تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سورة الضحى
سورة الضحى
[1- 3]
[سورة الضحى (93): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَ الضُّحى (1) وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى (3)
أقسم بالنور و الظلمة الصرفة (….)[1] حالها الذين هما أصل الوجود الإنساني و جماع الكونين على أن ربك ما تركك ترك مودّع في عالم النور و حضرة القدس مع بقاء المحبة و الشوق في مقام الصفات محجوبا عن الذات، فإنّ المودع لا بدّ له من محبة و شوق وَ ما قَلى أي: و ما قلاك في عالم الظلمة و الوقوف مع الكون بلا محبة و شوق في مقام النفس محجوبا عن الربّ و صفاته و أفعاله ترك قال مبغض و ذلك أن المحبوب الذي يسبق كشفه اجتهاده إذا كوشف بالتوحيد الذاتي و رفع غطاؤه ليعشق ردّ إلى الحجاب و سدّ طريقه إلى حضرة تجلي الذات ليشتدّ شوقه و يلطف سرّه و تذوب أنائيته بنار الشوق ثم فتح طريقه و رفع حجابه بالكلية و كوشف بالحق الصرف ليكون ذوقه أتم و كشفه أكمل، و كان صلى اللّه عليه و سلم في هذا الاحتجاب يصعد الجبال ليرمي بنفسه فإذا نفدت طاقته رفع الحجاب و نزل.
[4- 5]
[سورة الضحى (93): الآيات 4 الى 5]
وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (4) وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (5)
وَ لَلْآخِرَةُ أي: و للحالة الآخرة التي هي التجلي بعد الاحتجاب و اشتداد الشوق خَيْرٌ لَكَ مِنَ الحالة الْأُولى لا منك في الحالة الثانية عن التلوين بوجود البقية و ظهور الأنانية وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ الوجود الحقاني لهداية الخلق و الدعوة إلى الحق بعد هذا الفناء الصرف فَتَرْضى به حيث ما رضيت بالوجود البشري و الرضا لا يكون إلا حال الوجود.
[6- 8]
[سورة الضحى (93): الآيات 6 الى 8]
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (6) وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (7) وَ وَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (8)
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً منفردا محجوبا بصفات النفس عن نور أبيك الحقيقي الذي هو روح القدس منقطعا عنه ضائعا فَآوى أي: فأواك إلى جنابه و ربّاك في حجر تربيته و تأديبه و كفلك أباك ليعلمك و يزكيك وَ وَجَدَكَ ضَالًّا عن التوحيد الذاتي عند كونك في عالم أبيك محتجبا بالصفات عن الذات فهداك بنفسه إلى عين الذات وَ وَجَدَكَ عائِلًا فقيرا عديما فانيا فيه بالفقر الذي هو سواد الوجه في الدارين الذي هو الفناء المحض بعد الفقر الذي هو فخره أي: فناء الصفات كما قال: «الفقر فخري» فأغناك بما أعطاك من الوجود الموهوب الموصوف بصفات الكمال الحقانيّ المتخلق بالأخلاق الربانية، فإذا تم كمالك فتخلق بأخلاقي و افعل بعبادي ما فعلت بك لتكون عبدا شكورا أي: قائما بشكر نعمتي.
[9- 11]
[سورة الضحى (93): الآيات 9 الى 11]
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)
فَأَمَّا الْيَتِيمَ أي: المنفرد المنكسر القلب، المنقطع عن نور القدس، المحتجب بحجاب النفس فَلا تَقْهَرْ و الطف به بالمداراة و الرفق و آوه إلى نفسك بالدعوة بالحكمة و الموعظة الحسنة كما آويتك وَ أَمَّا السَّائِلَ أي: المستعدّ المحجوب الضالّ عن طريق مقصده الطالب إياه فَلا تَنْهَرْ و لا تمنعه عن السؤال و اهده كما هديتك وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ من العلم و الحكمة الفائض عليك في مقام البقاء فَحَدِّثْ بتعليم الناس و إغنائهم بالخير الحقيقي كما أغنيتك، و اللّه تعالى أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 441
[1] ( 1) طمس رسم الكلمة في المطبوعة.