تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره النساء

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة النساء

سورة النساء

[1]

[سورة النساء (4): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ‏ احذروه في انتحال صفته عند صدور الخيرات منكم، و اتخذوا الصفة وقاية لكم في صدور ما صدر منكم من الخير، و قولوا صدر عن القادر المطلق‏ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هي النفس الناطقة الكلية، التي هي قلب العالم، و هو آدم الحقيقيّ‏ وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها أي: النفس الحيوانية الناشئة منها.

و قيل: إنها خلقت من ضلعه الأيسر من الجهة التي تلي عالم الكون، فإنها أضعف من الجهة التي تلي الحق، و لو لا زوجها لما أهبط إلى الدنيا. كما اشتهر أنّ إبليس سوّل لها أولا فتوسل بإغوائها إلى إغواء آدم و لا شك في أنّ التعلق البدنيّ لا يتهيأ إلا بواسطتها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً أي: أصحاب قلوب ينزعون إلى أبيهم‏ وَ نِساءً أصحاب نفوس و طبائع ينزعون إلى أمّهم‏ وَ اتَّقُوا اللَّهَ‏ في ذاته عن إثبات وجودكم، و اجعلوه وقاية لكم عند ظهور البقية منكم في الفناء في التوحيد حتى لا تحتجبوا برؤية الفناء الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ‏ لا بكم‏ وَ الْأَرْحامَ‏ أي: احذروا الأرحام الحقيقية، أي أقربة المبادئ العالية من المفارقات و أرواح الأنبياء و الأولياء في قطعها بعدم المحبة، و اجعلوها وقاية لكم في حصول سعاداتكم و كمالاتكم، فإنّ قطع الرحم بفقد المحبة توجه عن الاتصال، و الوحدة إلى الانفصال و الكثرة، و هو المقت الحقيقيّ و البعد الكليّ عن جناب الحق تعالى، و لهذا قال عليه الصلاة و السلام‏: «صلة الرحم تزيد في العمر»، أي:توجب دوام البقاء.

و اعلم أنّ الرحم من الظاهر صورة الاتصال الحقيقي في الباطن، و حكم الظاهر في التوحيد كحكم الباطن، فمن لا يقدر على مراعاة الظاهر فهو أحرى بأن لا يقدر على مراعاة الباطن‏ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً يرقبكم لئلا تحتجبوا عنه بظهور صفة من صفاتكم، أو بقية من بقاياكم فتتعذبوا.

 

 

 

 

[2- 30]

[سورة النساء (4): الآيات 2 الى 30]

وَ آتُوا الْيَتامى‏ أَمْوالَهُمْ وَ لا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى‏ أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2)

وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى‏ فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى‏ أَلاَّ تَعُولُوا (3)

وَ آتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4)

وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَ ارْزُقُوهُمْ فِيها وَ اكْسُوهُمْ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5)

وَ ابْتَلُوا الْيَتامى‏ حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَ لا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَ بِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ حَسِيباً (6)

لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7)

وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8)

وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9)

إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى‏ ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10)

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَ إِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (11)

وَ لَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى‏ بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)

تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13)

وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَ لَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14)

وَ اللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15)

وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (16)

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17)

وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَ لا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَ عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)

وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (20)

وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى‏ بَعْضُكُمْ إِلى‏ بَعْضٍ وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21)

وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ مَقْتاً وَ ساءَ سَبِيلاً (22)

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خالاتُكُمْ وَ بَناتُ الْأَخِ وَ بَناتُ الْأُخْتِ وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَ رَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَ حَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23)

وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (24)

وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَ لا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)

وَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)

يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)

وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَ ظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30)

وَ آتُوا الْيَتامى‏ يتامى قواكم الروحانية، المنقطعين عن تربية الروح القدسيّ الذي هو أبوهم‏ أَمْوالَهُمْ‏ أي: معلوماتهم و كمالاتهم، و ربوهم بها وَ لا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ‏ من المحسوسات و الخياليات و الوساوس و دواعي الوهم و سائر قوى النفس التي هي أموالها بِالطَّيِّبِ‏ من أموالهم‏ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى‏ أَمْوالِكُمْ‏ أي: لا تخلطوها بها، فيشتبه الحق بالباطل و تستعملوها في تحصيل لذاتكم الحسّية و كمالاتكم النفسية، فتنتفعوا بها في مطالبكم الخسيسة الدنيوية و تجعلوها غذاء نفوسكم‏ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً حجبة و حرمانا.

 

 

 

 

[31- 35]

[سورة النساء (4): الآيات 31 الى 35]

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (31)

وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً (32)

وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيداً (33)

الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَ اللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (34)

وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (35)

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ‏ من إثبات الغير في الوجود الذي هو الشرك ذاتا و صفة و فعلا، فإن أكبر الكبائر إثبات وجود غير وجوده تعالى كما قيل:وجودك ذنب لا يقاس به ذنب ثم‏ إثبات الإثنينية في الذات بإثبات زيادة الصفات عليها، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام‏ . و كما قال: «الإخلاص له نفي الصفات عنه».

 نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ‏ بظهور النفس و القلب بصفة من صفاتها أحيانا، فإنها بعد ظهور نور التوحيد لا تثبت‏ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً أي: حضرة عين الجمع لا كرم إلا فيها وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏ من الكمالات المرتبة بحسب الاستعدادات الأولية، فإن كل استعداد يقتضي بهويته في الأزل كمالا و سعادة تناسبه، و حصول ذلك الكمال الخاصّ لغيره محال. و لذلك ذكر بلفظ التمني الذي هو طلب ما يمتنع حصوله للطالب لامتناع نسبته‏ لِلرِّجالِ‏ أي: الأفراد الواصلين‏ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ‏ بنور استعدادهم الأصليّ‏ وَ لِلنِّساءِ أي: الناقصين القاصرين عن الوصول‏ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ‏ بقدر استعدادهنّ‏ وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ‏ أي: اطلبوا منه إفاضة كمال يقتضيه استعدادكم بالتزكية و التصفية حتى لا يحول بينكم و بينه فتحتجبوا و تتعذبوا بنيران الحرمان منه‏ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مما يخفى عليكم، كامنا في استعدادكم بالقوّة عَلِيماً فيجيبكم بما يليق بكم كما قال: وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ‏[1] أي: بلسان الاستعداد الذي ما دعاه أحد به إلّا أجاب، كما قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏[2].

 

 

 

 

[36- 37]

[سورة النساء (4): الآيات 36 الى 37]

وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ بِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ الْجارِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ الْجارِ الْجُنُبِ وَ الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (36)

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَ يَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (37)

وَ اعْبُدُوا اللَّهَ‏ خصّصوه بالتوجه إليه، و الفناء فيه، الذي هو غاية التذلّل‏ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً بإثبات وجوده‏ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً و أحسنوا بالروح و النفس اللذين تولّد القلب منهما و هو حقيقتكم، لستم إلّا إيّاه، و وفوا حقوقهما و راعوهما حقّ المراعاة بالاستفاضة من الأول، و التوجه إليه بالتسليم و التعظيم و تزكية الثانية، و حفظها من أدناس محبة الدنيا، و التذلّل بالحرص و الشره و أمثالهما، و من شرّ الشيطان و عداوته إياها و أعينوها بالرأفة و الحمية بتوفير حقوقها عليها، و منع الحظوظ عنها وَ بِذِي الْقُرْبى‏ الذي يناسبكم في الحقيقة بحسب القرب في الاستعداد الأصليّ و المشاكلة الروحانية وَ الْيَتامى‏ المستعدّين المنقطعين عن نور الروح القدسيّ الذي هو الأب الحقيقي، بالاحتجاب عنه‏ وَ الْمَساكِينِ‏ العاملين الذين لا مال لهم، أي: لا حظ من العلوم و المعارف و الحقائق، فسكنوا و لم يقدروا على المسير و هم السعداء الصالحون الذين مآلهم إلى جنة الأفعال.

وَ الْجارِ ذِي الْقُرْبى‏ الذي هو في مقام من مقامات السلوك، قريب من مقامك‏ وَ الْجارِ الْجُنُبِ‏ الذي هو في مقامه بعيد من مقامك، وَ الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ‏ و الرفيق الذي هو في عين مقامكم و يرافقكم في سيركم‏ وَ ابْنِ السَّبِيلِ‏ أي: السالك في طريق الحقّ، الداخل في الغربة عن مأوى النفس الذي لم يصل إلى مقام من مقامات أهل اللّه‏ وَ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏ من أهل إرادتكم و محبتكم، الذين هم عبيدكم كلّا بما يناسبه و يليق به من أنواع الإحسان، و إن شئت أوّلت ذي القربى بما يتصل به من الملكوت العالية من المجرّدات و اليتامى بالقوى الروحانية كما مرّ. و المساكين بالقوى النفسانية من الحواس الظاهرة و غيرها.

و الجار ذي القربى بالعقل، و الجار الجنب بالوهم، و الصاحب بالجنب بالشوق أو الإرادة، و ابن السبيل بالفكر، و المماليك بالملكات المكتسبة التي هي مصادر الأفعال الجميلة.

إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا يسعى في السلوك بنفسه لا باللّه، معجبا بأعماله‏ فَخُوراً مبتهجا بأحواله و مقاماته و كمالاته، محتجبا برؤيتها و رؤية اتصافه بها الَّذِينَ يَبْخَلُونَ‏ أولا بإمساك كمالاتهم و علومهم في مكامن قرائحهم و مطامير غرائزهم، لا يظهرونها بالعمل بها في وقتها ثم بالامتناع عن توفير حقوق ذوي الحقوق عليهم، لا يبذلون صفاتهم و ذواتهم بالفناء في اللّه لمحبتهم لها، و لا ينفقون أموال علومهم و أخلاقهم و كمالاتهم على ما ذكرنا من المستحقين. وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ‏ يحملونهم على مثل حالهم‏ وَ يَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏ من التوحيد و المعارف و الأخلاق و الحقائق في كتم الاستعداد و ظلمة القوة كأنها معدومة وَ أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ‏ المحجوبين عن الحق‏ عَذاباً مُهِيناً في ذلّ وجوههم و شين صفاتهم.

 

 

 

 

 

[38- 40]

[سورة النساء (4): الآيات 38 الى 40]

وَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ مَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (38)

وَ ما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَ كانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39)

إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40)

وَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ‏ أي: يبرزون كمالاتهم من كتم العدم، و يخرجونها إلى الفعل، محجوبين برؤيتها لأنفسهم، يراءون الناس بأنها لهم‏ وَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ‏ الإيمان الحقيقي، فيعلمون أن الكمال المطلق ليس إلا له، و من أين لغيره وجود حتى يكون له؟

فيتخلصون عن حجاب رؤية الكمال لأنفسهم، و ينجون عن إثم العجب. وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ أي: الفناء في اللّه و البروز للواحد القهّار، فيتبرّؤون من ذنب الشرك، و ذلك لمقارنة شيطان الوهم إياهم‏ وَ مَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً لأنه يضلّه عن الهدى، و يحجبه عن الحقّ‏ وَ ما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ‏ أي: لو صدّقوا للّه بالتوحيد و الفناء فيه، و محو كمالاتهم التي رزقهم اللّه بإضافتها إلى اللّه؟ وَ كانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً يجازيهم بالبقاء بعد الفناء، و كونهم مع تلك الصفات و الكمالات باللّه لا بأنفسهم.

إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ‏ أي: لا ينقص من تلك الكمالات بالفناء فيه‏ مِثْقالَ ذَرَّةٍ بل يضاعفها بالتأييد الحقانيّ‏ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها و لا تكون حسنة إلا إذا كانت له‏ وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً هو ما أخفي له من قرّة أعين، أي: الشهود الذاتي الذي لا حجبة معه عن تفاصيل الصفات.

 

 

 

 

 

[41]

[سورة النساء (4): آية 41]

فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً (41)

فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ إلى آخره، الشهيد و الشاهد: ما يحضر كلّ أحد مما بلغه من الدرجة في العرفان، و هو الغالب عليه، فهو يكشف عن حاله و عمله و سعيه و مبلغ جهده مقاما كان أو صفة من صفات الحق أو ذاتا، فلكل أمّة شهيد بحسب ما دعاهم إليه نبيهم و عرّفه لهم و ما دعاهم إلا إلى ما وصل إليه من مقامه في المعرفة، و لا يبعث نبيّ إلا بحسب استعداد أمّته فهم يعرفون اللّه بنور استعدادهم في صورة كمال نبيّهم.

و لهذا ورد في الحديث: إن اللّه يتجلى لعباده في صورة معتقدهم، فيعرفه كلّ واحد من الملل و المذاهب، ثم يتحوّل عن تلك الصورة، فيبرز في صورة أخرى فلا يعرفه إلّا الموحدون الداخلون في حضرة الأحدية من كل باب.

و كما أنّ لكل أمّة شهيدا، فكذلك لكل أهل مذهب شهيد، و لكل واحد شهيد يكشف عن حال مشهوده، و أما المحمّديون فشهيدهم اللّه المحبوب الموصوف بجميع الصفات لمكان كمال نبيهم و كونه حبيبا مؤتى جوامع الكلم،متمما لمكارم الأخلاق، فلا جرم يعرفونه عند التحوّل في جميع الصور إذا تابعوا نبيهم حق المتابعة، و كانوا أوحديين محبوبين كنبيهم.

 

 

 

 

[42]

[سورة النساء (4): آية 42]

يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42)

يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالاحتجاب عن الحق‏ وَ عَصَوُا الرَّسُولَ‏ بالاحتجاب عن الدين‏ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ‏ أرض الاستعداد، فتنطمس نفوسهم أو تصير ساذجة لا نقش فيها من العقائد الفاسدة و الرذائل الموبقة وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً أي: لا يقدرون على كتم حديث من تلك النقوش حتى لا يتعذبون بعقابه.

 

 

 

 

[43- 44]

[سورة النساء (4): الآيات 43 الى 44]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَ لا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى‏ تَغْتَسِلُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (43)

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَ يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالإيمان العلميّ، فإن المؤمن بالإيمان العيني لا يكون في صلاته غافلا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ أي: لا تقربوا مقام الحضور و المناجاة مع اللّه في حال كونكم‏ سُكارى‏ من نوم الغفلة، أو من خمور الهوى و محبة الدنيا حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ‏ في مناجاتكم و لا تشتغل قلوبكم بأشغال الدنيا و وساوسها فتذهلوا عنه، و لا في حال كونكم بعداء عن الحق بشدّة الميل إلى النفس و مباشرة لذاتها و شهواتها و حظوظها و الركون إليها إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ‏ أي: مارّين عليها، سالكي طريق من طرق تمتعاتها بقدر الضرورة و المصلحة كعبور طريق الاغتذاء بالمطعم و المشرب لسدّ الرمق و حفظ القوة، و الاكتساء لدفع الحرّ و البرد و ستر العورة، و المباشرة لحفظ النسل لا منجذبين إليها بالكلية بمجرّد الهوى فتنطبع فيكم فلا يمكن زوالها أو يتعذر حَتَّى‏ تَغْتَسِلُوا أي: تتطهروا عن تلك الهيئة الحاصلة من الانجذاب إلى الجهة السفلية بماء التوبة و الاستغفار و عيون التنصل و الاعتذار وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ القلوب، فاقدي سلامتها بأمراض العقائد الفاسدة و الرذائل المهلكة أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ في تيه الجهل و الحيرة لطلب لذّة النفس و مادة الرجس بالحرص‏ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ‏ من الاشتغال بلوث المال و كسب الحطام ملوّثا بهيئة محبته و ميله راسخة فيه تلك الهيئة أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ لازمتم النفوس و باشرتموها في لذاتها و شهواتها فَلَمْ تَجِدُوا ماءً علما يهديكم إلى التفصي منها و يهذبكم بالتطهّر عنها فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فتوجهوا صعيد استعدادكم الطيب،و اقصدوه و ارجعوا إلى أصل الاستعداد الفطريّ‏ فَامْسَحُوا من نوره‏ بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ‏ أي: ذواتكم الموجودة و صفاتكم بالنزول و محو هيئات التعلق بها، و التصرّف فيها، فإن ذلك التراب يمحو آثارها و يذرها صافية كما كانت‏ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا يعفو عن تلك الهيئات المظلمة و رسوخ تلك الملكات الحاجبة بتركها و الإعراض عنها، فيزيلها بالكلية فيصفو استعدادكم و تستعدّوا للقائه و مناجاته‏ غَفُوراً يستر صفاتكم و ذواتكم بصفاته و ذاته.

 

 

 

 

[44- 46]

[سورة النساء (4): الآيات 44 الى 46]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَ يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44)

وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَ كَفى‏ بِاللَّهِ نَصِيراً (45)

مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنا وَ عَصَيْنا وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ راعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي الدِّينِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا وَ اسْمَعْ وَ انْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَقْوَمَ وَ لكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46)

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ‏ أي: بعضا هو اعترافهم بالحق مع احتجابهم عن الدين‏ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ يستبدلون الاحتجاب عن الدين الذي هو طريق الحق بنور هداية استعدادهم و يريدون بكم ذلك أيضا و هم أعداؤكم، علم اللّه عداوتهم إياكم إذا وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَلِيًّا يلي أمركم بالتوفيق لطريق التوحيد، و نصيرا ينصركم على أعدائكم بالقمع.

 

 

 

 

 

[47- 48]

[سورة النساء (4): الآيات 47 الى 48]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى‏ أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (47)

إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى‏ إِثْماً عَظِيماً (48)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏ كتاب الاستعداد آمِنُوا إيمانا حقيقيا عيانيا بإخراج ما في كتاب استعدادكم إلى الفعل من توحيد الذات‏ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً بإزالة استعدادها و محوه‏ فَنَرُدَّها عَلى‏ أَدْبارِها التي هي أسفل سافلي عالم الجسم الذي هو خلف كل عالم‏ أَوْ نَلْعَنَهُمْ‏ نعذبهم بالمسخ كما مسخنا أَصْحابَ السَّبْتِ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا أي: مقضيا إلى الأبد، لا يغيّره أحد و لا ينقضه‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ‏ إشارة إلى أنّ الشقاوة العلمية الاعتقادية مخلّدة لا تتدارك أبدا دون العملية، أي: لا يستر بوجوده و لا يفني بذاته من يثبت غيره في الوجود و كيف و أنه يناوبه بوجوده.

 

 

 

 

[49- 50]

[سورة النساء (4): الآيات 49 الى 50]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49)

انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ كَفى‏ بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50)

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ‏ أي: يزيلون صفات نفوسهم بنفوسهم، و ذلك غير ممكن كما لا يمكن لأحدنا حمل نفسه إذ هي لوازم النفس باقية لازمة لها، و لهذا قال تعالى: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ*[3]، إذ الرذائل معجونة فيها، باقية ببقائها. و قال عليه الصلاة و السلام‏: «شرّ الناس من قامت عليه القيامة و هو حيّ» أي: يقف على علم التوحيد و نفسه لم تمت بالفناء حتى تحيى باللّه، فإنه حينئذ زنديق قائل بالإباحة في الأشياء.

بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ بمحو صفاته و إزالتها بصفاته تعالى‏ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي:لا ينقصون شيئا حقيرا من صفاتهم و حقوقها فإنّ اللّه لا يأخذ شيئا منها مع ضعفها و سرعة انقضائها حتى يعطي بدله من صفاته مع قوتها و دوامها انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ‏ با دعاء تزكية نفوسهم من صفاتها و ما تزكّت، أو بانتحال صفات اللّه إلى أنفسهم لوجود نفوسهم.

 

 

 

 

[51- 55]

[سورة النساء (4): الآيات 51 الى 55]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى‏ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51)

أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52)

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (53)

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (54)

فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفى‏ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (55)

أَ لَمْ تَرَ إلى آخره، يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ‏ لإثباتهم وجود الغير، و ذلك إضلالهم عن الدين الذي هو طريق التوحيد وَ يَقُولُونَ‏ لأجل الذين حجبوا عن الحق‏ هؤُلاءِ أَهْدى‏ من الموحدين‏ سَبِيلًا لموافقتهم في الشرك دون المؤمنين، فإنهم يخالفونهم في الطريق و المقصد، إذ المعترفون بالتوحيد لما ضلّوا السبيل لم يصلوا إلى المقصد الذي اعترفوا به فلزمهم شرك خفيّ قريب من حال المحجوبين عن الحق الذين أشركوا شركا جليّا فناسبوهم و صوّبوهم و زعموا أنهم أهدى الموحدين على ما نرى عليه بعض الظاهريين من الإسلاميين‏ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ‏ بمسخ الاستعداد، و من طرده اللّه فلا يمكن لأحد نصرته بالهداية و التقريب و الإنجاء.

 

 

 

 

[56]

[سورة النساء (4): آية 56]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا أي: حجبوا عن تجليات صفاتنا و أفعالنا. إذ مطلع الآية كونه متجليا بالعلم و الحكمة و الملك في آل إبراهيم‏ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ‏ نار شوق الكمال لاقتضاء غرائزهم و طبائعهم بحسب استعدادهم ذلك مع رسوخ الحجاب و لزومه، أو نار قهر من تجلّيات صفات قهره تناسب أحوالهم، أو نار شره نفوسهم و حدّة شوقها و طلبها لما ضرّيت بها من كمالات صفاتها و شهواتها مع حرمانها عنها كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ‏ رفعت حجبهم‏ الجسمانية بانسلاخهم عنها بَدَّلْناهُمْ‏ حجبا غيرها جديدة لِيَذُوقُوا الْعَذابَ‏ نيران الحرمان‏ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً قويا يقهرهم و يذلهم بذل صفات نفوسهم، و يحرقهم بنيران توقانها إلى كمالاتهم مع حرمانهم أبدا حَكِيماً يجازيهم بما يناسبهم من العذاب الذي اختاروه لأنفسهم بدواعيهم الغضبية و الشهوية و غيرها، و ميولهم إلى الملاذ الجسمانية فلذلك بدلوا حجبا ظلمانية بعد حجب.

 

 

 

 

 

[57]

[سورة النساء (4): آية 57]

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ نُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (57)

وَ الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد الصفات‏ وَ عَمِلُوا ما يصلحهم لقبول تجلياتها سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ‏ الاتصاف بها و مقاماتها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي: أنهار علوم تجلياتها من علوم القلب. و الأزواج هاهنا الأرواح المقدّسة التي هي مظاهر الصفات الإلهية المطهرة بالهيئات البدنية وَ نُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا أي: ظلّ الصفات الإلهية الدائم روحها بمحو الصفات البشرية.

 

 

 

 

 

[58]

[سورة النساء (4): آية 58]

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58)

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها أي: حق كلّ ذي حق إليه بتوفية حق الاستعداد أولا، ثم بتوفية حقوق القوى كلها من كمالاتها التي تقتضيها، ثم بتوفية حق اللّه تعالى من أداء الصفات إليه، ثم أداء الوجود فتكونوا فانين في التوحيد. فإذا رجعتم إلى البقاء بعد الفناء، و حكمتم بين الناس، كنتم قائمين في الأشياء باللّه، قوّامين بالقسط، متصفين بعدل اللّه بحيث لا يمكن صدور الجور منكم. و أقلّ الدرجات في العدل هو المحو في الصفات، إذ القائم بالنفس لا يقدر على العدل أبدا إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بأقوالكم فيما بين الناس من المحاكمات، هل هي صائبة بالحق أم فاسدة بالنفس؟ بَصِيراً بأعمالكم، هل تصدر من صفات نفوسكم أو من صفات الحق؟.

 

 

 

 

 

[59]

[سورة النساء (4): آية 59]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد الصفات‏ أَطِيعُوا اللَّهَ‏ بتوحيد الذات و الفناء في الجمع‏ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏ بمراعاة حقوق التفصيل في عين الجمع و ملاحظة ترتيب الصفات بعد الفناء في الذات‏ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ ممن استحق الولاية و الرياسة كما مر في حكاية طالوت.

 

 

 

 

 

[60- 62]

[سورة النساء (4): الآيات 60 الى 62]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60)

وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى‏ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61)

فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَ تَوْفِيقاً (62)

أَ لَمْ تَرَ أي: تعجب من‏ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏ من علم التوحيد وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ‏ من علم المبدأ و المعاد يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ‏ و هو ينافي ما ادّعوه إذ لو كان إيمانهم صحيحا لما أثبتوا غيرا حتى يكون له حكم، فإنهم بحكم الإيمان الحقيقي مأمورون بالكفر بغيره، و من لم ينسلخ عن صفاته و أفعاله و لم تنطمس ذاته في اللّه تعالى فهو غيره، و من توجه إلى الغير فقد أطاع الشيطان و لا يريد الشيطان بهم إلا الضلال البعيد الذي هو الانحراف عن الحق بالشرك، إذ الزيغ عن الدين هو الضلال المبين.

 

 

 

 

[63- 64]

[سورة النساء (4): الآيات 63 الى 64]

أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ عِظْهُمْ وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63)

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64)

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ‏ الآية، الفرق بين الرسول و النبي هو: أن الرسالة، باعتبار تبليغ الأحكام: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ‏[4] و النبوّة باعتبار الإخبار عن المعارف و الحقائق التي تتعلق بتفاصيل الصفات و الأفعال. فإنّ النبوّة ظاهر الولاية التي هي الاستغراق في عين الجمع و الفناء في الذات، فعلمها علم توحيد الذات و محو الأفعال و الصفات. فكل رسول نبيّ، و كل نبيّ وليّ، و ليس كل وليّ نبيا، و لا كلّ نبي مرسلا، و إن كانت رتبة الولاية أشرف من النبوّة، و النبوّة من الرسالة كما قيل:

مقام النبوّة في برزخ‏ دوين الوليّ و فوق الرسول‏

فلا يرسل الرسول إلا للطاعة، إذ حكمه حكم اللّه باعتبار التبليغ فيجب أن يطاع، و لا يطاع إلا بإذنه، فإن من حجب عنه بقصور الاستعداد كالكافر الأصليّ و الشقيّ الحقيقي، أو بالرين و محو الاستعداد كالمنافق ليس بمأذون له في الطاعة في الحقيقة. وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏ بمنعها عن حقوقها التي هي كمالاتها الثابتة فيها بالقوة، و تكدير الاستعداد بالتوجه إلى طلب اللذّات الحسيّة و الأغراض الفانية جاؤُكَ‏ بالإرادة التي هي مقتضى استعدادهم‏ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ‏ طلبوا من اللّه ستر صفات نفوسهم التي هي مصادر تلك الأفعال الحاجبة لما في استعدادهم بنور صفاته‏ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ‏ بإمدادهم بنور صفاته التي هي صفات اللّه‏ عز و جل لرابطة الجنسية التي بينهم و بين نفسه، و مكان الإرادة و المحبة التي تستلزم قربهم منه و امتزاجهم به‏ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً مطهرا، مصفيّا لاستعدادهم بنوره، إذ قبول التوبة هو إلقاء نور الصفات عليهم، و تنوير بواطنهم بهيئة نورية تعصمهم من الخطأ في الأفعال لبعد النور عن الظلمة رَحِيماً يفيض عليهم رحمة الكمال اللائق بهم من الإيقان العلميّ أو العينيّ أو الحقيّ.

 

 

 

 

 

[65]

[سورة النساء (4): آية 65]

فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65)

فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ‏ الإيمان الحقيقي التوحيدي‏ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ‏ لكون حكمك حكم اللّه، و إنما حجبت الذات بالصفات، و الصفات بالأفعال، فإذا تشاجروا وقفوا مع صفاتهم محجوبين عن صفات الحق أو مع أفعالهم محجوبين عن أفعال الحق، فلم يؤمنوا حقيقة. فإذا حكموك انسلخوا عن أفعالهم، و إذا لم يجدوا في أنفسهم حرجا من قضائك انسلخوا عن إرادتهم فصاروا إلى مقام الرضا، و عن علمهم و قدرتهم فصاروا إلى مقام التسليم فلم يبق لهم حجاب من صفاتهم و اتصفوا بصفات الحق فانكشف لهم في صورة الصفات فعلموا أنك هو قائم به، لا بنفسك، عادل بالحقيقة بعدله، فتحقق إيمانهم باللّه.

 

 

 

 

 

[66- 68]

[سورة النساء (4): الآيات 66 الى 69]

وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً (66)

وَ إِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (67)

وَ لَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (68)

وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69)

وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا أي: فرضنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ‏ بقمع الهوى الذي هو حياتها و إفناء صفاتها أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ‏ مقاماتكم التي هي الصبر و التوكل و الرضا و أمثالها، لكونها حاجبة عن التوحيد كما قال الحسين بن منصور قدّس اللّه روحه لإبراهيم بن أدهم رحمه اللّه، لما سأله عن حاله، و أجابه بقوله: أدور في الصحاري، و أطوف في البراري، حيث لا ماء و لا شجر و لا روض و لا مطر، هل يصح حالي في التوكل أم لا؟، فقال: إذا أفنيت عمرك في عمران بطنك فأين الفناء في التوحيد؟.

ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ‏ و هم: المحبون المستعدّون للقائه، الأكثرون قدر الأقلون عددا كما قال تعالى: وَ قَلِيلٌ ما هُمْ‏[5]، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ‏ بحسب كمالهم الحاصل لهم عند رفع حجب صفات النفس بالاتصاف بصفات الحق أو بالوصول إلى عين الجمع‏ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً بالاستقامة في الدين عند البقاء بعد الفناء وَ إِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً من‏ تجليات الصفات عند قتل النفس‏ وَ لَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً عند الخروج عن الديار، أي:منازل النفس و المقامات، و هو طريق الوحدة و الاستقامة في التوحيد وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ‏ بسلوك طرق التوحيد و الجمع‏ وَ الرَّسُولَ‏ بمراعاة التفصيل‏ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ‏ بالهداية مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ‏ الذين صدقوا بنسبة الأفعال و الصفات إلى اللّه، بالانخلاع عن صفاتهم و الاتصاف بصفاته و لو ظهروا بصفات نفوسهم لكانوا كاذبين‏ وَ الشُّهَداءِ أي: أهل الحضور وَ الصَّالِحِينَ‏ أي: أهل الاستقامة في الدين.

 

 

 

 

 

[70- 96]

[سورة النساء (4): الآيات 70 الى 96]

ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ عَلِيماً (70)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71)

وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72)

وَ لَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73)

فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَ مَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74)

وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75)

الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (76)

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَ قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى‏ وَ لا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)

أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78)

ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَ أَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً (79)

مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَ مَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80)

وَ يَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَ اللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلاً (81)

أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82)

وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى‏ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83)

فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ اللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَ أَشَدُّ تَنْكِيلاً (84)

مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقِيتاً (85) وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَسِيباً (86)

اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87)

فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ اللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (88)

وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ لا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (89)

إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى‏ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90)

سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَ يَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَ يُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (91)

وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92)

وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94)

لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى‏ وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (95)

دَرَجاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (96)

ذلِكَ الْفَضْلُ‏ أي: التوفيق لتحصيل الكمال الذي ناسبوا به النبيين و من معهم فرافقوهم. عَلِيماً يعلم ما في استعدادهم من الكمال فيظهره عليهم‏ خُذُوا حِذْرَكُمْ‏ أي:ما تحذرون من إلقاء الشيطان و وساوسه و إهلاكه إياكم بالإغواء، و من ظهور صفات نفوسكم و استيلائها عليكم، فإنها أعدى عدوّكم‏ فَانْفِرُوا ثُباتٍ‏ اسلكوا في سبيل اللّه جماعات، كلّ فرقة على طريقة شيخ كامل عالم‏ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً في طريق التوحيد و الإسلام على متابعة النبيّ‏ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏ إلى آخره، ثبت أنهم قدريون يضيفون الخيرات إلى اللّه و الشرور إلى الناس، يتشبهون بالمجوس في الثبات، مؤثرين مستقلين في الوجود، و إضافتهم الشرور إلى الرسول لا إلى أنفسهم كانت لأنه باعثهم و محرّضهم على ما يلقون بسببه الشرّ عندهم. فأمر الرسول صلى اللّه عليه و سلم بدعوتهم إلى توحيد الأفعال و نفي التأثير عن‏ الأغيار و الإقرار بكونه فاعل الخير و الشرّ بقوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً لاحتجابهم بصفات النفوس و ارتجاج آذان قلوبهم التي هي أوعية السماع و الوعي. ثم بيّن أنّ للّه فضلا و عدلا، فالخيرات و الكمالات كلها من فضله، و الشرور من عدله، أي: يقدرها علينا و يفعلها بنا لاستعداد و استحقاق فينا يقتضي ذلك.

و ذلك الاستحقاق إنما يحدث من ظهور النفس بصفاتها و ارتكابها المعاصي و الذنوب الموجبة للعقاب لا بفعل آخر كما نسبوا ما أصابهم من الشرّ إلى الرسول، لأن الاستحقاق مرتب على الاستعداد، و لا يعرض ما يقتضيه استعداد أحد لغيره، كما قال تعالى: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏*[6]، فكذّبهم و خطّأهم في قدريتهم بإثبات أنّ: السبب الفاعليّ للخير و الشرّ ليس إلا للّه وحده بمقتضى فضله و عدله. و أما السبب القابلي فهو و إن كان أيضا منه في الحقيقة إلا أن قابلية الخير هو من الاستعداد الأصلي الذي هو من الفيض الأقدس الذي لا مدخل لفعلنا و اختيارنا فيه، و قابلية الشرّ من الاستعداد الحادث بسبب ظهور النفس بالصفات و الأفعال الحاجبة للقلب، المكدّرة لجوهره، حتى احتاج إلى الصقل بالرزايا و المصائب و البلايا و النوائب لا من قبل الرسول أو غيره.

 

 

 

 

 

[97- 99]

[سورة النساء (4): الآيات 97 الى 99]

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً (97)

إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98)

فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99)

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ إلى آخره، التوفي هو: استيفاء الروح من البدن بقبضها عنه، و هو على ثلاثة أوجه: توفي الملائكة، و توفي ملك الموت، و توفي اللّه. أما توفي الملائكة فهو لأصحاب النفوس و هم أما سعداء و أهل الخير و الصفات الحميدة و الأخلاق الحسنة من الصالحين المتّقين‏ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)[7] فمعادهم إلى جنة الأفعال. و إما أشقياء أهل الشرّ و الصفات الرديئة و الأخلاق السيئة فلا يقبض أرواحهم إلا القوى الملكوتية التي هي للعالم بمثابة قواهم التي هم في مقامها، محتجبون بصفات النفس و لذّات القوى الخيالية و الوهمية و السبعية و البهيمية من الكافرين: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏[8] فمعادهم إلى النار.

و أما توفي ملك الموت‏ فهو لأرباب القلوب الذين برزوا عن حجاب النفس إلى مقام القلب، و رجعوا إلى الفطرة، فتنوّروا بنورها، فتقبض أرواحهم النفس الناطقة الكلية التي هي قلب العالم باتصالهم بها، هذا إذا قبض أرواحهم ملك الموت بنفسه، أما إذا قبض بأعوانه و قواهم فهم الفريق الأول. و قد يقبض بنفسه و يذرهم في ملكوت العذاب حتى يحاسبوا و يعاقبوا بحسب رذائلهم و يتخلصوا، و ذلك للكمال العلميّ و النقصان العلميّ كما خلص من الجهل و الشرك و تحلّى بالعلم و التوحيد، و لكن تراكمت على قلبه الهيئات المظلمة و الملكات الرديئة بسبب الأعمال السيئة و الأخلاق الذميمة.

و للعلم بالتوحيد و الجهل بالمعاد كالموحد المنكر للجزاء، فينهمك في المعاصي كما قال تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏[9]. و أمّا توفي اللّه تعالى، فهو للموحدين الذين عرجوا عن مقام القلب إلى محل الشهود فلم يبق بينهم و بين ربّهم حجاب، فهو يتولى قبض أرواحهم بنفسه و يحشرهم إلى نفسه‏ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (85)[10]، كما قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها[11].

ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏ بمنعها عن حقوقها التي اقتضتها استعداداتهم من الكمالات المودعة فيها فِيمَ كُنْتُمْ‏ حيث قصرتم في السعي لما قدرتم و فرّطتم في جنب اللّه، و قصرتم عن بلوغ كمالكم الذي هيئ لكم و ندبتم إليه‏ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ‏ في أرض الاستعداد الذي جبلنا عليه باستيلاء قوى النفس الأمّارة و غلبة سلطان الهوى بشيطان الوهم، أسرونا في قيودهم، و جبرونا على دينهم، و أكرهونا على كفرهم. قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً ألم تكن سعة استعدادكم بحيث تهاجروا فيها من مبدأ فطرتكم خطوات يسيرة، بحيث إذا ارتفعت عنكم بعض الحجب انطلقتم عن أسر القوى و تخلصتم عن قيود الهوى، و تقوّيتم بإمداد أعوانكم القوى الروحانية، و نصرتم بأنوار القلب، فخرجتم عن القرية، الظالم أهلها، التي هي مدينة النفس إلى بلد القلب الطيبة، فتداركتم رحمة ربكم الغفور فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ‏ نفوسهم الشديدة التوقان مع حصول الحرمان‏ وَ ساءَتْ مَصِيراًإِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ‏ أي:

أقوياء الاستعداد الذين قويت قواهم الشهوية و الغضبية مع قوّة استعدادهم فلم يقدروا على قمعها في سلوك طريق الحق و لم يذهبوا لقواهم الوهمية و الخيالية، فيبطلوا استعداداتهم بالعقائد الفاسدة فبقوا في أسر قواهم البدنية مع تنوّر استعدادهم بنور العلم و عجزهم عن السلوك برفع القيود وَ النِّساءِ أي: القاصرين الاستعداد عن درك الكمال العلمي، و سلوك طريق التحقيق، الضعفاء القوى و الأحلام، الذين قال في حقهم:«أكثر أهل الجنة البله».

وَ الْوِلْدانِ‏ أي: الناقصين القاصرين عن بلوغ درجة الكمال لغيرة تلحقهم من قبل صفات النفس‏ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً لعدم قدرتهم و عجزهم عن كسر صفات النفس و قمع الهوى بالرياضة وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا لعدم علمهم بكيفية السلوك و حرمانهم عن نور الهداية الشرعية فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ‏ بمحو تلك الهيئات المظلمة لعدم رسوخها و سلامة عقائدهم‏ وَ كانَ اللَّهُ عَفُوًّا العفو عن الذنوب ما دامت الفطرة لم تتغير غَفُوراً يستر بنور صفاته صفات نفوسهم.

 

 

 

 

 

[100]

[سورة النساء (4): آية 100]

وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100)

وَ مَنْ يُهاجِرْ أي مقارّ النفس المألوفة في سبيل طريق الحق بالعزيمة يَجِدْ في أرض استعداده مهاجر و مساكن و منازل كثيرة فيها رغم أنوف قوى نفسه الوهمية و الخيالية و البهيمية و السبعية و إذلالها وَ سَعَةً و انشراحا في الصدر عند الخلاص من ضيق صفات النفس و أسر الهوى‏ وَ مَنْ يَخْرُجْ‏ من المقام الذي هو فيه سواء كان مقرّ استعداده الذي جبل عليه أو منزلا من منازل النفس أو مقاما من مقامات القلب‏ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ‏ بالتوجه إلى توحيد الذات‏ وَ رَسُولِهِ‏ بالتوجه إلى طلب الاستقامة في توحيد الصفات‏ ثُمَّ يُدْرِكْهُ‏ الانقطاع قبل الوصول‏ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ‏ بحسب ما توجه إليه، فإن المتوجه إلى السلوك له أجر المنزل الذي وصل إليه، أي: المرتبة من الكمال الذي حصل له إن كان، و أجر المقام الذي وقع نظره عليه و قصده. فإنّ ذلك الكمال و إن لم يحصل له بحسب الملك و القدم لكنه اشتاق إليه بحسب القصد و النظر، فعسى أن يؤيده التوفيق بعد ارتفاع الحجب بالوصول إليه‏ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً يغفر له ما يمنعه عن قصده من الموانع‏ رَحِيماً يرحمه، بأن يهب له الكمال الذي توجه إليه و وقع نظره عليه.

 

 

 

 

 

[101- 104]

[سورة النساء (4): الآيات 101 الى 104]

وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101)

وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَ لْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى‏ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102)

فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (103)

وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (104)

و إذا سافرتم في أرض الاستعداد بالطريق العلميّ لطلب اليقين‏ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا أي: تنقصوا من الأعمال البدنية و أداء حقوق العبودية من الشكر و الحضور،لقوله عليه الصلاة و السلام: «من أوتي حظه من اليقين فلا يبالي بما انتقص من صلاته و صومه».

إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ‏ أي: يغويكم و يضلكم‏ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: حجبوا من قوى الوهم و التخيل و شياطين الإنس الضالين المضلين لما علم من‏ قوله صلى اللّه عليه و سلم: «لفقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد».

 

 

 

 

 

 [105- 108]

[سورة النساء (4): الآيات 105 الى 108]

إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (105)

وَ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106)

وَ لا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107)

يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى‏ مِنَ الْقَوْلِ وَ كانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108)

إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ‏ أي: علم تفاصيل الصفات و أحكام تجلياتها بالحق ملتبسا بالعدل و الصدق أو قائما بالحق لا بنفسك لتكون حاكما بين الخلق‏ بِما أَراكَ اللَّهُ‏ من عدله‏ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ‏ الذين لا يؤدّون أمانة اللّه التي أودعها عندهم في الأزل بما ركز في استعدادهم من إمكان كمال معرفته و خانوا أنفسهم و غيرهم بنهب حقوقهم و صرفها في غير وجهها خَصِيماً يدفع عنهم العذاب و تسليط اللّه الخلق عليهم بالإيذاء و يحج عنهم على غيرهم أو على اللّه بالاعتراض بأنه لم خذلهم و قهرهم فإنهم الظالمون لا حجة لهم بل الحجة عليهم‏ وَ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ‏ لنفسك بترك الاعتراض و الاحتجاج عنهم لنغفر تلوينك الذي ظهر عليك بوجود قلبك و بصفاته‏ وَ لا تُجادِلْ‏ ظهر تأويله من هذا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ‏ بكتمان رذائلهم و صفات نفوسهم التي هي معايبهم عنهم‏ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ‏ بإزالتها و قلعها و هو شاهدهم يعلم بواطنهم‏ إِذْ يُبَيِّتُونَ‏ أي: يقدّرون في عالم ظلمة النفس و الطبيعة ما لا يَرْضى‏ مِنَ الْقَوْلِ‏ من الوهميات و التخيلات الفاسدة التي يلفقونها في تحصيل أغراضهم من حطام الدنيا و لذاتها وَ كانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً يجازيهم بحسب صفاتهم و أعمالهم.

 

 

 

 

 

[109- 111]

[سورة النساء (4): الآيات 109 الى 111]

ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (110)

وَ مَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى‏ نَفْسِهِ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111)

ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ظاهر مما مرّ وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً بظهور صفة من صفات نفسه‏ أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ‏ بنقص شي‏ء من كمالاته التي هي مقتضى استعداده بتقصير فيه و ارتكاب عمل‏ ينافيه ثم يطلب من اللّه ستر تلك الصفة و الهيئة الساترة لكماله بالتوجه إليه و التنصل عن الذنب‏ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً يستر ذلك السوء و الهيئة المظلمة بنور صفته‏ رَحِيماً يهب ما يقتضيه استعداده.

 

 

 

 

 

[112]

[سورة النساء (4): آية 112]

وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (112)

وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً بظهور نفسه‏ أَوْ إِثْماً يمحو ما في استعداده و كسب هيئة منافية لكماله‏ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً بأن قال: حملني على ذلك فلان، و منعني عن طلب الحق فلان، و هذا جريمة فلان، كما هو عادة المتعللين بالأعذار فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً بنسبة فعله إلى الغير إذ لو لم يكن في نفسه ميل لما يضادّ كماله و مناسبة لمن وافقه و إطاعة لما قبل ذلك منه، فما كان إلا من قبل نفسه كما قال لهم الشيطان: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ‏[12] إذ لو لم يكن في نفوسهم ظلمة بكسبها و ظهور صفاتهم لم يكن فيهم محل لوسوسته و قابلية لدعوته‏ وَ إِثْماً مُبِيناً ظاهرا متضاعفا لتركبه من هيئة الخطيئة و الامتناع من الاعتراف، و نسبة التقصير إلى أنفسهم لتنكسر فتضعف عن الاستيلاء على القلب و حجبه عن الكمال.

 

 

 

 

 

[113- 124]

[سورة النساء (4): الآيات 113 الى 124]

وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَ ما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)

لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114)

وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى‏ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً (115)

إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (116)

إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (117)

لَعَنَهُ اللَّهُ وَ قالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (118)

وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَ مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (119)

يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (120)

أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ لا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121)

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (122)

لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَ لا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (123)

وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ لا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)

وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ‏ أي: توفيقه و إمداده لسلوك طريقه بما يخرج كمالك إلى الفعل و يبرز ما فيك كامنا من العلم‏ وَ رَحْمَتُهُ‏ هبته لذلك الكمال المطلق الذي أودعه فيك في الأزل و هي الرحمة التي ليس وراءها رحمة وَ ما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ‏ لكون الضلال ناشئا من أصل استعدادهم لكونهم مجبولين على الشقاوة أزلا فكيف يرجع ذلك الضلال المعجون فيهم إلى غيرهم.

وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ‏ أي: العلم التفصيلي التامّ بعد الوجود الموهوب‏ وَ الْحِكْمَةَ و علم أحكام التفاصيل و تجليات الصفات مع العمل به‏ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ‏ لأنه علم اللّه لا يعلمه إلا هو، فلما كشف لك عن ذاته بفنائك فيه ثم أبقاك بالوجود الحقانيّ فصار قلبك و حجبك بحجاب ذلك القلب علمك علمه، إذ الصفة تابعة للذات‏ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ‏ في إظهار هذا الكمال عليك بالتوفيق للعمل الذي أوصلك إلى ما أوصلك‏ عَظِيماً* لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ‏ فإنها فضول، و الفضول يجب تركها على السالك كماقال عليه الصلاة و السلام: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

 إِلَّا مَنْ أَمَرَ أي: إلا نجوى من أمر بِصَدَقَةٍ أي: بفضيلة السخاء التي هي من باب العفة أَوْ مَعْرُوفٍ‏ قوليّ كتعليم علم و حكمة من باب فضيلة الحكمة، أو فعليّ كإغاثة ملهوف و إعانة مظلوم من باب الشجاعة أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ‏ من باب العدالة وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ‏ أي: يجمع بين الكمالات المذكورة ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ‏ لا لطلب المحمدة أو الرياء و السمعة، فتصير به الفضيلة رذيلة فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً من جنات الصفات.

إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً أي: نفوسا، إذ كل من يشرك باللّه فهو عابد لنفسه بطاعة هواها، و عابد لشيطان الوهم بقبول إغوائه و طاعته، أو كل ما يعبد من دون اللّه لأنه ممكن و كل ممكن فهو متأثر عن الغير قابل لتأثيره محتاج إليه و هي صفة الإناث‏ نَصِيباً مَفْرُوضاً أي: غير المخلصين الذين أخلصوا دينهم بالتوحيد وَ لَآمُرَنَّهُمْ‏ بالعادات الفاسدة و الأهواء المردية و الأفعال الشنيعة المخالفة للعقل و الشرع‏ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الإيمان الحقيقيّ التوحيد، لأنهم في مقابلة المشركين‏ وَ عَمِلُوا ما يصلح لهم في الوصول إلى الجمع أو يصلح للناس أجمعين بالاستقامة في اللّه و باللّه بعد الفناء و حصول البقاء سَنُدْخِلُهُمْ‏ الجنات الثلاثة المذكورة لَيْسَ‏ حصول الموعود بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ‏ أي: ما بقيتم مع نفوسكم و صفاتها و أفعالها، فإرادتكم مجرّد تمن و التمني طلب ما يمتنع وجوده في العادة.

 

 

 

 

 

[125- 133]

[سورة النساء (4): الآيات 125 الى 133]

وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ وَ اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (125)

وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطاً (126)

وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَ ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى‏ بِالْقِسْطِ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127)

وَ إِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ وَ أُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَ إِنْ تُحْسِنُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128)

وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَ إِنْ تُصْلِحُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129)

وَ إِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَ كانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (130)

وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (131)

وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلاً (132)

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ ذلِكَ قَدِيراً (133)

وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً أي طريقا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ‏ أي: وجوده‏ لِلَّهِ‏ و أخلص ذاته من شوب الآنية و الإثنينية بالفناء المحض‏ وَ هُوَ مُحْسِنٌ‏ مشاهد للجمع في عين التفصيل، مراع لحقوق تجليات الصفات و أحكامها، سالك طريق الإحسان بالاستقامة في الأعمال‏ وَ اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ‏ في التوحيد حَنِيفاً مائلا عن كلّ شرك في ذاته و صفاته و أفعاله، و عن كلّ دين باطل، أي: طريق يؤدّي إلى إثبات فعل لغيره أو صفة أو ذات، إذ دينه دين الحق، أعني:سيره حينئذ سير إلى اللّه لا سير في اللّه بسلوك طريق الصفات، و لا إلى اللّه بقطع صفات النفس و مناهل صفات القلب، فلا دين أحسن من دينه.

وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا يخاله، أي: يداخله في خلال ذاته و صفاته بحيث لا يذر منها بقية، أو يسدّ خلله و يقوم بدل ما يفنى منه عند تكميله و فقره إليه. فالخليل و إن كان أعلى مرتبة من الصفي، لكنه أدون من الحبيب، لأن الخليل محبّ يوشك أن يتوهم فيه بقية غيرية، و الحبيب محبوب لا يتصوّر فيه ذلك. و لهذا ألقي في نار العشق دونه.

 

 

 

 

 

[134- 136]

[سورة النساء (4): الآيات 134 الى 136]

مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى‏ بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى‏ أَنْ تَعْدِلُوا وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136)

مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا بالوقوف مع هوى النفس فما له يطلب أخسّ الأشياء و يقف في أدنى المراتب‏ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ‏ الدارين جميعا، بالفناء فيه لأنه الوجود المحيط بالكلّ فلا يفوته شي‏ء وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً بأحاديث نفوسكم‏ بَصِيراً بنياتكم و إرادتكم بأعمالكم‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالتوحيد العلميّ و إرادة ثواب الدارين‏ كُونُوا ثابتين في مقام العدالة التي هي أشرف الفضائل‏ قَوَّامِينَ‏ بحقوقها بحيث تكون ملكة راسخة فيكم لا يمكن معها صدور جور و ميل منكم في شي‏ء، و لا ظهور صفة نفس لاتباع هوى في جذب نفع دنيوي أو دفع مضرّة. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالإيمان التقليديّ‏ آمَنُوا بالإيمان التحقيقيّ أو آمنوا بالإيمان العلمي، أو آمنوا بالإيمان العينيّ.

 

 

 

 

 

[137- 138]

[سورة النساء (4): الآيات 137 الى 138]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137)

بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا إلى آخره، أي: تحيروا و تردّدوا بين جهتي الربوبية العلوية و السفلية لشدّة النفاق و غلبة نور الفطرة تارة و استيلاء ظلمة النفس و الهوى أخرى، لاستواء الحالتين فيهم حتى استحكمت الهيئات المظلمة و ازدادت الحجب و رسخت العقائد الفاسدة و الملكات الكاسدة باستيلاء صفات النفس و استعلائها مطلقا فرانت على قلوبهم‏ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ‏ لمكان الرين الحاجب و فساد جوهر القلب و زوال الاستعداد وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا إلى الحق و لا إلى الكمال و لا إلى الفطرة الأصلية لعدم قبولهم الهداية و صرف عذابهم بالإيلام لمكان استعدادهم في الأصل.

 

 

 

 

 

[139- 149]

[سورة النساء (4): الآيات 139 الى 149]

الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139)

وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَ يُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَ الْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140)

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَ إِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَ نَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)

إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ وَ إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى‏ يُراؤُنَ النَّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142)

مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى‏ هؤُلاءِ وَ لا إِلى‏ هؤُلاءِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (144)

إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَ لَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145)

إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَ أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146)

ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ وَ كانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (147)

لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148)

إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149)

الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ لمناسبتهم إياهم في الاحتجاب‏ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ‏ لعدم الجنسية أَ يَبْتَغُونَ‏ التعزز بهم في الدنيا و التقوّي بمالهم و جاههم فلا سبيل إلى ذلك، و هم قد أخطئوا لأن العزة كلها صفة من صفات اللّه تعالى منيع القوى و القدر، له قوة القهر و الغلبة للكل فبقدر القرب منه و قبول نوره و قوّته و الاتصاف بصفاته تحصل العزة فهي بأهل الإيمان أولى و أهل الحجاب و الكفر بالزلة أولى‏ قامُوا كُسالى‏ لعدم شوقهم إلى الحضور و نفورهم عنه لظلمة استعدادهم باستيلاء الهوى‏ لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ لئلا يتعدّى إليكم كفرهم و احتجابهم بالصحبة و المخالطة فإنه لا شي‏ء أقوى تأثيرا من الصحبة و الميل إلى ولايتهم لا يخلو عن جنسية بينهم لوجود هوى كامن فيهم و ضراوة بعادة رديئة تشملهم لا يؤمن عليهم الوقوع في الكفر بغلبة الهوى و النفس.

سُلْطاناً مُبِيناً حجة ظاهرة في عقابكم برسوخ الهيئة التي بها تميلون إلى ولايتهم بصحبتهم و مجالستهم‏ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ‏ باعتبار زيادة عذابه و شدّة إيلامه و إحراقه لا باعتبار كونه أدون مرتبة، إذ تأثير النار في المنافق أشدّ و أكثر إيلاما لبقية استعداد فيه. و أمّا الكافر الأصلي البهيم فلعدم استعداده لا يتألم بعذابه كما يتألم المنافق و إن كان أسوأ حالا منه و أعظم عذابا و هوانا نَصِيراً ينصرهم من عذاب اللّه لانقطاع وصلتهم و ارتفاع محبّتهم مع أهل اللّه‏ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا رجعوا إلى اللّه ببقية نور الاستعداد و قبول مدد التوفيق‏ وَ أَصْلَحُوا ما أفسدوا من استعدادهم بقمع الهوى و كسر صفات النفس و رفع حجب القوى بالزهد و الرياضة وَ اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ‏ بالتمسك بحبل الإرادة و قوة العزيمة في التوجه إليه‏ وَ أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ‏ بإفناء موانع السلوك من صفات النفس و إزالة خفاء الشرك و قطع النظر عن الغير في السير فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ‏ الموقنين‏ أَجْراً عَظِيماً من مشاهدة تجليات الصفات و جنة الأفعال.

 

 

 

 

 

[150- 158]

[سورة النساء (4): الآيات 150 الى 159]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (150) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَ أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (151)

وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (152)

يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى‏ أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَ آتَيْنا مُوسى‏ سُلْطاناً مُبِيناً (153)

وَ رَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَ قُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154)

فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَ قَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155) وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلى‏ مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) وَ قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157)

بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158)

وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159)

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ‏ يحتجبون عن الحق و الدين و عن الجمع و التفصيل‏ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ‏ بالاحتجاب عن الدين دون الحق و التفصيل دون الجمع، فينكرون الرسل لتوهمهم وحدة منافية للكثرة و جمعا مباينا للتفصيل، و ذلك هو إيمانهم بالبعض و كفرهم بالبعض.

وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بين الإيمان بالكلّ جمعا و تفصيلا و الكفر بالكلّ طريقا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ‏ المحجوبون‏ حَقًّا بذواتهم و صفاتهم فإن معرفتهم وهم و غلط و توحيدهم زندقة ليسوا من الدين و لا من الحق في شي‏ء مُهِيناً يهينهم بوجود الحجاب و ذل النفس و صفاتها وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ‏ جمعا و تفصيلا أُجُورَهُمْ‏ من الجنات الثلاثة وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً يستر عنهم ذواتهم و صفاتهم التي هي ذنوبهم و حجبهم بذاته و صفاته‏ رَحِيماً يرحمهم بتمتيعهم بالجنات الثلاثة و بالوجود الموهوب الحقانيّ و البقاء السرمدي‏ كِتاباً مِنَ السَّماءِ علما يقينيا بالمكاشفة من سماء الروح‏ أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ‏ لأن المشاهدة أكبر و أعلى من المكاشفة بِظُلْمِهِمْ‏ بطلبهم المشاهدة مع بقاء ذواتهم إذ وجود البقية عند المشاهدة وضع الشي‏ء في غير موضعه و طلب المشاهدة مع البقية طغيان من النفس ينشأ من رؤيتها كمالات الصفات لنفسها و ذلك ظلم‏ سُلْطاناً تسلطا بالحجة عليهم بعد الإفاقة بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ‏ إلى قوله‏ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ‏ رفع عيسى عليه السلام اتصال روحه عند المفارقة عن العالم السفليّ بالعالم العلوي.

و كونه في السماء الرابعة إشارة إلى أن مصدر فيضان روحه روحانية تلك الشمس الذي هو بمثابة قلب العالم و مرجعه إليه و تلك الروحانية نور يحرّك ذلك الفلك بمعشوقيته و إشراق أشعته على نفسه المباشرة لتحريكه و لما كان مرجعه إلى مقرّه الأصليّ و لم يصل إلى الكمال الحقيقيّ وجب نزوله في آخر الزمان، بتعلّقه ببدن آخر و حينئذ يعرفه كل أحد فيؤمن به أهل الكتاب، أي: أهل العلم العارفين بالمبدأ و المعاد كلهم عن آخرهم قبل موت عيسى بالفناء في اللّه، و إذ آمنوا به يكون يوم القيامة أي يوم بروزهم عن الحجب الجسمانية و قيامهم عن حال غفلتهم و نومهم الذي هم عليه الآن‏ شَهِيداً شاهدهم يتجلى عليهم الحق في صورته كما أشير إليه.

 

 

 

 

 

 

[159- 161]

[سورة النساء (4): الآيات 160 الى 161]

فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160)

وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ وَ أَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَ أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161)

فَبِظُلْمٍ‏ عظيم‏ مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي: بعباداتهم عجل النفس و اتخاذه إلها و امتناعهم عن دخول القرية التي هي حضرة الروح و اعتدائهم في السبت بمخالفة الشرع و الاحتجاب عن كشف توحيد الأفعال و نقضهم ميثاق اللّه و احتجابهم عن تجليات الصفات الذي هو كفرهم بآيات اللّه و الانغماس في الرذائل كلها، كقتل الأنبياء و الافتراء على اللّه بكون قلوبهم غلفا أي:

مغشاة بحجب خلقية لا سبيل إلى رفعها و بهتانهم على مريم، و ادعائهم قتل عيسى عليه السلام من الخصال التي اجتماعها ظلم لا يعرف كنهه‏ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ‏ جنات النعيم من تجليات الأفعال و الصفات و شهود الذات التي هي طيبات لا يعرف كنهها أُحِلَّتْ لَهُمْ‏ بحسب قابلية استعدادهم لو لا هذه الموانع‏ وَ بِصَدِّهِمْ‏ الناس بصحبتهم و مرافقتهم و دعوتهم إلى الضلال أو بصدّ قواهم الروحانية عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراًوَ أَخْذِهِمُ‏ ربا فضول العلوم كالخلاف و الجدل و اللذات البدنية و الحظوظ التي نهوا عنها وَ أَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ‏ برذيل الحرص و الطبع كأخذ الرشا و أجر التزويرات و التلبيسات أو استعمال علوم القوى الروحانية بين الفكر و العقل النظريّ و العلميّ في تحصيل المآكل و المشارب و كسب الحطام، و تحصيل اللذات و الشهوات الحسيّة و المآرب السبعية و البهيمية عذابا مؤلما لوجود استعدادهم.

 

 

 

 

 

[162- 164]

[سورة النساء (4): الآيات 162 الى 164]

لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَ الْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162)

إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى‏ نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ عِيسى‏ وَ أَيُّوبَ وَ يُونُسَ وَ هارُونَ وَ سُلَيْمانَ وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163)

وَ رُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى‏ تَكْلِيماً (164)

لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏ أي: المحققون‏ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ‏ بالإيمان التقليدي المطابق الثابت‏ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏ إلى آخره، أي: يتّصفون بالتزكية و التحلية وَ الْمُؤْمِنُونَ‏ الموحدون بالتوحيد العيانيّ‏ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ المعاينون لأحوال المعاد على ما هو عليه‏ أَجْراً عَظِيماً من حظوظ تجليات الصفات و جناتها.

 

 

 

 

 

[165- 170]

[سورة النساء (4): الآيات 165 الى 170]

رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (165)

لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ الْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً (166)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (167)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168)

إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (169)

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (170)

رُسُلًا مُبَشِّرِينَ‏ بتجليات صفات اللطف‏ وَ مُنْذِرِينَ‏ بتجليات صفات القهر لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ ظهور و سلطنة بوجود صفة ما بعد رفعها و محوها بإمداد الرسل‏ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً قويا يقهرهم بمحو صفاتهم و إفناء ذواتهم‏ حَكِيماً لا يفعل ذلك إلا بحكمة اتصافهم بصفاته أو بقائهم بذاته. لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ‏ لكونك في مقام الجمع و هم محجوبون لا يقرّون به بل هو يشهد أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ‏ ملتبسا بعلمه، أي: في حالة كونه عالما به بحيث أنه علمه الخاص لا علمك و لا علم غيرك من غيره.

وَ الْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ‏ لكونك مراعيا للتفصيل في غير الجمع فهو الشاهد بذاته و بأسمائه و صفاته‏ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً أي: الذات مع الصفات تكفي في الشهادة إذ لا موجود غيره‏ كَفَرُوا حجبوا عن الحق لكون ضلالهم‏ بَعِيداً* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا حجبوا عن الدين‏ وَ ظَلَمُوا منعوا استعداداتهم عن حقوقها من الكمال بارتكاب الرذائل و تسليط صفات النفس على قلوبهم‏ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ‏ لرسوخ هيئات الرذائل فيهم و بطلان الاستعداد وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً لجهلهم المركب و اعتقادهم الفاسد و عدم علمهم بطريق ما من طرق الكمال‏ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ‏ نيران أشواق نفوسهم إلى ملاذها مع حرمانهم عنها وَ كانَ ذلِكَ‏ سهلا على اللّه لانجذابهم إليها بالطبيعة.

 

 

 

 

 

[171]

[سورة النساء (4): آية 171]

يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلاً (171)

يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ‏ أما اليهود فبالتعمق في الظاهر و نفي البواطن و حط عيسى عن درجة النبوّة و مقام الاتصاف بصفات الربوبية. و أما النصارى فبالتعمق في البواطن و نفي الظواهر و رفع عيسى إلى مقام الألوهية وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ‏ بالجمع بين الظواهر و البواطن و الجمع و التفصيل كما هو عليه التوحيد المحمديّ، و القول: بكون عيسى مظهر الصفات الإلهية، حيا بحياته داعيا إلى مقام توحيد الأوصاف‏ كَلِمَتُهُ‏ نفسا مجرّدة هي كلمة من كلمات اللّه، أي: حقيقة من حقائقه الروحانية و روحا من أرواح‏ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ‏ بالجمع و التفصيل‏ وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ بزيادة الحياة و العلم على الذات، فيكون الإله ثلاثة أشياء و يكون عيسى جزء من حياته بالنفخ أو بالتفرقة بين ذات الحق و عالم النور و عالم الظلمة، فيكون عيسى متولدا من نوره.

بل قولوا بالكل من حيث هو كلّ فيكون العلم و الحياة عين الذات و كذا عالم النور و الظلمة. و يكون عيسى فانيا فيه موجودا بوجوده، حيّا بحياته، عالما بعلمه، و ذلك وحدته الذاتية المعبر عنها بقوله‏ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ‏ نزّهه عن أن يكون موجود غيره، فيتوّلد منه و ينفصل و يجانسه بأنه موجود مثله، بل هو الموجود من حيث هو وجود.

لَهُ ما فِي السَّماواتِ‏ الأرواح‏ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏ الأجساد بكونها أسماءه و ظاهره و باطنه‏ وَكِيلًا يقوم مقام الخلق في أفعالهم و صفاتهم و ذواتهم عند فنائهم في التوحيد، كماقال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: «لا إله إلّا اللّه بعد فناء الخلق».

 

 

 

 

 

 [172]

[سورة النساء (4): آية 172]

لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَ يَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172)

لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ‏ في مقام التفصيل، إذ باعتبار الجمع لا وجود للمسيح و لا لغيره فلا ممكن أصلا. و أما باعتبار التفصيل فكلّ ما ظهر بتعين فهو ممكن، و الممكن لا وجود له بنفسه فضلا عن شي‏ء غيره فيكون عبدا محتاجا ذليلا مفتقرا غير مستنكف عن ذلّة العبودية و إن كان غنيّا عن تعلق الأجسام بالتجرّد المحض و التقدّس عن دنس الطبائع كالملائكة المقرّبين الذين هم الأرواح المجرّدة و الأنوار المحضة وَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ‏ بظهور أنيته‏ وَ يَسْتَكْبِرْ بطغيانه في الظهور بصفاته‏ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً بظهور نور وجهه و تجليه بصفة قاهريته حتى يفنوا بالكلية في عين الجمع، كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ[13]، و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «إنّ للّه تعالى سبعين ألف حجاب من نور و ظلمة، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».

 

 

 

 

 

 [173- 174]

[سورة النساء (4): الآيات 173 الى 174]

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَ اسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (173)

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174)

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالفناء في عين الجمع بمحو الصفات و طمس الذات‏ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ بالاستقامة في الأعمال و مراعاة تفاصيل الصفات و تجلياتها فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ‏ و صفاتهم من جنات صفاته‏ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ‏ بالوجود الموهوب بعد الفناء في الذات‏ وَ أَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا بظهور أنيتهم‏ وَ اسْتَكْبَرُوا طغوا عند تجليات الصفات و تنوّرهم بنورها، فظهروا بها و نسبوها إلى أنفسهم كمن قال: أنا ربّكم الأعلى.

فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً باحتجابهم ببقايا ذواتهم و صفاتهم و حرمانهم عن مقام الجمع‏ وَ لا يَجِدُونَ‏ غير اللّه‏ وَلِيًّا يواليهم برفع حجاب الذات‏ وَ لا نَصِيراً ينصرهم في رفع حجاب الصفات البرهاني و هو التوحيد الذاتي و النور المبين و هو التفصيل في عين الجمع، أي: القرآن الذي هو علم الجمع و الفرقان الذي هو علم التفصيل.

 

 

 

 

[175- 176]

[سورة النساء (4): الآيات 175 الى 176]

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَ فَضْلٍ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (175)

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَ هُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَ إِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَ نِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (176)

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالتوحيد الذاتي و اعتصموا به أي: في كثرة الصفات و تفرّقها و راعوا الجمع في التفاصيل‏ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ من جنات الصفات التي لا يعرف كنهها وَ فَضْلٍ‏ من جنات الذات‏ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً بالاستقامة إلى الوحدة في تفاصيل الكثرة أو رحمة من جنات الأفعال و فضل من جنات الصفات، و يهديهم إليه صراطا مستقيما من تفاصيل الصفات إلى الفناء في الذات، و الأولى أولى بهذا المقام، و لك التطبيق على تفاصيل وجودك و أحوالك في نفسك حيث أمكن من هذه السورة على القاعدة التي مرّت في سورة (آل عمران) و اللّه تعالى أعلم.


[1] ( 1) سورة إبراهيم، الآية: 34.

[2] ( 2) سورة غافر، الآية: 40.

[3] ( 1) سورة الحشر، الآية: 9.

[4] ( 1) سورة المائدة، الآية: 67.

[5] ( 1) سورة ص، الآية: 24.

[6] ( 1) سورة الأنعام، الآية: 164.

[7] ( 2) سورة النحل، الآية: 32.

[8] ( 3) سورة النحل، الآية: 28.

[9] ( 1) سورة السجدة، الآية: 11.

[10] ( 2) سورة مريم، الآيه: 85.

[11] ( 3) سورة الزمر، الآية: 42.

[12] ( 1) سورة إبراهيم، الآية: 14.

[13] ( 1) سورة غافر، الآية: 9.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=