تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة النّساء آیه1-85
(4) سورة النّساء مدنيّة
[فى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ]
«يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها» يعني نفس آدم، يخاطب ما تفرع منه، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم: [إن ربكم واحد و إن أباكم واحد] يريد بالأب آدم صلّى اللّه عليه و سلم فإنه لما ظهر جسم آدم، و لم تكن فيه شهوة نكاح، و كان قد سبق في علم الحق إيجاد التوالد و التناسل، و النكاح في هذه الدار، إنما هو لبقاء النوع، استخرج من ضلع آدم من القصيرى الأيسر صورة حواء، فكان واحدا في عينه فصار زوجا بها، و كانت من الضلع للانحناء الذي في الضلوع، لتحنو بذلك على ولدها و زوجها. فحنو الرجل على المرأة حنوه على نفسه لأنها جزء منه، و حنو المرأة على الرجل لكونها خلقت من الضلع و الضلع فيه انحناء و انعطاف.
و عمر اللّه الموضع من آدم الذي خرجت منه حواء بالشهوة إليها، إذ لا يبقى في الوجود خلاء، فحن إليها حنينه إلى نفسه لأنها جزء منه،و حنت إليه لكونه موطنها الذي نشأت فيه، فحبّ حواء حبّ الموطن، و حبّ آدم حبّ نفسه، و صوّر الحق في ذلك الضلع جميع ما صوره و خلقه في جسم آدم، و لما أقام الحق صورتها و سواها و عدلها نفخ فيها من روحه، فقامت حية ناطقة، أنثى ليجعلها محلا للزراعة و الحرث لوجود الإنبات الذي هو التناسل، فالمرأة منفصلة عن الرجل ليحن إليها حنين من ظهرت سيادته بها، فهو يحبها محبة من أعطاه درجة السيادة و هي تحنّ إليه و تحبه حنين الجزء إلى الكل، و هو حنين الوطن لأنه وطنها، مع ما يضاف إلى ذلك من كون كل واحد موضعا لشهوته و التذاذه، و سكن إليها و سكنت إليه، و كانت لباسا له و كان لباسا لها، و سرت الشهوة منه في جميع أجزائه فطلبها، فلما تغشاها و ألقى الماء في الرحم و دار بتلك النطفة من ماء إلى نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظم، ثم كسا العظم لحما، فلما أتم نشأته الحيوانية، أنشأه خلقا آخر فنفخ فيه الروح الإنساني.
و اعلم أن آدم عليه السلام خلق من الفردانية، و أما حواء عليها الصلاة و السلام فمن الوحدانية، لأن الفرد لم يعلم حتى استيقظ، و خلقت كاملة على صورتها من حيّ نائم، كما خلق آدم عليه الصلاة و السلام على صورته من غير مزيد، فعقل نفسه فيها، و كانت الشهوة النكاحية في الموضع الذي عمرته حواء حين خرجت، فإنه ليس في الوجود خلاء، فأخلت الشهوة الموضع لنزول حواء فيه، و نزلت بالموضع الذي خرجت منه حواء من آدم فعمر الموضع، و خرجت الشهوة فيه أقوى مما جرت في حواء، فإن حواء حكم عليها موضع الشهوة، فالنساء أغلب على شهواتهن من الرجال، فإن الشهوة في الرجل بذاتها و في المرأة بما بقي من آثار رحمتها في موطنها الذي عمرته، و كانت الشهوة كالثوب على حواء من أجل صورة الموضع، و فشت الشهوة في آدم، فعمّتهما جميعا، لكن بهذا الحكم، و لهذا تعم شهوة الجماع عند الإنزال جميع البدن، و لهذا أمر بتطهير جميع البدن، فإنه فني بكليته في تلك اللحظة، فأمر بتطهير كليته من ذلك لأجل مناجاة الحق، فآدم فرد و حواء واحد، و واحد في الفرد مبطون فيه، فقوة المرأة من أجل الوحدانية أقوى من قوة الفردانية، و لهذا تكون المرأة أقوى في ستر المحبة من الرجل، و لهذا هي أقرب إلى الإجابة و أصفى محلا، كل ذلك من أجل الوحدانية، فما نكح آدم سوى نفسه، فمنه الصاحبة و الولد، و الأمر واحد في العدد، فتبارك اللّه أحسن الخالقين الذي قال: «وَ بَثَّ مِنْهُما» من آدم و حواء «رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً» على صورة الزوجين، و جعلنا مختلفين في عقولنا متفاوتين في نظرنا، و الأصل واحد، و منا الطيب و الخبيث، و الأبيض و الأسود، و ما بينهما، و الواسع الخلق و الضيق الخلق الحرج، فجميع الناس رحم، فإنهم أبناء أب واحد و أم واحدة-
الوجه الثاني- لما كان الهباء أصل الوجود، و تجلّى له اسمه تعالى النور، من حضرة الجود كان الظهور، فقبلت صورته صلّى اللّه عليه و سلم من هذا الهباء فيض ذلك النور، فظهرت صورة مثلية، مشاهدها عينية، و مشاربها غيبية، و جنتها عدنية، و معارفها قلمية، و علومها يمينية، و أسرارها مدادية، و أرواحها لوحية، و طينتها آدمية، فهو صلّى اللّه عليه و سلم أب لنا في الروحانية، كما كان آدم صلى اللّه عليه أبا لنا في الجسمية، قال صلّى اللّه عليه و سلم في حديث جابر رضي اللّه عنه [أول ما خلق اللّه نور نبيك يا جابر] فكان صلّى اللّه عليه و سلم النفس الواحدة التي خلق منها زوجها، و به وجد الوجود، فآدم زوجها من وجه، لأنه أكمل مخلوق مقابل لها في الوجود، فهو بهذه النسبة أمّ، ثم هو أب بالنسبة إلى ذريته و حواء أمّ، فهي زوجة، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم آدم أبوة النبوة، كما أن آدم عليه السلام آدم أبوة الطين، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين] فكان صلّى اللّه عليه و سلم النفس الواحدة التي خلق منها زوجها، فإنه ما من نبي- من آدم إلى عيسى- يأخذ إلا من مشكاته، التي هي فلك الرحمة (وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) فهو نازل من حيث روحانيته إلى كل نبي لما أنزل إليه إن فهمت و إن تأخرت طينته، و ذلك معنى قوله: [كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين] و لذلك تأخر وجود طينته إلى ختم النبوة، فإن البداية هي النهاية، و غيره ما كان نبيا إلا بعد استعداده لنزوله عليه، فكان نبيا حين بعث بفيض الحياة من مشكاته، و لم يتحقق بها كما تحقق بها صلّى اللّه عليه و سلم، و قد نبّه على ذلك بقوله: [مثلي و مثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى قصرا أحسن بنيانه، و ترك فيه موضع لبنة، فطاف بها النظار يتعجّبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة، فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة، ختم بي البنيان و ختم بي الرسل] و في رواية [فأنا اللبنة و أنا خاتم النبيين] و مما رواه جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال: سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عن أول شيء خلقه اللّه تعالى فقال: هو نور نبيك يا جابر، خلقه اللّه تعالى، ثم خلق فيه كل خير، و خلق بعده كل شيء- الحديث بطوله.
[العام وجد من واحد]
– إشارة- قوله تعالى «خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ» و قوله تعالى «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»* دليل على أن الأجسام من جسم واحد و الأرواح من روح واحدة، تنبيه على أن العالم وجد من واحد، لا إله إلا هو العليم القدير (وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ» قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) و قال صلّى اللّه عليه و سلم [الرحم شجنة من الرحمن] و قال: [أنا من اللّه و المؤمنون مني] فالرحم رحمان: رحم طينية، و رحم دينية، قال تعالى في الرحم الطينية (وَ إِنْ إلا هو العليم القدير (وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ» قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) و قال صلّى اللّه عليه و سلم [الرحم شجنة من الرحمن] و قال: [أنا من اللّه و المؤمنون مني] فالرحم رحمان: رحم طينية، و رحم دينية، قال تعالى في الرحم الطينية (وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً).
و قال في الرحم الديني (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) و قال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) فأعط الطين حقه، و انفر إلى رحمك الديني الذي هو أولى بك من نفسك، فإن صلة الرحم بتقوى الأرحام، بتحكيم اللطيف على الكثيف- إشارة- هذه الآية تشير إلى وجوب الشفقة على خلق اللّه و الرحمة بعباد اللّه، فإن كان العبد كافرا فهو أخوه من حيث أنه و أباه من نفس واحدة، و إن كان مؤمنا فهو أخوه أخوة اختصاص ديني سعادي، فعلى كل حال وجبت الشفقة. «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» رقيب على كل نفس بما كسبت، فإن اللّه له مع كل واحد من المملكة أمر خاص في نفسه.
[سورة النساء (4): الآيات 2 الى 3]
وَ آتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَ لا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2) وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (3)
«فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ» اعلم أن مسمى النكاح قد يكون عقد الوطء، و قد يكون عقدا و وطأ معا، و قد يكون وطأ، و يكون نفس الوطء عين العقد، لأن الوطء لا يصح إلا بعقد الزوجين. «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ»
[اشاره الى ملك اليمين]
ما في الخلق من يملك سوى الإنسان، و ما سوى الإنسان من ملك و غيره لا يملك شيئا، و ذلك من حكم الصورة التي خلق عليها الإنسان، فقال تعالى في إثبات الملك للإنسان «أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ». و اعلم أن الكفاءة مشروعة لا معقولة، و الشرع إنما لزمها من الطرف الواحد لا من الطرفين، فمنع المرأة أن تنكح ما ليس لها بكفء، و لم يمنع الرجل أن ينكح ما ليس بكفء له، و لهذا له أن ينكح أمته بملك اليمين، و ليس للمرأة أن ينكحها عبدها- إشارة- ملك اليمين- عبدك ليس هو عبدك، و إنما هو قيمته، فعامله معاملة مالك، و أنزله مرتبته من حيث أنه إنسان.
[سورة النساء (4): آية 4]
وَ آتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4)
فلا يحل لك من مال امرأتك شيء إلا شيء تعطيك من غير أن تسألها.
[سورة النساء (4): الآيات 5 الى 6]
وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَ ارْزُقُوهُمْ فِيها وَ اكْسُوهُمْ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) وَ ابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَ لا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَ بِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَ كَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (6)
«وَ ابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ» و هو أحد الشرطين «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ» فأمرنا في الأيتام في دفع أموالهم و استحقاقهم لها بإيناس الرشد منهم، «فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَ كَفى بِاللَّهِ حَسِيباً» أي عليما، و الحسيب من أسماء اللّه تعالى، و الحسيب ذو الحسب الكريم و النسب الشريف، و لا نسب أتم و لا أكمل في الشرف من شرف الشيء بذاته لذاته، و لهذا لما قيل لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم: انسب لنا ربك، ما نسب الحق نفسه فيما أوحى به إليه إلا لنفسه، و تبرأ أن يكون له نسب من غيره، فأنزل عليه سورة الإخلاص.
[سورة النساء (4): الآيات 7 الى 11]
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10) يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَ إِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (11)
«مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ» قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [حق اللّه أحق بالقضاء] يعني من حق المخلوق، و اللّه قدّم الوصية على الدّين، و الوصية حقّ اللّه لأنه الذي أوجبها علينا حين أوجبها الموصي في المال الذي له فيه تصرف، و تقديم الوصية على الدّين حكم اللّه، و هذا خلاف ما عليه اليوم الفقهاء في الوصية و الدّين، فإن اللّه تعالى قدّم الوصية على الدّين، و يرجع عندي حق الغرماء، إذا لم يف ما بقي لهم من مال هذا الميت في بيت المال، يؤديه عنه السلطان من الصدقات، فإنهم من الثمانية الأصناف، فلصاحب الدّين أمر يرجع إليه في دينه، و ليس للوصية ذلك، فوجب تقديمها بلا شك عند المنصف.
و المحتضر مايملك من المال إلا الثلث، و أجاز له الشارع أن يتصرف بالثلث كله الذي يملكه، و هو محمود في ذلك شرعا، فكان أفضل ممن لم يتصدق بذلك الثلث الذي يملكه، أو تصدق بأقل من الثلث، و ينوي بما يبقيه أنه صدقة على ورثته، و ما أبيح للمحتضر إلا الثلث، و ما فوق ذلك فلا يسمع له فيه كلام، لأنه تكلم فيما لا يملك. «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً» الحكيم مرتب الأمور مراتبها و منزل الأشياء مقاديرها- إشارة- أشار الحق بقوة المرأة و ضعف الرجل بصورة الميراث، فأعطى الأكثر للأضعف كي يقوى من جهة الضعف.
[سورة النساء (4): الآيات 12 الى 14]
وَ لَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَ لَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14)
اعلم أن عصيان اللّه عصيان رسول اللّه، إذ متعلق المعصية الأمر الإلهي و النهي، و لا يعرف ذلك إلا بتبليغ الرسول و على لسانه، فإن اللّه لا يبلغ أمره إلا رسل اللّه، و ليس لغير الرسل من البشر هذا المقام، و مع هذا فللّه أمر يعصى فيه و للرسول أمر يعصى فيه، و ثم أمر يجمع فيه معصية اللّه و رسوله. فكل أمر يتعلق بجناب اللّه ليس لمخلوق فيه دخول فتلك معصية اللّه، و كل أمر يتعلق بجناب المخلوق الذي هو رسول اللّه، فتلك معصية الرسول، و كل أمر يتضمن الجانبين، فتلك معصية اللّه و رسوله؛ قال اللّه تعالى: «وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ»، و قال: (وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ)* فأفرده، و قال: (وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ) فأفرد نفسه.
[سورة النساء (4): الآيات 15 الى 17]
وَ اللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (16) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17)
هو سبحانه العليم بكل شيء بما كان و يكون، الحكيم، و الحكمة تعطي وضع كل شيء في موضعه، فما ثم شيء مطلق أصلا، لأنه لا يقتضيه الإمكان، فما من أمر إلا و له موطن يقبله و موطن يدفعه و لا يقبله، لا بد من ذلك.
[سورة النساء (4): آية 18]
وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18)
«وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ» فإن ذلك الجزء من الحياة الدنيا ليس منها و إنما هو من البرزخ. من الدار التي لا ينفع فيها ما عمل فيها، «وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً».
[سورة النساء (4): آية 19]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَ لا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَ عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)
أي صاحبوهن بما يعرف أنه يدوم بينكما الصحبة به، و المعاشرة الصحبة، «فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً».
[سورة النساء (4): الآيات 20 الى 21]
وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (20) وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21)
فإنه لا يحل أن يأخذ مما أعطاها من صداق و إنفاق يلزمه لقبول العوض، فكان كالبيع، و العوض لا يمكن رده لأنه الاستمتاع بوطئها، و ذلك الإفضاء لا يصح فيه الرجوع، فلا يصح أيضا في المعوض منه.
[سورة النساء (4): الآيات 22 الى 23]
وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ مَقْتاً وَ ساءَ سَبِيلاً (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خالاتُكُمْ وَ بَناتُ الْأَخِ وَ بَناتُ الْأُخْتِ وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَ رَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَ حَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23)
الدخول وطء لوجود لذة أو لإيجاد عين، و هو بعقد، و هو عبارة عما يقع عليه رضى الزوجين، و بلا عقد للإماء.
[سورة النساء (4): آية 24]
وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (24)
كل نكاح أي دخول بغير عقد أو للإماء الغير المملوكات، فهو سفاح لا نكاح، أي هو بمنزلة الشيء السائل الذي لا ثبات له، لأنه لا عقد فيه و لا رباط و لا وثاق، و الصداق لا بد منه، لأنه القيمة و الثمن و العوض عن شراء استمتاع بعضو و بيعه، لأن النكاح من باب الشراء و البيع، لذلك نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عن أن تسم على سوم أخيك و لا تبع على بيعه، كما نهيت أن تخطب على خطبته.
[سورة النساء (4): آية 25]
وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَ لا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)
لا ينكح الأمة إلا من لا يستطيع الطول.
[سورة النساء (4): آية 26]
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)
السنة الطريقة، و السنن مثل الطرق، طرق الاقتداء «وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» بما يجريه و يثبته، فلا ينازع الحق.
[سورة النساء (4): آية 27]
وَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)
الشهوة إرادة الملذوذات، فهي لذة و التذاذ بملذوذ عند المشتهي، فإنه لا يلزم أن يكون ذلك ملذوذا عند غيره، و لا أن يكون موافقا لمزاجه و لا ملائمة طبعه، و ذلك أن الشهوة شهوتان: شهوة عرضية، و هي التي يمنع من اتباعها، فإنها كاذبة و إن نفعت يوما ما، فلا ينبغي للعاقل أن يتبعها لئلا يرجع ذلك له عادة، فتؤثر فيه العوارض، و شهوة ذاتية، فواجب عليه اتباعها، فإن فيها صلاح مزاجه لملاءمتها طبعه، و في صلاح مزاجه و في صلاح دينه سعادته، و لكن يتبعها بالميزان الإلهي الموضوع من الشارع، و هو حكم الشرع المقرر فيها، سواء كان من الرخص أو العزائم، إذا كان متبعا للشرع لا يبالي، فإنه طريق إلى اللّه مشروعة، فإنه تعالى ما شرع إلا ما يوصل إليه بحكم السعادة.
و الشهوة لا تتعلق إلا بما للنفس في نيله لذة خاصة، و محل الشهوة النفس الحيوانية، و محل الإرادة النفس الناطقة، و الشهوة تتقدم اللذة بالمشتهى في الوجود، و لها لذة متخيلة تتعلق بتصور وجود المشتهى و شهوة الدنيا لا تقع لها لذة إلا بالمحسوس الكائن.
[سورة النساء (4): آية 28]
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28)
[سمّى اللّه تعالى الإنسان إنسانا لأنه أنس الرتبة الكمالية]
سمّى اللّه تعالى الإنسان إنسانا لأنه أنس الرتبة الكمالية، فوقع بما رآه الأنس له، فسماه إنسانا. فالألف و النون فيه زائدتان في اللسان العربي.
[سورة النساء (4): آية 29]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)
[الصلاة على من قتل نفسه]
إن الذي قتل نفسه، عظم جرمه لحق الجوار الأقرب، و حال بذلك بينها و بين ملكها، و ما سوى نفسه فبعيد عن هذا القرب الخاص الذي لنفسه، فمن قتل نفسه فما قتلها إلا لجهله بما لنفسه عليه من الحق، و اللّه يقول: إنا لا نصلح منك شيئا أفسدته من نفسك، فالحقوق و إن عظمت فحق اللّه أحق، و يليه حق نفسك، و ما خرج عن هذين الحقين فهيّن الخطب، و من قتل نفسه فإنه يصلّى عليه، لأنه لما أذن اللّه عزّ و جل في الشفاعة بالصلاة على الميت، علمنا أنه عزّ و جل قد ارتضى ذلك، و أن السؤال فيه مقبول، و أخبر أن الذي يقتل نفسه في النار خالدا مخلّدا فيها أبدا، و أن الجنة عليه حرام، و ما ورد النهي عن الصلاة على من قتل نفسه، فيحمل ذلك على من قتل نفسه و لم يصلّ عليه، فيجب على المؤمنين الصلاة على من قتل نفسه لهذا الاحتمال فيقبل اللّه شفاعة المصلي عليه فيه، و لا سيما و الأخبار و الصحاح و الأصول تقضي بخروجه من النار، و يخرج الخبر الوارد بتأبيد الخلود مخرج الزجر، و الحكمة المشار إليها في هذه المسألة في قوله تعالى: [بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة] ففيه إشارة حقيقية، فالإشارة يسارعون، و سابقوا، و من تقرّب إليّ شبرا تقربت منه ذراعا، و الموت سبب لقاء اللّه، فاستعجل اللقاء فبادر إليه قبل وصوله الحد، و هو السبب الذي لا تعمل له في لقائه، فإن كان عن شوق للقاء الحق فإنه يلقاه برفع الحجب ابتداء، فإنه قال: [حرمت عليه الجنة] و الجنة ستر، أي منعت عنه أن يستر عني، فإنه بادرني بنفسه، و لم يقل ذلك على التفصيل، فحمله على وجه الخير للمؤمن لما يعضده من الأصول أولى، و أما قوله عليه السلام فيمن قتل نفسه بحديدة و بسم و بالتردي من الجبل، فلم يقل في الحديث من المؤمنين و لا من غيرهم، فتطرق الاحتمال، و إذا دخل الاحتمال رجعنا إلى الأصول، فرأينا أن الإيمان قوي السلطان، لا يتمكن معه الخلود على التأبيد إلى غير نهاية في النار، فنعلم قطعا أن الشارع أخبر بذلك عن المشركين في تعيين ما يعذبون به أبدا؛ فقال: [من قتل نفسه بحديدة منهم فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدامخلدا فيها أبدا] أي هذا الصنف من العذاب هو حكمه في النار، و كذلك من شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، أي هذا النوع من العذاب يعذّب به هذا الكافر،
و قد ورد من قتل نفسه بشيء عذب به، و أما المؤمن فحاشى الإيمان بتوحيد اللّه أن يقاومه شيء، فتعين أن ذلك النص في المشرك و إن لم يخص الشارع في هذا الخبر صنفا بعينه، فإن الأدلة الشرعية تؤخذ من جهات متعددة، و يضم بعضها إلى بعض ليقوي بعضها بعضا، و أهل الجنة إنما يرون ربهم رؤية نعيم بعد دخولهم الجنة، كما ورد الخبر في الزيارة إذا أخذ الناس أماكنهم في الجنة، فيدعون إلى الرؤية، فيمكن أن اللّه قد خصّ هذا الذي بادره بنفسه فقتل نفسه أن يكون قوله حرمت عليه الجنة قبل لقائي، فيتقدم للقاتل نفسه لقاء اللّه رؤية نعيم، و حينئذ يدخل الجنة، فإن القاتل نفسه يرى أن اللّه أرحم به مما هو فيه من الحال الموجبة له إلى هذه المبادرة، فلولا ما توهم الراحة عند اللّه من العذاب الذي هو فيه لما بادر إليه،
و اللّه يقول: [أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا] و القاتل نفسه إن كان مؤمنا فظنه بربه حسن، فظنه بربه الحسن هو الذي جعله أن يقتل نفسه، و هذا هو الأليق أن يحمل عليه لفظ الخبر الإلهي، إذ لا نصّ بالتصريح على خلاف هذا التأويل، و إن ظهر فيه بعد، فلبعد الناظر في نظره من الأصول المقررة التي تناقض هذا التأويل بالشقاء المؤبد، فإذا استحضرها و وزن، عرف ما قلناه. و في الأخبار الصحاح [أخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان] فلم يبق إلا ما ذكرناه.
فإن قلنا و لا بدّ بالعقوبة، فتكون الجنة محرمة عليه أن يدخلها دون عقاب، مثل أهل الكبائر، فيكون نصا في القاتل نفسه، و غيره من أهل الكبائر في حكم المشيئة، فغايته إنفاذ الوعيد في القاتل نفسه قبل دخول الجنة و أنه لا يغفر له، و اللّه أكرم أن ينسب إليه إنفاذ الوعيد، بل ينسب إليه المشيئة و ترجيح الكرم.
[سورة النساء (4): الآيات 30 الى 31]
وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَ ظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (31)
[سورة النساء (4): الآيات 32 الى 33]
وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32) وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33)
فتحفّظ فإن اللّه هو الحفيظ على سمعك و بصرك و لسانك و يدك و رجلك و حياتك، و حاسب نفسك.
[سورة النساء (4): آية 34]
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَ اللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (34)
فالرجال قوامون على النساء فيما يحتجن إليه، فالذي يجعل اللّه الرزق على يديه قائم على من يرزق بسببه.
[سورة النساء (4): آية 35]
وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (35)
«وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما» أي نزاعا، و هو أن يقول كل واحد أو يعمل ما يشق على الآخر «فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها» الحكم هو القاضي في الأمور، و من أعجب ما في هذا نصب الحكمين في النازلة الواحدة، فقد يتفقان في الحكم و قد يختلفان.
[سورة النساء (4): آية 36]
وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ بِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ الْجارِ ذِي الْقُرْبى وَ الْجارِ الْجُنُبِ وَ الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (36)
«وَ الْجارِ ذِي الْقُرْبى وَ الْجارِ الْجُنُبِ» الجار مشتق من جار إذا مال، فإن الجور ميل، فما سمي جارا لك إلا لميلك إليه بالإحسان، و ميله إليك لدفع الضرر، و من جعله مشتقا من الجور الذي هو الميل إلى الباطل و الظلم في العرف، فهو كمن يسمي اللديغ سليما في النقيض.
[سورة النساء (4): الآيات 37 الى 40]
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَ يَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (37) وَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ مَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (38) وَ ما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَ كانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40)
العبد متنوع الأحوال، و الإنسان لا يحضر مع اللّه في كل حال، لما جبل عليه من الغفلة و الضيق، و هو بكله للّه، فما كان منه للّه للّه، فإن اللّه لا يظلم مثقال ذرة.
[سورة النساء (4): الآيات 41 الى 42]
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42)
[سورة النساء (4): آية 43]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَ لا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (43)
[التيمم]
لمس النساء لا ينقض الوضوء، و الاحتياط أن يتوضأ للخلاف الذي في هذه المسألة اللامس و الملموس، و قد تصدعنا في هذه المسألة مع علماء الرسوم «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» شرع اللّه طهارة مائية و ترابية، فإن النشء الإنساني لم يكن إلا من تراب كآدم، و ماء كبني آدم، فقال خلقكم من تراب، و من ماء، و من طين و هو خلط الماء بالتراب، فجعل الطهارة بما منه خلقنا، فطهارتنا منا من ماء و هو الوضوء، و تراب و هو التيمم.
فنحن نور على نور بحمد اللّه، و التيمم القصد إلى الأرض الطيبة، كان ذلك الأرض ما كان مما يسمى أرضا، ترابا كان أو رملا أو حجرا أو زرنيخا، فإن فارق الأرض شيء من هذا كله و أمثاله، لم يجز التيمم بما فارق الأرض من ذلك إلا التراب خاصة، لورود النص فيه، و في الأرض سواء فارق الأرض أو لم يفارق، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا] و في خبر آخر [جعلت تربتها لنا طهورا] فعمّ في الأول، و خرج التراب بالنص فيه في الثاني عن سائر ما يكون أرضا، و يزول عنه الاسم بالمفارقة، فجعل تربة هذه الأرض طهورا، فكان لها حكم الماء في الطهارة إذا عدم الماء، أو عدم الاقتدار على استعماله لسبب مانع من ذلك، فأقام لنا تراب هذه الأرض و الأرض طهورا، فإذا فارق الأرض ما فارق منها ما عدا التراب فلا يتطهر به إلا التراب،
فإنه ما كان منها يسمى أرضا ما دام فيها، من معدن و رخام و زرنيخ و غير ذلك، فما دام في الأرض كان أرضا، حقيقة، لأن الأرض تعم هذا كله، فإذا فارق الأرض انفرد باسم خاص له، و زال عنه اسم الأرض فزال حكم الطهارة منه، إلا التراب خاصة فسواء فارق الأرض أو لم يفارقها فإنه طهور، لأنه منه خلق المتطهر به و هو الإنسان، فيطهر بذاته تشريفا له، فأبقى اللّه النص عليه بالحكم به في الطهارة دون غيره ممن له اسم غير اسم الأرض، فإذا فارق التراب الأرض زال عنه اسم الأرض و بقي عليه اسم التراب، كما زال عن الزرنيخ اسم الأرض لما فارق الأرض و بقي عليه اسم الزرنيخ، فلم تجز الطهارة به بعد المفارقة، لأن اللّه ما خلق الإنسان من زرنيخ و إنما خلقه من تراب، فقال تعالى: «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» أي اقصدوا التراب الذي ما فيه ما يمنع من استعماله في هذه العبادة من نجاسة و لم يقل ذلك في طهارة الماء، فإنه أحال على الماء المطلق لا المضاف، فإن الماء المضاف مقيّد بما أضيف إليه عند العرب.
فإذا قلت للعربي أعطني ماء، جاء إليك بالماء الذي هو غير مضاف، ما يفهم العربي منه غير ذلك، و ما أرسل رسول و لا أنزل كتاب إلا بلسان قومه، فلهذا لم يقل بالقصد في الماء، فقال: اغسلوا و لم يقل: تيمموا ماء طيبا، فهنا القصد للصعيد الطيب، و العمل به تبع يحتاج إلى نية أخرى عند الشروع في الفعل، كما يفتقر العمل بالماء في الوضوء و الغسل و جميع الأعمال المشروعة إلى الإخلاص المأمور به و هو النية.
و التيمم عندنا عبادة مستقلة و ليست بدلا، و إنما هي طهارة مشروعة مخصوصة بشروط اعتبرها الشرع. و إنما قلنا مشروعة، لأنها ليست بطهارة لغوية، و التيمم عندنا يجوز للمريض و المسافر إذا عدم الماء، أو عدم استعمال الماء مع وجوده لمرض قام به يخاف أن يزيد به المرض أو يموت، و لا إعادة عليه.
و يجوز للحاضر يعدم الماء، أن يتيمم، و الذي يجد الماء و يمنعه من الخروج إليه خوف عدو يجوز له التيمم، و الخائف من البرد في استعمال الماء يجوز له التيمم إذا غلب على ظنه أنه يمرض إن استعمل الماء، و طهارة التيمم تحتاج إلى نية، و التيمم عبادة، و الإخلاص عين النية، و من لم يجد الماء لا يشترط له الطلب. و يشترط دخول الوقت في هذه الطهارة، و حدّ الأيدي هو أقل ما يسمى به يدا في لغة العرب هو الواجب، و ما زاد على أقل مسمى اليد إلى غايته فذلك له مستحب، و ضربة واحدة تجزي، و حديث الضربة الواحدة أثبت.
و الظاهر إيصال التراب إلى أعضاء المتيمم، و جميع ما يفعل بالوضوء يستباح بالتيمم، و الأولى أنه لا يستباح، لأن التيمم ليس بدلا من الوضوء، و إنما هو طهارة أخرى عينها الشارع بشرط خاص، و يستباح بها أكثر من صلاة واحدة، و الأولى أن لا يستباح، و يكون التيمم لكل فريضة، فالدليل في وجوب ذلك أقوى من قياسه على الوضوء، و إليه أذهب؛ فإن نص القرآن في ذلك، و ناقض هذه الطهارة هو كل ما ينقض الوضوء و الطهر.
[الاغتسال]
– إشارة و اعتبار- الاغتسال هو تعميم طهارة النفس من كل ما أمرت بالطهارة منه و به، من الأعمال ظاهرا مما يتعلق بالأعضاء، و باطنا مما يتعلق بالنفس من مصارف صفاتها،لا من صفاتها، و إنما قلنا من مصارف صفاتها، فإن صفاتها لازمة لها في أصل خلقها لا تنفكّ عنها، حتى إن كل وصف مذموم فمتعلق الذي أمرنا بالطهارة منه ما هو عين الصفة، إنما هو عين المصرف، كصرف الحرص إلى طلب العلم و تحصيل أسباب الخير و الأعمال الصالحة، فالحرص بهذا الوجه يكون سعادة الحريص، و بوجهه المذموم يكون شقاوة الحريص، فلهذا قلنا بالمصرف لا بعين الصفة، و هكذا في جميع الصفات التي علق الذم بها، و لا يعلم مصارف الصفات إلا من يعلم مكارم الأخلاق، فيتطهر بها، و يعلم سفساف الأخلاق فيتطهر منها، و ما خفي منها مما لا يدركه يتلقاه من الشارع، و هو كل عمل يرضي اللّه، فيتطهر به من كل عمل لا يرضيه فيتطهر منه، و من هذه الطهارة واجب مثل العلم و الجهل، و الكفر و الإيمان، و الشرك و التوحيد، و هكذا في الأعمال كلها المشروعة، يطهرها بالموافقة من المخالفة على حسب مرتبته من الوجوب أو الندب أو الإباحة، مثل التطهير بإيتاء الزكاة مثلا فهو غسل واجب، و كإعطائها للفقراء من ذوي الأرحام و هو مندوب إليه، و كتخصيص أهل الدين منهم دون غيرهم من ذوي الأرحام و هو مستحب.
[نواقض الوضوء في المعرفة باللّه]
– إشارة و اعتبار- نواقض الوضوء في المعرفة باللّه هو كل ما يقدح في الأدلة العقلية من الشبه الواردة، و كل ما يقدح في الأدلة الشرعية من ضعف الطريق الموصل إليها، و هو عدم الثقة بالرواة و غريب المتون، فكل ما يخرجك عن العلم باللّه و بتوحيده و بأسمائه الحسنى، و ما يجب للّه أن يكون عليه، و ما يجوز و ما يستحيل عليه عقلا إلا أن يرد به خبر متواتر من كتاب أو سنّة، فإن كل ذلك ناقض لطهارة القلب بمعرفة اللّه و توحيده و أسمائه، «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ» فينظر في اللفظ الخارج من الإنسان، و هو الذي يؤثر في طهارة إيمانه، مثل أن يقول في يمينه: برئت من الإسلام إن كان كذا و كذا، أو ما كان إلا كذا و كذا، فإن هذا و إن صدق في يمينه و برّ و لم يحنث لم يرجع إلى الإسلام سالما، كذا قال صلّى اللّه عليه و سلم، و مثل من يتكلم بالكلمة من سخط اللّه ليضحك بها الناس، ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيهوي بها في النار سبعين خريفا، أما الإشارة و الاعتبار في قوله تعالى «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ»: النساء كناية عن الشهوات، فإذا لمست الشهوة القلب و لمسها، و التبس بها و التبست به، و حالت بينه و بين ما يجب عليه من مراقبة اللّه فيها، فقد انتقض وضوءه، و إن لم تحل بينه و بين مراقبة اللّه فهو على طهارته، فإن طهارة القلب الحضور مع اللّه، و لا يبالي في متعلق الشهوة من حرام أو حلال، إذا اعتقد التحريم في الحرام و التحليل في الحلال، فلا تؤثر في طهارته.
[الجنابة]
– إشارة و اعتبار- الجنابة الغربة، و الغربة لا تكون إلا بمفارقة الوطن، و موطن الإنسان عبوديته، فإذا فارق موطنه و دخل في حدود الربوبية فاتصف بوصف من أوصاف السيادة على أبناء موطنه و أمثاله، فهي غربة العبد عن موطن العبودية، و كذا تغريب صفة ربانية عن موطنها، فيتصف بها أو يصف بها ممكنا من الممكنات، فيجب الطهر من هذا بلا خلاف، و الاغتسال هو الاعتراف بما قصّر به، فإذا جاوز العبد حدّه، و دخل في حدود الربوبية، و أدخل ربه في الحد معه بما وصف به من صفات الممكنات، فقد وجب عليه الطهر من ذلك، فإن تنزيه العبد أن لا يخرج عن إمكانه، و لا يدخل الواجب لنفسه في إمكانه، فلا يقول يجوز أن يفعل اللّه كذا، و يجوز أن لا يفعله، فإن ذلك يطلب المرجح، و الحق له الوجوب على الإطلاق، و الطهر من هذا العلم بالعلم الذي لا يدخله تحت الجواز، و الفناء يؤدي إلى عموم الطهارة، فالغسل طهر يعم من الجنابتين، لغيبتك الكلية عن علم نكاح الصورتين، المثلية العقلية، و المثلية الشرعية، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) مثلية عقلية، (خلق اللّه آدم على صورته) مثلية شرعية.
[دخول الجنب المسجد]
– إشارة و اعتبار- اعتبار دخول الجنب المسجد من قوله تعالى: «وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ»: من أباح ذلك هو العارف الذي يرى العالم كله علوه و سفله لا تصح له الإقامة في حال- فإن الأرض كلها مسجد- فهو عابر أبدا مع الأنفاس، فالعلماء باللّه يشاهدون هذا العبور، و غير العلماء باللّه يتخيلون أنهم مقيمون، و الوجود على خلاف ذلك، فإن الإله الموجد في كل نفس، موجد بفعل، فلا يعطل نفسا واحدا يتصف فيه بالإقامة، و من قال بالمنع فقد غلب عليه رؤية نفسه أنه ليس بمحل طاهر حيث لم يتخلق بالأسماء الإلهية.
[اعتبار من التيمم]
– إشارة و اعتبار- قوله تعالى: «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، إذا عدمت الماءين فاعمد إلى ما خلقت منه و لا تعدل عنه، و اعلم أن طهارة العبد إنما تكون باستيفاء ما يجب أن يكون العبد عليه من الذلة و الافتقار، و الوقوف عند مراسيم سيده و حدوده و امتثال أوامره، و لما كان التراب و الأرض نشأة الإنسان، و هو تحقيق عبوديته و ذلته، ثم عرض له عارض الدعوى، بكون الرسول صلّى اللّه عليه و سلم قال فيه: إنه مخلوق على الصورة، و ذلك عندنا لاستعداده الذي خلقه اللّه عليه من قبوله للتخلق بالأسماء الإلهية على ما تعطيه حقيقته، فإن في مفهوم الصورة و الضمير، خلافا، فما هو نص، فاعتز لهذه النسبة و علا و تكبّر، فأمر لطهارة نفسه من هذا التكبر بالأرض و الترائب و هو حقيقة عبوديته، بنظره في أصل خلقه مم خلق، فوقوف العبد مع حقيقته من حيث نشأته طهوره من كل حدث يخرجه من هذا المقام، و هذا لا يكون إلّا بعدم وجدان الماء، و الماء العلم، فإن العلم حياة القلوب، فكأن التيمم حالة المقلد في العلم باللّه، و المقلد عندنا في العلم باللّه هو الذي قلّد عقله لنظره في معرفته باللّه من حيث الفكر، فكما أنه إذا وجد الماء أو قدر على استعماله بطل التيمم، كذلك إذا جاء الشرع بأمر ما من العلم الإلهي بطل تقليد العقل لنظره في العلم باللّه في تلك المسألة، و لا سيما إذا لم يوافقه في دليله، كان الرجوع بدليل العقل إلى الشرع، فهو ذو شرع و عقل معا في هذه المسألة، و الإشارة بالوجه إلى ذات العبد، و الإشارة بالأيد إلى الاقتدار الظاهر من العبد، و هو مجبول على العجز، فإذا نظر في هذا الأصل زكت نفسه و تطهر من الدعوى، و أما الإشارة بالسفر فإن صاحب النظر في الدليل مسافر بفكره في منازل مقدماته و طريق ترتيبها حتى ينتج له الحكم في المسألة المطلوبة، و المريض هو الذي لا تعطي فطرته النظر في الأدلة، لما يعلم من سوء فطرته و قصوره عن بلوغ المقصود من النظر، بل الواجب أن يزجر عن النظر و يؤمر بالإيمان تقليدا، و هو التيمم في حقهما.
[سورة النساء (4): الآيات 44 الى 46]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَ يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَ كَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَ كَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (45) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنا وَ عَصَيْنا وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ راعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي الدِّينِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا وَ اسْمَعْ وَ انْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَقْوَمَ وَ لكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46)
[سورة النساء (4): الآيات 47 الى 48]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (47) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (48)
الانتقام و الأخذ ما هو بأولى من المغفرة إلا ما عيّن اللّه من صفة خاصة، يستحق من مات و هي به قائمة المؤاخذة و لا بد، و ليس إلا الشرك و ما عدا الشرك فإن اللّه أدخله في المشيئة، فقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ». فهذه الآية ظاهرة في مؤاخذته تعالى أهل الشرك على القطع، فهو ظاهر لقرينة الحال، فجعل اللّه الشرك من الكبائر التي لا تغفر، و لكن ما كل مشرك، بل المشركون الذين بعثت إليهم الرسل أو لم يوفوا النظر حقه و لا اجتهدوا.
فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قد أخبر أن المجتهد و إن أخطأ فإنه مأجور، و لم يعيّن فرعا من أصل بل عمّ، و صدق قوله: (وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) و أما قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» من طريق اللسان فهو الواقع، فإن اللّه ما ستر الشرك على أهل الشرك بل ظهروا به، فهو إخبار بما وقع في الوجود من ظهور الشرك، و ستر ما دون ذلك لمن يشاء أن يستر، فإن ثم أمورا لم تظهر لعين و لا لعقل، و لكن قرائن الأحوال تدلّ على القطع بمؤاخذة المشركين.
ثم لم يذكر سبحانه ما هو الأمر عليه فيهم بعد المؤاخذة التي هي إقامة الحدّ عليهم في الآخرة يوم الدين الذي هو الجزاء، فيدخلون النار مع بعض آلهتهم ليتحققوا مشاهدة أن تلك الآلهة لا تغني عنهم من اللّه شيئا؛ لكونهم اتخذوها عن نظر لا عن وضع إلهي: «وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً» فقد ظلم الشريك هذا الذي وضعه أو اتخذه إلها، فلذلك قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» فإنها من حقوق الغير لا من حق اللّه.
فإنه من كرم اللّه ما كان للّه من حق على العبد و فرط فيه غفره اللّه له، فإن الشرك من مظالم العباد، فإن الشريك يأتي يوم القيامة من كوكب و نبات و حيوان و حجر و إنسان فيقول: يا رب سل هذا الذي جعلني إلها و وصفني بما لاينبغي لي، خذ لي بمظلمتي منه، فيأخذ اللّه له بمظلمته من المشرك، فيخلده في النار مع شريكه إن كان حجرا أو نباتا أو حيوانا أو كوكبا، إلا الإنسان الذي لم يرض بما نسب إليه و نهى عنه و كرهه ظاهرا و باطنا لا يكون معه في النار، و إن كان هذا من قوله و عن أمره، و مات غير موحد و لا تائب كان معه في النار
[تحقيق- «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ»]
– تحقيق- «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» لأنه لا يجده، فلو وجد لصح، و كان للمغفرة عين تتعلق بها، فإن الشريك ليس ثمّ؛ و لذلك لا يغفره اللّه لأن الغفر الستر، و لا يستر إلا من له وجود، و الشريك عدم فلا يستر، فالخطأ من إثبات الغير و هو القول بالشريك.
[سورة النساء (4): الآيات 49 الى 56]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ كَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (53)
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (55) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56)
العمل لغير عبادة لا يقبل على كل حال من حيث القاصد لوقوعه الذي هو النفس المكلفة، لكن من حيث أن العمل صدر من الجوارح أو جارحة مخصوصة، فإنها تجزى به تلك الجارحة، فيقبل العمل لمن ظهر منه، و لا يعود منه على النفس الآمرة به للجوارح شيء، إذا كان العمل خيرا بالصورة كصلاة المرائي و المنافق و جميع ما ظهر على جوارحه من أفعال الخير الذي لم تقصد به النفس عبادة.
و أما أعمال الشرّ المنهي عنها فإن النفس تجزى بها للقصد، و الجوارح لا تجزى بها لأنه ليس في قوتها الامتناع عما تريد النفوس بها من الحركات، فإنها مجبورة على السمع و الطاعة لها، فإن جارت النفس فعليها و للجوارح رفع الحرج، بل لهم الخير الأتمّ، و إن عدلت النفوس فلها و للجوارح، فإن النفوس ولاة الحق على هذه الجوارح. و الجوارح مأمورة مجبورة غير مختارة فيما تصرف فيه، فهي مطيعة بكل وجه، و النفوس ليست كذلك، فهي التي تذوق العذاب، و من النفوس من لم يقم بما قصد له فكان عاصيا مخالفا أمر اللّه حين أمره بالأعمال و العبادة. فالطائع يقع منه العبادة في حالة الاضطرار و الاختيار، و إن لم يكن مطيعا من حيث الأمر بالعمل.
فإن كان مطيعا طائعا، فقد فاز بوقوع ما قصد له، و أما العاصي فلا تقع منه العبادة إلا في حالة الاضطرار لا في حال الاختيار، و يقع منه صورة العمل لا العمل المشروع له، فهو مخالف أمر اللّه، فلم يقم بما قصد له، و اعلم أن جسد الإنسان من حيث طبيعته لا من حيث لطيفته بما هي مدبرة لهذا الجسم و متولدة عنه طائع للّه مشفق، و ما من جارحة منه إذا أرسلها العبد جبرا في مخالفة أمر إلهي إلا و هي تناديه: لا تفعل، لا ترسلني فيما حرم عليك إرسالي، إني شاهدة عليك، لا تتبع شهوتك، و تبرأ إلى اللّه من فعله بها، و كل قوة و جارحة فيه بهذه المثابة، و هم مجبورون تحت قهر النفس المدبرة لهم و تسخيرها، فينجيهم اللّه تعالى دونه من عذاب يوم أليم، إذا آخذه اللّه يوم القيامة، و جعله في النار. فأما المؤمنون الذين يخرجون إلى الجنة بعد هذا فيميتهم اللّه فيها إماتة كرامة للجوارح، حيث كانت مجبورة فيما قادها إلى فعله، فلا تحسّ بالألم، و تعذب النفس وحدها في تلك الموتة، كما يعذب النائم فيما يراه في نومه، و جسده في سريره و فرشه على أحسن الحالات.
و أما أهل النار الذين قيل فيهم:لا يموتون فيها، و لا يحيون، فإن جوارحهم أيضا بهذه المثابة؛ أ لا تراها تشهد عليهم يوم القيامة؟ فأنفسهم لا تموت في النار لتذوق العذاب، و أجسامهم لا تحيا في النار حتى لا تذوق العذاب، فعذابهم نفسي في صورة حسية من تبديل الجلود، و ما وصف اللّه من عذابهم، كل ذلك تقاسيه نفوسهم، فإنه قد زالت الحياة من جوارحهم، فهم ينضجون كما ينضج اللحم في القدر؛ أ تراه يحس بذلك؟ بل له نعيم به إذا كان ثمّ حياة يجعل اللّه في ذلك نعيما، و إلا ما تحمله النفوس كشخص يرى بعينه نهب ماله و خراب ملكه و إهانته؛ فالملك مستريح بيد من صار إليه، و الأمير يعذب بخرابه و إن كان بدنه سالما من العلل و الأمراض الحسية. و لكن هو أشد الناس عذابا، حتى إنه يتمنى الموت و لا يرى ما رآه، فنضج الجلود سبب في عذاب النفس المكلفة، و الجلد متنعم في ذلك العذاب المحسوس، لما كانت الجلود من الشهود العدول عند اللّه، و التبديل لذوق العذاب كما تبدلت الأحوال عليهم في الدنيا بأنواع المخالفات، فلكل نوع عذاب و لهم جلد خاص يحسّ بالألم كما كان هنا دائما في تجديد.
فإذا انتهى زمان المخالفة المعينة، انتهى نضج الجلد. فإن شرع عند انتهاء المخالفة في مخالفة أخرى، أعقب النضج تبديلا آخر ليذوق العذاب كما ذاق اللذة بالمخالفة. و إن تصرف بين المخالفتين بمكارم خلق، استراح بين النضج و التبديل بقدر ذلك، فهم على طبقات في العذاب في جهنم. و من أوصل المخالفات و مذام الأخلاق بعضها ببعض فهم الذين لا يفترّ عنهم العذاب، فإن العذاب المستصحب أهون من العذاب المجدد.
فيذوقون العذاب مستصحبا إلى أن تنضج الجلود، و حينئذ يتجدد عليهم بالتبديل عذاب جديد، فرحمهم اللّه باستصحاب العذاب إلى حين تبديل الجلود من حيث لا يشعرون، فإن العذاب لو كان مجددا باستمرار لكان أشد في عذابهم، فلما انتهى بهم العمر إلى الأجل المسمى انتهت المخالفة فتنتهي العقوبة فيهم إلى ذلك الحد، و تكتنفهم الرحمة التي وسعت كل شيء، و لا تشعر بذلك جهنم و لا وزعتها «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً».
[سورة النساء (4): آية 57]
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ نُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (57)
الظل الراحة- لا سيما في ظل الأشجار- و الكنف، فإنه من قعد في ظلك فهو في كنفك.
[سورة النساء (4): آية 58]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58)
[امانه بنى شيبة]
«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها» أي إيصال الحق إلى أهله. حين مسك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم مفتاح البيت الذي أخذه من بني شيبة، أنزل اللّه تعالى «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها» فتخيل الناس أن الأمانة سدانة البيت، و لم تكن الأمانة إلا مفتاح البيت الذي هو ملك لبني شيبة، فردّ إليهم مفتاحهم، و أبقى صلّى اللّه عليه و سلم عليهم ولاية السدانة، و لو شاء جعل في تلك المرتبة غيرهم.
و للإمام أن يفعل ذلك إذا رأى في فعله المصلحة. لكن الخلفاء لم يريدوا أن يؤخروا عن هذه المرتبة من قرره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فيها، فهم مثل سائر ولاة المناصب؛ إن أقاموا فيه بالحق فلهم، و إن جاروا فعليهم، و للإمام النظر، و قد أبقى اللّه الحجر و هو من البيت و رفع التحجير فيه، لا حكم لبني شيبة و لا لغيرهم فيه، فمن دخله دخل البيت، و من صلى فيه صلى في البيت، كذا قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم لعائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها، فلا يحتاج أحد لمنة بني شيبة، فإن اللّه قد كفاه بما أخرج له من البيت في الحجر، فجناب اللّه أوسع أن يكون عليه سدنة من خلقه، و لا سيما من نفوس جبلت على الشح و حب الرئاسة و التقدم. يقول علي بن الجهم.
| و أبواب الملوك محجبات | و باب اللّه مبذول الفناء |
و اعلم أن أهل الأمانات الذين أمرنا اللّه أن نؤديها إليهم ليس المعتبر من أعطاها و لا بد، و إنما أهلها من تؤدى إليه، فإن كان الذي أعطاها بنية أن تؤدى إليه في وقت آخر فهو أهلها من حيث ما تؤدى إليه لا من حيث أنه أعطاها، و إن أعطاها هذا الأمين المؤتمن إلى من أعطاه إياها ليحملها إلى غيره، فذلك الغير هو أهلها لا من أعطى، فقد أعلمك بالأهلية فيها، فإن الحق إنما هو لمن يستحقه، فاعلم ذلك و اعمل عليه، فإن حكم الأمانة إنما هي لمن توصل إليه لا لمن يحمّلك إياها «وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» العدل هو ميل إلى أحد الجانبين الذي يطلبه الحكم الصحيح التابع للمحكوم عليه و له، أو للإقرار أو الشهود، غير ذلك لا يكون عدلا في الحكم- وجه آخر، الحق في الاعتدال، فمن جار أو عدل فقد مال، فإن مال لك فقد أفضل و أتى في ذلك بالنعت الأنفس، و إن مال عليك فقد أبخس، العدل في الأحكام، لا يكون محمودا إلا من الحكام، و العدل هنا من الاعتدال، لا من الميل، فإن ذلك إفضال، ورد في الخبر عن سيد البشر فيمن انقطع أحد شراك نعليه، أن ينزع الأخرى ليقيم التساوي بين قدميه، و قال فيمن خصّ أحد أولاده دون الباقين بما خصّه به من المال، لا أشهد على جور لعدم المساواة و الاعتدال، فسماه جورا، و إن كان خيرا، ثم قال: أ لست تحبّ أن يكونوا لك في البر على السواء؟ فما لك تعدل عن محجة الاهتداء، فاعدل بين أولادك، بطرفك و تلادك.
[سورة النساء (4): آية 59]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ» أي فيما أمركم به على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلم مما قال فيه صلّى اللّه عليه و سلم: إنّ اللّه يأمركم، و هو كل أمر جاء في كتاب اللّه تعالى، ثم قال: «وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ» فميّز و عيّن و فرّق، ففصل أمر طاعة اللّه من طاعة رسوله صلّى اللّه عليه و سلم. فلو كان يعني بذلك ما بلّغ إلينا من أمر اللّه تعالى لم تكن ثمّ فائدة زائدة، فلا بد أن يوليه رتبة الأمر و النهي فيأمر و ينهى. فنحن مأمورون بطاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عن اللّه بأمره. و قال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ)، و طاعتنا له فيما أمر به صلّى اللّه عليه و سلم، و نهى عنه مما لم يقل هو من عند اللّه، فيكون قرآنا.
قال اللّه عزّ و جل (وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) فأضاف النهي إليه صلّى اللّه عليه و سلم، فأتى بالألف و اللام في الرسول يريد بهما التعريف و العهد، أي الرسول الذي استخلفناه عنا، فجعلنا له أن يأمر و ينهى زائدا على تبليغ أمرنا و نهينا إلى عبادنا، فإن الخليفة لا بد أن يظهر فيما استخلف عليه بصورة مستخلفه و إلا فليس بخليفة له فيهم، فأعطاه الأمر و النهي و سماه بالخليفة، و جعل البيعة له بالسمع و الطاعة في المنشط و المكره و العسر و اليسر، و أمر اللّه سبحانه عباده بالطاعة للّه و لرسوله و الطاعة لأولي الأمر منهم، فجمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بين الرسالة و الخلافة. فما كلّ رسول خليفة؛ فمن أمر و نهى و عاقب و عفا، و أمر اللّه بطاعته، و جمعت له هذه الصفات، كان خليفة. و من بلّغ أمر اللّه و نهيه و لم يكن له من نفسه إذن من اللّه تعالى أن يأمر و ينهى، فهو رسول مبلّغ رسالات ربه.
و بهذا بان لك الفرقان بين الخليفة و الرسول. و لهذا جاء بالألف و اللام في قوله تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) ثم قال تعالى: «وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» و هم الخلفاء و من استخلفه الإمام من النواب، فإن اللّه جعل خليفة عنه في أرضه، و جعل له الحكم في خلقه، و شرع له ما يحكم به، و أعطاه الأحدية، فشرع أنه من نازعه في رتبته قتل المنازع، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما] و جعل بيده التصرف في بيت المال، و صرف له النظر عموما، و جعل اللّه للخليفة أن يستخلف كما استخلفه اللّه، فبأيديهم العطاء و المنع و العقوبة و العفو، كل ذلك على الميزان المشروع، فلهم التولية و العزل.
و أمرنا الحق بالطاعة له سواء جار علينا أو عدل فينا. و الأئمة الذين استنابهم اللّه، و استخلفهم على قسمين: قسم يعدلون بصورة حق و لا يتعدون ما شرع لهم، و القسم الآخر قائلون بما شرع لهم غير أنهم لم يرجعوا ما دعوا إليه في المصارف التي دعاهم الحق إليها، و جاروا عن الحق في ذلك، و علموا أنهم جائرون قاسطون، فيمهلهم اللّه لعلهم يرجعون. و قد يقيم الحق منازعا في مقابلته يدعو إلى الحق و إلى طريق مستقيم، فإن ظهر مثل هذا فقد أوجب الحق على عباده القتال معه و القيام في حقه و نصرته و الأخذ على يد الجائر، و لا يزال الأمر على ذلك حتى يأتي أمر اللّه و تنفذ كلمة الحق.- الوجه الثاني- «وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»
[ليس لاولى الامر ان يشرعوا]
و هم العلماء منّا بما أمر اللّه به و نهى عنه، و هم الذين قدمهم اللّه علينا و جعل زمامنا بأيديهم.
و لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقدم في السرايا و غيرها إلا من هو أعلمهم، و ما كان أعلمهم إلّا من كان أكثرهم قرآنا، فكان يقدمه على الجيش و يجعله أميرا؛ فقال تعالى: «وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» أي إذا ولّي عليكم خليفة عن رسولي أو وليتموه من عندكم كما شرع لكم، فاسمعوا له، و أطيعوا و لو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف، فإنّ في طاعتكم إياه طاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم. و لهذا لم يستأنف في «أُولِي الْأَمْرِ» أطيعوا، و اكتفى بقوله «أَطِيعُوا الرَّسُولَ» و لم يكتف بقوله «أَطِيعُوا اللَّهَ» عن قوله «أَطِيعُوا الرَّسُولَ» ففصل لكونه تعالى ليس كمثله شيء، و استأنف بقوله «وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ» فهذا دليل على أنه قد شرع له صلّى اللّه عليه و سلم أن يأمر و ينهى، و ليس لأولي الأمر أن يشرّعوا شريعة، إنما لهم الأمر و النهي فيما هو مباح لهم و لنا، فإذا أمرونا بمباح أو نهونا عن مباح، أوجب اللّه علينا طاعتهم فيما أمروا به، و ما لهم أمرفينا إلا بما أبيح لنا؛ فإن أطعناهم في ذلك أجرنا أجر من أطاع اللّه فيما أوجبه علينا من أمر و نهي، فإنه ما بقي للأئمة إلا المباح و لا أجر فيه و لا وزر. فإذا أمرك الإمام المقدّم عليك الذي بايعته على السمع و الطاعة بأمر من المباحات، وجب عليك طاعته في ذلك، و حرمت مخالفته، و صار حكم ذلك الذي كان مباحا واجبا؛ فنزل الإمام منزلة الشارع بأمر الشارع؛ و من أنزله الحق منزلته في الحكم تعيّن اتباعه.
و عصيان أولي الأمر من معصية اللّه، فإن في عصيانهم عصيان أمر اللّه، و ليس في عصيان اللّه عصيانهم إلا في الرسول خاصة، فإن في عصيان اللّه عصيان رسول اللّه، إذ متعلق المعصية الأمر و النهي، و لا يعرف ذلك إلا بتبليغ الرسول و على لسانه.
فطاعة السلطان واجبة، فإن السلطان بمنزلة أمر اللّه المشروع؛ من أطاعه نجا، و من عصاه هلك «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ» حكما «وَ إِلَى الرَّسُولِ» عينا، فننظر ما اختلفوا فيه و تنازعوا، فإن كان للّه أو لرسوله حكم فيه يعضد قول أحد المخالفين جعلنا الحق بيده، فإنا أمرنا إن تنازعنا في شيء، أن نرده إلى اللّه و رسوله، إن كنا مؤمنين، فإن كنا عالمين ممن يدعو إلى اللّه على بصيرة، و على بينة من ربنا، فنحكم في المسألة بالعلم، و هو رد إلى اللّه تعالى من غير طريق الإيمان، و ليس لنا العدول عنه البتة- إشارة- من اتبع الخليفة أمن من كل خيفة، و صارت الأسرار به مطيفة، و حصل بالرتبة المنيفة-
[الاتباع الذي يورث العصمة]
يريد الاتباع الذي يورث العصمة- تفسير من باب الإشارة-
[ «أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»]
«وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» من كان الحق سمعه و بصره و يده و لسانه هم أصحاب الأمر على الحقيقة، فهم الذين لا يقف لأمرهم شيء، لأنهم باللّه يأمرون كما به يسمعون كما به يبصرون، فإذا قالوا لشيء: كن فإنه يكون، لأنهم به يتكلمون- تحقيق- نحن اليوم أبعد في المعصية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من أصحابه إلى من دونهم إلينا. فنحن ما عصينا إلا أولي أمرنا في وقتنا، و هم العلماء منا بما أمر اللّه به و نهى عنه. فنحن أقل مؤاخذة و أعظم أجرا، لأن للواحد منا أجر خمسين ممن يعمل بعمل الصحابة. يقول صلّى اللّه عليه و سلم: [للواحد منهم أجر خمسين يعملون مثل عملكم] فاجعل بالك لكونه لم يقل منكم، قال اللّه تعالى:
«أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» فذكر اللّه تعالى، و ذكر الرسول، و ذكرنا، أعني أولي الأمر منا، و هم الذين قدمهم اللّه علينا و جعل زمامنا بأيديهم.
[سورة النساء (4): الآيات 60 الى 64]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَ تَوْفِيقاً (62) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ عِظْهُمْ وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64)
[الاستغفار عند زيارة رسول الله]
الظالم نفسه هو الذي يرجع إلى ربه، فإذا جاء هذا الظالم نفسه إلى الرسول صلّى اللّه عليه و سلم في قبره و لو بعد انتقاله، و استغفر اللّه و لم يجد صورة الرسول تستغفر له، إمّا في النوم أو في اليقظة، كيف كان، فيعلم عند ذلك أنّه ما استغفر اللّه؛ فإن استغفاره اللّه في ذلك الموطن يذكّر النبي صلّى اللّه عليه و سلم بالاستغفار للّه في حقه فيجد اللّه عند ذلك توابا رحيما. و من قصد الرسول عليه الصلاة و السلام في زيارته إياه عند قبره، فعليه أن يتلو عليه صلّى اللّه عليه و سلم هذه الآية الشريفة.
و قد ظلمت نفسي و جئت إلى قبره صلّى اللّه عليه و سلم، و تلوت عليه صلّى اللّه عليه و سلم هذه الآية في زيارتي إياه عند قبره، و لم يكن قصدي في ذلك المجيء إلى الرسول إلا هذه الآية، فكان القبول، و قضى اللّه حاجتي و انصرفت، و رأيت الأمر على ما ذكرته، و ذلك في سنة إحدى و ستمائة.
[سورة النساء (4): آية 65]
فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65)
في قسم اللّه جل ثناؤه بالربوبية على صورة تحصيل الإيمان، أقسم سبحانه على نفسه باسم الرب المضاف إلى نبيه محمد عليه السلام على أقصى غاية مراتب الإيمان، فقال: «فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ …» الآية فمن شرط قوة الإيمان و تحصيله أن لا ننتظر حكم من آمنا به، بل نحكمه علينا ابتداء منا، تثبيتا لإيماننا و نرضى بقضائه فينا، و لا نبالي بما حكم علينا بما يهون علينا حمله أو ما لا يهون، فإذا قضى بما قضى به علينا مما تعظم مشقته و يصعب حمله، طابت به نفوسنا، و عظمت اللذة بذلك في قلوبنا، و زال عن النفس ما كان شجر بينها و بين خصمها، و انقادت بحكم اللّه علينا سهلة ذلولة.
و متى لم نجد ذلك في نفوسنا، فليس عندنا رائحة من حقيقة الإيمان في جميع حكمه كله علينا، بل عليه أن ينقاد بظاهره على الفور انقيادا كليا على الانقياد لما وقع به الحكم من الشرع، و لهذا قال «وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» فأكده بالمصدر للتفرغ في الانقياد إليه، و على قدر ما يتوقف أو يجده في نفسه حرجا أو أمرا ينافي وجه اللذة و الحب و العشق في ذلك الحكم، ينتفي منك التصديق ضرورة، و لما كان هذا المقام الشامخ عسيرا على النفوس نيله، أقسم بنفسه جل و تعالى عليه. و لما لم يكن المحكوم عليهم يسمعون ذلك من اللّه، و إنما حكم عليهم بذلك رسول اللّه الثابت صدقه، النائب عن اللّه و خليفته في الأرض، لذلك أضاف الاسم إليه عناية به و شرفا له صلّى اللّه عليه و سلم، فقال «فَلا وَ رَبِّكَ» و جعله بحرف الخطاب إشارة إلى أنه حاضر معنا، و لم يجعلها إضافة عينية.
و قوله تعالى «وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»، فإن من سلّم لم يطلب على العلة في كل ما جاء به النبي، و لا في مسئلة من مسائله، فإن جاء النبي بالعلة قبلها كما قبل المعلول، و إن لم يجئ بها سلّم.
[سورة النساء (4): آية 66]
وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً (66)
«وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ» على ألسنتهم و ألسنة غيرهم «لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً».
[سورة النساء (4): الآيات 67 الى 68]
وَ إِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (67) وَ لَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (68)
[سورة النساء (4): آية 69]
وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69)
[الأنبياء على نوعين: أنبياء تشريع و أنبياء لا تشريع لهم]
الأنبياء على نوعين: أنبياء تشريع و أنبياء لا تشريع لهم، و أنبياء التشريع على قسمين:
أنبياء تشريع في خاصتهم، كقوله «إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ»، و أنبياء تشريع في غيرهم و هم الرسل عليهم السلام، فالأنبياء صلوات اللّه عليهم تولاهم اللّه بالنبوة، و هم رجال اصطنعهم لنفسه، و اختارهم لخدمته، و اختصهم من سائر العباد لحضرته، شرع لهم ما تعبدهم به في ذواتهم، و لم يأمر بعضهم بأن يعدي تلك العبادات إلى غيرهم بطريق الوجوب، فهم على شرع من اللّه، أحلّ لهم أمورا، و حرم عليهم أمورا، قصرها عليهم دون غيرهم، إذ كانت الدار الدنيا تقتضي ذلك، لأنها دار الموت و الحياة. و الرسل صلوات اللّه و سلامه عليهم تولاهم اللّه بالرسالة، فهم النبيون المرسلون إلى طائفة من الناس، أو يكون إرسالا عاما إلى الناس، و لم يحصل ذلك إلا لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم، فبلّغ عن اللّه ما أمره اللّه بتبليغه في قوله (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) (وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ). فمقام التبليغ هو المعبر عنه بالرسالة لا غير، و اعلم أنه ليس من شرط كل مقام إذا دخله الإنسان ذوقا أن يحيط بجميع ما يتضمنه من جهة التفصيل؛ فإنا نعلم أنا نجتمع مع الأنبياء عليهم السلام في مقامات، و بيننا و بينهم في العلم بأسرارها بون بعيد، يكون عندهم ما ليس عندنا، و إن شملنا المقام.
«وَ الصِّدِّيقِينَ» الصديق من آمن باللّه و رسوله عن قول المخبر، لا عن دليل سوى النور الإيماني الذي يجده في قلبه، المانع له من تردد أو شك يدخله في قول المخبر الرسول، و متعلقه على الحقيقة الإيمان بالرسول، و يكون الإيمان باللّه على جهة القربة لا على إثباته، إذ كان بعض الصديقين قد ثبت عندهم وجود الحق ضرورة أو نظرا، و لكن ما ثبت كونه قربة، ثم إن الرسول إذا آمن به الصديق آمن بما جاء به، و مما جاء به توحيد الإله و هو قوله (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) أو (و اعلم أنه لا إله إلا الله) فعلم أنه واحد في ألوهيته من حيث قوله (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) فذلك يسمى إيمانا، و يسمى المؤمن به على هذا الحدّ صديقا.
فإن نظر في دليل يدل على صدق قوله (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ)، و عثر على توحيده بعد نظره فصدق الرسول في قوله و صدق اللّه في قوله (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) فليس بصديق،و هو مؤمن عن دليل فهو عالم، فالصدّيق هو صاحب النور الإيماني الذي يجده ضرورة في عين قلبه، كنور البصر الذي جعله اللّه في البصر، فلم يكن للعبد فيه كسب، كذلك نور الصديق في بصيرته؛ و لهذا قال «أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ» من حيث الشهادة «وَ نُورُهُمْ» من حيث الصدّيقية، فجعل النور للصديقية و الأجر للشهادة. و الصديقية بنية مبالغة في التصديق، و ليس بين النبوة التي هي نبوة التشريع و الصديقية مقام و لا منزلة، فمن تخطى رقاب الصديقين، وقع في النبوة و الرسالة،
[من ادعى نبوة التشريع بعد محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فقد كذب، بل كذب و كفر]
و من ادعى نبوة التشريع بعد محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فقد كذب، بل كذب و كفر بما جاء به الصادق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، غير أن ثم مقام القربة، و هي النبوة العامة، لا نبوة التشريع، فيثبتها نبي التشريع فيثبتها الصديق لإثبات النبي المشرع إياها لا من حيث نفسه، و حينئذ يكون صدّيقا. و لكل رسول صديقون، إما من عالم الإنس و الجان، أو من أحدهما، فكل من آمن عن نور في قلبه، ليس له دليل من خارج سوى قول الرسول: (قل) و لا يجد توقفا، و بادر، فذلك الصديق.
فإن آمن عن نظر و دليل من خارج، أو توقف عند القول حتى أوجد اللّه ذلك النور في قلبه فآمن، فهو مؤمن لا صديق، فنور الصديق معد قبل وجود المصدّق به، و نور المؤمن غير الصديق يوجد بعد قول الرسول: قل لا إله إلا اللّه. «وَ الشُّهَداءِ» الشهداء الذين تعمهم هذه الآية هم العلماء باللّه، المؤمنون بعد العلم بما قاله سبحانه: إن ذلك قربة إليه من حيث قال اللّه أو قاله الرسول الذي جاء من عند اللّه، و هم الذين قال تعالى فيهم (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ)، فجمعهم مع الملائكة في بساط الشهادة، فهم موحدون عن حضور إلهي و عناية أزلية، فهم الموحدون، و الإيمان فرع عن هذه الشهادة، فإن بعث رسول و آمنوا به، أعني هؤلاء الشهداء، فهم المؤمنون العلماء، و لهم الأجر التام يوم القيامة، و إن لم يؤمنوا فليس هم الشهداء الذين أنعم اللّه عليهم في هذه الآية، لقوله تعالى: «وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً». و قدم الصديق على الشهيد و جعله بإزاء النبي، فإنه لا واسطة بينهما لاتصال نور الإيمان بنور الرسالة.
و الشهداء لهم نور العلم مساوق لنور الرسول من حيث ما هو شاهد للّه بتوحيده لا من حيث هو رسول، فلا يصح أن يكون بعده مع المساوقة، فكانت المساوقة تبطل، و لا يصح أن يكون معه لكونه رسولا، و الشاهد ليس برسول، فلا بد أن يتأخر، فلم يبق إلا أن يكون في المرتبة التي تلي الصديقية؛ فإن الصديق أتم نورا من الشهيد في الصديقية، لأنه صديق من وجهين: من وجه التوحيد و من وجه القربة، و الشهيد من وجه القربة خاصة لا من وجه التوحيد؛ فإن توحيده عن علم لا عن إيمان، فنزل عن الصديق في مرتبة الإيمان، و هو فوق الصديق في مرتبة العلم، فهو المتقدم في رتبة العلم المتأخر برتبة الإيمان و التصديق، فإنه لا يصح من العالم أن يكون صديقا، و قد تقدم العلم مرتبة الخبر، فهو يعلم أنه صادق في توحيد اللّه إذا بلغ رسالة اللّه، و الصديق لا يعلم ذلك إلا بنور الإيمان المعد في قلبه، فعند ما جاءه الرسول اتبعه من غير دليل ظاهر.
«وَ الصَّالِحِينَ» الصالحون تولاهم اللّه بالصلاح، و جعل رتبتهم بعد الشهداء في المرتبة الرابعة، و ما من نبي إلا و قد ذكر أنه صالح، أو أنه دعا أن يكون من الصالحين مع كونه نبيا، فدل على أن رتبة الصلاح خصوص في النبوة، فقد تحصل لمن ليس بنبي و لا صديق و لا شهيد، فصلاح الأنبياء هو مما يلي بدايتهم و هو عطف الصلاح عليهم، فهم صالحون للنبوة فكانوا أنبياء، و أعطاهم الدلالة فكانوا شهداء، و أخبرهم بالغيب فكانوا صديقين، فالأنبياء صلحت لجميع هذه المقامات فكانوا صالحين، فجمعت الرسل جميع المقامات كما صلح الصديقون للصديقية و صلح الشهداء للشهادة، فالصلاح أرفع صفة للأنبياء عليهم السلام و هو مطلبهم، فإن اللّه أخبرنا عنهم أنهم مع كونهم رسلا و أنبياء، سألوا اللّه أن يدخلهم اللّه برحمته في عباده الصالحين، و ذكر في أولي العزم من رسله أنهم من الصالحين في معرض الثناء عليهم.
فالصلاح يكون أخصّ وصف للرسل و الأنبياء عليهم السلام، و هم بلا خلاف أرفع الناس منزلة و إن فضل بعضهم بعضا، و من نال الصلاح من عباد اللّه، فقد نال ما دونه، فله منازل الرسل و الأنبياء عليهم السلام، و ليس برسول و لا نبي، لكن يغبطه الرسول و النبي، لما يناله الرسول و النبي من مشقة الرسالة و النبوة، لأنها تكليف و بها حصلت لهم المنزلة الزلفى، و نالها صاحب العمل الصالح المغبوط من غير ذوق هذه المشقات، و من هنا تعرف قول الرسول صلّى اللّه عليه و سلم في قوم تنصب لهم منابر يوم القيامة في الموقف:
[يخاف الناس و لا يخافون، و يحزن الناس و لا يحزنون، لا يحزنهم الفزع الأكبر، ليسوا بأنبياء، يغبطهم النبيون] حيث رأوا تحصيلهم هذه المنازل مع هذه الحال، فهم غير مسئولين من بين الخلائق، لم يدخلهم في عملهم خلل من زمان توبتهم، فإن دخلهم خلل فليسوا بصالحين، فمن شرط الصلاح استصحاب العصمة في الحال و القول و العمل، و لا يكون هذاإلا للعارفين بالمواطن و المقامات و الآداب و الحكم، فيحكمون نفوسهم، فيمشون بها مشي ربهم من حيث هو على صراط مستقيم.
فهؤلاء هم الصالحون الذين أثنى اللّه عليهم بأنه أنعم عليهم، و هم المطلوبون في هذا المقام، و أراد بالنبيين هنا الرسل أهل الشرع سواء بعثوا أو لم يبعثوا، أعني بطريق الوجوب عليهم، و الصالحون هم الذين لا يدخل علمهم باللّه و لا إيمانهم باللّه و بما جاء من عند اللّه خلل، فإن دخله خلل بطل كونه صالحا، فهذا هو الصلاح الذي رغبت فيه الأنبياء صلوات اللّه عليهم، فكل من لم يدخله خلل في صديقيته فهو صالح، و لا في شهادته فهو صالح، و لا في نبوته فهو صالح، و لما كان الإنسان حقيقته الإمكان، فله أن يدعو بتحصيل الصلاح له في المقام الذي يكون فيه لجواز دخول الخلل عليه في مقامه، لأن النبي لو كان نبيا لنفسه أو لإنسانيته لكان كل إنسان بتلك المثابة، إذ العلة في كونه نبيا كونه إنسانا، فلما كان الأمر اختصاصا إلهيا، جاز دخول الخلل فيه و جاز رفعه، فصح أن يدعو الصالح بأن يجعل من الصالحين، أي الذين لا يدخل صلاحهم خلل في زمان ما. «وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً».
[سورة النساء (4): الآيات 70 الى 74]
إلا للعارفين بالمواطن و المقامات و الآداب و الحكم، فيحكمون نفوسهم، فيمشون بها مشي ربهم من حيث هو على صراط مستقيم. فهؤلاء هم الصالحون الذين أثنى اللّه عليهم بأنه أنعم عليهم، و هم المطلوبون في هذا المقام، و أراد بالنبيين هنا الرسل أهل الشرع سواء بعثوا أو لم يبعثوا، أعني بطريق الوجوب عليهم، و الصالحون هم الذين لا يدخل علمهم باللّه و لا إيمانهم باللّه و بما جاء من عند اللّه خلل، فإن دخله خلل بطل كونه صالحا، فهذا هو الصلاح الذي رغبت فيه الأنبياء صلوات اللّه عليهم، فكل من لم يدخله خلل في صديقيته فهو صالح، و لا في شهادته فهو صالح، و لا في نبوته فهو صالح، و لما كان الإنسان حقيقته الإمكان، فله أن يدعو بتحصيل الصلاح له في المقام الذي يكون فيه لجواز دخول الخلل عليه في مقامه، لأن النبي لو كان نبيا لنفسه أو لإنسانيته لكان كل إنسان بتلك المثابة، إذ العلة في كونه نبيا كونه إنسانا، فلما كان الأمر اختصاصا إلهيا، جاز دخول الخلل فيه و جاز رفعه، فصح أن يدعو الصالح بأن يجعل من الصالحين، أي الذين لا يدخل صلاحهم خلل في زمان ما. «وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً».
[سورة النساء (4): الآيات 70 الى 74]
ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَ كَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (70) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71) وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) وَ لَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَ مَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74)
[سورة النساء (4): الآيات 75 الى 76]
وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (76)
[الماء و هو العنصر الأعظم في الإنسان أقوى من النار و هو العنصر الأعظم في الجان]
فإن الماء و هو العنصر الأعظم في الإنسان أقوى من النار و هو العنصر الأعظم في الجان، فلم ينسب إلى الشيطان من القوة شيئا، و سبب ذلك أن النشأة الإنسانية تعطي التؤدة في الأمر و الأناة و الفكر و التدبر، لغلبة العنصرين من الماء و التراب على مزاجه، فيكون وافر العقل، لأن التراب يثبطه و يمسكه، و الماء يلينه و يسهله، و الجان ليس كذلك، فإنه ليس لعقله ما يمسكه عليه ذلك الإمساك الذي للإنسان، و بذلك ضلّ عن طريق الهدى لخفة عقله و عدم تثبته في نظره فقال: أنا خير منه، فجمع بين الجهل و سوء الأدب لخفته فأولياء الشياطين وليهم الطاغوت.
[سورة النساء (4): آية 77]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَ قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَ لا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)
«قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ» أي التمتع بها قليل، فما زهد من زهد إلا لطلب الأكثر، فما تركوا الدنيا إلا حذرا أن يرزأهم في الآخرة، و أما من أمسك الدنيا من الأنبياء و الكمّل من الأولياء، فأمسكوا باطلاع عرفاني، أنتج لهم أمرا عشقه بما في الإمساك من المعرفة و التحلي بالكمال، لا عن بخل و ضعف يقين. أرسل اللّه تعالى على أيوب رجل جراد من ذهب، فسقط عليه، فأخذ يجمعه في ثوبه، فأوحى اللّه إليه: أ لم أكن أغنيتك عن هذا؟
فقال: لا غنى لي عن خيرك. فانظر ما أعطته معرفته. و اعلم أن ما عند اللّه لا نهاية له، و دخول ما لا نهاية له في الوجود محال، فكل ما دخل في الوجود فهو متناه، فإذا أضيف ما تناهى إلى ما لا يتناهى ظهر كأنه قليل، أو كأنه لا شيء.
[سورة النساء (4): آية 78]
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78)
«أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ» فإنه لا ينجي حذر من قدر، و كان الكافرون يتطيرون بمحمد صلّى اللّه عليه و سلم «إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ» فقال له تعالى «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» أي ما يحدث فيهم من الكوائن من حيث أنها فعل. و السيئة هنا ليست السيئة المحكوم بها من الشرع، و ذلك هو الشرّ، و إنما هو فيما يسوؤك و هو مخالفة غرضك، فقال له تعالى: «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» ما يسوءكم و ما يحسن عندكم و التعريف بذلك من عند اللّه، و الحكم بأن هذا من اللّه و هذا من نفسك و هذا خير و هذا شر، فأنكر عليهم أن تكون السيئة من عند محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فأضاف الكل إلى اللّه، و الكل خير و هو بيده، و الشر ليس إليه؛ قال صلّى اللّه عليه و سلم في دعائه ربّه [و الشر ليس إليك] فالمؤمن ينفي عن الحق ما نفاه عن نفسه، و لذلك قال في معرض الذم في حق من جهل ما ذكرناه «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» أي هو الذي حسن الحسن و قبح القبيح «فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً» أي أنتم محجوبون لا تعلمون ما نحدثكم به، فإن الشرع كله حديث و خبر إلهي بما يقبله العقل فما لهؤلاء القوم لا يفقهون ما حدثناهم به من أن الكل من عندنا ذما و حمدا فلا يذمون ما سميناه مذموما و يحمدون ما سميناه محمودا، و ينظرون الأشياء من حيث علمناهم و وصفناها، لا من حيث إسنادها إلينا بحكم الإيجاد؟!
و اعلم أن الحديث قد يكون حديثا في نفس الأمر، و قد يكون حديثا بالنسبة إلى وجوده عندك في الحال و هو أقدم من ذلك الحدوث، فقد يكون حادثا في نفسه ذلك الشيء قبل حدوثه عندك، و قد يكون حادثا بحدوثه عندك، أي ذلك زمان حدوثه، و هو ما يقوم بك أو بمن يخاطبك أو يجالسك من الأغراض في الحال، و أما عندية اللّه فهي على قسمين، أعني ما هو عنده: القسم الواحد ما هو عليه من الأمر الذي يعقل زائدا على هويته و إن لم نقل فيه إنه غيره و لا عينه أيضا، كالصفات المنسوبة إليه، لا هي هو و لا هي غيره، و قديكون عنده ما يحدثه فينا و لنا، و هو مثل قوله (وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ)، و هذا الذي عندنا على نوعين: نوع يحدث صورته لا جوهره كالمطر، فإنا نعلم ما هو من حيث جوهره و ما هو من حيث صورته، و كل العالم على هذا، أو هو النوع الآخر ما يحدث جوهره و ليس إلا جوهر الصورة و وجود جوهر العين القائمة به تلك الصورة، فإنه لا وجود لعين جوهرها الذي قامت به إلا عند قيامها به، فهو قبل ذلك معقول لا موجود العين، فموضع الصورة أو محلّ الصورة من المادة يحدث له الوجود بحدوث الصورة في حال ما، لا في كل حال، و ينعدم من الوجود بعدمها ما لم تكن صورة أخرى تقوم به، و الكل عند اللّه، فما ثمّ معقول و لا موجود يحدث عنده، بل الكل مشهود العين له بين ثبوت و وجود.
فالثبوت خزائنه و الوجود ما يحدثه عندنا من تلك الخزائن. و من هنا تعلم جميع المحدثات ما هي، و متى ينطلق عليها اسم الحدوث و متى تقبل اسم العدم.- إشارة- فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا فأحرى قديما.- نصيحة- إن من شرف العلم أن يعطي العالم و كلّ مرتبة ما لها من الحكم، و من علم السر، أن لا يقطع العالم به على ربه عزّ و جل بأمر، فإن قطع و حكم فقد جهل و ظلم، و مع أنه تعالى ما عصي إلا بعلمه و لا خولف إلا بحكمه، لا يقول ذلك العاصي و إن اعتقده، و كان ممن اطلع عليه و شهده، و كذلك حكم الطاعة إلى قيام الساعة، فالعلماء هم الحكماء لا يتعدون بالسلعة قيمتها، و لا بكل نشأة شيمتها، لو لا ذلك ما كانت الأنبياء، و لا فرّق في الحكم بين الأعداء و الأولياء، و لا عرفت المراتب و لا شرعت المذاهب، و لا كانت التكاليف و لا حكمت التصاريف، و لا كان أجل مسمى و لا تميز البصير من الأعمى، فمن الأدب مع اللّه ألا يضاف إليه إلا ما أضافه إلى نفسه، كما قال تعالى: «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ» و قال في السيئة «وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» و قال: «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» قال ذلك في الأمرين إذا جمعتهما، لا تقل من اللّه، فراع اللفظ. و اعلم أن لجمع الأمر حقيقة تخالف حقيقة كل مفرد إذا انفرد و لم يجتمع مع غيره؛ ففصل سبحانه بين ما يكون منه و بين ما يكون من عنده، فما لهم لا يفقهون ما حدثتهم به فإني قد قلت.
[سورة النساء (4): آية 79]
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَ أَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (79)
فرفعت الاحتمال أو نصصت على الأمر بما هو عليه، فأضاف السوء إليك و الحسن إليه، و قوله صدق و إخباره حق. و ما أصابك من سيئة فمن نفسك، لا من محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فما أعطيتك إلا على قدر قبولك. و السيئة في هذه الآية ظاهر الاسم و ما هي السيئة شرعا فتكون فجورا، و إنما هو ما يسوءه و لا يوافق غرضه، و هو في الظاهر قولهم (إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ) فأمره سبحانه أن يقول «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» فيعلم العالم باللّه أنه أراد الحكم و الإعلام بذلك أنه من عند اللّه لا عين السوء. و لما علم ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال: [الخير كله بيديك و الشر ليس إليك]- مسئلة نسبة الأفعال- إن للّه بلا شك رائحة اشتراك في الفعل بالخبر الإلهي، فأضاف العمل وقتا إلينا و وقتا إليه، فلهذا قلنا فيه رائحة اشتراك؛
[نسبه الافعال]
قال تعالى: (لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) فأضاف الكل إلينا، و قال (كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ) فقد يكون عطاؤه الإلهام، و قد يكون خلق العمل. و قال تعالى:
(قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فأضاف الكل إليه، و هذه مسئلة لا يتخلص فيها توحيد أصلا، لا من جهة الكشف و لا من جهة الخبر، فالأمر الصحيح في ذلك أنه مربوط بين حق و خلق، غير مخلص لأحد الجانبين، فإنه أعلى ما يكون من النسب الإلهية أن يكون الحق تعالى هو عين الوجود الذي استفادته الممكنات. فما ثمّ إلا وجود عين الحق لا غيره، و التغييرات الظاهرة في هذه العين أحكام أعيان الممكنات، فلولا العين ما ظهر الحكم، و لو لا الممكن ما ظهر التغيير، فلا بد في الأفعال من حق و خلق. و في مذهب بعض العامة أن العبد محل ظهور أفعال اللّه و موضع جريانها، فلا يشهدها الحسّ إلا من الأكوان، و لا تشهدها بصيرتهم إلا من اللّه من وراء حجاب هذا الذي ظهرت على يديه المريد لها المختار فيها، فهو لها مكتسب باختياره، و هذا مذهب الأشاعرة.
و مذهب بعض العامة أيضا أن الفعل للعبد حقيقة، و مع هذا فربط الفعل عندهم بين الحق و الخلق لا يزول، فإن هؤلاء يقولون: إن القدرة الحادثة في العبد التي يكون بها هذا الفعل من الفاعل أن اللّه خلق له القدرة عليها، فما يخلص الفعل للعبد إلا بما خلق اللّه فيه من القدرة عليه، فما زال الاشتراك، و هذا مذهب أهل الاعتزال، فهؤلاء ثلاثة أصناف: أصحابنا و الأشاعرة و المعتزلة ما زال منهم وقوع الاشتراك، و ما ثمّ عقل يدل على خلاف هذا و لا خبر إلهي في شريعة تخلص الفعل من جميع الجهات إلى أحد الجانبين، فلنقره كما أقره اللّه على علم اللّه فيه، و ما ثمّ إلا كشف و شرع و عقل، و هذه الثلاثة ما خلصت شيئا و لا يخلص أبدا دنيا و لا آخرة. فالأمر في نفسه و اللّه أعلم ما هو إلا كما وقع، ما يقع فيه تخليص، لأنه في نفسه غير مخلص، إذ لو كان في نفسه مخلصا، لا بد أن كان يظهر عليه بعض هذه الطوائف؛ و لا يتمكن لنا أن نقول: الكل على خطأ، فإن في الكل الشرائع الإلهية، و نسبة الخطأ إليها محال، و ما يخبر بالأشياء على ما هي عليه إلا اللّه، و قد أخبر، فما هو الأمر إلا كما أخبر، لأن مرجوع الكل إليه، فما خلص فهو مخلص، و ما لم يخلص فما هو في نفسه مخلص، فاتفق الحق و العالم جميعه في هذه المسألة على الاشتراك، و هو موضع الحيرة فلا يرجح.
و لما كان المتكلمون في هذا الشأن على قسمين: الواحد أضاف الأفعال كلها إلى الأكوان، فقال لسان الغيرة الإلهية (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) أي حادثا، و أما القسم الثاني فأضاف الأفعال الحسنة كلها إلى اللّه و أضاف الأفعال القبيحة إلى الأكوان، فقال لسان الجود الإلهي (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) لا تكذيبا لهم بل ثناء جميلا، و ما ثمّ من قال إن الأفعال كلها للّه و لا إلى الأكوان من غير رائحة اشتراك، فمن السعادة أن يستعمل الإنسان الحضور مع اللّه في جميع حركاته و سكناته، و أن تكون مشاهدة نسبة الأفعال إلى اللّه تعالى من حيث الإيجاد و الارتباط المحمود منها، و أما الارتباط المذموم منها فإن نسبه إلى اللّه، فقد أساء الأدب، و جهل علم التكليف و بمن تعلق، و من المكلف الذي قيل له افعل، إذ لو لم يكن للمكلّف نسبة إلى الفعل بوجه ما، لما قيل له افعل، و ليس متعلقها الإرادة كالقائلين بالكسب، و إنما هو سبب اقتداري لطيف مدرج في الاقتدار الإلهي، الذي يعطيه الدليل، كاندراج نور الكواكب في نور الشمس، فتعلم بالدليل أن للكواكب نورا منبسطا على الأرض، لكن ما ندركه حسا لسلطان نور الشمس، كما يعطي الحس في أفعال العباد أن الفعل لهم حسا و شرعا، و أن الاقتدار الإلهي مندرج فيه، يدركه العقل و لا يدركه الحس، كاندراج نور الشمس في نور الكواكب، فإن نور الكواكب هو عين نور الشمس، و الكواكب لها مجلى، فالنور كله للشمس، و الحسّ يجعل النور للكواكب، فيقول اندرج نور الكواكب في نور الشمس، و على الحقيقة ما ثم إلا نور الشمس، فاندرج نوره في نفسه إذ لم يكن ثمّ نورغيره، و المرائي و إن كان لها أثر فليس ذلك من نورها، و إنما النور يكون له أثر من كونه بلا واسطة في الكون، و يكون له أثر آخر في مرآة تجليه، بحكم يخالف حكمه من غير تلك الواسطة.
فنور الشمس إذا تجلى في البدر يعطي من الحكم ما لا يعطيه من الحكم بغير البدر، لا شك في ذلك. كذلك الاقتدار الإلهي إذا تجلى في العبيد فظهرت الأفعال عن الخلق، فهو و إن كان بالاقتدار الإلهي، و لكن يختلف الحكم، لأنه بواسطة هذا المجلى الذي كان مثل المرآة لتجليه. و كما ينسب النور الشمسي إلى البدر في الحس، و الفعل لنور البدر و هو للشمس، فكذلك ينسب الفعل للخلق في الحسّ، و الفعل إنما هو للّه في نفس الأمر، و لاختلاف الأثر تغير الحكم النوري في الأشياء، فكان ما يعطيه النور بواسطة البدر خلاف ما يعطيه بنفسه بلا واسطة. كذلك يختلف الحكم في أفعال العباد، و من هنا يعرف التكليف على من توجه و بمن تعلق. و كما تعلم عقلا أن القمر في نفسه ليس فيه من نور الشمس شيء و أنّ الشمس ما انتقلت إليه بذاتها، و إنما كان لها مجلى، و أن الصفة لا تفارق موصوفها و الاسم مسماه، كذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء و لا حل فيه، و إنما هو مجلى له خاصة و مظهر له، و كما ينسب نور الشمس إلى البدر، كذلك ينسب الاقتدار إلى الخلق حسا، و الحال الحال.
و إذا كان الأمر بين الشمس و البدر بهذه المثابة من الخفاء، و أنه لا يعلم ذلك كل أحد، فما ظنك بالأمر الإلهي في هذه المسألة مع الخلق، أخفى و أخفى. و أما المشرك فإنه جاهل على الإطلاق، فإن الشركة لا تصح بوجه من الوجوه، فإن إيجاد الفعل لا يكون بالشركة، و لهذا لم تلتحق المعتزلة بالمشركين، فإنهم وحدوا أفعال العباد للعباد، فما جعلوهم شركاء، و إنما أضافوا الفعل إليهم عقلا و صدقهم الشرع في ذلك.
و الأشاعرة وحدوا فعل الممكنات كلها من غير تقسيم للّه عقلا، و ساعدهم الشرع على ذلك، لكن ببعض محتملات وجوه ذلك الخطاب، فكانت حجج المعتزلة فيه أقوى في الظاهر، و ما ذهبت إليه الأشاعرة في ذلك أقوى عند أهل الكشف، أهل اللّه، و كلا الطائفتين صاحب توحيد، و المشرك إنما جهّلناه لكون الموجود لا يتصف إلا بإيجاد واحد، و القدرة ليس لها في الأعيان إلا الإيجاد، فلا يكون الموجود موجودا بوجودين، فلا يصح أن يكون الوجود عن تعلق قدرتين؛ فإن كل واحد منهما تعطي الوجود للموجود، فإذا أعطته الواحدة منهما وجوده فما للأخرى فيه من أثر، فبطل إذا حققت الشركة في الفعل. فالمشرك الخاسرالمشروع نعته، هو من أضاف ما يستحقه الإله إلى غير اللّه، فعبده على أنه إله، فكأنه جعله شريكا في المرتبة، و لذلك قال تعالى: «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ»، فهو إنكار عن نسبة الفعل الذي ظهر على العبد من الأمور التي نهى أن يعملها إلى اللّه، و السيئة هو ما يسوؤك فأنت محل أثر السوء.
فمن حيث هو فعل لا يتصف بالسوء، هو للاسم الإلهي الذي أوجده، فإنه يحسن منه إيجاد مثل هذا الفعل، فلا يكون سوءا إلا من يجده سوءا أو من يسوءه و هو نفس الإنسان، إذ لا يجد الألم إلا من يوجد فيه؛ ففيه يظهر حكمه لا من يوجده، فإنه لا حكم له في فاعله، فهذا معنى قوله «وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» و إن كانت الحسنة كذلك، فذلك يحسن عند الإنسان، فإنها أيضا تحسن في جانب الحق الموجد لها، فأضيفت الحسنة إلى اللّه الموجد لها ابتداء و إن كانت بعد الإيجاد تحسن أيضا فيك، و لكن لا تسمى حسنة إلا من كونها مشروعة، و لا تكون مشروعة إلا من قبل اللّه، فلا تضاف إلا إلى اللّه، و السيئة من قبل الحق حسنة، لأنه بيّنها لتجتنب، فتسوء من قامت به إما في الدنيا و إما في العقبى.
[سورة النساء (4): آية 80]
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَ مَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80)
لأن اللّه و كلّه على عباده، فأمر و نهى، و تصرف بما أراه اللّه الذي و كلّه في التبليغ عنه، فهو صلّى اللّه عليه و سلم لا ينطق إلا عن اللّه، بل لا ينطق إلا باللّه، بل لا ينطق إلا اللّه منه، فإن اللّه سمعه و بصره و لسانه، و ما خصّ الاسم اللّه من غيره من الأسماء في قوله «فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» إلا لكونه الاسم الجامع، فله معاني جميع الأسماء كلها. و اعلم أن كل ما أمر به الحق سمعنا و أطعنا في حال عدمنا و وجودنا إذا لم يخاطبنا بفهوانية الأمثال و الأشكال، فإذا خاطبنا بفهوانية الأمثال و الأشكال و ألسنة الإرسال؛ فمن كان مشهوده ما وراء الحجاب، و هو المثل و الرسول سمع فأطاع من حينه، و من كان مشهوده المثل، سمع ضرورة و لم يطع للحسد الذي خلق عليه من تقدّم أمثاله عليه، فظهر المطيع و العاصي. و لهذا قال بعضهم: إنما احتجب اللّه في الدنيا عن عباده لأنه سبق في علمه أن يكلفهم و يأمرهم و ينهاهم، و قد قدّر عليهم بمخالفة أمره و بموافقته في أوقات، فلا بد من ظهور المخالفة و الموافقة، فخاطبهم على ألسنة الرسل عليهم السلام، و حجب ذاته سبحانه عنهم في صورة الرسول، و ذلك لأنه قال «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ»، و قال (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) فوقعت المخالفة بالقدر السابق و الحكم القضائي و لا يتمكن أن يخالف أمره على الكشف؛ فانحجب بالإرسال انحجابه بالأسباب، فإن اللّه تعالى يظهرنا وقتا و يستر نفسه فيما هو له، و وقتا يظهر نفسه و يسترنا بحسب المواطن حكمة منه «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» فجلاه باسمه و كان ظاهرا فستره كما قال (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ) فأظهره بكاف الخطاب ثم ستره، فانظر إلى سريان اللطف الإلهي ما أعجبه و حكمه الظاهر كيف أبان أن طاعة رسوله صلّى اللّه عليه و سلم طاعته، و قد ورد في الخبر الصدق و النبأ الحق أنه يجب اتباعه، و ما يتبعه إلا من أطاعه، و اتباع الرسول اتباع الإله، لأنه قال عزّ و جلّ «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» «وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً» فصلوا عليه و سلّموا تسليما، فإن اللّه يصلي عليه و ينظر إليه، و من لم يمتثل أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، لم يمتثل أمر اللّه؛ فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أمر اللّه، فإنه لا ينطق عن الهوى، فمن يطع الرسول، فقد أطاع اللّه، فإن هويته سمعه و بصره و جميع قواه.
[سورة النساء (4): الآيات 81 الى 82]
وَ يَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَ اللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81) أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82)
«أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» أي يتفكرون في معانيه «وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» الوجه الأول- يعني في نعت الحق و ما يجب له، فإن الناظر بفكره في معتقده لا يبقى على حالة واحدة دائما، بل هو في كل وقت بحسب ما يعطيه دليله في زعمه في وقته، فيخرج من أمر إلى نقيضه، فعلوم المتكلمين في ذات اللّه و الخائضين فيه، ليست أنوارا، و هم يتخيلون قبل ورود الشبه أنهم في نور و على بينة من ربهم في ذلك، فلا يبدو لهم نقصهم حتى ترد عليهم الشبهة، و ما يدريك لعل تلك الشهبة التي يزعمون أنها شبهة هي الحقّ و العلم، فإنك تعلم قطعا أن دليل الأشعري في إثبات المسألة التي ينفيها المعتزلي هو الحق و أنه شبهة عند المعتزلي، و دليل المعتزلي الذي ينفي به ما يثبته الأشعري شبهة عند الأشعري، ثم أنه ما من مذهب إلا و له أئمة يقومون به، و هم فيه مختلفون، و إن اتصفواجميعهم مثلا بالأشاعرة فلا يزالون مختلفين، مع كون كل طائفة يجمعها مقام واحد و اسم واحد، و هم مختلفون في أصول ذلك المذهب الذي جمعهم، و رأينا المسمين رسلا و أنبياء قديما و حديثا من آدم إلى محمد و من بينهما عليهم الصلاة و السلام، ما رأينا- أحدا منهم قط- قد اختلفوا في أصول معتقدهم في جناب اللّه، بل كل واحد منهم يصدق بعضهم بعضا، و لا سمعنا عن أحد منهم أنه طرأ عليه في معتقده و علمه بربه شبهة قط، و لا اختلف واحد منهم على الآخر في ذلك، فاللّه يحول بيننا و بين سلطان أفكارنا فيما لم نؤمر بالتفكر فيه، الوجه الثاني- لما كان الوحي ينزل لترتيب الأمور التي تقتضيها حكمة الوجود، لذلك قال تعالى: «وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» يخالف ترتيب حكمة الوجود، و ليس إلا من اللّه، فهو في غاية الإحكام و الإتقان الذي لا يمكن غيره، فلا يؤمن بما جاء به هذا الرسول إلا من خاطبه الرسول في سره، و إن لم يشعر به المخاطب، و لا يعرف من كلمه، و إنما يجد التصديق بما جاء به في قلبه. و أهل الكشف و الحضور يعرفون عن سماع بقلوب و آذان و أبصار كلام الرسول بأن هذا جاء من عند اللّه، فيؤمنون به على بصيرة.
[سورة النساء (4): آية 83]
وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83)
اعلم أن الناس يفضل بعضهم بعضا، فأدناهم منزلة من هو إنسان حيواني، و أعلاهم من هو ظل اللّه و هو الإنسان الكامل نائب الحق، يكون الحق لسانه و جميع قواه، و ما بين هذين المقامين مراتب. ففي زمان الرسل يكون الكامل رسولا، و في زمان انقطاع الرسالة يكون الكامل وارثا، و لا ظهور للوارث مع وجود الرسول، إذ الوارث لا يكون وارثا إلا بعد موت من يرثه، فلم يتمكن للصاحب مع وجود الرسول أن تكون له هذه المرتبة، و الأمر ينزل من اللّه على الدوام لا ينقطع، فلا يقبله إلا الرسل خاصة على الكمال، فإذافقدوا حينئذ، وجد ذلك الاستعداد في غير الرسل، فقبلوا ذلك التنزل الإلهي في قلوبهم، فسموا ورثة، لم ينطلق عليهم اسم رسل مع كونهم يخبرون عن اللّه بالتنزل الإلهي. فإن كان في ذلك التنزل الإلهي حكم أخذه هذا المنزل عليه و حكم به، و هو المعبر عنه بلسان علماء الرسوم المجتهد الذي يستنبط الحكم عندهم، و هو العالم بقول اللّه «لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ»، فهذا حظ الناس اليوم من التشريع بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و نحن نقول به، و لكن لا نقول بأن الاجتهاد هو ما ذكره علماء الرسوم، بل الاجتهاد عندنا بذل الوسع في تحصيل الاستعداد الباطن الذي به يقبل هذا التنزل الخاص، الذي لا يقبله في زمان النبوة و الرسالة إلا نبي أو رسول، إلا أنه لا سبيل إلى مخالفة حكم ثابت قد تقرر من الرسول صلّى اللّه عليه و سلم في نفس الأمر، فإن لم يكن ذلك في نفس الأمر فلا يلقى إلى هذا المجتهد الذي ذكرناه إلا ما هو الحكم عليه في نفس الأمر، حتى إنه لو كان الرسول صلّى اللّه عليه و سلم حيا لحكم به، مع أنه قرر حكم المجتهد و إن أخطأ.
فما أخطأ المجتهد إلا في الاستعداد كما ذكرناه، فلو أصاب في الاستعداد ما أخطأ مجتهد أبدا، بل لا يكون مجتهدا في الحكم، و إنما هو ناقل ما قبله من الحق النازل عليه في تجليه، و هذا عزيز في الأمة ما يوجد إلا في أفراد، و علامتهم أنهم ما يختلفون في الحكم أصلا لوحدانية الرسالة في هذا الزمان، فإذا اختلفوا فما هم الذين ذكرناهم، فيكون صاحب الحق إذا كانت الأحكام منحصرة القسمة واحدا منهم، فإن بقي قسم لم يقع به حكم ربما كان الحق فيه، و مع هذا تعبد كل واحد بما أعطاه دليله، فإن أصاب فله أجران و إن أخطأ فله أجر، فوقع الاجتهاد في الاجتهاد، فإن كنت من أهل الاجتهاد في الاستنباط للأحكام الشرعية، فأنت وارث نبوة شرعية، فإنه تعالى قد شرع ذلك في تقرير ما أدى إليه اجتهادك و دليلك من الحكم أن تشرعه لنفسك و تفتي به غيرك إذا سئلت، و إن لم تسئل فلا.
و اعلم أن الاجتهاد ما هو في أن تحدث حكما، هذا غلط، و إنما الاجتهاد المشروع طلب الدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، و فهم عربي على إثبات حكم في تلك المسألة بذلك الدليل الذي اجتهدت في تحصيله و العلم به في زعمك، هذا هو الاجتهاد، فإن اللّه تعالى و رسوله ما ترك شيئا إلا و قد نصّ عليه و لم يتركه مهملا، فإن اللّه تعالى يقول (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) و بعد ثبوت الكمال فلا يقبل الزيادة، فإن الزيادة في الدين نقص من الدين، و ذلك هو الشرع الذي لم يأذن به اللّه.
[سورة النساء (4): الآيات 84 الى 85]
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ اللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَ أَشَدُّ تَنْكِيلاً (84) مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85)
القاضي حاكم و المقدّر مقيت، فالقدر التوقيت في الأشياء من اسمه المقيت.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 534