفة فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً من ناس الحواس تَهْوِي إِلَيْهِمْ فتميزهم بأنواع الإحساسات و تمدّهم بإدراك الجزئيات و تميل إليهم بالمشايعة و ترك المخالفة بالميل إلى الجهة السفلية و اللذة البدنية وَ ارْزُقْهُمْ من ثمرات المعارف و الحقائق من الكليات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ نعمتك فيستعملون تلك المدركات في طلب الكمال.
[38]
[سورة إبراهيم (14): آية 38]
رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ وَ ما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ (38)
رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي مما فينا بالقوّة وَ ما نُعْلِنُ مما أخرجناه إلى الفعل من الكمالات وَ ما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ في أرض الاستعداد و لا في سماء الروح.
[39]
[سورة إبراهيم (14): آية 39]
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (39)
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى كبر الكمال إِسْماعِيلَ العاقلة النظرية وَ إِسْحاقَ العلمية إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ أي: لسميع لدعاء الاستعداد، كما قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.
[40- 47]
[سورة إبراهيم (14): الآيات 40 الى 47]
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (41) وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (43) وَ أَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (44)
وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (45) وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (46) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (47)
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ صلاة الشهود وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي كلا منهم مقيم صلاة تخصه رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ أي: طلبي للفناء التامّ فيك رَبَّنَا اغْفِرْ لِي بنور ذاتك ذنب وجودي فلا أحتجب بالطغيان وَ لِوالِدَيَ و لما يتسبب لوجودي من القوابل و الفواعل فلا أرى غيرك و لا ألتفت إلى سواك فأبتلى بزيغ البصر، و لمؤمني القوى الروحانية يَوْمَ يَقُومُ حساب الهيئات الروحانية النورانية و النفسانية الظلمانية أيها أرجح.
[48- 52]
[سورة إبراهيم (14): الآيات 48 الى 52]
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَ تَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (49) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَ تَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (51) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (52)
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ تبدّل أرض الطبيعة بأرض النفس عند الوصول إلى مقام القلب و سماء القلب بسماء السرّ و كذا تبدّل أرض النفس بأرض القلب و سماء السرّ بسماء الروح، و كذا كل مقام يعبره لسالك يبدّل ما فوقه و ما تحته كتبدّل سماء التوكل في توحيد الأفعال بسماء الرضا في توحيد الصفات، ثم سماء الرضا بسماء التوحيد عند كشف الذات ثم يطوى الكل وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الذي لا موجود غيره الْقَهَّارِ الذي يفنى كل ما عداه بتجليه وَ تَرَى الْمُجْرِمِينَ المحتجبين بصفات النفوس و هيئات الرذائل مُقَرَّنِينَ في أماكنهم من سجين الطبيعة و هاوية هوى النفس بقيود علائق الطبيعيات و أرسان محبات السفليات سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ لاستيلاء سواد الهيئات المظلمة من تعلقات الجواهر الغاسقة عليها وَ تَغْشى وُجُوهَهُمُ نار القهر و الإذلال و الاحتجاب عن لذّة الكمال، و فيه سرّ آخر لا ينكشف إلا لأهل القيامة ممن شاهد البعث و النشور، و اللّه أعلم.
[1] ( 1) سورة البقرة، الآية: 156.
[2] ( 2) سورة إبراهيم، الآية: 48.
[3] ( 1) سورة البقرة، الآية: 16.
[4] ( 1) سورة آل عمران، الآية: 14.
[5] ( 2) سورة الرحمن، الآية: 29.