تفسیر ابن عربی سوره التكوير

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة التّكوير

(81) سورة التّكوير مكيّة

[سورة التكوير (81): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1)

اعلم أن الشمس و القمر و الدراري تكون يوم القيامة في النار، و الشمس مكورة قد نزع اللّه نورها من أعين أهل النار، بالحجاب الذي بينها و بين أعينهم، فهي طالعة عليهم غاربة، كما تطلع على أهل الدنيا في حال كسوفها، و كذلك القمر و جميع الدراري على صورة سباحتهم الآن في أفلاكهم، لكنّها مطموسات في أعينهم للحجاب الذي على أعينهم، قال تعالى:

[سورة التكوير (81): آية 2]

وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2)

– الوجه الأول- فيشهد أهل النار أجرام السيارة طالعة عليهم و غاربة، و لا يشهدون لها نورا لما في الدخان من التطفيف، فكما كانوا في الدنيا عميا عن إدراك أنوار ما جاءت به الشرائع من الحق، كذلك هم في النار عمي عن إدراك أنوار هذه السيارة و غيرها من الكواكب، فأهل النار في ظلمة لا تزال أبدا، لأن ليلهم لا صباح له‏- الوجه الثاني- «وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ» بما ترميهم من الشرر.

[سورة التكوير (81): الآيات 3 الى 5]

وَ إِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (3) وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (4) وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5)

[ «وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ» الآية فإنها أمم أمثالنا:]

للشهادة يوم الفصل و القضاء، ليفصل اللّه بينهم كما يفصل بيننا، فيأخذ للجماء من القرناء كما ورد، و هذا دليل على أنهم مخاطبون مكلفون من عند اللّه، فإنها أمم أمثالنا، و الوحوش كلها تحشر في النار إنعاما من اللّه على النار، إلا الغزلان و ما استعمل من الحيوان في سبيل اللّه، فإنهم في الجنان على صور يقتضيها ذلك الموطن، و كل حيوان تغذى به أهل الجنة في الدنيا خاصة.

[سورة التكوير (81): آية 6]

وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (6)

أي أججت نارا، من سجرت التنور إذا أوقدته، و لهذا كان يقول ابن عمر إذا رأى البحر يقول: يا بحر متى تعود نارا؛ و كان يكره الوضوء بماء البحر و يقول: التيمم أعجب إليّ منه.

[سورة التكوير (81): آية 7]

وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7)

بأبدانها، فإن النفس تحشر يوم القيامة على صورة علمها، و الجسم على صورة عمله.

[سورة التكوير (81): الآيات 8 الى 10]

وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10)

النشر ضد الطي، و به يتبين الرشد من الغي.

[سورة التكوير (81): الآيات 11 الى 15]

وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (11) وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (14) فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15)

الخنس هي الجواري الخمسة التي لها الإقبال و الإدبار، و لم يجعل اللّه معهن في هذا القسم الشمس و القمر و إن كانا من الجواري و لكنهما ليسا من الخنس.

[سورة التكوير (81): آية 16]

الْجَوارِ الْكُنَّسِ (16)

[ «الْجَوارِ الْكُنَّسِ» الآية:]

فهي الخنس الكنس السيارة، تسير في المنازل التي قدرها اللّه للقمر و تنزلها لإيجاد الكائنات، فيكون عند هذا السير ما يتكون من الأفعال في العالم العنصري بتقدير العزيز العليم، و السيارة لا نزول لها و لا سكون في المنازل، بل هي قاطعة أبدا، و لما كان عين البروج المقدرة في الفلك الأطلس ليس لها علامة تعرف بها جعل لها المنازل علامة على تلك المقادير، تقطع في هذا الفلك الأطلس الجواري الخنس الكنس،

فيعرف بالمنازل كم قطعت من ذلك‏ الفلك، و لهذه المنازل أيضا، و كل كوكب في الفلك المكوكب قطع في الفلك الأطلس، لكن لا يبلغ عمر الشخص الواحد إلى الشعور به، و يقول أصحاب تسيير الكواكب إن هذه الكواكب الثابتة تقطع في كل ستين سنة من الفلك درجة واحدة، و نقلت عن بعضهم مائة سنة، فمتى يدرك الحس انتقاله كما يدرك الجواري الخنس الكنس؟

التي قد يكون مرورها على عين كواكب المنزلة، و قد يكون فوقها و تحتها، على الخلاف الذي في حد المنزلة ما هو، فسميت منزلة مجازا، فإن الذي يحل فيها لا استقرار له، و إنه سابح كما كان قبل وصوله إليها في سباحتها، فراعى المسمّي ما يراه البصر من ذلك، فإنه لا يدرك الحركة ببصره إلا بعد المفارقة، فبذلك القدر يسميها منزلة، لأنه حظ البصر فغلّبه- راجع سورة يس آية 39-

[سورة التكوير (81): آية 17]

وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (17)

فظهرت كواكبه.

[سورة التكوير (81): آية 18]

وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (18)

الأوجه عندنا أنّه الفجر المستطيل لانقطاعه، كما ينقطع نفس المتنفس، ثم بعد ذلك تتصل أنفاسه.

[سورة التكوير (81): آية 19]

إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19)

قال تعالى مقسما «إِنَّهُ» يعني القرآن‏ «لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» فأضاف الكلام إلى الواسطة و المترجم.

[سورة التكوير (81): الآيات 20 الى 21]

ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21)

اعلم أيدك اللّه أن للأرواح العلوية السماوية المعبر عنها بالملائكة مقدّمين، لهم أمر مطاع فيمن قدموا عليه من الملأ الأعلى، و هم أصحاب أمر لا أصحاب نهي، فلا يعصون اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، و قد نبه اللّه تعالى على أن جبرائيل عليه السلام منهم بقوله‏ «مُطاعٍ»، و لا يكون مطاعا إلا من له الأمر فيمن يطيعه، «ثَمَّ أَمِينٍ» قال: بينه و بين اللّه أسرار لا تعرف منه، و لا يظهر بها في الدنيا.

[سورة التكوير (81): آية 22]

وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22)

أي ما ستر عنه شي‏ء.

[سورة التكوير (81): آية 23]

وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23)

فإنه محل كشف المقربين، أراد به الوضوح و البيان و النص الجلي الذي لا يتداخله شك و لا ريب، و هو نصيب المقربين، و كان التجلي بالأفق تنبيها على علو الخلق، أي كل حالة تبقي الإنسان على حالة اعتداله بغير انحراف، لأن الأفق ما قابل نظرك على الاعتدال.

[سورة التكوير (81): آية 24]

وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24)

أي ما بخل بشي‏ء مما هو لكم، و لا بظنين، على قراءة، أي ما يتهم في أنه بخل بشي‏ء من اللّه هو لكم.

[سورة التكوير (81): الآيات 25 الى 26]

وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26)

– إشارة لا تفسير-

فإنني معكم حيثما كنتم.

[سورة التكوير (81): آية 27]

إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (27)

بما هو الأمر عليه فإنّ العالم كلّه هو عين تجلي الحق لمن عرف الحقّ.

[سورة التكوير (81): الآيات 28 الى 29]

لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَ ما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (29)

«وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» أن تشاءوا، إلا أنه في حضرة الخيال مشيئة العبد كمشيئة الحق في النفوذ، و في الحس في الدنيا يقع بعض ما يشاء العبد، و في الآخرة الحق مع العبد على كل ما يشاؤه، فالحق في الإيجاد لمشيئة العبد في الحضرة الخيالية في الدنيا خاصة، و في الآخرة في الجنة عموما

[تحقيق: المشيئة الإلهية من حيث أن العلم تابع للمعلوم:]

– تحقيق- اعلم أن الإمكان للممكن هو الحكم الذي أظهر الاختيار من المرجّح، و الذي عند المرجح أمر واحد، و هو أحد الأمرين لا غير، فما ثمّ بالنظر إلى الحق إلا أحدية محضة خالصة لا يشوبها اختيار، أ لا تراه يقول تعالى: لو شاء كذا لكان كذا، فما شاء، فما كان ذلك، فنفى عن نفسه تعلق هذه المشيئة، فنفى الكون عن ذلك المذكور، غير أن للّه تعالى نسبتين في الحكم الواقع في العالم بالامتناع أو بالوقوع، فالنسبة الواحدة ما ظهر من العالم في العالم من الأحكام الواقعة و الممتنعة بمشيئتهم،

أعني بمشيئة العالم التي أوجدها اللّه في العالم، و النسبة الأخرى ما يظهر في الأحكام في العالم لا من العالم، مشاءة للّه تعالى من الوجه الخاص، ثم هي للّه كالآلة للصانع ظاهرة التعلق منفية الحكم، فالعلماء باللّه ينسبون الواقع بالآلة إلى اللّه، و الذين لا علم لهم ينسبوها إلى الآلة، و طائفة متوسطة ينسبون إلى الآلة ما ينسب الحق إليها على حد علمه في ذلك، و ينسبون الكل إلى اللّه أدبا مع اللّه و حقيقة، فهم الأدباء مع اللّه المحققون، و هم الذين جمعوا بين الشرع و العقل، و الوجه الصحيح في العلم الإلهي لا يتمكن للعقل أن يصل إليه من حيث نظره، لا بل و لا من جهة شهوده و لا من تجليه، و إنما يعلم بإعلامه، فإن العلم باللّه من حيث النظر و الشهود على السواء، ما يضبط الناظر و لا المشاهد إلا الحيرة المحضة، فإذا وقع الإعلام الإلهي لمن وقع حيث وقع- من دنيا و آخرة- حصل المقصود.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 459

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=