تفسیر ابن عربی سوره الشمس

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الشّمس

(91) سورة الشّمس مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[القسم الإلهي‏]

في القسم الإلهي أقوال: هل أقسم بنفسه، أو بمخلوقاته، أو بهذا وقتا و بهذا وقتا آخر، فإن كان قسمه بمخلوقاته هل أضمر أم لا؟ و على كل حال فلها شرف عظيم بإضافتها إليه، سواء أظهر الاسم أو لم يظهر، و إذا كان القسم بالمخلوقات كان سبب القسم بالأشياء طلب التعظيم من الخلق للأشياء حتى لا يهملوا شيئا من الأشياء الدالة على اللّه، سواء كان الدليل سعيدا أو شقيا، و عدما أو وجودا، أي ذلك كان، و إن كان القصد الإلهي بالقسم نفسه لا الأشياء، و أضمر الأسماء الإلهية لتدل الأشياء على ما يريده من الأسماء الإلهية، فما تخرج عن الدلالة و شرفها، و علم من اللّه ما ينبغي أن يطلق عليه من الأسماء في المعنى فيما أضمر، و في اللفظ فيما أطلق، إذ لو أراد إطلاق ما أضمره عليه لأظهره، كما أظهره في قوله‏ (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ) و قال تعالى في القسم بأسمائه المضمرة من حيث المعنى.

[سورة الشمس (91): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها (1)

لما أنارها و ما محاها.

[سورة الشمس (91): آية 2]

وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها (2)

بما ابتلاها، فإن القمر بالنص، له الصورة و المقدار بالزيادة و النقص،

[سورة الشمس (91): آية 3]

وَ النَّهارِ إِذا جَلاَّها (3)

في مجلاها.

[سورة الشمس (91): آية 4]

وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (4)

فأسرها و ما أفشاها.

[سورة الشمس (91): آية 5]

وَ السَّماءِ وَ ما بَناها (5)

بما عناها، و (الذي و ما) من الأسماء النواقص، و قد تكون أسماء اللّه عزّ و جل، فما هنا قد تكون مصدرية، و قد تكون في بعض الوجوه في هذا الموضع بمعنى الذي، فتكون اسما للّه عزّ و جل، فيكون قوله تعالى‏ «وَ السَّماءِ وَ ما بَناها» أي و باني السماء.

[سورة الشمس (91): آية 6]

وَ الْأَرْضِ وَ ما طَحاها (6)

لما أدار رحاها، أو و باسط الأرض.

[سورة الشمس (91): آية 7]

وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها (7)

بما ألهمها من فجورها و تقواها، و هي نفس كل مكلف، و ما ثم إلا مكلف، و من وجه آخر «وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها» من التسوية و هو الاعتدال في الشي‏ء، و هو جعل المباح للنفس ذاتيا لها لا يحتاج إلى إلهام، فهو من خاصية النفس، فلذلك لم يصفها بأنها ملهمة فيه، و لما كانت النفس محل الفرقان، و محل التغيير و التطهير، و مقر الأمر و النهي، و هي بين أميرين قويين مطاعين، العقل و الهوى، هذا يناديها و هذا يناديها، و الكل بإذن اللّه تعالى الأصلي قال تعالى في إثر «وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها».

[سورة الشمس (91): آية 8]

فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها (8)

[ «فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها» الآية]

لهذا جعلناها محل التطهير و التغيير، فإن أجابت الهوى كان التغيير، و حصل لها اسم الأمّارة بالسوء، و إن أجابت العقل كان التطهير و صح لها اسم المطمئنة شرعا، و وقوع هذا الأمر لحكمة لطيفة و سر عجيب، و هو أن اللّه سبحانه لما أوجد الروح و هو الخليفة على الكمال، أراد أن يعرّفه سبحانه مع ذلك أنه فقير لا حول و لا قوة إلا لسيده الرب تعالى، فلهذا أوجد له منازعا ينازعه فيما قلّده، فرجع الروح بالشكوى إلى اللّه القديم سبحانه،

فثبتت له في نفسه عبوديته بالافتقار و العجز و الذلة، و تحقق التميز و عرف قدره، فذلك كان المراد، فإن الإنسان لو نشأ على الخير و النعم طول عمره لم يعرف قدر ما هو فيه حتى يبتلى، فإذا مسه الضر عرف قدر المنعم، و الإلهام ضرب من ضروب الوحي لا يخلو عنه موجود، و هو خبر من اللّه للعبد على يد ملك مغيّب عن هذا الملهم، و قد يلهم من الوجه الخاص، فالرسول و النبي يشهد الملك و يراه عند ما يوحي إليه، و غير الرسول يحس بأثره‏ و لا يراه رؤية بصر، فيلهمه اللّه به ما شاء أن يلهمه، أو يعطيه من الوجه الخاص بارتفاع الوسائط، و هو أجلّ الإلقاء و أشرفه، فالإلهام إعلام إلهي، ما هو مثل وحي الكلام، و لا وحي الإشارة و العبارة، و هو الخاطر الخاطر،

فلا يعول إلا على الخاطر الأول، فإنه الحق المبين، و الصادق الذي لا يمين، و لهذا يصيب و لا يخطئ، و يمضي ما يقول و لا يبطئ، فدخل الملك بالتقوى في هذه الآية إذ لا نصيب له في الفجور، و كذلك سائر نفوس ما عدا الإنس و الجان، فالإنس و الجن ألهموا الفجور و التقوى، و ما ذكر سبحانه من الملهم لها بالفجور و التقوى، فأضمر الفاعل، فالظاهر أن الضمير المضمر يعود على المضمر في‏ (سَوَّاها) و هو اللّه تعالى، فإن سبيل الوحي قد انقطع بموت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم،

و قد كان الوحي قبله، و لم يجى‏ء خبر إلهي أن بعده وحيا، و إن لم يلزم هذا، و قد جاء الخبر النبوي الصادق في عيسى عليه السلام- و قد كان ممن أوحي إليه قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم- أنه لا يؤمنا إلا منا، أي بسنتنا، فله الكشف إذا نزل و الإلهام، كما لهذه الأمة، فالإلهام الإلهي أكثره لا واسطة فيه، فمن عرفه عرف كيف يأخذه، و محله النفس، قال تعالى‏ «فَأَلْهَمَها» فالفاعل هويته، فهو الملهم لا غيره‏ (فُجُورَها) ليعلمه لا ليعمل به‏ «وَ تَقْواها» ليعلمه و يعمل به، فهو إلهام إعلام لا كما يظنه من لا علم له، فبين لها الفجور من التقوى إلهاما من اللّه لها، لتتجنب الفجور و تعمل بالتقوى، فألهمها فعلمت أن الفجور فجور فاجتنبته،

و علمت أن التقوى تقوى فلزمته، فتسلك طريق التقوى و تجانب طريق الفجور، و كذلك ليفصل بين الفجور و التقوى، إذ النفس محل لظهور الأمرين فيها، فربما التبس عليها الأمر و تخيلت فيه أنه كله تقوى، فعلمها اللّه فيما ألهمها ما يتميز به عندها الفجور من التقوى، و لذا جاء بالإلهام و لم يجى‏ء بالأمر، فإن اللّه لا يأمر بالفحشاء، و الفجور فحشاء، فله الإلهام فينا، و لنا العمل بما ألهم، و لذلك قال‏ (وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) و الدس إلحاق خفي بازدحام، فألحق العمل بالفجور بالعمل بالتقوى و ما فرق في موضع التفريق، فجمع بينهما في العلم و العمل، و الأمر ليس كذلك، و سبب جهله بذلك أنه رمى ميزان الشرع من يده، فلو لم يضع الميزان من يده لرأى أنه مأمور بالتقوى منهي عن الفجور، مبيّن له الأمران معا، و لما أضاف اللّه الفجور لها و التقوى، علمنا أنه لا بد من وقوعهما في الوجود من هذه النفس الملهمة، و كما أن اللّه سبحانه لم يأمر بالفحشاء لم يلهم العبد العمل بالفحشاء كما يراه بعضهم،و لو ألهمه العمل بالفحشاء لما قامت الحجة للّه على العبد، بل هذه الآية مثل قوله‏ (وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ)-.

لا تحكمن بإلهام تجده فقد يكون في غير ما يرضاه واهبه‏
و اجعل شريعتك المثلى مصححة فإنها ثمر يجنيه كاسبه‏
له الإساءة و الحسنى معا فكما تعطي طرائفه تردي مذاهبه‏
فاحذره إن له في كل طائفة حكما إذا جهلت فينا مكاسبه‏
لا تطلبن من الإلهام صورته‏ فإن وسواس إبليس يصاحبه‏
في شكله و على ترتيب صورته‏ و إن تميز فالمعنى يقاربه‏

فجعل اللّه النفس محلا قابلا لما تلهمه من الفجور و التقوى، فتميز الفجور فتجتنبه، و التقوى فتسلك طريقه، و من نظر قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [إن للملك في الإنسان لمة، و للشيطان لمة] يعني بالطاعة و هي التقوى، و المعصية و هي الفجور، فيكون الضمير في ألهمها للملك في التقوى، و للشيطان في الفجور، فيكون قوله تعالى‏ «فَأَلْهَمَها فُجُورَها» عملا أو تركا، لمجيئه على يد شيطان، «وَ تَقْواها» عملا أو تركا لمجيئه على يد ملك،

و لم يجمعهما في ضمير واحد لبعد المناسبة بينهما، و كل بقضاء اللّه و قدره، و لا يصح أن يقال في هذا الموضع: إن اللّه هو الملهم بالتقوى، و إن الشيطان هو الملهم بالفجور، لما في ذلك من الجهل و سوء الأدب، لما في ذلك من غلبة أحد الخاطرين، و الفجور أغلب من التقوى، فإنه في ذلك يجمع بين اللّه و الشيطان في ضمير واحد، و هو غاية سوء الأدب مع اللّه، و ما أحسن ما جاء بالواو العاطفة في قوله‏ «وَ تَقْواها» فتعالى اللّه الملك القدوس أن يجتمع مع المطرود من رحمة اللّه في ضمير، مع احتمال الأمر في ذلك، فالفاعل في ألهمها مضمر،

و كذلك لا يترجح أن ننسب الإلهام بالفجور إلى اللّه، فلم يبق بعد هذا الاستقصاء إلا أن يكون الضمير في ألهمها بالفجور إلى الشيطان، و بالواو بالتقوى إلى الملك، فمقابلة مخلوق بمخلوق أولى من مقابلة مخلوق بخالق، و من وجه آخر تطلبه الآية، و هو أنه بما ألهمها عرّاها أن يكون لها في الفجور و التقوى كسب أو تعمل، و إنما هي محل لظهور الفعل، فجورا كان أو تقوى شرعا

 

– الفرق بين الإلهام و العلم اللدني-

العلم بالطاعة إلهامي، و العلم بنتائج الطاعة لدني، فالإلهام عارض طارئ، يزول و يجي‏ء، و العلم اللدني ثابت لا يبرح،و الإلهام هو ما يلهمه العبد من الأمور التي لم يكن يعرفها قبل ذلك، و العلم اللدني الذي لا يكون في أصل الخلقة، فهو العلم الذي تنتجه الأعمال، فيرحم اللّه بعض عباده بأن يوفقه لعمل صالح، فيعمل به فيورثه اللّه من ذلك علما من لدنه لم يكن يعلمه قبل ذلك،

و لا يلزم من العلم اللدني أن يكون في مادة، و الإلهام لا يكون إلا في مواد، و العلم يصيب و لا بد، و الإلهام قد يصيب و قد يخطئ، فالمصيب منه يسمى علم الإلهام، و ما يخطئ منه يسمى إلهاما لا علما، أي لا علم إلهام، قال صلّى اللّه عليه و سلّم [قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع اللّه‏] فالإلهام هنا هو التقليب، و الأصابع للسرعة، و الاثنينية لها خاطر الحسن و خاطر القبيح- بشرى- قال تعالى‏ «فَأَلْهَمَها فُجُورَها، وَ تَقْواها» قدم تعالى الفجور على التقوى عناية بنا إلى الخاتمة، و الغاية للخير، فلو أخر الفجور على التقوى لكان من أصعب ما يمر علينا سماعه، فالفجور يعرض للبلاء، و التقوى محصل للرحمة، و قد تأخر التقوى فلا يكون إلا خيرا.

[سورة الشمس (91): آية 9]

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (9)

يعني النفس التي سواها، يريد قد أفلح من طهرها بامتثال أوامر اللّه، فأنزل اللّه تعالى نفوسنا منا منزلة الأموال منا في الحكم، فجعل فيها الزكاة كما جعلها في الأموال، كما ألحقها بالأموال في البيع و الشراء، فتزكية النفس بتحليتها و تطهيرها من مذام الأخلاق و إتيان مكارمها، فمن زكى نفسه بالتقوى فاتقى من الفجور ما ينبغي أن يتّقى منه، و أخذ من الإلهام ما ينبغي أن يؤخذ منه فقد أفلح، و من دس نفسه في موضع قيل له لا تدخل منه فقد خاب، و لذلك قال تعالى:

[سورة الشمس (91): آية 10]

وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (10)

[ «وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» الآية- زكاة النفوس‏]

لما كان معنى الزكاة التطهير، و لم يكن المال الذي يخرج في الصدقة من جملة مال المخاطب بالزكاة، و كان بيده أمانة لأصحابه، لم يستحقه غير صاحبه، و إن كان عند هذا الآخر، و لكنه هو عنده بطريق الأمانة إلى أن يؤديه إلى أهله، كذلك في زكاة النفوس، فإن النفوس لها صفات تستحقها، و هي كل صفة يستحقها الممكن،

و قد يوصف الإنسان بصفات‏ لا يستحقها الممكن من حيث ما هو ممكن، و لكن يستحق تلك الصفات اللّه إذا وصف بها، ليميزها عن صفاته التي يستحقها، كما أن الحق سبحانه وصف نفسه بما هو حق للممكن تنزلا منه سبحانه و رحمة بعباده، فزكاة نفسك إخراج حق اللّه منها، فهو تطهيرها بذلك الإخراج من الصفات التي ليست بحق لها، فتأخذ ما لك منه و تعطي ما له فيك، فقد أفلح من زكاها فلم يتعد قدره و التزم عبوديته، و قد خاب من دساها في صفات الربوبية، و الإمكان للممكن واجب لنفسه،

فلا يزال انسحاب هذه الحقيقة عليه لأنها عينه، و اللّه تعالى لا حق له في الإمكان، يتعالى اللّه علوا كبيرا، فإنه تعالى واجب الوجود لذاته، غير ممكن بوجه من الوجوه، و قد وجدنا هذه النفس قد اتصفت بالوجود، فقلنا: هذا الوجود الذي اتصفت به النفس، هل اتصفت به لذاتها أم لا؟ فرأينا أن وجودها ما هو عين ذاتها، و لا اتصفت به لذاتها، فنظرنا لمن هو، فوجدناه للّه، كما وجدنا القدر المعين من مال زيد المسمى زكاة ليس هو بمال لزيد،

و إنما هو أمانة عنده، كذلك الوجود الذي اتصفت به النفس ما هو لها، إنما هو للّه الذي أوجدها، فالوجود للّه لا لها، و وجود اللّه لا وجودها، فقلنا لهذه النفس: هذا الوجود الذي أنت متصفة به ما هو لك، و إنما هو للّه خلعه عليك، فأخرجه للّه و أضفه إلى صاحبه، وابق أنت على إمكانك لا تبرح فيه، فإنه لا ينقصك شي‏ء مما هو لك، و أنت إذا فعلت هذا كان لك من الثواب عند اللّه ثواب العلماء باللّه، و نلت منزلة لا يقدر قدرها إلا اللّه، و هو الفلاح الذي هو البقاء،

فيبقي اللّه هذا الوجود لك لا يأخذه منك أبدا، فهذا معنى قوله‏ (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) أي قد أبقاها موجودة من زكاها، وجود فوز من الشر، أي من علم أن وجوده للّه أبقى اللّه عليه هذه الخلعة يتزين بها منعما دائما، و هو بقاء خاص ببقاء اللّه، فإن الخائب الذي دساها هو أيضا باق، و لكن بإبقاء اللّه لا ببقاء اللّه، فإن المشرك الذي هو من أهل النار ما يرى تخليص وجوده للّه تعالى من أجل الشريك، و كذلك المعطل،

و إنما قلنا ذلك لئلا يتخيل من لا علم له أن المشرك و المعطل قد أبقى اللّه الوجود عليهما، فبينا أن إبقاء الوجود على المفلحين ليس على وجه إبقائه على أهل النار، و لهذا وصف اللّه أهل النار بأنهم لا يموتون فيها و لا يحيون، بخلاف صفة أهل السعادة، فإنهم في الحياة الدائمة، و كم بين من هو باق ببقاء اللّه و موجود بوجود اللّه و بين من هو باق بإبقاء اللّه و موجود بالإيجاد لا بالوجود،

و بهذا فاز العارفون، لأنهم عرفوا من هو المستحق لنعت الوجود، و هو الذي استفادوه من الحق، فهذا معنى قوله‏ (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) فوجبت الزكاة في النفوس كما وجبت في الأموال، و وقع فيها البيع و الشراء كما وقع في الأموال، و الزكاة في النفوس آكد منها في الأموال، و لهذا قدمها اللّه في الشراء فقال‏ (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ) ثم قال‏ (وَ أَمْوالَهُمْ) و اعلم أن النفوس لا تزكو إلا بربها، فبه تشرف و تعظم في ذاتها، لأن الزكاة ربو، فمن كان الحق سمعه و بصره و جميع قواه، و الصورة في الشاهد صورة خلق فقد زكت نفس من هذا نعته،

و لذلك قال‏ «قَدْ أَفْلَحَ» ففرض له البقاء و البقاء ليس إلا للّه‏ «وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» لأنه جهل أنه هكذا في نفس الأمر، فإن الخلق كله بهذا النعت في نفس الأمر، و إلا ما صح لصورة الخلق ظهور و لا وجود، فوصف بالخيبة حيث لم يعلم هذا، فهو محروم من نيل غرضه بهذا العلم، و ما ثمّ في الآخرة إلا داران، جنة و لها أهل، و هم الموحدون بأي وجه وحدوا، و هم الذين زكوا أنفسهم، و الدار الثانية النار و لها أهل، و هم الذين لم يوحدوا اللّه، و هم الدّاسون أنفسهم فخابوا، و من وجه آخر (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) بالأعمال الصالحة، «وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» فأدخلها في الصالحين و ليست منهم،

فإن من أمراض الأحوال صحبة الصالحين حتى يشتهر في الناس أنه منهم، و هو في نفسه مع شهوته، فإن حضروا سماعا، و هو قد تعشق بجارية أو غلام- و الجماعة لا تعلم بذلك- فأصابه وجد و غلب عليه الحال لتعلقه بذلك الشخص الذي في نفسه، فيتحرك و يصيح و يتنفس الصعداء، و يقول: اللّه اللّه؛ أو: هو هو؛ و يشير بإشارات أهل اللّه، و الجماعة تعتقد في حاله أنه حال إلهي، مع كونه ذا وجد صحيح و حال صحيحة، و لكن فيمن؟!

دواؤه‏ «وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» و ما أشبه هذه الآية من الأخبار، فمن أراد طريق العلم و السعادة فلا يضع ميزان الشرع من يده نفسا واحدا ما دام مكلفا، لأنه إن وضعه من يده نفسا واحدا فني الشرع، فإن كل حركة في المكلف و من المكلف و سكون لميزان الشرع فيه حكم، فلا يصح وضعه مع بقاء الشرع.

[سورة الشمس (91): الآيات 11 الى 15]

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (12) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَ سُقْياها (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (14) وَ لا يَخافُ عُقْباها (15)

 

إذا نهيت النفس عن هواها كانت لها جناته مأواها
بها حباها اللّه إذ حباها و كان في فردوسه مثواها
أقسمت بالشمس التي أجراها قسما و بالبدر إذا تلاها
و ليله المظلم إذ يغشاها و بالنهار حين ما جلاها
و حكمة اللّه التي أخفاها عن العيون حين ما أبداها
و بالسماوات و من بناها و فوق أرض فرشه علّاها
لتبلغن اليوم منتهاها حتى نراها بلغت مناها
حين رأت ما قدمت يداها من كل خير منه قد أتاها
بأطعمة قد بلغت إناها ما كان أحلاها و ما أشهاها

 

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 507

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=