تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة يونس
(10) سورة يونس مكيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة يونس (10): الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (1) أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (2)
«وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا» و هم أهل السعادة
[قدم صدق]
«أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ» أي سابق عناية عند ربهم في علم اللّه، و صحت لهم هذه القدم قبل كونهم حيث لا قبل في علم اللّه، خصوصية منه جل علاه لهم، و هي الرحمة التي كتبها على نفسه، و قدم الصدق هذه تعطي ثبوت أهل الجنات في جناتهم، و لهذا قال في أهل الجنان عطاء غير مجذوذ، فما وصفه بالانقطاع، فقال تعالى: «أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ» أي سابقة بأمر قد أعلمهم به قبل أن يعطيهم ذلك، ثم أعطاهم فصدق فيما وعدهم به، و اعلم أن من المتشابه صفة القدم، فإنه ثبت في الصحيح من حديث أنس رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة قدمه، فتقول قط قط و عزتك] و قد مهدنا أن الصورة المنسوبة إلى اللّه تعالى هي ظلل غمام الشريعة، و أن وجهه منها هو بارق نور التوحيد، و مظهره الإخلاص، و على هذا فالقدم هي نور الإيمان، و مظهره الصدق، و هذا هو القدم الذي تستغيث النار من نوره كما جاء في حديث أبي سمية،
قال:سألت جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه عن الورود، قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول: [الورود الدخول، لا يبقى بر و لا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا و سلاما، كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجا من بردهم] و في حديث يعلى رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [إن النار لتنادي جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي] أخرجهماأبو عبد اللّه محمد الترمذي الحكيم، و ذكر القرطبي حديث يعلى عن أبي بكر النخاد، و هذا يحقق أن القدم فيما ذكرناه أمران: أحدهما أن نور الإيمان يكفر جميع أسباب الكفر و المعاصي، و هي أسباب، فكما يطفئ أسبابها في الدنيا، فكذلك حقيقته تطفئ حقيقتها في الآخرة، و الثاني نسبته إلى رب العزة، و هو صاحب العزة و مالكها، و العزة إن كانت جميعا للّه تعالى بمقتضى قوله تعالى: (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) لكنه قد نسبها لرسوله و للمؤمنين في قوله تعالى: (وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ) فما من مؤمن إلا و هو صاحب العزة، فإذا وضع قدمه حق للنار أن تضج منه و تنزوي و تنطفئ نارها بما له من نور العزة، و جاء في حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه عند مسلم [فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع اللّه تبارك و تعالى رجله فتقول: قط قط، فهناك تمتلئ و تنزوي بعضها إلى بعض، فلا يظلم اللّه من خلقه أحدا] و ذكر الحديث،
و هو غير مناف لما ذكرناه، و مرجعه للحديث الصحيح [و لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به- إلى قوله- و رجله التي يمشي بها] فإنه يقتضي تحقق رجل المؤمن بنور التوحيد، حتى تكون منسوبة إلى اللّه تعالى، و حينئذ فهو موافق لما تقدم من القدم، و انزواؤها بعضها إلى بعض فيه حكمتان: إحداهما أنها عند ما تضج بسبب نور العزة من أقدام المؤمنين، فيخرجون منها، لخلو مواضعهم، فلو بقيت كذلك لما كانت مملوءة، و هو مناف لقوله تعالى: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) الآية، و أيضا ربما كان في ذلك تخفيف على أهلها، فاقتضت الحكمة أنها حينئذ تنضم و تجتمع على أهلها المتكبرين و تمتلئ بهم، تحقيقا للوعيد و زيادة في العذاب، و الحكمة الثانية أنها لو بقيت مواضع المؤمنين خالية من النار، لم يتم لهم سرورهم بالأمن منها، لعلمهم بأن اللّه وعدها أنه يملؤها، فربما توقعوا الإعادة، فكان في انزوائها و انضمامها على أهلها و امتلائها بهم تأمين للمؤمنين، كما ذبح الموت بين الفريقين تحقيقا للخلود- إشارة- اعلم أن نعلي قدم الصدق هما الخوف و الرجاء [راجع قوله تعالى لموسى عليه السلام (اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس) سورة طه آية رقم (12)].
[سورة يونس (10): آية 3]
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (3)
راجع الأعراف آية 54 «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» العرش له الإحاطة بالأجسام، و له الأولية في الأفلاك فما تحتها، فهو الأول المحيط، فاختاره الحق للاستواء لما بين الصفتين، و إن كان العرش هو الملك، فكل شيء ما سوى اللّه ملكه، و السموات و الأرض في جوف الكرسي كحلقة في فلاة، و الكرسي في جوف العرش كحلقة في فلاة «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ» اعلم أن حكم المدبر في الأمور إحكامها في موضع الجمع و الشهود، و إعطاؤها ما تستحقه، و هذا كله قبل وجودها في أعيانها، فالتدبير هو التقدير، فقوله تعالى «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ» يعني أن الحق على الحقيقة هو مدبر العالم، و ما وصف نفسه بذلك إلا ليعرفنا أنه ما عمل شيئا إلا ما تقتضيه حكمة الوجود، و أنه أنزله موضعه الذي لو لم ينزله فيه لم يوف الحكمة حقها، فلم يزل الحق في أزله مدبرا، و لا بد أن يكون تدبيره في مدبّر معيّن له، و ليس إلا أعيان الممكنات، فهي مشهودة له في حال عدمها، فإنها ثابتة، فيدبر فيها ما يكون من تقدم بعضها على بعض، و تأخرها في تكوين أعيانها و صور ما توجد فيها، و هنالك هو سر القدر الذي أخفى اللّه تعالى علمه عن خلقه، حتى يظهر الحكم به في الصور الموجودة في رأي العين «ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ» الأنبياء و المؤمنون يشفعون في أهل الإيمان، و أهل الإيمان طائفتان: منهم المؤمن عن نظر و تحصيل دليل، و هم الذين علموا الآيات و الدلالات و المعجزات، و هؤلاء هم الذين يشفع فيهم النبيون، و منهم المؤمن تقليدا بما أعطاه أبواه إذ ربياه أو أهل الدار التي نشأ فيها، فهذا النوع يشفع فيهم المؤمنون كما أنهم أعطوهم الإيمان في الدنيا بالتربية، و أما الملائكة فتشفع فيمن كان على مكارم الأخلاق في الدنيا و إن لم يكن مؤمنا، و ما ثم شافع رابع، و بقي من يخرجه أرحم الراحمين من النار، و هم الذين ما عملوا خيرا قط، لا من جهة الإيمان و لا بإتيان مكارم الأخلاق، غير أن العناية سبقت لهم أن يكونوا من أهل الجنة «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ».
[سورة يونس (10): آية 4]
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (4)
[ «إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ»]
«إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ» ما سمي الخلق خلقا إلا بما يخلق منه، فالخلق جديد، و فيه حقيقة اختلاق، لأنك تنظر إليه من وجه فتقول: هو حق، و تنظر إليه من وجه فتقول: هو خلق، و هو في نفسه لا حق و لا غير حق، فإطلاق الحق عليه و الخلق كأنه اختلاق، فغلب عليه هذا الحكم فسمي خلقا، و انفرد الحق باسم الحق «ثُمَّ يُعِيدُهُ» الإعادة تكرار الأمثال أو العين في الوجود، و ذلك جائز و ليس بواقع، أعني تكرار العين، للاتساع الإلهي، و لكن الإنسان في لبس من خلق جديد، فهي أمثال يعسر الفصل فيها لقوة الشبه،
فالإعادة إنما هي في الحكم، مثل السلطان يولي واليا ثم يعزله، ثم يوليه بعد عزله، فالإعادة في الولاية، و الولاية نسبة لا عين وجودي، أ لا ترى الإعادة يوم القيامة إنما هي في التدبير، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قد ميّز بين نشأة الدنيا و النشأة الآخرة، و الروح المدبّر لنشأة الدنيا عاد إلى تدبير نشأة الآخرة، فهي إعادة حكم و نسبة لا إعادة عين فقدت ثم وجدت، فالأعيان التي هي الجواهر ما فقدت من الوجود حتى تعاد إليه، بل لم تزل موجودة العين، و لا إعادة لموجود في الوجود فإنه موجود، و إنما هي هيآت و امتزاجات نسبية، فلا إعادة في الكون، و إنما الإعادة في نشء الآخرة إعادة حكم إلهي في حق أمر مخصوص، بمنزلة من خرج من دار ثم عاد إليها، فالدار الدار و الخارج الداخل، و ما ثمّ إلا انتقال في أحوال لا ظهور أعيان، مع صحة إطلاقها أن الخارج من الدار عاد إلى داره.
[سورة يونس (10): آية 5]
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)
«هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً» تضيء كل ما أشرقت عليه، فهي ضياء لوجود روح الحياة في العالم كله، و جعلها اللّه ضياء يكشف به كل ما تنبسط عليه لمن كان له بصر، فإن الكشف إنما يكون بضياء النور لا بالنور، فإن النور ما له سوى تنفير الظلمة، و بالضياء يقع الكشف، فالضوء لا يكون معه حجاب عما يكشفه، فجعل اللّه تعالى الشمس ضياء، فهي ضياء بالجعل نور بالذات، كما جعل «الْقَمَرَ نُوراً» فهو نور بالجعل و هو بالذات محو «وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ» «و القمر» و لم يسمه بدرا و لا هلالا، فإنه في هاتين الحالتين ما له سوى منزلة واحدة، بل اثنتين، فلا يصدق قوله «مَنازِلَ» إلا في القمر، فللقمر درج التداني و التدلي، و له الأخذ بالزيادة و النقص، فهو يتغير في أحواله نورا «وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ» مقادير التقسيم التي في فلك البروج عيّنها الحق تعالى لنا، إذ لم يميزه البصر بهذه المنازل المعينة في الفلك المكوكب، و اسمه فلك المنازل، و هو من تقدير العزيز العليم، و جعلها ثماني و عشرين منزلة، مقسمة على اثني عشر برجا، فكل برج منزلتان و ثلث، و القمر أحد السبعة، الجواري السبع التي في السموات السبع، و التي تقطع في فلك البروج بين سريع و بطيء، و يوم كل كوكب منها بقدر قطعه فلك البروج، و أسرعها قطعا القمر، فإن يومه ثمانية و عشرون يوما من أيام الدورة الكبرى التي تقدر بها هذه الأيام، و هي الأيام المعهودة عند الناس، فأقصر أيام الكواكب يوم القمر، و مقداره ثمانية و عشرون يوما مما تعدون، و اعلم أن أصغر الأيام هي التي نعدها حركة الفلك المحيط، الذي يظهر في يومه الليل و النهار، فأقصر يوم عند العرب و هو هذا، لأكبر فلك، و ذلك لحكمه على ما في جوفه من الأفلاك، إذ كانت حركة ما دونه في الليل و النهار حركة قسرية له، قهر بها سائر الأفلاك التي يحيط بها، و لكل فلك حركة طبيعية تكون له مع الحركة القسرية، فكل فلك دونه ذو حركتين في وقت واحد، حركة طبيعية و حركة قسرية، و لكل حركة طبيعية في كل فلك يوم مخصوص، يعدّ مقداره بالأيام الحادثة عن الفلك المحيط، المعبر عنه بقوله تعالى: (مِمَّا تَعُدُّونَ)* و كلها تقطع في الفلك المحيط، فكلما قطعته على الكمال كان يوما لها، و يدور الدور، فأصغر الأيام منها هو ثمانية و عشرون يوما مما تعدون، و هو مقدار قطع حركة القمر في الفلك المحيط، و نصب اللّه هذه الكواكب السبعة في السموات ليدرك البصر قطع فلكها في الفلك المحيط لنعلم عدد السنين و الحساب، فلكل كوكب منها يوم مقدّر، يفضل بعضها على بعض، على قدر سرعة حركاتها الطبيعية أو صغر أفلاكها «لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ» بسير القمر في منازله و الشمس فيها- فلك المنازل- راجع سورة يس آية- 39- «ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ».
[سورة يونس (10): آية 6]
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6)
المتقي يتولى اللّه تعليمه فلا يدخل علمه شك و لا شبهة، فهو صاحب بصيرة، و المتفكر بين البصر و البصيرة، لم يبق مع البصر و لا يخلص للبصيرة، فهو ناظر إلى قوة مخلوقة، فيصيب و يخطئ، و إذا أصاب يقبل دخول الشبهة عليه بالقوة التي أفادته الإصابة.
[سورة يونس (10): الآيات 7 الى 10]
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (7) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (10)
[الحمد للّه هو آخر دعوى السعداء]
الحمد للّه هو آخر دعوى السعداء، و يرجع الأمر على الابتداء، و هكذا تكون الدرجات في الجنان، و الأحوال على ترتيب ما كان عليه الإنسان، فالحمد للّه تملأ الميزان، و هي آخر موضوع، و لا إله إلا اللّه تثبت الإيمان، و هي أول مسموع، فالحمد للّه رب العالمين، و نعمت العاقبة للمتقين، فإن الحمد للّه هو أول ما تكلم به أول إنسان في نشئه، و هو آخر دعواهم، فبدأ العالم بالثناء و ختم بالثناء، و ذلك عند قول اللّه لأهل الجنة: رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا، فالحمد للّه له التأخير في الأمور، فهي تملأ الميزان، فإن آخر ما يجعل في الميزان سبحان اللّه و بحمده، فبها يمتلئ، فالتحميد يأتي عقيب الأمور، ففي السراء يقال: (الحمد لله المنعم المفضل) و في الضراء يقال: (الحمد لله على كل حال).
[سورة يونس (10): الآيات 11 الى 12]
وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (12)
فإن الإنسان لو نشأ على الخير و النعم طول عمره لم يعرف قدر ما هو فيه حتى يبتلى، فإذا مسه الضر عرف قدر ما هو فيه من النعم و الخيرات، عند ذلك عرف قدر المنعم.
[سورة يونس (10): آية 13]
وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13)
اعلم أن اللّه ما ذكر أخبار القرون الماضية إلا لنكون على حذر من الأسباب التي أخذهم بها أخذته الرابية، و بطش بهم البطش الشديد، و أما الموت فأنفاس معدودة، و آجال محدودة، و ليس الخوف إلا من أخذه و بطشه لا من لقائه، فإن لقاءه يسر الولي، و الموت سبب اللقاء، فهو أسنا تحفة يتحفها المؤمن، فكيف به إذا كان عالما، بخ على بخ
[سورة يونس (10): الآيات 14 الى 16]
ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (16)
«قُلْ» أمر من الحق تعالى إلى نبيه صلّى اللّه عليه و سلم، فقال، «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْراكُمْ بِهِ» و لكنه شاء فتلوته عليكم و أدراكم به، يقول: فهمكم إياه فعلمتم أنه الحق.
[سورة يونس (10): الآيات 17 الى 18]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)
[للمشرك ضرب من التوحيد]
إن للمشرك ضربا من التوحيد، أعني توحيد المرتبة الإلهية العظمى، فإن المشرك جعل الشريك شفيعا عند اللّه، فوحد هذا المشرك اللّه في عظمته، ليست للشريك عنده هذه الرتبة، إذ لو كانت له ما اتخذه شفيعا، و الشفيع لا يكون حاكما، فلهم رائحة من التوحيد، و إن لم يخرجوا من النار لا يبعد أن يجعل اللّه لهم فيها نوعا من النعيم في الأسباب المقرون بها الآلام.
[سورة يونس (10): الآيات 19 الى 22]
وَ ما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20) وَ إِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (21) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)
ما قدم تعالى البر على البحر و تهمم بتقديمه إلا ليعلم أنه من قدر على البر لا يسافر في البحر إلا من ضرورة، فلو لا أن للّه فيه سرا ما قدمه و ما أخر البحر، إلا إذا لم يجد المسافر سبيلا إلى البر، فإنه من التزم تقديم ما قدم اللّه رأى خيرا في حركاته، و كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول: لو لا هذه الآية ثم يتلو «هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ» لضربت بالدرة من سافر في البحر.
و لو لم يكن في الإشارة إلى ترك السفر إلا قوله في ذلك (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) لكانت هذه الآية كافية «حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ» بالأخذ، من أحاط بهم العدو، فلا يجدون مفلتا و لا منفذا «دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» عند ما رأوا آيات اللّه غير المعتادة تنبهوا من غفلتهم، فدعوا اللّه مخلصين له الدين «لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ» الآية، و هو ما وقع بهم من العذاب و الهلاك «لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ».
[سورة يونس (10): آية 23]
فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)
«فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ» فعادوا إلى شركهم و بغيهم بعد إخلاصهم للّه «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا» و هكذا يقولون في النار (يا لَيْتَنا نُرَدُّ) يقول تعالى (وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا) كما عاد أصحاب الفلك إلى شركهم و بغيهم بعد إخلاصهم للّه «ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ».
[سورة يونس (10): آية 24]
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)
«كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» فيما أخفاه اللّه من غامض حكمته في أحكامه، و اعلم أن اللّه تعالى أعطانا قوة الفكر لننظر بها فيما يعرفنا بأنفسنا و به، و لننظر بها في الآيات في الآفاق و في أنفسنا ليتبين لنا بذلك أنه الحق، و اختلفت الأمزجة و الأمشاج، فاختلفت المقالات في اللّه اختلافا كثيرا من قوة واحدة و هي الفكر، و ما جعل اللّه تعالى الفكر إلا ليعلم أنه لا يعلم أمر من الأمور إلا باللّه، لا ليعلم العقل اللّه تعالى به، فيكون طلسما على العقول.
[سورة يونس (10): آية 25]
وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)
«وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ» فإن اللّه تعالى الهادي إليها، و السلام اسمه تعالى، و العارفون لا يزالون يسمعون دعاء الحق في قلوبهم مع أنفاسهم؛ فهم ينتقلون من حال إلى حال بحسب ما يدعوهم إليه الحق، و هكذا المؤمنون الصادقون في الدنيا، بما دعاهم الشرع إليه في جميع أفعالهم، و إجابتهم هي العاصمة لهم من وقوعهم في محظور، فهم ينتقلون من حال إلى حال لدعاء ربهم إياهم، فهو داع أبدا، و العارف غير محجوب السمع فهو مجيب أبدا، جعلنا اللّه ممن شق سمعه دعاء ربه، و شق بصره لمشاهدة تجليه، فالتجلي لا ينقطع، فشهود الحق ما لا يرتفع، فدوام لدوام، و اهتمام لاهتمام.
[سورة يونس (10): آية 25]
وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)
«وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ» فإن اللّه تعالى الهادي إليها، و السلام اسمه تعالى، و العارفون لا يزالون يسمعون دعاء الحق في قلوبهم مع أنفاسهم؛ فهم ينتقلون من حال إلى حال بحسب ما يدعوهم إليه الحق، و هكذا المؤمنون الصادقون في الدنيا، بما دعاهم الشرع إليه في جميع أفعالهم، و إجابتهم هي العاصمة لهم من وقوعهم في محظور، فهم ينتقلون من حال إلى حال لدعاء ربهم إياهم، فهو داع أبدا، و العارف غير محجوب السمع فهو مجيب أبدا، جعلنا اللّه ممن شق سمعه دعاء ربه، و شق بصره لمشاهدة تجليه، فالتجلي لا ينقطع، فشهود الحق ما لا يرتفع، فدوام لدوام، و اهتمام لاهتمام.
[سورة يونس (10): آية 26]
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ وَ لا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَ لا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (26)
«لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا» بالأعمال «الْحُسْنى» بما لهم من الأجور، بل بما للأعمال من الأجور، فمعيّن لمعيّن، و هو الحد، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف «فللذين أحسنوا الحسنى» جزاء، و زاد غير معيّن فقال: «وَ زِيادَةٌ» و هو قوله تعالى: (وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) و هو ما جاوز الحد، فزيادة الإحسان بعد العدل، و هو الفضل ما زاد على المثل، و هو ما لم يخطر بالبال، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [إن في الجنة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر] فلا بد أن يكون غير معلوم للبشر.
[سورة يونس (10): الآيات 27 الى 32]
وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (27) وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَ شُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَ قالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (29) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (30) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ مَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ مَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ (31)
فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)
«فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ» فهذا توحيد أشار به الحق، يدل عليه إما العقل السليم أو الشرع المعصوم، فإذا لم يكن حقا «فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ» و ليس إلا الخلق، و الضلال حيرة، فالحق الوجود و الضلال الحيرة، و بالخلق ظهر حكم الضلال، ففي الخلق تاه الخلق، «فَأَنَّى تُصْرَفُونَ» أي كيف تصرفون عن معرفة هذه الحقائق، و من صرف عن الحق أين يذهب؟ فما عدا هذين القرينين العقل و الشرع، يقول بخلاف ذلك و يصرف الألوهية إلى ما يراه.
[سورة يونس (10): آية 33]
كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (33)
فمن حقت عليه كلمة اللّه بأمر فإنه يعمل في غير معمل، و يطمع في غير مطمع.
[سورة يونس (10): آية 34]
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34)
[قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ]
البدء افتتاح وجود الممكنات على التتالي و التتابع، لكون الذات الموجدة له اقتضت ذلك من غير تقييد بزمان، إذ الزمان من جملة الممكنات الجسمانية، فكان في مقابلة وجود الحق أعيان ثابتة موصوفة بالعدم أزلا، و هو الكون الذي لا شيء مع اللّه فيه، إلا أن وجوده أفاض على هذه الأعيان على حسب ما اقتضته استعداداتها، فتكونت لأعيانها لا له من غير بينية تعقل أو تتوهّم، و سبب عزة ذلك، الجهل بذات الحق، و كان البدء عن نسبة أمر فيه رائحة جبر، إذ الخطاب لا يقع إلا على عين ثابتة معدومة، عاقلة سميعة عالمة بما تسمع، بسمع ما هو سمع وجود و لا عقل وجود و لا علم وجود، فالبدء حالة مستصحبة قائمة لا تنقطع، فإن معطي الوجود لا يقيده ترتيب الممكنات، فالنسبة منه واحدة، فالبدء ما زال و لا يزال، فكل شيء من الممكنات له عين الأولية في البدء، ثم إذا نسبت الممكنات بعضها إلى بعض، تعيّن التقدم و التأخر، لا بالنسبة إليه سبحانه.
[سورة يونس (10): الآيات 35 الى 36]
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَ ما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (36)
اعلم أنه من أقام في نفسه معبودا يعبده على الظن لا على القطع، خانه ذلك الظن و ما أغنى عنه من اللّه شيئا.
[سورة يونس (10): الآيات 37 الى 42]
وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) وَ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَ رَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) وَ إِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَ لَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41)
وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (42)
حقيقة السمع الفهم عن اللّه فيما يتلوه عليك سبحانه و تعالى، لتعقل عنه إن كنت عالما، و الصمم آفة تمنع من إدراك تلاوة الحق عليك من القرآن و من خارج.
[سورة يونس (10): الآيات 43 الى 44]
وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَ لَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (43) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44)
«إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً» كلمة تحقيق، فإن الناس لا يملكون شيئا حتى يكون من يأخذ منهم بغير وجه حق غاصبا، فكل ما يقال فيه إنه ملك لهم فهو ملك اللّه، و من ذلك أعمالهم «وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» فكنى سبحانه عن نفسه «بأنفسهم» لما وقع الظلم في العالم، فلو كان ما عند الناس ملكا لهم ما حجر اللّه عليهم التصرف فيه، و لا حدّ لهم فيه حدودا متنوعة، فهذا يدلك على أن أفعال المكلّف ما هي له إنما هي للّه، فالظلم على الحقيقة في الناس دعواهم فيما ليس لهم أنه لهم، فما عاقبهم اللّه إلا على دعواهم الكاذبة.
[سورة يونس (10): الآيات 45 الى 47]
وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ (45) وَ إِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (46) وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (47)
قال تعالى: «وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ» و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في الكلاب: إنها أمة من الأمم، فما من شيء في الوجود إلا و هو أمة من الأمم، فالطفل الرضيع و جميع الحيوان لهم تكليف إلهي برسول منهم في ذواتهم، لا يشعر به، و إن الصغير إذا كبر و كلف لا يشعر و لا يتذكر تكليفه في حال صغره، لما يقوم به من الآلام و بالحيوان، فإنه تعالى لا يعذب ابتداء، و لكن يعذب جزاء، فإن الرحمة لا تقتضي في العذاب إلا الجزاء للتطهير، و لو لا التطهير ما وقع العذاب، فعمّت الرسالة الإلهية جميع الأمم صغيرهم و كبيرهم، فما من أمة إلا و هي تحت خطاب إلهي على لسان نذير بعث إليها منها، ليعلمها ما هو الأمر عليه الذي خلقوا له، و يعلمهم بما للحق عليهم أن يفعلوه، و ما لهم إذا فعلوا ذلك من الخير عند اللّه في الدار الآخرة، و ما ذا عليهم إذا لم يفعلوا من العقوبة عند اللّه في الدار الدنيا إذا علم ولاة أمورهم بذلك و في الآخرة.
[سورة يونس (10): الآيات 48 الى 49]
وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَ لا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ (49)
[جميع أنواع المخلوقات]
جميع أنواع المخلوقات في الدنيا أمم لها أجل بين بدء و ختام «فإذا جاء أجلهم» و هو انتهاء مدة الأجل «فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ».
[سورة يونس (10): الآيات 50 الى 56]
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَ قَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52) وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) وَ لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (54)
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56)
[الموت و الحياة]
سمي الحق محييا لكون حياة الأشياء من فيض اسم الحي كنور الشمس من الشمس المنبسط على الأماكن، و لم تغب الأشياء عنه لا في حال ثبوتها و لا في حال وجودها، فالحياة لها في الحالتين مستصحبة، فهو يحيي و يميت، و ليس الموت بإزالة الحياة منه في نفس الأمر، و لكن الموت عزل الوالي و تولية وال، لأنه لا يمكن أن يبقى العالم بلا وال يحفظ عليه مصالحه لئلا يفسد، فالموت عبارة عن انتقال و عزل، أ لا ترى إلى الميت يسأل و يجيب إيمانا و حقيقة، و أنت تحكم عليه في هذه الحال عينا أنه ميت، و ما أزال عنه اسم الموت السؤال، فلو لا أنه حي في حال موته ما سئل، فليس الموت بضد للحياة، فبالحياة يسبح كل شيء، و الميت مسبح حيث أنه شيء، فالموت عبارة عن الانتقال من منزل الدنيا إلى منزل الآخرة، ما هو عبارة عن إزالة الحياة منه في نفس الأمر، و إنما اللّه أخذ بأبصارنا فلا ندرك حياته، فالميت ينتقل و حياته باقية عليه لا تزول، و إنما يزول الوالي و هو الروح عن هذا الملك الذي وكّله اللّه بتدبيره أيام ولايته عليه، و الميت عندنا يعلم من نفسه أنه حي، و إنما تحكم عليه بأنه ليس بحي لوقوفك مع بصرك و مع حكمك في حاله قبل اتصافه بالموت، من حركة و نطق و تصرف و قد أصبح متصرفا فيه، فالموت انتقال خاص على وجه مخصوص.
[سورة يونس (10): آية 57]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)
الشفاء زوال العلة و وجود الراحة بانتقالها.
[سورة يونس (10): آية 58]
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)
«قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ» و فضل اللّه لا انقطاع له لأنه خارج عن الجزاء الوفاق «وَ بِرَحْمَتِهِ» و رحمة اللّه لا تخص محلا من محل، و لا دارا من دار، بل وسعت كل شيء، فدار الرحمة هي دار الوجود «فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا» أعني بفضل اللّه و رحمته، لأن المآل رحمة مطلقة عامة، فإنه خير مما يجمعون فيفرحون به، و لا يفرح عاقل إلا بثابت لا بزائل، فأمر اللّه عباده أن يفرحوا بفضله و برحمته لا بما يجمعه من المال، فإنه يتركه بالموت في الدنيا و لا يقدمه، فأمرك بالفرح بالفضل، و الفضل ما زاد، فاحمد اللّه حيث جعلك محلا لفضله و رحمته، فافرح لأمره إياك بالفرح تجن ثمرة أداء الواجب في الفرح
[- تحقيق حزن القلب]
– تحقيق- و من تحقق هذه الآية تراه أبدا حزين القلب ما دام في الدنيا إلى الموت، و إن فتح له ما يقع له به الفرح فإنه يرى ما عليه من الشكر للّه فيما فتح له فيه، فيعظم حزنه أشد مما كان فيه قبل الفتح، و من كان في مقام يريد أن يوفيه حقه لا يمكن أن يفرح إلا بعد أن لا يبقى عليه من حقه شيء، و لا يزال هذا الحق المعيّن على المكلف المبشر بفضل اللّه و رحمته عليه إلى آخر نفس يكون عليه في الدنيا، فإنه لا يفرح إلا عند خروجه، فإنه لا يسقط عنه التكليف إلا بعد رحلته من دار التكليف، و هي الدار الدنيا.
[سورة يونس (10): الآيات 59 الى 61]
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَ ما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (60) وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (61)
«وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ» و الشأن ليس لي، فإن الشأن الظاهر في وجودي إنما هو للّه، و هو قوله: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) «وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ» فاللّه شهيد على ما يخلق منا و فينا «وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ» فإنه يعلمها و يراها «إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» فمن تحقق بهذه الآية كان رقيبا على نفسه و على آثار ربه فيما يورده على قلبه، و على موازنة الحق المشروع في عباد اللّه، فالعالم الناصح نفسه لا ينسى اللّه في شئونه، و يكون مراقبا له تعالى عند شهوده، فإن العالم بإنزال الشرائع يعرف ما خاطب الحق منه في نظره إليه، فإن الأحوال تطلب الأحكام المنزلة في الدنيا، لهذا نزلت الشرائع على الأحوال و المخاطبون أصحابها.
[سورة يونس (10): آية 62]
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
«لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» مطلقا، فإن اللّه تعالى لم يقل في الآخرة، فالولي من كان على بينة من ربه في حاله، فعرف مآله بإخبار الحق إياه على الوجه الذي يقع به التصديق عنده، و بشارته حق و قوله صدق و حكمه، فالقطع حاصل، فالمراد بالولي من حصلت له البشرى من اللّه كما قال تعالى، و أي خوف و حزن يبقى مع البشرى بالخبر الذي لا يدخله تأويل، فهذا هو الذي أريد بالولي في هذه الآية، و اعلم أن النبوة اختصاص من اللّه يختص بها من يشاء من عباده، و قد أغلق ذلك الباب و ختم برسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و الولاية مكتسبة إلى يوم القيامة، فمن تعمل في تحصيلها حصلت له، و التعمل في تحصيلها اختصاص من اللّه، يختص برحمته من يشاء، فالأولياء هم ولاة الحق على عباده، و الخواص منهم الأكابر يقال لهم رسل و أنبياء، و من نزل عنهم بقي عليه اسم الولاية، فالولاية الفلك المحيط الجامع للكل، و أما صفتهم فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و قد قيل له: يا رسول اللّه من أولياء اللّه الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون؟
فقال: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، و اهتموا بآجل الدنيا حين اهتم الناس بعاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، و تركوا منها ما علموا أن سيتركهم، فما عرضهم من نائلها عارض إلا رفضوه، و لا خادعهم من رفعتها خادع إلا وضعوه، خلقت الدنيا عندهم فما يجددونها، و خربت بيوتهم فما يعمرونها، و ماتت في صدورهم فما يحيونها، بل يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، و يبيعونها فيشترون بها ما بقي لهم، و نظروا إلى أهلها صرعى قد حلّت بهم المثلات، فما يرون أمانا دون ما يرجون، و لا خوفا دون ما يحذرون- رقيقة-
اعلم أنه على قدر ما يخرج به العبد من عبوديته ينقصه من تقريبه من سيده، لأنه يزاحمه في أسمائه، و أقل المزاحمة الاسمية، و الولي من أسمائه سبحانه، فالذي ينبغي للعبد أن لا يزيد على هذا الاسم غيره، فإن أطلق اللّه ألسنة الخلق عليه بأنه ولي للّه و رأى أن اللّه قد أطلق عليه اسما أطلقه تعالى على نفسه فلا يسمعه ممن يسميه به إلا على أنه بمعنى المفعول لا معنى الفاعل، حتى يشم فيه رائحة العبودية، فإن بنية فعيل قد تكون بمعنى الفاعل، و الاسم الولي الذي قد تسمى به اللّه بمعنى الفاعل، فينبغي أن لا ينطلق ذلك الاسم على العبد، و إن أطلقه الحق عليه فذلك إليه تعالى، و يلزم الإنسان عبوديته و ما يختص به من الأسماء التي لا تنطلق قط على الحق لفظا.
[سورة يونس (10): آية 63]
الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ (63)
الإيمان لا يكون إلا بعد سماع الخبر و عقله، و قلنا إن الولاية مكتسبة و التعمل في تحصيلها اختصاص، فمنهم من تحصل له الولاية بالصدقة و القرض الحسن و صلة الرحم، و من الناس من تحصل له بمراقبة اللّه و المبادرة لأوامره التي ندب إليها لا التي افترضها عليه، و هو قوله:
[و لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا و بصرا و يدا و مؤيدا] و من الناس من تحصل له بالمسارعة إلى ما أوجب اللّه عليه من الطاعات و افترضها عليه، فأخذ أوامره على الوجوب و لم يتأول عليه كلامه و لا أمره.
[سورة يونس (10): آية 64]
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)
[البشرى في الحياة الدنيا]
«الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى» جعل اللّه تعالى البشرى للمؤمنين العاملين بما آمنوا به، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم سئل عن الإيمان فقال: شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صوم رمضان، و أن يؤدوا الخمس من المغنم، و نهاهم عن الدّباء و الحنتم، و المزفت و النقير، و قال: احفظوه و أخبروا به من وراءكم- ففسر الإيمان بالأفعال، و هو الذي أراد بالمؤمنين هنا، زيادة على التصديق، لأن البشرى الواردة في القرآن للمؤمنين مقرونة بالأعمال الصالحة، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، وَ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ) فما بشر إلا العاملين بما آمنوا به، فقوله تعالى: (لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ) جزاء، مؤكدا لبشراهم بإجابة داعي الحق بالعبادات، و قوله تعالى: «لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» هذا عموم الدنيا، فما ينقلب أحد من أهل السعادة إلى الآخرة حتى يبشر في الدنيا و لو بنفس واحد، فيحصل المقصود، و قد علمنا في الدنيا بإعلام اللّه أن الرسل و الأنبياء و من عينته الرسل بالبشرى أنه سعيد، فبشارة الحق لا يدخلها نسخ، فيؤمن بوجودها المكر إذا كانت نصا، و قد بشّر النبي صلّى اللّه عليه و سلم جماعة بالجنة و عاشوا بعد ذلك زمانا طويلا، فهذه صورة للبشرى بخلاف بشرى المحتضر، و مثل قوله تعالى: (ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) فكان تعريف الحق إيّانا بما قاله رسوله بشرى من اللّه لنا في الحياة الدنيا، و للعارفين مقام الآخرة في الدنيا فلهم الكشف و المشاهدة، و هما أمران يعطيهما عين اليقين، و هو أتم مدارك العلم، فالعلم الحاصل عن العين له أعظم اللذات في المعلومات المستلذة، فهم في الآخرة حكما و في الدنيا حسا، و هم في الآخرة مكانة و في الدنيا مكانا «وَ فِي الْآخِرَةِ» من القبر إلى الجنة، و ما بينهما منازل الآخرة، فهو نعيم متصل، و لما كانت البشرى من كلمات اللّه قال تعالى: «لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ» هو قوله تعالى: (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) أي قولنا واحد لا يقبل التبديل.
[سورة يونس (10): آية 65]
وَ لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65)
فعزته تعالى مانعة من الوصول إلى علم الأمر على ما هو عليه في نفسه.
[سورة يونس (10): الآيات 66 الى 67]
أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (66) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67)
«إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ» و هم أهل الفهم عن اللّه، و قد حصرت الآيات في السمع و البصر، فإما شهود و إما خبر، و علامة السامعين المحققين في سماعهم، انقيادهم إلى كل عمل مقرب إلى اللّه تعالى من جهة سماعه، أعني من التكليفات المتوجهة على الأذن من أمر و نهي، كسماعه العلم و الذكر و الثناء على الحق تعالى و الموعظة الحسنة و القول الحسن، و من علامته أيضا التصامم عن الغيبة و النميمة و البهتان و السوء من القول كالخوض في آيات اللّه تعالى.
[سورة يونس (10): الآيات 68 الى 72]
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (69) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70) وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَ تَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72)
[سؤال الرسل الأجر من اللّه]
الرسل قاطبة و هم الكمل بلا خلاف، تقول: «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ» فإن المقام يعطي الأجر و لا بد، فإن مقام الدعوة إلى اللّه يقتضي الأجرة، فما من نبي دعا قومه إلا قيل له: «قل ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على الله» فأثبت الأجرة على دعائه، و سألها من اللّه لا من المدعو، حتى إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ما سأل منا في الأجر على تبليغ الدعاء إلا المودة في القربى، و هو حب أهل البيت و قرابته صلّى اللّه عليه و سلم، و أن يكرموا من أجله، كانوا ما كانوا،
و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب اللّه] في حديث الذي رقى اللديغ بفاتحة الكتاب و استراح، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [اضربوا لي فيها بسهم] يعني في الغنم التي أخذوها أجرا على ذلك، فالإنسان الداعي بوعظه و تذكيره عباد اللّه إن أخذ أجرا فله ذلك، فإنه في عمل يقتضي الأجر بشهادة كل رسول، و إن ترك أخذه من الناس و سأله من اللّه فله ذلك، و سبب ترك الرسل لذلك و سؤالهم من اللّه الأجر، كون اللّه هو الذي استعملهم في التبليغ، فكان الأجر عليه تعالى لا على المدعو،
و إنما أخذ الراقي الأجر من اللديغ لأن اللديغ استعمله في ذلك، و لذلك قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: [اضربوا لي بسهم] لأن الرسول عليه السلام هو الذي أفاد الراقي ما رقى به ذلك اللديغ، و اعلم أن هذا الأجر أجر تفضل إلهي، عيّنه السيد لعبده، فإن العبد لا ينبغي له استحقاق الأجر على سيده فيما يستعمله فيه، فإنه ملكه و عين ماله، و لكن تفضل سيده عليه بأن عيّن له على عمله أجرا، فأنت العبد في صورة الأجير، و ما هو أجر الأجير، فإن الأجير من استؤجر، فهذا أجنبي، و السيد لا يستأجر عبده، لكن العمل يقتضي الأجرة و لا يأخذها، و إنما يأخذها العامل، و العامل العبد، فهو قابض الأجرة من اللّه، فأشبه الأجير في قبض الأجرة و فارقه بالاستئجار- راجع سورة هود آية 29.
[سورة يونس (10): الآيات 73 الى 90]
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَ جَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَ هارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قالَ مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77)
قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَ تَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَ ما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (78) وَ قالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَ يُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82)
فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَ قالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَ نَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (86) وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)
وَ قالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (88) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَ لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89) وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَ جُنُودُهُ بَغْياً وَ عَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)
[إيمان فرعون]
لما علم فرعون الحق، و أثبت في كلامه بأن موسى عليه السلام مرسل بقوله: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) فإنه ما جاء من نفسه، لأنه دعا إلى غيره، فبقيت تلك الخميرة عند فرعون تختمر بها عجين طينته، و ما ظهر حكمها و لا اختمر عجينه إلا في الوقت الذي قال فيه: «آمَنْتُ» فتلفظ باعتقاده الذي معه «أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ» و ما سمى اللّه، ليرفع اللبس و الشك، إذ قد علم الحاضرون أن بني إسرائيل ما آمنت إلا بالإله الذي جاء موسى و هارون من عنده إليهم، فلو قال: «آمنت بالله» و هو قد قرر أنه ما علم لقومه من إله غيره، لقالوا: لنفسه شهد لا للذي أرسل موسى إلينا، كما شهد اللّه لنفسه، فرفع هذا اللبس بما قاله، عند ذلك أخذ جبريل حال البحر فألقمه في فم فرعون حتى لا يتلفظ بالتوحيد، و يسابقه مسابقة غيره على جناب الحق، مع علمه بأنه علم أنه لا إله إلا اللّه، و غلبه فرعون، فإنه قال كلمة التوحيد بلسانه كما أخبر اللّه تعالى عنه في كتابه العزيز، فجاء فرعون باسم الصلة و هو «الَّذِي» ليرفع اللبس عند السامعين و لرفع الإشكال عند الأشكال، و هذا هو التوحيد الثاني عشر في القرآن، و هو توحيد الاستغاثة، و هو توحيد الصلة، فإنه جاء بالذي في هذا التوحيد، و هو من الأسماء الموصولة، و قدم الهوية في قوله: أنه» ليعيد ضمير به» عليه، ليلحق بتوحيد الهوية، ثم تمم و قال: «وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» خطاب منه للحق، لعلمه بأنه تعالى يسمعه و يراه، قال ذلك لما علم أن الإله هو الذي ينقاد إليه و لا ينقاد هو لأحد، أعلم بذلك فرعون، ليعلم قومه برجوعه عما كان ادعاه فيهم من أنه ربهم الأعلى، فأمره إلى اللّه، فإنه آمن عند رؤية البأس، و ما نفع مثل ذلك الإيمان فرفع عنه عذاب الدنيا، إلا قوم يونس، و لم يتعرض للآخرة، ثم إن اللّه صدّقه في إيمانه بقوله:
[سورة يونس (10): آية 91]
آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)
قال تعالى لفرعون: «آلْآنَ» قلت ذلك، فأثبت اللّه بقوله: «آلْآنَ» أنه آمن عن علم محقق و اللّه أعلم و إن كان الأمر فيه احتمال، فدل على إخلاصه في إيمانه، و لو لم يكن مخلصا لقال فيه تعالى كما قال في الأعراب الذين قالوا: (آمَنَّا) (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) فشهد اللّه لفرعون بالإيمان، و ما كان اللّه ليشهد لأحد بالصدق في توحيده إلا و يجازيه به، و بعد إيمانه فما عصى، فقبله اللّه إن كان قبله طاهرا، و الكافر إذا أسلم وجب عليه أن يغتسل، فكان غرقه غسلا له و تطهيرا، حيث أخذه اللّه في تلك الحال نكال الآخرة و الأولى، و جعل ذلك عبرة لمن يخشى، و ما أشبه إيمانه إيمان من غرغر، فإن المغرغر موقن بأنه مفارق، قاطع بذلك، و هذا الغرق هنا لم يكن كذلك، لأنه رأى البحر يبسا في حق المؤمنين، فعلم أن ذلك لهم بإيمانهم، فما أيقن بالموت، بل غلب على ظنه الحياة، فليس منزلته منزلة من حضره الموت فقال: (إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) و لا هو من الذين يموتون و هم كفار فأمره إلى اللّه تعالى.
[سورة يونس (10): آية 92]
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (92)
[كان حكم آل فرعون في نفس الأمر خلاف حكم فرعون في نفسه]
كان حكم آل فرعون في نفس الأمر خلاف حكم فرعون في نفسه، فإنه علم صدق موسى عليه السلام، و علم حكم اللّه في ظاهره بما صدر منه، و حكم اللّه في باطنه بما كان يعتقده من صدق موسى فيما دعاهم إليه، و كان ظهور إيمانه المقرر في باطنه عند اللّه مخصوصا بزمان مؤقت، لا يكون إلا فيه، و بحالة خاصة، فظهر بالإيمان لما جاء زمانه و حاله، فغرق قومه آية، و نجاة فرعون ببدنه دون قومه عند ظهور إيمانه آية، فمن رحمة اللّه بعباده أن قال «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ» يعني دون قومك «لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً» أي علامة لمن آمن باللّه أي ينجيه اللّه ببدنه أي بظاهره، فإن باطنه لم يزل محفوظا بالنجاة من الشرك، لأن العلم أقوى الموانع، فسوّى اللّه في الغرق بينهم، و تفرقا في الحكم، فجعلهم سلفا و مثلا للآخرين، يعني الأمم الذين يأتون بعدهم، و خص فرعون بأن تكون نجاته آية لمن رجع إلى اللّه بالنجاة، فإن الحق خاطب فرعون بلسان العتب و أسمعه (آلْآنَ» أظهرت ما قد كنت تعلمه (وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) فهي كلمة بشرى لفرعون عرفنا الحق بها لنرجو رحمته مع إسرافنا و إجرامنا، ثم قال: «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ» فبشره قبل قبض روحه «بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً» يعني لتكون النجاة لمن يأتي بعدك «آيَةً» علامة، إذا قال ما قلته تكون له النجاة مثل ما كانت لك، و ما في الآية أن بأس الآخرة لا يرتفع و لا أن إيمانه لم يقبل، و إنما في الآية أن بأس الدنيا لا يرتفع عمن نزل به إذا آمن في حال رؤيته إلا قوم يونس،
فقوله: «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ» إذ العذاب لا يتعلق إلا بظاهرك، و قد أريت الخلق نجاته من العذاب، فكان ابتداء الغرق عذابا، فصار الموت فيه شهادة خالصة بريئة لم تتخللها معصية، فقبضت على أفضل عمل، و هو التلفظ بالإيمان، كل ذلك حتى لا يقنط أحد من رحمة اللّه، و الأعمال بالخواتيم، فلم يزل الإيمان باللّه يجول في باطن فرعون، و جاء طوعا في إيمانه، و ما عاش بعد ذلك، فقبض فرعون و لم يؤخر في أجله في حال إيمانه، لئلا يرجع إلى ما كان عليه من الدعوى، ثم قوله تعالى في تتميم قصته هذه «وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ» و قد أظهرت نجاتك آية أي علامة على حصول النجاة، فغفل أكثر الناس عن هذه الآية و قضوا على المؤمن بالشقاء، و أما قوله تعالى: (فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) فما فيه نص أنه يدخلها معهم، بل قال اللّه: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) و لم يقل (أدخلوا فرعون و آله) و رحمة اللّه أوسع من حيث أن لا يقبل إيمان المضطر، و أي اضطرار أعظم من اضطرار فرعون في حال الغرق، و اللّه يقول: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ) فقرن للمضطر إذا دعاه الإجابة و كشف السوء عنه، و هذا آمن للّه خالصا، و ما دعاه في البقاء في الحياة الدنيا خوفا من العوارض، أو يحال بينه و بين هذا الإخلاص الذي جاءه في هذه الحال، فرجح جانب لقاء اللّه على البقاء بالتلفظ بالإيمان، و جعل ذلك الغرق (نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى) فلم يكن عذابه أكثر من غم الماء الأجاج، و قبضه على أحسن صفة هذا ما يعطي ظاهر اللفظ، و هذا معنى قوله: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى) يعني في أخذه نكال الآخرة و الأولى، و قدم ذكر الآخرة و أخر الأولى ليعلم أن العذاب- أعني عذاب الغرق- هو نكال الآخرة، فلذلك قدمها في الذكر على الأولى، و هذا هو الفضل العظيم.
[سورة يونس (10): الآيات 93 الى 94]
وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (94)
معلوم أنه صلّى اللّه عليه و سلم ليس في شك، فالمقصود من هو في شك من الأمة، فهو المخاطب و القصد أمته، مثل قولهم: إياك أعني فاسمعي يا جارة.
[سورة يونس (10): الآيات 95 الى 98]
وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (96) وَ لَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (97) فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (98)
إن الإنسان ولد على الفطرة، و هي العلم بوجود الرب أنه ربنا، و نحن عبيد له، و الإنسان لا يقبض حين يقبض إلا بعد كشف الغطاء، فلا يقبض إلا مؤمنا و لا يحشر إلا مؤمنا، غير أن اللّه تعالى لما قال: «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا» فما آمنوا إلا ليندفع عنهم ذلك البأس، فما اندفع عنهم، و أخذهم اللّه بذلك البأس، و ما ذكر أنه لا ينفعهم في الآخرة، و يؤيد ذلك قوله: «فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا» حين رأوا البأس «كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» فهذا معنى قولنا:
«فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ» في رفع البأس عنهم في الحياة الدنيا كما نفع قوم يونس، فما تعرض إلى الآخرة و مع هذا فإن اللّه يقيم حدوده على عباده حيث شاء و متى شاء، فثبت أن انتقال الناس في الدارين في أحوالهم من نعيم إلى نعيم، و من عذاب إلى عذاب، و من عذاب إلى نعيم، من غير مدة معلومة لنا، فإن اللّه ما عرفنا، إلا أنا استروحنا من قوله: (فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) أن هذا القدر مدة إقامة الحدود، و دلت هذه الآية على أن يونس عليه السلام كان محبوبا للّه، حيث خص قومه من أجله بما لم يخص به أمة قبلها، و عرفنا بذلك، فعامل قوم يونس بما عاملهم به من كونه كشف عنهم العذاب بعد ما رأوه نازلا بهم، فآمنوا، أرضاه اللّه في أمته فنفعها إيمانها، و لم يفعل ذلك مع أمة قبلها، و متعهم إلى حين فأمدّ لهم في التمتع في مقابلة ما نالوه من الألم عند رؤية العذاب، فلما اشتد البلاء على قوم يونس و كانت اللحظة الزمانية عندهم في وقت رؤية العذاب كالسنة أو أطول، ذكر أنه تعالى في مقابلة هذا الطول الذي وجدوه في نفوسهم أنه متعهم إلى حين، فبقوا في نعيم الحياة الدنيا زمنا طويلا، لم يكن يحصل لهم ذلك لو لا هذا البلاء و قد قيل إن الحين الذي جعله غاية تمتعهم أنه القيامة و اللّه أعلم.
[سورة يونس (10): الآيات 99 الى 109]
وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (100) قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما تُغْنِي الْآياتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَ أَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَ لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَ لا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَ إِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108)
وَ اتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَ اصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (109)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج2، ص: 321