تفسیر ابن عربی سوره الحشر

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الحشر

(59) سورة الحشر مدنيّة

[سورة الحشر (59): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)

اعلم- فهمك اللّه- أن كل ما سوى اللّه أرواح مطهرة منزهة موجدها و خالقها، و هي تنقسم إلى: مكان و إلى متمكن، و المكان ينقسم إلى قسمين: مكان يسمى سماء و مكان يسمى أرضا، و المتمكن فيهما ينقسم إلى قسمين، إلى متمكن فيه‏ و إلى متمكن عليه، فالمتمكن فيه يكون بحيث مكانه، و المتمكن عليه لا يكون بحيث مكانه، و هذا حصر كل ما سوى اللّه، و كل ذلك في الحقيقة أجسام و جواهر في الحق المخلوق به، و هذه الأرواح على مراتب في التنزيه تسمى مكانة، و ما من منزه للّه تعالى إلا و تنزيهه على قدر مرتبته، لأنه لا ينزه خالقه، إلا من حيث هو، إذ لا يعرف إلا نفسه،

فيثمر له ذلك التنزيه عند اللّه مكانة يتميز بها كل موجود عن غيره؛ ثم إن اللّه تعالى عاد بالمكانة على هذا المنزه بأن كان الحقّ مجلاه فرأى نفسه و رتبته فسبح على قدر ما رأى، فإذا هو نفسه لا غيره، و ذلك أن الحق أسدل بينه و بين عباده حجاب العزة فوقف التنزيه دونه، فعلم أن الحق لا يليق به تنزيه خلقه، و أن حجاب العزة أحمى، و قهرها أغلب، ثم رأى من سواه من العارفين باللّه المنزهين بنعوت السلوب على مراتب، و قد أقر الجميع منهم بأنهم كانوا غالطين في محل تنزيههم، و أن تنزيههم ما خرج عنهم، و ذلك لحكمته التي سرت في خلقه، فكان ذلك تنزيه الحكمة لا غيره، و لو لا ستر حجاب العزة ما عرفوا ذلك، و من هذا الحجاب ظهر الكفر في العالم و صارت المعرفة خبرا بما وراء هذا الحجاب، فظهر الإيمان في العالم.

 

 

[سورة الحشر (59): آية 2]

هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (2)

[الحشر:]

بالحشر يقع الازدحام، و به يكون الالتحام، لو لا الحشر ما زوجت النفوس بأبدانها، و لا أقيمت المآدب بميدانها، «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» لو لا الحواس ما ثبت القياس، و لو لا البصر ما صدق من اعتبر، الاعتبار جواز من أين إلى أين، و انتقال من عين إلى عين، و من كون إلى كون و عدم، لا من عدم إلى كون، فالاعتبار تعجب من الاقتدار، و الاعتبار شرعا هو الجواز من الصورة التي ظهر حكمها في الحس إلى ما يناسبه في ذاتك، أو في جناب الحق مما يدل على الحق، هذا معنى الاعتبار، فإن اللّه قد ربط بكل صورة حسية روحا معنويا، لهذا يعتبر خطاب الشارع في الباطن على حكم ما هو في الظاهر قدما بقدم، لأن الظاهر منه هو صورته الحسية، و الروح الإلهي المعنوي في تلك الصورة هو الذي نسميه الاعتبار في الباطن، فإنه من عبرت الوادي إذا قطعته و جزته، قال تعالى: «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» أي تعجبوا و جوزوا،

و اعبروا إلى ما أردته بهذا التعريف مما رأيتموه من‏ الصور بأبصاركم إلى ما تعطيه تلك الصور من المعاني و الأرواح في بواطنكم، فتدركونها ببصائركم، فأمر و حث على الاعتبار، و هذا باب أغفله العلماء و لا سيما أهل الجمود على الظاهر، فليس عندهم من الاعتبار إلا التعجب، فلا فرق بين عقولهم و عقول الصبيان الصغار؛ فهؤلاء ما عبروا قط من تلك الصورة الظاهرة كما أمرهم اللّه، و إذا ارتقى الإنسان في درج المعرفة علم أنه نائم في حال اليقظة المعهودة، و أن الأمر الذي هو فيه رؤيا إيمانا و كشفا، و لهذا ذكر اللّه أمورا واقعة في الحس و قال: «فَاعْتَبِرُوا» و قال: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً) أي جوزوا و اعبروا مما ظهر لكم من ذلك إلى علم ما بطن به و ما جاء له، قال صلّى اللّه عليه و سلّم:

[الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا] و لكن لا يشعرون، و لهذا قلنا: إيمانا، فالإنسان في الدنيا في رؤيا و لذلك أمر بالاعتبار، فإن الرؤيا قد تعبر في المنام، فإذا كان بلسان الصادق صلّى اللّه عليه و سلّم الحس خيالا و المحسوس متخيلا، و جعلك نائما في الحال الذي تعتقد أنك فيه صاحب يقظة و انتباه، فإذا كنت في رؤيا في يقظتك في الدنيا، فكل ما أنت فيه هو أمر متخيل مطلوب لغيره، ما هو في نفسه على ما تراه؛ فاليقظة و الحس الصحيح الذي لا خيال فيه في النشأة الآخرة، و لذلك قال تعالى: «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» أي جوزوا مما أعطاكم البصر بنوره مما أدركه من المبصرات و أحكامها إلى ما تدركونه بعين بصائركم شهودا، و هو الأتم الأقوى، أو عن فكرة و هو الشهود الأدنى عن المرتبة العليا، و كلاهما عابر عما ظهر إلى ما استسرّ و بطن، فهم أولو أبصار بالاعتبار في مخلوقاته. و اعلم أن أهل الاعتبار يكون منهم أصحاب أذواق،

و يعتبرون عن ذوق لا عن فكر، و قد يكون الاعتبار عن فكر، فيلتبس على الأجنبي بالصورة، فيقول عن كل واحد إنه معتبر و من أهل الاعتبار، و ما يعلم أن الاعتبار قد يكون عن فكر و عن ذوق، و الاعتبار في أهل الأذواق هو الأصل، و في أهل الأفكار فرع، و صاحب الفكر ليس من أهل الإرادة إلا في الموضع الذي يجوز له الفكر فيه إن كان ثمّ ما لا يمكن أن يحصل الأمر المفكّر فيه إلا به- بفتح الكاف- فحينئذ يأخذه من بابه، و هل ثمّ أمر بهذه المثابة لا يمكن أن ينال من طريق الكشف و الوجود أم لا؟ فنحن نقول: ما ثمّ، و نقول: إن الكشف أتم في التحصيل، لأن الكشف يعيّن لك العلة على خصوصها، و الاعتبار الفكري يجملها لك من غير تعيين، أو يخرج عللا محتملة.

 

 

[سورة الحشر (59): الآيات 3 الى 5]

وَ لَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (3) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (4) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى‏ أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَ لِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (5)

«ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى‏ أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ» الإذن الأمر الإلهي، أمر بعض الشجر أن تقوم فقامت، و أمر بعض الشجر أن تنقطع فانقطعت بإذن اللّه لا بقطعهم، و بإذن اللّه قامت لا بتركهم، مع كونهم موصوفين بالقطع و الترك، فإنه لا يناقض إذن اللّه، فإن إذن اللّه لها في هذه الصورة كالاستعداد في الشي‏ء، فالشجرة مستعدة للقطع فقبلته من القاطع‏ «فَبِإِذْنِ اللَّهِ» يعني للشجرة، و لهذا قال: «وَ لِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ» الخارجين عن معرفة هذا الإذن الإلهي الذي قطع هذه الشجرة و ترك الأخرى.

[سورة الحشر (59): الآيات 6 الى 7]

وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (6) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (7)

[الأخذ بقول الرسول هو الذي أمرنا به، و أما أفعاله فليست على الوجوب:]

«وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» إن الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم ما بعثه اللّه ليمكر بنا- أعني بأمته- و إنما بعثه ليبين لهم ما نزل إليهم، فلهذا أطلق لنا الأخذ عن الرسول و الوقوف عند قوله من غير تقييد، فإنا آمنون فيه من مكر اللّه، فإن للّه مكرا في عباده لا يشعر به، قال تعالى: (وَ مَكَرْنا مَكْراً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ) و قال: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) و قال: (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) و قال: (وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) و لم يجعل للرسل في هذه الصفة قدما، لأنهم بعثوا مبينين فبشروا و أنذروا، و أعطى الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم الميزان الموضوع،

فمن أراد السلامة من مكر اللّه فلا يزل الميزان المشروع من يده، الذي‏ أخذه عن الرسول و ورثه، فكل ما جاءه من عند اللّه وضعه في ذلك الميزان، فإن قبله ملكه، و إن لم يقبله سلمه للّه و تركه، فإن تركه عمل به، فأخذك من الرسول أنفع لك و أحصل لسعادتك، فما جاءك على يد الرسول فخذه من غير ميزان، و ما جاءك من يد اللّه فخذه بميزان.

و الأخذ بقول الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم هو الذي أمرنا اللّه أن نأخذ به، و أما أفعال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فليست على الوجوب، فإن في ذلك غاية الحرج إلا فعلا بين به أمرا تعبدنا به، فذلك الفعل واجب، فلا يلزمنا اتباعه في أفعاله إلا إن أمر بذلك، فمعنى الاتباع أن نفعل ما يقول لنا، فإن قال: اتبعوني في فعلي، اتبعناه، و إن لم يقل فالذي يلزمنا الاتباع فيما يقول.

[سورة الحشر (59): الآيات 8 الى 9]

لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً وَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)

الإيثار إعطاء ما أنت محتاج إليه في الوقت أو توهم الحاجة إليه. و اعلم أن اللّه تعالى جبل الإنسان على الشح، فإنه فطر على الاستفادة لا على الإفادة، فما تعطي حقيقته أن يتصدق، فإذا تصدق كانت صدقته برهانا على أنه قد وقي شح نفسه الذي جبله اللّه عليه، لذلك ورد في الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال: [و الصدقة برهان‏] و سبب ذلك أن الفقر و الحاجة ذاتي لنا، و المكون عن الطبيعة شحيح بالذات كريم بالعرض، و من شح النفس الادخار و الشبهة لها إلى وقت الحاجة، فإذا تعين المحتاج كان العطاء، و على هذا أكثر بعض نفوس الصالحين‏ «وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» يعني الناجون، يقول صلّى اللّه عليه و سلّم في فضل الصدقة و زمانها: [أن تصدق و أنت شحيح تخاف الفقر و تأمل الحياة و الغنى‏]

– إشارة- أين الكرم من الإيثار؟

الكرم سيادة، و الإيثار عبادة، الكرم مع‏ الرئاسة، و الإيثار مع الخصاصة، لو لا الكرم ما لاحت الحكم، و لو لا الإيثار ما بدت الأسرار.

[سورة الحشر (59): الآيات 10 الى 16]

وَ الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (10) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (12) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (13) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14)

كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (16)

[ «كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ …» الآية:]

أبان اللّه لنا في هذه الآية عن معرفة الشيطان بربه و خوفه منه، و لكن لما كان للجن شياطينهم و غير شياطينهم الإغواء، قال الشيطان للإنسان: اكفر، قال تعالى: «كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ» بما يزين له، فإذا كفر يقول اللّه تعالى: «فَلَمَّا كَفَرَ قالَ» يقول الشيطان‏ «إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ» فشهد اللّه للشيطان بالخوف من اللّه رب العالمين في دار التكليف، و بالإيمان به بإخبار اللّه عنه، فإنه لا يوجد في الجن‏ لا في مؤمنهم و لا في كافرهم من يجهل الحق و لا من يشرك، و لهذا ألحقوا بالكفار،

و لم يلحقهم اللّه بالمشركين، و إن كانوا هم الذين يجعلون الإنس أن يشركوا، فإذا أشركوا تبرءوا ممن أشرك كما قال تعالى: «كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ» و هو وحي الشيطان إلى وليه ليجادل بالباطل أهل الحق، فإذا كفر «قالَ» يقول له: «إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ» فوصف الشيطان بالخوف من اللّه، و لكن على ذلك الإنسان لا على نفسه، فخوف الشيطان على الذي قبل إغواءه لا على نفسه، و سبب ارتفاع الخوف من الشيطان على نفسه علمه بأنه من أهل التوحيد، فهو يعلم أن اللّه واحد،

و يعلم مآل الموحدين إلى أين يصير، فاعتمد إبليس على هذا في حق نفسه، و طمع في الرحمة الإلهية التي وسعت كل شي‏ء، و طمعه فيها من عين المنة لإطلاقها، لأنه علم في نفسه أنه موحد و لهذا قال: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) فأقسم به تعالى لعلمه به، فما طغى أحد من الخلائق ما طغى الإنسان و علا في وجوده، فادعى الربوبية، فإن أكبر العصاة إبليس هو الذي يقول: «إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ» عند ما يكفر الإنسان إذا وسوس في صدره الكفر، و ما ادعى قط الربوبية و إنما تكبر على آدم لا على اللّه، فلو لا كمال الصورة في الإنسان ما ادعى الربوبية، فطوبى لمن كان على صورة تقتضي له هذه المنزلة من العلو و لم تؤثر فيه، و لا أخرجته من عبوديته،

فتلك العصمة، و لا يكن الشيطان مع كفره أدرك للأمور و أخوف من اللّه منك، و اعتبر في تبريه من ذلك، و ما أخذ الشيطان قط بعلمه لشرف علمه، و إنما يؤخذ لصدق الحق فيما قال فيما شرعه فيمن سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها، فالشيطان يوم القيامة يحمل أثقال غيره، فإنه في كل إغواء يتوب عقيبه، ثم يشرع في إغواء آخر فيؤاخذ بعمل غيره، لأنه من وسوسته، و الإنسان الذي لا يتوب إذا سن سنة سيئة يحمل أثقالها و أثقال من عمل بها، فيكون الشيطان أسعد حالا منه بكثير، و قد قال تعالى:

[سورة الحشر (59): آية 17]

فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (17)

المقلد إن مشى متبوعه مشى و إن وقف وقف، فهو معه حيثما كان إما في النجاة و إما في التلف‏ (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ، فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) «فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ» فأسكنه تقليده دار البوار «فَكانَ‏ عاقِبَتَهُما» أي جاءهما عقيب هذا الواقع‏ «أَنَّهُما فِي النَّارِ» فأعقب الشيطان برجوعه إلى أصله، فإنه مخلوق من النار فرجع إلى موطنه، و كان للإنسان عقوبة على كفره، حيث ظلم بقبول ما جاء به الشيطان، و لم يقبل ما جاء به الرسول، ثم قال: «خالِدَيْنِ فِيها» لأنها موطنهما، الواحد خلق منها و هو الشيطان، و الآخر خلق لها و إن كان فيه منها، فسكناها بحكم الأهلية، و عذّبا فيها بحكم الجريمة ما شاء اللّه، فخلد الشيطان في منزله و داره، و خلد الإنسان جزاء لكفره، و لهذا تبرأ منه للافتراق الذي بينهما في العاقبة، و قوله:

«وَ ذلِكَ» أشار ببنية الواحد و لم يثن الإشارة إلى العقاب فإنهما ما اشتركا فيه، لأن الذي أتى للإنسان عقيب ذنبه إنما هو العذاب، و الذي كان سهم الشيطان الذي أتاه عقيب فعله و قوله رجوعه إلى أصله الذي منه خلق، فلا يغتر العاقل‏ «جَزاءُ الظَّالِمِينَ» لأن الكفر هنا هو الشرك و هو الظلم العظيم، فكان قوله تعالى: «وَ ذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ» يريد المشركين، فإنهم الذين لبسوا إيمانهم بظلم، فإن قيل: كيف يخلد إبليس في النار و هو لم يكفر؟ قيل:

إن إبليس لا ينفعه تبريه من المشرك و من الشرك، فإنه هو الذي قال له: اكفر؛ فحار عليه وزر كل مشرك في العالم و إن كان موحدا، فإن من سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها، و ما سن إبليس الشرك و وسوس به حتى تصوره في نفسه على الصورة التي حصلت في نفس المشرك، فزالت عنه صورة التوحيد، فكان إبليس مشركا في نفسه بلا شك و لا ريب، و لا بد أن يحفظ في نفسه بقاء صورة الشريك ليمد بها المشركين مع الأنفاس، فإنه خائف منهم أن تزول عنهم صفة الشرك فيوحدوا اللّه فيسعدوا، فلا يزال إبليس يحفظ صورة الشرك في نفسه، و يراقب بها قلوب المشركين الكائنين شرقا و غربا و جنوبا و شمالا، و يرد بها الموحدين في المستقبل إلى الشرك ممن ليس بمشرك، فلا ينفك إبليس دائما على الشرك، فبذلك أشقاه اللّه، لأنه لا يقدر أن يتصور التوحيد نفسا واحدا لملازمته هذه الصفة، و حرصه على بقائها في نفس المشرك، فإنها لو ذهبت من نفسه لم يجد المشرك من يحدثه في نفسه بالشرك فيذهب الشرك عنه، فدل أن الشريك يستصحب إبليس دائما، فهو أول مشرك باللّه، و أول من سن الشرك، و هو أشقى العالمين.

 

[سورة الحشر (59): الآيات 18 الى 19]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (18) وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (19)

«وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ» فإن من نسي حق اللّه الذي أمره اللّه بإتيانه فقد نسي اللّه فإنه ما شرعه له إلا اللّه، فترك حق اللّه‏ «فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ» و صورة ذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: [من عرف نفسه عرف ربه‏] فمن نسي اللّه نسي نفسه بالضرورة، نسي ما للّه عليها من الحقوق، و ما لها من الحقوق؛ فكان في نسياننا للّه أن أنسانا اللّه أنفسنا، فنهينا عن ذلك، فهذه وصية إلهية صحيحة، و قد نهانا اللّه أن نكون كالذين نسوا اللّه فنسيهم، فنهانا أن ننسى اللّه مثل ما نسوه لنقوم بحق اللّه، و نقيم حق اللّه في الأشياء على نية صالحة و حضور مع اللّه، فيجازينا اللّه جزاء استحقاق استحققناه بأعمالنا التي وفقنا اللّه لها، و الذين نسوا اللّه تركوا حق اللّه‏ «أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» فأعاد الضمير عليهم، أي الخارجون عن الطريق المشروع.

[سورة الحشر (59): الآيات 20 الى 21]

لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (20) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى‏ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)

[العلم و تحمل نزول القرآن على القلب:]

أ ترى هذا الخشوع و التصدع من خشية اللّه عن غير علم بقدر ما أنزل اللّه عليه؟ و ما خاطب من التخويفات التي تذوب لها حمم الجبال الشامخات؟ و قد وصف الحق الجبل بالخشية، و عين وصفه بالخشية عين وصفه بالعلم بما أنزل عليه، قال تعالى: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) فهذه الآية تشير إلى شرف الجماد على الإنسان، أ ترى خشوعه و تصدعه لجهله بما أنزل عليه؟ لا و اللّه إلا بقوة علمه بذلك و قدره، أ لا تراه عزّ و جل يقول لنا في هذه الآية: «وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» فإنهم إذا تفكروا في ذلك‏ علموا شرف غيرهم عليهم، فإن شهادة اللّه بمقدار المشهود له بالتعظيم كالواقع منه لأنه قول حق، و علموا إذا تفكروا جهلهم بقدر القرآن حيث لم تظهر منهم هذه الصفة التي شهد اللّه بها للجبل، فلو علم الإنسان قدر القرآن و ما حمله لما كانت حالته هكذا، كما أن هذه الآية تدل على القوة الإلهية التي أعطاها اللّه لمن أنزل عليه الوحي، فإنهم علموا قدر من أنزله، فرزقهم اللّه من القوة ما يطيقون به حمل ذلك الجلال، إذ لا أقوى من العلم،

و لو نزل هذا القرآن على من ليست له هذه القوة لذاب في عينه لعظيم ما جاءه، فإن اللّه وصفه بأنه يضعف عن حمل ذلك، فانظر إلى ما كان يقاسي صلّى اللّه عليه و سلّم في باطنه من حمله القرآن لمعرفته به، و ما أبقى اللّه عليه جسده و عصم ظاهره من أن يتصدع كالجبل لو أنزل عليه القرآن إلا لكون اللّه تعالى قد قضى بتبليغه إلينا على لسانه، فلا بد أن يبقي صورته الظاهرة على حالها، حتى نأخذه منه، و كذلك بقاء صورة جبريل النازل به،- و من وجه آخر- لما كان القرآن جامعا تجاذبته الحقائق الإلهية و الكونية على السواء، فلم يكن فيه عوج و لا تحريف فمنزلته الاعتدال؛ و الاعتدال منزل حفظ بقاء الوجود على الموجود، فكان له الديمومية، و البقاء، فله بقاء التكوين و بقاء الكون، فلو نزل عن منزله لنزل من الاعتدال إلى الانحراف، و هو قوله: «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ» يعني عن منزله‏ «عَلى‏ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً» يعني الجبل،

فلم يحفظ عليه صورته لأنه نزل عن منزلته، و لما كان هذا منزله و تجاذبته الحقائق على سواء، كان من به أنزل عليه رحمة للعالمين، لأن الرحمة وسعت كل شي‏ء، فإذا أنزل القرآن عن منزله- فإنه كلامه، و كلامه على نسبة واحدة لما يقبله الكلام من التقسيم- فإنه ينزل و فيه حقيقة الاعتدال في النسب، و هو جديد عند كل تال أبدا، فلا يقبل نزوله إلا مناسبا له في الاعتدال، فهو معرى عن الهوى، و ما كل تال يحس بنزوله لشغل روحه بطبيعته، فينزل عليه من خلف حجاب الطبع، فلا يؤثر فيه التذاذا، فهو قرآن منزل على الألسنة لا على الأفئدة، و أما من نزل القرآن على قلبه فإنه يجد لنزوله عليه حلاوة لا يقدر قدرها، تفوق كل لذة. فإذا وجدها فذلك الذي نزل عليه القرآن الجديد الذي لا يبلى، و الفارق بين النزولين أن الذي ينزل القرآن على قلبه ينزل بالفهم، فيعرف ما يقرأ و إن كان بغير لسانه، و يعرف معاني ما يقرأ و إن كانت تلك الألفاظ لا يعرف معانيها في غير القرآن لأنها ليست بلغته، و يعرفها في تلاوته إذا كان ممن ينزل القرآن على قلبه عند تلاوته.

[سورة الحشر (59): آية 22]

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (22)

«هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ»

[التوحيد الثالث و الثلاثون في القرآن، و هو توحيد العلم:]

بدأ بهو، و أتى بالاسم المحيط بجميع الأسماء التي تأتي مفصلة، ثم بالنفي فنفى أن تكون هذه المرتبة لغيره، ثم أوجبها لنفسه بقوله: «إِلَّا هُوَ» فبدأ بهو و ختم بهو، فكل ما جاء من تفصيل أعيان الأسماء الإلهية فقد دخل تحت الاسم اللّه الآتي بعد قوله‏ «هُوَ» فإن‏ «هُوَ» أعم من كلمة «اللَّهُ» فإنها تدل على اللّه و على كل غائب و كل من له هوية، فكان الهو ختم الأسماء الإلهية و هو عين سابقتها، فإن الاسم اللّه دلالة على الرتبة، و الهوية دلالة على العين، لا تدل على أمر آخر غير الذات، فتدل على عين غائبة عن أن يحصرها علم مخلوق،

فلا يزال غيبا عند كل من يزعم أنه عالم به، و لذلك كان الهو عند الطائفة أتم الأذكار و أرفعها و أعظمها، و هو ذكر خواص الخواص، و ليس بعده ذكر أتم منه، فيكون ما يعطيه الهو في إعطائه أعظم من إعطاء اسم من الأسماء الإلهية حتى الاسم اللّه. «هُوَ اللَّهُ» و اختار الحق الاسم اللّه فأقامه في الكلمات مقامه، فهو الاسم الذي ينعت و لا ينعت به، فجميع الأسماء نعته و هو لا يكون نعتا، و لهذا يتكلف فيه الاشتقاق، فهو اسم جامد علم موضوع للذات في عالم الكلمات و الحروف، لم يتسمّ به غيره جلّ و علا، فعصمه من الاشتراك، كما دل أن لا يكون ثم إله غيره بقوله: «الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» اعلم أن الوحدة في الإيجاد و الوجود و الموجود لا تعقل إلا في‏ «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» فهذه أحدية المرتبة و هي أحدية الكثرة، فإذا أطلقت الأحدية فلا تطلق عقلا و نقلا إلا بإزاء أحدية المجموع، مجموع نسب أو صفات أو ما شئت على قدر ما أعطاه دليلك، و لكل نسبة أو صفة أحدية تمتاز بها عن غيرها في نفس الأمر، فمن أراد أن يميزها عند السامع أو المتعلم فما يقدر على ذلك إلا بمجموع حقائق، كل حقيقة معلومة عند السامع، و لذلك ما طلب الحق تعالى في الإيمان منا إلا توحيد الإله خاصة،

و هو أن نعلم أنه ما ثمّ إلا إله واحد لا إله إلا هو، فلم يكن ثمّ جمع يقتضي هذا الحكم، و هو أن يكون إلها إلا هذا المسمى بهذه الأسماء الحسنى، فأهل الحق يقولون بنسبة الألوهة لهذا الموجد للممكن المألوه، و معقول الألوهة ما هو معقول الذات، فالأحدية معقولة لا تتمكن العبارة عنها إلا بمجموع، مع كون العقل يعقلها و هي أحدية المجموع و آحاده، فالتجلي الإلهي لا يصح في الأحدية أصلا، و ما ثمّ غير الأحدية، و ما يتعقل أثر عن واحد لا جمعية له، فلا أعلم من اللّه باللّه، حيث لم يفرض الوحدة إلا أحدية المجموع، و هي‏ أحدية الألوهة له تعالى، فقال: «هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ» و كل اسم واحد مدلوله ليس مدلول عين الاسم الآخر،

و إن كان المسمى بالكل واحدا، فما عرف اللّه إلا اللّه، فإن معرفتنا باللّه بالأدلة العقلية و الشرعية إثبات وجود الذات مع جهلنا حقيقتها، فلا نصل إلى معرفة حقيقتها و لا يمكن الوصول إلى ذلك، و إثبات الألوهة للذات مع جهلنا بنسبة ما نسبناه إليها من الأحكام، فإنا و إن كنا نعرف النسبة من كونها نسبة، فقد نجهل النسبة الخاصة لجهلنا بالمنسوب إليه، و هذا هو التوحيد الثالث و الثلاثون في القرآن، و هو توحيد العلم، و هو من توحيد الهوية، و هو توحيد من حيث التفرقة، لأنه ميّز بين الغيب و الشهادة، و جمع بين العلم و الرحمة، فقال: «عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ»

[علم الغيب و أقسامه:]

أما قوله تعالى: «عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ» فاعلم أن اللّه تعالى لما خلق العالم جعل له ظاهرا و باطنا، و جعل منه غيبا و شهادة لنفس العالم، فما غاب من العالم عن العالم فهو الغيب، و ما شاهد العالم من العالم فهو شهادة، و كله للّه شهادة ظاهر، فكان قوله تعالى: «عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ» أي ما غاب عنا و ما نشهد، فإنه لا يتصور في حق اللّه غيب، فالغيب أمر إضافي لما غاب عنا، فالعالم عالمان ما ثم ثالث: عالم يدركه الحس و هو المعبر عنه بالشهادة، و عالم لا يدركه الحس و هو المعبر عنه بعالم الغيب، فإن كان مغيبا في وقت و ظهر في وقت للحس فلا يسمى ذلك غيبا،

و إنما الغيب ما لا يمكن أن يدركه الحس لكن يعلم بالعقل، إما بالدليل القاطع و إما بالخبر الصادق، و هو إدراك الإيمان، فالشهادة مدركها الحس، و هو طريق إلى العلم ما هو عين العلم، و ذلك يختص بكل ما سوى اللّه ممن له إدراك حسي، و الغيب مدركه العلم عينه، و الغيب في هذه الآية هو الذي يقابل الشهادة، فوصف نفسه بعلم المتقابلين، و ما هو الغيب الذي انفرد الحق به سبحانه في قوله تعالى: (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى‏ غَيْبِهِ أَحَداً) و ما قرنه بالشهادة، فإن هذا الغيب و إن اشترك مع ذاك في الاسمية إلا أن هناك فرقا، و هو أن هذا الغيب المقابل للشهادة هو الغيب المغيب الذي يتصف في وقت بالشهادة، لا بالغيب الذي يستحيل عليه أن يكون شهادة بوجه من الوجوه، فهو الغيب الإمكاني الذي تبرز منه الأشياء إلى عالم الشهادة، فإما أن تبقى في عالم الشهادة أو لا تبقى كالأعراض، فإن لم تبق فلا بد أن تفارق الشهادة، و إذا فارقت الشهادة فإنها تدخل إلى الغيب الذي لا يمكن أن يدرك أبدا شهادة، و لا يكون لها رجوع بعد ظهورها إلى الغيب الذي خرجت منه، بل تنتقل إلى الغيب المحالي‏ الذي لا يظهر عنه أبدا شي‏ء يتصف بالشهادة، فهذان غيبان: الغيب الذي يوجد منه الكائنات، و الغيب الذي ينتقل إليه بعض الكائنات بعد اتصافها بالشهادة، و هما بخلاف الغيب الذي لا يدرك بالحس، و الذي انفرد الحق بعلمه في قوله: (عالِمُ الْغَيْبِ) فالغيب في هذه الآية ظرف لعالم الشهادة، و عالم الشهادة هنا كل موجود سوى اللّه تعالى مما وجد و لم يوجد، أو وجد ثم ردّ إلى الغيب، كالصور و الأعراض و هو مشهود للّه تعالى، و لهذا قلنا إنه عالم الشهادة،

و لا يزال الحق سبحانه يخرج العالم من الغيب شيئا بعد شي‏ء إلى ما لا يتناهى عددا من أشخاص الأجناس و الأنواع، و منها ما يرده إلى غيبه و منها ما لا يرده أبدا، فالذي لا يرده أبدا إلى الغيب كل ذات قائمة بنفسها و ليس إلا الجواهر خاصة، و كل ما عدا الجواهر من الأجسام و الأعراض الكونية و اللونية، فإنها ترد إلى الغيب و يبرز أمثالها، و اللّه يخرجها من الغيب إلى شهادتها أنفسها، فهو عالم الغيب و الشهادة، و الأشياء في الغيب لا كمية لها، إذ الكمية تقتضي الحصر، فيقال كم كذا و كذا؟ و هذا لا ينطلق عليها في الغيب فإنها غير متناهية، فكم و كيف و الأين و الزمان و الوضع و الإضافة و العرض و أن يفعل و أن ينفعل، كل ذلك نسب لا أعيان لها، فيظهر حكمها بظهور الجوهر لنفسه إذا أبرزه الحق من غيبه، فإذا ظهرت أعين الجواهر تبعتها هذه النسب، فليس في الوجود المحدث إلا أعيان الجواهر و النسب التي تتبعه، فكان الغيب بما فيه كأنه يحوي على صورة مطابقة لعالمه، إذ كان علمه بنفسه علمه بالعالم،

[حضرة الخيال و الغيب و الشهادة:]

فالعالم عالمان، و الحضرة حضرتان، و إن كان قد تولد بينهما حضرة ثالثة من مجموعهما، فالحضرة الواحدة حضرة الغيب و لها عالم الغيب، و الحضرة الثانية حضرة الحس و الشهادة و يقال لعالمها عالم الشهادة، و مدرك هذا العالم بالبصر، و مدرك عالم الغيب بالبصيرة، و المتولد من اجتماعهما حضرة و عالم، فالحضرة حضرة الخيال، و العالم عالم الخيال، و هو ظهور المعاني في القوالب المحسوسة، كالعلم في صورة اللبن، و الثبات في الدين في صورة القيد، و الإسلام في صورة العمد، و الإيمان في صورة العروة، و جبريل في صورة دحية الكلبي و في صورة الأعرابي،

و تمثل لمريم في صورة بشر سوي، و لذلك كانت حضرة الخيال أوسع الحضرات، لأنها تجمع العالمين عالم الغيب و الشهادة، فإن حضرة الغيب لا تسع عالم الشهادة فإنه ما بقي فيها خلاء، و كذلك حضرة الشهادة، و حضرة الخيال العامة لا تعرفها و لا تدخلها إلا إذا نامت و رجعت القوى الحساسة إليها، و الخواص يرون ذلك في اليقظة لقوة التحقق بها، و في هذه الحضرة حضرة الخيال إن أكلت شبعت،

و إن مسكت فيه شيئا من ذهب أو ثياب أو ما كان بقي معك على حاله لا يتغير، و من ذلك المقام قال صلّى اللّه عليه و سلّم و قد نهى عن الوصال فقيل له: إنك تواصل، فقال صلّى اللّه عليه و سلّم: [لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني‏] فلم يكن في تلك الجماعة التي خاطبها في ذلك الوقت من له هذا المقام، و لم يقل لست كهيئة الناس، فكان إذا أكل شبع و واصل على قوة معتادة، و لما كان الأكل في حضرة الخيال لا في حضرة الحس صح أن يكون مواصلا، كذلك تقدمه صلّى اللّه عليه و سلّم لقطف عنقود من العنب، و تأخره و هو في الصلاة من النار التي مثلت له في عرض الحائط، و ليس ذلك المقام إلا للعبد المحض الخالص‏ «الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ» بالرحمة العامة و الرحمة الخاصة.

[سورة الحشر (59): آية 23]

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)

لما كان وجود العالم مرتبطا بوجود الحق فعلا و صلاحية، لهذا كان اسم الملك للّه تعالى أزلا- و إن كان عين العالم معدوما في العين- لكن معقوليته موجودة باسم المالك، فهو مملوك للّه تعالى وجودا و تقديرا قوة و فعلا، و قال تعالى: «هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ»

[التوحيد الرابع و الثلاثون في القرآن، و هو توحيد النعوت:]

بنسبة ملك السموات و الأرض إليه فإنه رب كل شي‏ء و مليكه، و الاسم الملك هو المهيمن على الأجناد الأسمائية، فإن أسماءه سبحانه و تعالى عساكره، و هي التي يسلطها على من يشاء و يرحم بها من يشاء «الْقُدُّوسُ» بقوله: (وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) و تنزيهه عن كل ما وصف به، فتقدست الألوهة أي تنزهت أن تدرك و في منزلتها أن تشرك، و القدوس من القدس و هي الطهارة الذاتية، كتقديس الحضرة الإلهية التي أعطيها الاسم القدوس، فهو اسم إلهي منه سرت الطهارة في الطهارات كلها، و هو قدوس مطهر من الأسماء النواقص، و هي التي لا تتم إلا بصلة و عائد، فإن من أسمائه سبحانه الذي و ما، فهو القدوس أي المطهر عن نسبة الأسماء النواقص إليه، و هو قدوس عن تغيره في نفسه بتغير الأحكام‏

 

– إشارة

– اعلم أن الاسم القدوس يصحب الموجودات و به ثبت قوله تعالى: (وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) فلا ينبغي أن يحال بين العبد و سيده، و لا يدخل بين العبد و سيده إلا بخير، و لا شك أن النجاسة أمر عرضي عيّنه حكم شرعي، و الطهارة أمر ذاتي، فلا أصل للنجاسة في الأعيان،إذ الأعيان طاهرة بالأصل، فما في الوجود بحكم الحقيقة إلا طاهر. «السَّلامُ» بسلامته من كل ما نسب إليه مما كره من عباده أن ينسبوه إليه. «الْمُؤْمِنُ» هنا له وجهان: بمعنى المصدق، و بمعنى معطي الأمان بما أعطاهم من الأمان إذا وفوا بعهده، فهو المؤمن بما صدق عباده،

ورد في الخبر أن العبد يقول في حال من الأحوال: اللّه أكبر، فيقول اللّه: أنا أكبر، يقول العبد: لا إله إلا انت، يقول اللّه: لا إله إلا أنا، يقول العبد: لا إله إلا اللّه له الملك و له الحمد، يقول اللّه: لا إله إلا أنا لي الملك و لي الحمد، يصدق عبده، و من هنا كان اسمه المؤمن، فهو مصدق الصادقين من عباده عند من لم يثبت صدقهم عنده، فإذا صدق المؤمن في جميع أقواله و أفعاله و أحواله و إعطاء الأمان منه لكل خائف من جهته، فإذا صدق في ذلك كله، صدّقه اللّه تعالى، لأنه لا يصدق سبحانه إلا الصادق، و لا يصدقه تعالى إلا من اسمه المؤمن لا غير؛-

و من وجه آخر- لما كان الإيمان نصف صبر و نصف شكر، و اللّه هو الصبور الشكور، فمن اسمه المؤمن شكر عباده على ما أنعموا به على الأسماء الإلهية، بقبولهم لآثارها، و صبر على أذى من جهله من عباده فنسب إليه ما لا يليق به و نسبوا إليه عدوا بغير علم- كما أخبرنا عنهم- فصبر على ذلك، و لا شخص أصبر على أذى من اللّه لاقتداره على الأخذ، فهو المؤمن الكامل في إيمانه بكمال صبره و شكره، و من كون الحياء من الإيمان فإنه يستحي أن يكذب ذا شيبة يوم القيامة، فيصدقه مع كذبه و يأمر به إلى الجنة.

«الْمُهَيْمِنُ» هو الشاهد على الشي‏ء بما هو له و عليه، فهو الشاهد على عباده بما هم فيه من جميع أحوالهم مما لهم و عليهم. «الْعَزِيزُ» لغلبه من غالبه إذ هو الذي لا يغالب، و امتناعه في علو قدسه أن يقاوم‏ «الْجَبَّارُ» في اللسان: الملك العظيم، و هو الجبار بما جبر عليه عباده في اضطرارهم و اختيارهم، فهم في قبضته تعالى، فهو تعالى الجبار بما للذات من جبر في العالم بالأسماء الإلهية، و له الجبر بالإحسان على الظاهر و الباطن، فله الجبر بطريق القهر و المغالبة على الظاهر، و له الجبر الذاتي بالتجلي في العظمة الحاكمة على كل نفس فتذهل عن ذاتها و عزتها، فلله قهر خفي في العالم لا يشعر به،

و هو ما جبرهم عليه في اختيارهم، و قهر جلي و هو ما ليس فيه اختيار يحكم عليهم، فللحق الرفعة أصلا و ذلك بقوله‏ «الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ» و لكنه لما نزل لعباده حتى ظن بعض الناس أن ذلك له حقيقة قال‏ «الْمُتَكَبِّرُ» فهي رفعة للحق بعد نزوله إلى عباده، لما حصل في النفوس الضعيفة من نزوله إليهم في خفي ألطافه لمن تقرب بالحد و المقدار، من شبر و ذراع و باع و هرولة و تبشيش و فرح و تعجب‏ و ضحك و أمثال ذلك، فكان التكبر من صفات الحق لما كان من نزوله في الصفات إلى ما يعتقده أصحاب النظر و أكثر الخلق أنه صفة المخلوق، فلما علم ذلك منهم و هو سبحانه قد وصف لهم نفسه بتلك الصفات حتى طمعوا فيه،

و ضل بها قوم عن طريق الهدى، كما اهتدى بها قوم في طريق الحيرة، قام لهم تعالى في صفة التكبر عن ذلك النزول، ليعلمهم أنه و إن اشترك معهم في الاسمية فإن نسبتها إليه تعالى ليست كنسبتها إلى المخلوق، فيكون مثل هذا تكبرا فإن نسبة التكبر محيرة، فتحير من تحير في نسبة التكبر إلى الحق و تحقيقها أن لو علم نزول الحق لعباده- إذ ليس في قوة الممكن نيل ما يستحقه الحق من الغنى عن العالم، و في قوة الحق مع غناه من باب الفضل و الكرم النزول لعباده- لعلمنا تلك النسبة، فإن جهل أحد من العباد قدر هذا النزول الإلهي، و تعاظم العبد في نفسه لنزول الحق له، و لم يعلم أن نزول الحق لعباده ما هو لعين عباده، و إنما ذلك لظهور أحكام أسمائه الحسنى في أعيان الممكنات،

فما علم أنه لنفسه نزل لا لخلقه، كما قال تعالى: (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فما خلقهما إلا من أجله، و الخلق نزول من مقام ما يستحقه من الغنى عن العالمين، فالمتخيل من العباد خلاف هذا و أنه تعالى ما نزل إلا لما هو المخلوق عليه من علو القدر و المنزلة، فهذا أجهل الجاهلين، فأعطى الحق هذا النزول أو ما توهمه الجاهل أن يتسمى الحق بالمتكبر عن هذا النزول، و لكن بعد هذا النزول لا قبله وجودا و تقديرا لا بد من ذلك.

و اعلم أن التكبر لا يكتسبه الكبير و إنما يكتسبه الأدنى في الرتبة، فيكسب العبد الكبرياء بما هو الحق صفته، فالكبرياء للّه لا للعبد، فهو محمود مشكور في كبريائه و تكبره، و يكسب الحق هذا الاسم، فإنه تعالى ذكر عن نفسه أنه متكبر، و ذلك لنزوله تعالى إلى عباده في خلقه آدم بيديه، و غرسه شجرة طوبى بيده، و كونه يمينه الحجر الأسود، و في يد المبايع بالإمامة من الرسل في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ) و نزوله في قوله [جعت فلم تطعمني، و ظمئت فلم تسقني، و مرضت فلم تعدني‏] و ما وصف الحق به نفسه مما هو عندنا من صفات المحدثات، فلما تحقق بهذا النزول عندنا حتى ظن أكثر المؤمنين أن هذه له صفة استحقاق، و تأولها آخرون من المؤمنين، فمن اعتقد أن اتصاف الحق بهذا أن المفهوم منه ما هو المفهوم من اتصاف الخلق به، أعلم الحق هذه الطائفة خاصة أنه يتكبر عن هذا، أي عن المفهوم الذي فهمه القاصرون من كون نسبته إليه تعالى على حد نسبته إلى المخلوق، و به يقول أهل الظاهر أهل الجمود منهم القاصرة أفهامهم عن استحقاق كل مستحق حقه،

فقال عن نفسه تعالى إنه‏ «الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ» عن هذا المفهوم و إن اتصف بما اتصف به، فله تعالى الكبرياء من ذاته، و له التكبر عن هذا المفهوم لا عن الاتصاف، لأنه لو تكبر عما وصف به نفسه مما ذكرنا لكان كذبا، و الكذب في خبره محال، فالاتصاف بما وصف به نفسه حق يعلمه أولو الألباب. و من كون الحق متكبرا أن يجد العبد في قلبه كبرياء الحق فلا يعصه، فالذي اجرأ العصاة و من اجترأ على اللّه من عباده على المخالفة، ما وصف الحق به نفسه من العفو و المغفرة، و نهاهم عن القنوط من رحمة اللّه، فما عندهم رائحة من نعت التكبر الإلهي الذي هو به متكبر في قلوب عباده، إذ لو كبر عندهم ما اجترءوا على شي‏ء من ذلك، و لا حكمت عليهم هذه الأسماء التي أطمعتهم، فإن كبرياء الحق إذا استقر في قلب عبد و هو التكبر، من المحال أن تقع منه مخالفة لأمر الحق بوجه من الوجوه، فالحق المتكبر إنما هو في نفس هذا الموافق الطائع عبد اللّه على الحقيقة، و التوحيد في هذه الآية هو التوحيد الرابع و الثلاثون في القرآن، و هو توحيد النعوت، و هو من توحيد الهوية المحيطة، فله النعوت كلها، نعوت الجلال، فإن صفات التنزيه لا تعطي الثبوت، و الأمر وجودي ثابت، فلهذا قدم الهوية و أخرها حتى إذا جاءت نعوت السلب، و حصلت الحيرة في قلب السامع، منعت الهوية بإحاطتها أن يخرج السامع إلى العدم، فيقول: فما تمّ شي‏ء وجودي، إذ قد خرج عن وجود العقل و الحس فيلحقه بالعدم فتمنعه الهوية، فإن الضمير لا بد أن يعود على أمر مقرر:

[سورة الحشر (59): آية 24]

هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)

هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ‏ بالتقدير و الإيجاد، و الخالق هنا صفة للّه موصوف للبارئ، و على ذلك تؤخذ الأسماء الإلهية إذا وقعت بين اسمين إلهيين، فالخالق صفة للّه موصوف للبارئ‏ «الْبارِئُ» بما أوجده من مولدات الأركان‏ «الْمُصَوِّرُ» بما فتح في الهباء من الصور، و في أعين المتجلى لهم من صور التجلي المنسوبة إليه، ما نكر منها و ما عرف، و ما أحيط بها و ما لم يدخل تحت إحاطة. «لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏» و هي تسعة و تسعون اسما، مائة إلا واحد، و كل اسم واحد مدلوله ليس مدلول عين الاسم الآخر، و إن كان المسمى بالكل واحدا،فهذه أحدية المجموع و آحاده، فما ثمّ جمع يقتضي هذا الحكم و هو أن يكون إلها إلا هذا المسمى بهذه الأسماء الحسنى المختلفة المعاني، التي افتقر إليها الممكن في وجود عينه. «يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» و لم يقل.

«وَ ما فِي الْأَرْضِ» لأن كثيرا من الناس في الأرض لا يسبحون اللّه، و ممن يسبح اللّه منهم ما يسبحه في كل حال، و الأرض تسبحه في كل حال، و السموات و ما فيها من الملائكة و الأرواح المفارقة تسبحه كما قال‏ (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) فراعى هنا من يدوم تسبيحه و هو الأرض، كما راعى في موطن آخر من القرآن تسبيح من في الأرض و إن كان البعض من العالم، فقال عزّ من قائل‏ (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ) بجمع من يعقل، ثم أكد ذلك بقوله‏ (وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) و زاد في التأكيد بقوله‏ (وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) فأتى بلفظة من و لم يأت بما، و أتى هنا بما و لم يأت بمن، فإن سيبويه يقول: إن اسم ما يقع على كل شي‏ء؛ إلا أنه لم يعم الموجودات. و اعلم أن حضرة التصوير هي آخر حضرة الخلق و ليس وراءها حضرة للخلق جملة واحدة، فهي المنتهى و العلم أولها، و الهوية هي المنعوتة بهذا كله، أعني الهوية فابتدأ بقوله‏ «هُوَ» لأن الهوية لا بد منها، ثم ختم بها في السلب و الثبوت و هو قوله‏ (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) و ابتدأ من الصفات بالعلم بالغيب و الشهادة و ختم بالمصور، و لم يعين بعد ذلك اسما بعينه، بل قال‏ «لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏» ثم ذكر أن له يسبح ما في السموات و الأرض، فإن إنشاء الصور لا يتناهى دنيا و لا آخرة، فالإنشاء متصل دائم و إن تناهت الدنيا، فسبحان من يجهل فلا يعلم و يعلم فلا يجهل‏ «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» و من خصائص هذه السورة سورة الحشر:

جعل الرحمن آخرها عصمة لنا من الفتن‏
عصم الرحمن قارئها أبدا في السر و العلن‏

 

تحقيق- [تحقيق: ما خلق اللّه تعالى الثقلين إلا بأسماء اللطف و الحنان‏]

اعلم أن الثقلين ما خلقهم اللّه تعالى إلا بأسماء اللطف و الحنان، و الرأفة و الرحمة، و التنزل الإلهي، فخلقهم بالاسم الرحمن، فلما نظروا إلى الأسماء التي وجدوا عنها ما رأوا اسما إليها منها يقتضي أخذهم و عقوبتهم إن عصوا أمره و نهيه، و تكبروا على أمره، فلم يطيعوه و عصوه، لأنه تعالى بالرحمة أوجدنا، لم يوجدنا بصفة القهر، و كذلك تأخرت المعصية فتأخر الغضب عن الرحمة في الثقلين، فاللّه يجعل حكمهما في الآخرة كذلك، و لو كانت بعد حين، أ لا ترى اللّه تعالى إذا ذكر أسماءه لنا يبتدي بأسماء الرحمة و يؤخر أسماء الكبرياء،لأنا لا نعرفها، فإذا قدّم لنا أسماء الرحمة عرفناها و حننا إليها، عند ذلك يتبعها أسماء الكبرياء لنأخذها بحكم التبعية،

فقال تعالى: «هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ» فهذا نعت يعم الجميع أي جميع المخلوقات، و ليس واحدته بأولى من الآخر، ثم ابتدأ فقال‏ «هُوَ الرَّحْمنُ» فعرفنا «الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ» لأنا عنه وجدنا، ثم قال بعد ذلك‏ «هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» ابتدأ ليجعله فصلا بين‏ «الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ» و بين‏ «الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ» فقال‏ «الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ» و هذا كله من نعوت الرحمن، ثم جاء و قال‏ «الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ» فقبلنا هذه النعوت بعد أن آنسنا بأسماء اللطف و الحنان و أسماء الاشتراك التي لها وجه إلى الرحمة، و وجه إلى الكبرياء و هو «اللَّهُ» و «الْمَلِكُ» فلما جاء بأسماء العظمة و المحل قد تأنس بترادف الأسماء الكثيرة الموجبة الرحمة،

قبلنا أسماء العظمة لما رأينا أسماء الرحمة قد قبلتها حيث كانت نعوتا لها، فقبلناها ضمنا تبعا لأسمائنا، ثم إنه لما علم الخالق أن صاحب القلب و العلم باللّه و بمواقع خطابه إذا سمع مثل أسماء العظمة لا بد أن تؤثر فيه أثر خوف و قبض، نعتها بعد ذلك و أردفها بأسماء لا تختص بالرحمة على الإطلاق، و لا تعرى عن العظمة على الإطلاق فقال: «هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏» و هذا كله تعليم من اللّه عباده و تنزل إليهم، و لهذا قدّم سبحانه في كتابه بسم اللّه الرحمن الرحيم في كل سورة إذ كانت تحوي على أمور مخوفة تطلب أسماء العظمة و الاقتدار، فقدم أسماء الرحمة تأنيسا و بشرى، و ما طلب اللّه تعالى من عباده في حقه إلا أن يعلموا أنه إله واحد لا شريك له و بشرى، و ما طلب اللّه تعالى من عباده في حقه طلا أن يعلموا أنه إله واحد لا شريك له في ألوهته لا غير، و أن له الأسماء الحسنى بما هي عليه من المعاني في اللسان، و قرن النجاة و السعادة بمن وقف عند ما جاء من عنده عزّ و جل في كتبه و على ألسنة رسله‏ «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 317

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=