تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة النور
سورة النور
[1- 34]
[سورة النور (24): الآيات 1 الى 34]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَ فَرَضْناها وَ أَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَ حُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (4)
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَ الْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (7) وَ يَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (8) وَ الْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)
وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَ قالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (13) وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (14)
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَ لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19)
وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (20) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَ مَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَ لكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) وَ لا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَ الْمَساكِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24)
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (26) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَ إِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما تَكْتُمُونَ (29)
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (30) وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَ لا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَ لْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَ آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَ مَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ إلى قوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ إنما عظم أمر الإفك و غلظ في الوعيد عليه بما لم يغلظ في غيره من المعاصي، و بالغ في العقاب عليه بما لم يبالغ به في باب الزنا و قتل النفس المحرّمة لأن عظم الرذيلة و كبر المعصية إنما يكون على حسب القوّة التي هي مصدرها. و تتفاوت حال الرذائل في حجب صاحبها عن الحضرة الإلهية و الأنوار القدسيّة و توريطه في المهالك الهيولانية و المهاوي الظلمانية على حسب تفاوت مباديها.
فكلما كانت القوة التي هي مصدرها و مبدؤها أشرف، كانت الرذيلة الصادرة منها أردأ و بالعكس، لأن الرذيلة ما تقابل الفضيلة. فلما كانت الفضيلة أشرف كان ما يقابلها من الرذيلة أخسّ، و الإفك رذيلة القوّة الناطقة التي هي أشرف القوى الإنسانية، و الزنا رذيلة القوّة الشهوانية، و القتل رذيلة القوة الغضبية فبحسب شرف الأولى على الباقيتين تزداد رداءة رذيلتها، و ذلك أن الإنسان إنما يكون بالأولى إنسانا و ترقيه إلى العالم العلوي، و توجهه إلى الجناب الإلهي، و تحصيله للمعارف و الكمالات، و اكتسابه للخيرات و السعادات، إنما يكون بها، فإذا فسدت بغلبة الشيطنة عليها و احتجب عن النور باستيلاء الظلمة، حصلت الشقاوة العظمى و حقّت العقوبة بالنار و هو الرين و الحجاب الكلي لقوله: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)[1] و لهذا وجب خلود العقاب و دوام العذاب بفساد الاعتقاد دون فساد الأعمال إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ*[2].
و أما الباقيتان فرذيلة كل منهما إنما تعود بظهورها على النطقية الملكية ثم ربما محيت بانقهارها و تسخرها لها عند سكون هيجانها و فتور سلطانها باستيلاء غلبة النور و تسلّطها عليها بالطبع، كحال النفس اللوّامة عند التوبة و الندامة. و ربما بقيت بالإصرار و ترك الاستغفار، و في الحالين لا تبلغ رذيلتهما مقام السرّ و محل الحضور و مناجاة الربّ، و لا تتجاوز حدّ الصدر. و لا تصير الفطرة بها محجوبة الحقيقة منكوسة بخلاف تلك، ألا ترى أن الشيطنة المغوية للآدمي أبعد عن الحضرة الإلهية من السبعية و البهيمية و أبعد بما لا يقدر قدره؟
فالإنسان برسوخ رذيلة النطقية يصير شيطانا، و برسوخ الرذيلتين الأخريين يصير حيوانا كالبهيمة أو السبع و كل حيوان أرجى صلاحا و أقرب فلاحا من الشيطان و لهذا قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)[3]، و نهى ها هنا عن اتباع خطوات الشيطان، فإنّ ارتكاب مثل هذه الفواحش لا يكون إلا بمتابعته و مطاوعته و صاحبه يكون من جنوده و أتباعه، فيكون أخسّ منه و أذلّ، محروما من فضل اللّه الذي هو نور هدايته، محجوبا من رحمته التي هي إفاضة كمال و سعادة، ملعونا في الدنيا و الآخرة، ممقوتا من اللّه و الملائكة، تشهد عليه جوارحه بتبدّل صورها و تشوّه منظرها، خبيث الذات و النفس، متورّطا في الرجس، فإنّ مثل هذه الخبائث لا تصدر إلا من الخبيثين، كما قال تعالى: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ و أما الطيبون المتنزهون عن الرذائل، فإنما تصدر عنهم الطيبات و الفضائل لَهُمْ مَغْفِرَةٌ بستر الأنوار الإلهية صفات نفوسهم وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ من المعاني و المعارف الواردة على قلوبهم.
[35]
[سورة النور (24): آية 35]
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ النور هو الذي يظهر بذاته و تظهر الأشياء به، و هو مطلقا اسم من أسماء اللّه تعالى باعتبار شدّة ظهوره و ظهور الأشياء به، كما قيل:
| خفيّ لإفراط الظهور تعرّضت | لإدراكه أبصار قوم أخافش |
| و حظ العيون الزرق من نور وجهه | كشدّة حظ للعيون العوامش |
و لما وجد بوجوده، و ظهر بظهوره، كان نور السموات و الأرض، أي: مظهر سموات الأرواح و أرض الأجساد و هو الوجود المطلق الذي وجد به ما وجد من الموجودات و الإضاءة مَثَلُ نُورِهِ صفة وجوده و ظهوره في العالمين بظهورها به كمثل كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ و هي إشارة إلى الجسد لظلمته في نفسه و تنوّره بنور الروح الذي أشير إليه بالمصباح و تشبكه بشباك الحواس و تلألؤ النور من خلالها كحال المشكاة مع المصباح.
و الزجاجة إشارة إلى القلب المتنوّر بالروح المنوّر لما عداه بالإشراق عليه، تنور القنديل كله بالشعلة و تنويره لغيره. و شبّه الزجاجة بالكوكب الدريّ لبساطتها و فرط نوريتها و علوّ مكانها و كثرة شعاعها كما هو الحال في القلب. و الشجرة التي توقد منها هذه الزجاجة هي النفس القدسية المزكاة، الصافية، شبّهت بها لتشعب فروعها و تفنن قواها، نابتة من أرض الجسد و متعالية أغصانها في فضاء القلب إلى سماء الروح، و صفت بالبركة لكثرة فوائدها و منافعها من ثمرات الأخلاق و الأعمال و المدركات و شدّة نمائها بالترقي في الكمالات و حصول سعادة الدارين، و كمال العالمين بها، و توقف ظهور الأنوار و الأسرار و المعارف و الحقائق و المقامات و المكاسب و الأحوال و المواهب عليها، و خصّت بالزيتونة لكون مدركاتها جزئية مقارنة لنوء اللواحق المادية كالزيتون، فإنه ليس كله لبّا، و لوفور قلّة استعدادها للاشتعال و الاستضاءة بنور نار العقل الفعال، الواصل إليها بواسطة الروح و القلب كوفور الدهنية القابلة لاشتعال الزيتون. و معنى كونها لا شرقية و لا غربية إنها متوسطة بين غرب عالم الأجساد الذي هو موضع غروب النور الإلهي و تستره بالحجاب الظلماني، و بين شرق عالم الأرواح الذي هو موضع طلوع النور و بروزه عن الحجاب النوراني لكونها ألطف و أنور من الجسد و أكثف من الروح.
يَكادُ زيت استعدادها من النور القدسي الفطري الكامن فيها، يضيء بالخروج إلى الفعل و الوصول إلى الكمال بنفسه، فتشرق وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ العقل الفعال، و لم يتصل به نور روح القدس لقوّة استعداده و فرط صفائه نُورٌ عَلى نُورٍ أي: هذا المشرق بالإضاءة من الكمال الحاصل نور زائد على نور الاستعداد الثابت المشرق في الأصل كأنه نور متضاعف يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ الظاهر بذاته المظهر لغيره، بالتوفيق و الهداية مَنْ يَشاءُ من أهل العناية ليفوز بالسعادة وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعلم الأمثال و تطبيقها، و يكشف لأوليائه تحقيقها.
[36- 38]
[سورة النور (24): الآيات 36 الى 38]
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ (36) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (38)
فِي بُيُوتٍ أي: يهدي اللّه لنوره من يشاء في مقامات أَذِنَ اللَّهُ أن يرفع بناؤها و تعلى درجاتها وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ باللسان و المجاهدة و التخلّق بالأخلاق في مقام النفس و الحضور و المراقبة، و الاتّصاف بالأوصاف في مقام القلب و المناجاة و المكالمة، و التحقيق بالأسرار في مقام السرّ و المناغاة بالمشاهدة، و التحيّر في الأنوار في مقام الروح و الاستغراق و الانطماس و الفناء في مقام الذات.
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بالتزكية و التنزيه و التوحيد و التجريد و التفريد بغدوّ التجلي و آصال الاستتار رِجالٌ أي: رجال أفراد سابقون مجرّدون مفردون قائمون بالحق لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ باستبدال متاع العقبى بالدنيا في زهدهم، و لا بيع أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة في جهادهم عن ذكر الذات وَ إِقامِ صلاة الشهود في الفناء وَ إِيتاءِ زكاة الإرشاد و التكميل حال البقاء يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ إلى الأسرار وَ الْأَبْصارُ إلى البصائر، بل تتقلب حقائقها بأن تفنى و توجد بالحق، كما قال: «كنت سمعه و بصره» من ظهور البقية و بقاء الإنية لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ بالوجود الحقانيّ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا من جنات الأفعال و النفوس و الأعمال وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ من جنات القلوب و الصفات وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ من جنات الأرواح و المشاهدات بِغَيْرِ حِسابٍ لكونه أكثر من أن يحصى و يقاس.
[39]
[سورة النور (24): آية 39]
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (39)
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا حجبوا عن الدين أَعْمالُهُمْ التي يعملونها رجاء الثواب كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ لكونها صادرة عن هيئات خالية قائمة بساهرة نفس حيوانية يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً أي:يتوهمها صاحبها المؤمل لثوابها أمورا باقية لذيذة دائمة مطابقة لما توهمه حَتَّى إِذا جاءَهُ في القيامة الصغرى لَمْ يَجِدْهُ شيئا موجودا، بل خاليا، فاسدا، و ظنا كاذبا، كما قال تعالى:وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (23)[4].
وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي: وجد ملائكة اللّه من زبانية القوى و النفوس السماوية و الأرضية عند ذلك التخيّل الموهوم يقودونه إلى نيران الحرمان و خزي الخسران، و يوفونه ما يناسب اعتقاده الفاسد و عمله الباطل من حميم الجهل و غساق الظلمة.
[40- 42]
[سورة النور (24): الآيات 40 الى 42]
أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (40) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (41) وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42)
أَوْ كَظُلُماتٍ في بحر الهيولى اللجيّ العميق الغامر لجثة كل نفس جاهلة، محجوبة بهيئات بدنية، الغامس لكل ما يتعلق به من القوى النفسانية يَغْشاهُ موج الطبيعة الجسمانية مِنْ فَوْقِهِ موج النفس النباتية مِنْ فَوْقِهِ سحاب النفس الحيوانية و هيئاتها الظلمانية ظُلُماتٌ متراكمة بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ المحجوب بها، المنغمس، المحبوس فيها يَدَهُ القوة العاقلة النظرية بالفكر لَمْ يَكَدْ يَراها لظلمتها و عمى بصيرة صاحبها و عدم اهتدائه إلى شيء، و كيف يرى الأعمى الشيء الأسود في الليل البهيم؟.
وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً بإشراق أنوار الروح عليه من التأييد القدسيّ و المدد العقلي فَما لَهُ مِنْ نُورٍ، أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي عالم سموات الأرواح بالتقديس و إظهار صفاته الجمالية و من في عالم أراضي الأجساد بالتحميد و التعظيم و إظهار صفاته الجلالية، و طير القوى القلبية و السرية بالأمرين صَافَّاتٍ مترتبات في مراتبها من فضاء السرّ، مستقيمات بنور السكينة، لا تتجاوز واحدة منها حدّها، كما قال: وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (164)[5].
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ طاعته المخصوصة به من انقهاره و تسخره تحت قهره، و سلطنته علمية كانت أو عملية، و من محافظته لتربيته و حضوره لوجهه تعالى فيما أمره به وَ تَسْبِيحَهُ إظهار خاصيته التي ينفرد بها، الشاهدة على وحدانيته وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بأفعالهم و طاعاتهم.
[43- 44]
[سورة النور (24): الآيات 43 الى 44]
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (44)
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي برياح النفخات و الإرادات سحاب العقل فروعا منتزعة من الصور الجزئية ثم يؤلف فيه على ضروب المتألفات المنتجة ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً حججا و براهين فَتَرَى و دق النتائج و العلوم اليقينية يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَ يُنَزِّلُ مِنَ سماء الروح من جبال أنوار السكينة و اليقين الموجبة للوقار و الطمأنينة و الاستقرار فِيها أي: في تلك الجبال من برد الحقائق و المعارف الكشفية و المعاني الذوقية، أو من جبال في السماء و هي معادن العلوم و الكشوف و أنواعها، فإنّ لكل علم و صنعة معدنا في الروح ثابتا فيه بحسب الفطرة، يفيض منه ذلك العلم، و لهذا يتأتى لبعضهم بعض العلوم بالسهولة دون بعض، و يتأتى لبعضهم أكثرها و لا يتأتى لبعضهم شيء منها، و كل ميسر لما خلق له، أي: ينزل من سماء الروح من الجبال التي فيها برد المعارف و الحقائق فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ من القوى الروحانية وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ من القوى النفسانية و النفوس المحجوبة.
يَكادُ سَنا بَرْقِهِ أي: ضوء بوارق ذلك البرد، و هو ما يقدّمه من الأنوار الملتمعة التي لا تلبث و لا تستقرّ بل تلمع و تخفى إلى أن تصير متمكنة تذهب بأبصار البصائر حيرة و دهشا، و كلما زاد ازدادت تحيرا، و لهذا قال عليه السلام: «ربّ زدني تحيّرا»
أي: علما و نورا يُقَلِّبُ اللَّهُ ليل ظلمة النفس و نهار نور الروح بأن يغلب تارة نور الروح فينوّر القلب و النفس و يعقبه أخرى ظلمة النفس بالظهور فتتكدّر و تكدّر القلب في التلوينات إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً يعتبر بها أولو الأبصار القلبية أو ذوو البصائر، فيلتجؤون إلى اللّه في التلوينات و ظلم النفس، و يلوذون بجناب الحق و معدن النور، و يعبرون إلى مقام السر و الروح، فينكشف عنهم الحجاب.
[45- 51]
[سورة النور (24): الآيات 45 الى 51]
وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَ أَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَ إِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)
أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ رَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)
وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ من أصناف دواب الدواعي التي تدبّ في أراضي النفوس و تبعثها إلى الأفعال مِنْ ماءٍ مخصوص، أي: علم مناسب لتلك الداعية المتولدة منه. فإن منشأ كل داعية إدراك مخصوص.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ و يزحف في الطبيعة، و يحدث الأعمال البدنية الطبيعية وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ من الدواعي الإنسانية فيحدث الأعمال الإنسانية و الكمالات العملية وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ من الدواعي الحيوانية فيبعث على الأعمال السبعية و البهيمية يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ من هذه الدواعي من منشأ قدرته الباهرة، الكاملة في إنشاء الأعمال و يهدي من يشاء بالآيات السابقة المذكورة من الحكم و المعاني و المعارف و الحقائق من منشأ حكمته البالغة التامة في إظهار العلوم و الأحوال إلى صراط التوحيد الموصوف بالاستقامة إليه وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ أي: يدّعون التوحيد جمعا و تفصيلا و العمل بمقتضاه ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ بترك العمل بمقتضى الجمع و التفصيل، بارتكاب الإباحة و التزندق وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ الإيمان الذي عرفته و ادّعوه من العلم باللّه جمعا و تفصيلا.
[52- 54]
[سورة النور (24): الآيات 52 الى 54]
وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَخْشَ اللَّهَ وَ يَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (52) وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (53) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54)
وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ باطنا بشهود الجمع وَ رَسُولَهُ ظاهرا بحكم التفصيل وَ يَخْشَ اللَّهَ بالقلب بمراقبة تجليات الصفات وَ يَتَّقْهِ بالروح عن ظهور أنائيته في شهود الذات فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ بالفوز العظيم.
[55- 64]
[سورة النور (24): الآيات 55 الى 64]
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (55) وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَ مَأْواهُمُ النَّارُ وَ لَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَ حِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَ إِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59)
وَ الْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَ لا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (63) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَ يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ باليقين وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ باكتساب الفضائل لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ و أقسم ليجعلنهم خلفاء في أرض النفس إذ جاهدوا في اللّه حق جهاده كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ سبقوهم إلى مقام الفناء في التوحيد من أوليائه وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ بالبقاء بعد الفناء دِينَهُمُ طريق الاستقامة فيه المرضية وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ في مقام النفس أَمْناً بالوصول و الاستقامة يَعْبُدُونَنِي أي: يوحدونني من غير التفات إلى غيري و إثباته وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ بالطغيان بظهور الأنانية، و خرج عن الاستقامة و التمكين بالتلوين فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الخارجون عن دين التوحيد.
[1] ( 1) سورة المطففين، الآيات: 14- 15.
[2] ( 2) سورة النساء، الآية: 48.
[3] ( 3) سورة الشعراء، الآيات: 221- 222.
[4] ( 1) سورة الفرقان، الآية: 23.
[5] ( 1) سورة الصافات، الآية: 164.