تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة النحل
سورة النحل
[1- 27]
[سورة النحل (16): الآيات 1 الى 27]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (2) خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)
وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ (5) وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (7) وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (8) وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَ مِنْها جائِرٌ وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (9)
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّيْتُونَ وَ النَّخِيلَ وَ الْأَعْنابَ وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَ ما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَ تَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)
وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً وَ سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (17) وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ (19)
وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24)
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (25) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ أَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (26) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَ يَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَ السُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (27)
أَتى أَمْرُ اللَّهِ لما كان صلى اللّه عليه و سلم من أهل القيامة الكبرى يشاهدها و يشاهد أحوالها في عين الجمع، كما قال صلى اللّه عليه و سلم: «بعثت أنا و الساعة كهاتين». أخبر عن شهوده بقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ و لما كان ظهورها على التفصيل بحيث تظهر لكل أحد لا يكون إلا بوجود المهدي عليه السلام قال: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ لأن هذا ليس وقت ظهوره، ثم أكد شهوده لوجه اللّه و فناء الخلق في القيامة بقوله: سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ من إثبات وجود الغير.
ثم فصّل ما شهد في عين الجمع لكونه في مقام الفرق بعد الجمع يشاهد كثرة الصفات في عين أحدية الذات بحيث لا يحتجب بالوحدة عن الكثرة و لا بالعكس، كما ذكر في قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ[1] الآية، فقال: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ أي: العلم الذي يحيي به القلوب، يعني:القرآن مِنْ عالم أَمْرِهِ الذي انتقش فيه عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ المخصوصين بمزيد عنايته، إن أخبروهم بالتوحيد و التقوى، فبين بعد بيان أحديّة الذات عالم الصفات الحقيقية بتنزيل الروح الذي هو العلم، و إثبات المشيئة التي هي الإرادة، و عالم الأسماء بإثبات الملائكة، و عالم الأفعال بالإنذار.
ثم عدّ الصفات الإضافية كالخلق و الرزق، و فصّل النعم المتعددة كالنعم و غيرها. و لما ظهر الحق و الخلق ظهر طريق الحق و الباطل، فقال: وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ أي: عليه لزوم السبيل المستقيم و الهداية إليها لأهله، كما قال: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[2] أي: كل من كان على هذا الصراط الذي هو طريق التوحيد لا بدّ و أن يكون من أهله تعالى لأنه طريقه الذي يلزمه.
و من السبيل جائِرٌ يعني بعض السبل، و هي السبل المتفرقة مما عدا سبيل التوحيد جائر عادل عن الحق، موصل إلى الباطل لا محالة، فهي سبيل الضلالة كيفما كانت. و لم يشأ هداية الجميع إلى السبيل المستقيم لكونها تنافي الحكمة.
[28- 34]
[سورة النحل (16): الآيات 28 الى 34]
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (34)
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قد مرّ أن السابقين الموحدين يتوفاهم اللّه تعالى بذاته، و أما الأبرار و السعداء فقسمان: فمن ترقى عن مقام النفس بالتجرّد و وصل إلى مقام القلب بالعلوم و الفضائل يتوفّاهم ملك الموت، و من كان في مقام النفس من العباد و الصلحاء و الزهّاد و المتشرّعين الذين لم يتجرّدوا عن علائق البدن بالتزكية و التحلية تتوفاهم ملائكة الرحمة بالبشرى بالجنة، أي: جنّة الأفعال و الآثار.
و أما الأشرار الأشقياء فكيفما كانوا تتوفاهم ملائكة العذاب، إذ القوى الملكوتية المتصلة بالنفوس تتشكل بهيئات تلك النفوس، فإذا كانت محجوبة ظالمة كانت هيئاتهم غاسقة ظلمانية هائلة، فتتشكل القوى الملكوتية القابضة لنفوسهم بتلك الهيئات لمناسبتها، و لهذا قيل: إنما يظهر ملك الموت على صورة أخلاق المحتضر، فإذا كانت رديئة، ظلمانية، كانت صورته هائلة، موحشة، غلب على من يحضره الخوف و الذعر، و تذلّل و تمسكن، و نزل عن استكباره، و أظهر العجز و المسكنة، و هذا معنى قوله: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ أي: سالموا، و هانوا، و لانوا، و تركوا العناد و التمرّد و قالوا: ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ فأجيبوا بقولهم: بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَفَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ الأفعال.
و أما المتّقون عن المعاصي و المناهي، الواقفون مع أحكام الشريعة، المعترفون بالتوحيد و النبوّة على التقليد لا التحقيق، و إلا لتجرّدوا بعلم اليقين عن صفات النفس إلى مقام القلب، فتتوفاهم الملائكة طيبين على صورة أخلاقهم و أعمالهم الطيبة الجميلة، فرحين مستبشرين يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أي: الجنة المعهودة عندهم، و هي جنة النفوس من جنات الأفعال بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
[35- 39]
[سورة النحل (16): الآيات 35 الى 39]
وَ قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (35) وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (37) وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (39)
وَ قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ إنما قالوا ذلك عنادا و تعنتا عن فرط الجهل، و إلزاما للموحدين بناء على مذهبهم، إذ لو قالوا ذلك عن علم و يقين لكانوا موحدين لا مشركين بنسبة الإرادة و التأثير إلى الغير، لأن من علم أنه لا يمكن وقوع شيء بغير مشيئة من اللّه، علم أنه لو شاء كل من في العالم شيئا لم يشأ اللّه ذلك لم يمكن وقوعه، فاعترف بنفي القدرة و الإرادة عما عدا اللّه تعالى فلم يبق مشركا، قال اللّه تعالى: وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا[3]. كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ في تكذيب الرسل بالعناد.
[40- 47]
[سورة النحل (16): الآيات 40 الى 47]
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)
أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (47)
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الفرق بين إرادة اللّه تعالى و علمه و قدرته لا يكون إلا بالاعتبار، فإن اللّه تعالى يعلم كل شيء و يعلم وقوعه في وقت معين بسبب معين على وجه معين، فإذا اعتبرنا علمه بذلك قلنا بعالميته، و إذا اعتبرنا تخصيصه بالوقت المعين و الوجه المعين قلنا بإرادته، و إذا اعتبرنا وجوب وجوده بوجود ما يتوقف عليه وجوده في ذلك الوقت على ذلك الوجه المعلوم قلنا بقدرته، فمرجع الثلاثة إلى العلم. و لو اقتضى علمنا وجود شيء و لم يتغير و لم يحتج إلى تروّ و عزيمة غير كونه معلوما و تحريك الآلات لكان فينا أيضا كذلك.
[48]
[سورة النحل (16): آية 48]
أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ (48)
أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ أي: ذات و حقيقة مخلوقة، أية ذات كانت من المخلوقات يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ أي: يتجسد و يتمثل هياكله و صوره، فإن لكل شيء حقيقة هي ملكوت ذلك الشيء و أصله الذي هو به هو كما قال تعالى: بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ*[4].
و ظلاله هو: صفته و مظهره، أي: جسده الذي به يظهر ذلك الشيء. عَنِ الْيَمِينِ وَ عن الشَّمائِلِ أي: عن جهة الخير و الشرّ سُجَّداً لِلَّهِ منقادة بأمره، مطواعة لا تمتنع عما يريد فيها، أي: يتحرك هياكله إلى جهات الأفعال الخيرية و الشرّية بأمره وَ هُمْ داخِرُونَ صاغرون، متذللون لأمره، مقهورون.
[49- 53]
[سورة النحل (16): الآيات 49 الى 53]
وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَ الْمَلائِكَةُ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (50) وَ قالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لَهُ الدِّينُ واصِباً أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (53)
وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ينقاد ما فِي السَّماواتِ في عالم الأرواح من أهل الجبروت و الملكوت و الأرواح المجرّدة المقدّسة وَ ما فِي الْأَرْضِ في عالم الأجساد من الدواب و الأناسيّ و الأشجار و جميع النفوس و القوى الأرضية و السماوية وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ لا يمتنعون عن الانقياد و التذلّل لأمره يَخافُونَ رَبَّهُمْ أي: يتكسرون و يتأثرون و ينفعلون منه انفعال الخائف مِنْ فَوْقِهِمْ من قهره و تأثيره و علوّه عليهم وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ طوعا و انقيادا بحيث لا يسعهم فعل غيره.
[54- 55]
[سورة النحل (16): الآيات 54 الى 55]
ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55)
إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ بنسبة النعمة إلى غيره و رؤيته منه، و كذا بنسبة الضرّ إلى الغير و إحالة الذنب في ذلك عليه، و الاستعانة في رفعه به.
قال اللّه تعالى: «أنا و الجنّ و الإنس في نبأ عظيم، أخلق و يعبد غيري، و أرزق و يشكر غيري»، و ذلك هو كفران النعمة و الغفلة عن المنعم المشار إليهما بقوله: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وبال ذلك الاعتقاد عليهم، أو فسوف تعلمون بظهور التوحيد أن لا تأثير لغير اللّه في شيء.
[56- 74]
[سورة النحل (16): الآيات 56 الى 74]
وَ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (57) وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60)
وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ (61) وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَ تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَ أَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (63) وَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65)
وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (66) وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)
وَ اللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ شَيْئاً وَ لا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (74)
وَ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ وجوده مما سواه نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ فيقولون: هو أعطاني كذا، و لو لم يعطني لكان كذا، و فلان رزقني و أعانني، فيجعلون لغيره تأثيرا في وصول ذلك إليه، و إن لم يثبتوا له تأثيرا في وجوده فقد جعلوا له نصيبا مما رزقهم اللّه.
[75- 76]
[سورة النحل (16): الآيات 75 الى 76]
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَ مَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (75) وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَ هُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (76)
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا للمجرّد و المقيد و المشرك و الموحد عَبْداً مَمْلُوكاً محبّا لغير اللّه، مؤثرا له بهواه، فإن المقيد بالشيء يدين بدينه و يصدر عن حكمه، و يتصرّف بأمره، فهو عبده إذ كل من أحب شيئا أطاعه، و إذا أطاعه فقد عبده. فمنهم من يعبد الشيطان و منهم من يعبد الشهوة و منهم من يعبد الدنيا أو الدينار أو اللباس، كما قال عليه الصلاة و السلام: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، و تعس عبد الخميصة»، و قال اللّه تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ[5] و إذا عبده كان مملوكه و رقيقه.
لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لأن المحب و العابد لا يرتقي همته و تأثيره و قوّة نفسه من محبوبه و معبوده و إلا لما كان مقهورا له، أسيرا في وثاقه، بل ينقض منه و معبوده عاجز لا تأثير له، بل لا وجود سواء كان جمادا أو حيوانا أو إنسانا أو ما شئت، فهو أعجز منه و أذلّ، و لهذا قيل: إن الدنيا كالظلّ، إذا تبعته فاتك و إن تركته تبعك، فإن تابع الدنيا أحقر قدرا من الدنيا و أقلّ خطرا، و لا تأثير للدنيا فكيف به حتى يحصل له و بسببه شيء؟ و إنّ الدنيا ظلّ زائل، فهو ظل الظل و لا ظلّ لظلّ الظلّ، بل الظلّ للذات و لا ذات له فلا ملك له و لا قدرة.
وَ مَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً و من أحبنا و أقبل بقلبه علينا، و تجرّد عما سوانا، و انقطع إلينا، أعطيناه الأيد و القوة، و رزقناه الملك و الحكمة، و أسبغنا عليه النعمة الظاهرة و الباطنة لأنه متوجه إلى مالك الملك، منعم الكل، منيع القوى و القدر، فأكسب نفسه القوة و التأثير و القدرة منه، و تأثر منه الأكوان و الأجرام و أطاعه الملك و الملكوت كما أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام:«يا دنيا اخدمي من خدمني، و أتعبي من خدمك».
ثم إذا ربت همّته الشريفة عن الأكوان و لم تقف بمحبته مع غير اللّه و لم يلتفت إلى ما سواه زدنا في رزقه فآتيناه صفاتنا و محونا عنه صفاته، فعلمناه من لدنا علما و أقدرناه بقدرتنا، كما قال تعالى:«لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به»، الحديث. فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراً ينفق من النعم الباطنة كالعلم و الحكمة سرّا، و من الظاهرة جهرا، أو ينفق من كلتيهما سرّا كالذي يصل إلى الناس من غير تسببه لوصوله ظاهرا و هو في الحقيقة منه وصل لأنه حينئذ واسطة الوجود الإلهي و وكيل حضرته و جهرا كالذي يتسبب هو بنفسه ظاهرا لوصوله هَلْ يَسْتَوُونَ استفهام بطريق الإنكار و كذا المشرك كالأبكم الذي لم يكن له استعداد النطق في الخلقة لأنه ما استعدّ للإدراك و العقل الذي هو خاصية الإنسان، فيدرك وجوب وجود الحق تعالى و كماله و إمكان الغير و نقصانه فيتبرأ عن غيره و يلوذ به عن حول نفسه و غيره و قوّتهما.
لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لعدم استطاعته و قصور قوته للنقص اللازم لاستعداده وَ هُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ لعجزه بالطبع عن تحصيل حاجته، فهو عبد بالطبع محتاج، متذلّل للغير، ناقص عن رتبة كل شيء لكونه أقل من لا شيء، فإن الممكن الذي يعبده ليس بشيء سواء كان ملكا أو ملكا أو فلكا أو كوكبا أو عقلا أو غيرها أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ لعدم استعداده و شرارته بالطبع فلا يناسب إلا الشرّ الذي هو العدم فكيف يأتي بالخير هَلْ يَسْتَوِي هُوَ و الموحد القائم باللّه، الفاني عن غيره حتى نفسه يقوم بالحق، و يعامل الخلق بالعدل، و يأمر بالعدل، لأن العدل ظلّ الوحدة في عالم الكثرة فحيث قام بوحدة الذات وقع ظله على الكل، فلم يكن إلا آمرا بالعدل وَ هُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: صراط اللّه الذي عليه خاصته من أهل البقاء بعد الفناء الممدود على نار الطبيعة لأهل الحقيقة يمرّون عليه كالبرق اللامع.
[77- 78]
[سورة النحل (16): الآيات 77 الى 78]
وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)
وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أي: و للّه علم الذي خفي في السموات و الأرض من أمر القيامة الكبرى، أو علم مراتب الغيوب السبعة التي أشرنا إليه من غيب الجنّ و النفس و القلب و السرّ و الروح و الخفي و غيب الغيوب أو ما غاب من حقيقتهما أي: ملكوت عالم الأرواح و عالم الأجساد وَ ما أَمْرُ القيامة الكبرى بالقياس إلى الأمور الزمانية إِلَّا كأقرب زمان يعبر عنه مثل لمح البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ و هو بناء على التمثيل و إلا فأمر الساعة ليس بزماني و ما ليس بزماني يدركه من يدركه لا في الزمان إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يقدر على الإماتة و الإحياء و الحساب لا في زمان كما يشاهد أهله و خاصته.
[79- 82]
[سورة النحل (16): الآيات 79 الى 82]
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79) وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَ يَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَ مِنْ أَصْوافِها وَ أَوْبارِها وَ أَشْعارِها أَثاثاً وَ مَتاعاً إِلى حِينٍ (80) وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَ جَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَ سَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (82)
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ القوى الروحانية و النفسانية من الفكر و العقل النظري و العملي، بل الوهم و التخيّل مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ أي: فضاء عالم الأرواح ما يُمْسِكُهُنَ من غير تعلق بمادة و لا اعتماد على جسم ثقيل إِلَّا اللَّهُ.
[83]
[سورة النحل (16): آية 83]
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (83)
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ أي: هداية النبي أو وجوده لما ذكرنا أنّ كل نبيّ يبعث على كمال يناسب استعدادات أمّته و يجانسهم بفطرته، فيعرفونه بقوّة فطرتهم ثُمَّ يُنْكِرُونَها لعنادهم و تعنتهم بسبب غلبة صفات نفوسهم من الكبر و الأنفة و حبّ الرياسة أو لكفرهم و احتجابهم عن نور الفطرة بالهيئات الغاسقة الظلمانية و تغير الاستعداد الأول وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ في إنكاره لشهادة فطرهم بحقيته.
[84- 86]
[سورة النحل (16): الآيات 84 الى 86]
وَ يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) وَ إِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَ إِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (86)
وَ يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي: نبعث نبيّهم على غاية الكمال الذي يمكن لأمّته الوصول إليه أو التقرّب منه و التوجه إليه لإمكان معرفتهم إياه فيعرفونه، و لهذا يكون لكل أمة شهيد غير شهيد الأمة الأخرى، و يعرف كل من قصر و خالف نبيّه بالإعراض عن الكمال الذي هو يدعو إليه، و الوقوف في حضيض النقصان قصوره و احتجابه فلا حجة له و لا نطق، فيبقى متحيّرا متحسرا، و هو معنى قوله: ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا و لا سبيل له إلى إدراك ما فاته من كماله لعدم آلته، و لا يمكن أن يرضى بحاله لقوّة استعداده الفطري الذي جبل عليه، و شوقه الأصلي الغريزي إليه، فهو مكظوم لا يستعتب و لا يسترضى.
[87- 90]
[سورة النحل (16): الآيات 87 الى 90]
وَ أَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (87) الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (88) وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (89) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)
وَ أَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ أي: الاستسلام و الانقياد. و قد جاء إنكارهم كقوله تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ[6] و ذلك بحسب المواقف، فالإنكار في الموقف الأول وقت قوّة هيئات الرذائل و شدّة شكيمة النفس في الشيطنة، و غاية البعد عن النور الإلهي للاحتجاب بالحجب الغليظة و الغواشي المظلمة حتى لا يعلم أنه كان يراه و يطلع عليه و نهاية تكدّر نور الفطرة حتى يمكنه إظهار خلاف مقتضاه.
و الاستسلام في الموقف الثاني بعد مرور أحقاب كثيرة من ساعات اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة حين زالت الهيئات، و رقّت و ضعفت شراشر النفس في رذائلها، و قرب من عالم النور لرقّة الحجب و لمعان نور فطرته الأولى، فيعترف و ينقاد، هذا إذا كان الاستسلام و الإنكار لنفوس بعينها.
و قد يكون الاستسلام للبعض الذين لم ترسخ هيئات رذائلهم، و لم تغلظ حجبهم، و لم ينطفئ نور استعدادهم. و الإنكار لمن ترسخت فيه الهيئات و قويت و غلبت عليه الشيطنة، و استقرّت و كثف الحجاب، و بطل الاستعداد و اللّه أعلم.
وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ قد مرّ في سورة (النساء)، وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ أي: العقل الفرقاني بعد الوجود الحقاني تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ تبيينا و تحقيقا لحقّية كل شيء، و هداية لمن استسلم و انقاد لسلامة فطرته إلى كماله وَ رَحْمَةً له بتبليغه إلى ذلك الكمال بالتربية و الإمداد و بشارة له ببقائه على ذلك الكمال أبدا سرمدا في الجنان الثلاث.
[91- 96]
[سورة النحل (16): الآيات 91 الى 96]
وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (91) وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) وَ لا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَ تَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (94) وَ لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95)
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (96)
وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ الذي هو تذكر العهد السابق و تجديده بالعقد اللاحق بالبقاء على حكمه في الإعراض عن الغير و التجرّد عن العوائق و العلائق في التوجه إليه إِذا عاهَدْتُمْ أي: تذكرتموه بإشراق نور النبيّ عليكم و تذكيره إياكم.
[97]
[سورة النحل (16): آية 97]
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (97)
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى أي: عملا يوصله إلى كماله الذي يقتضيه استعداده، إذ الصلاح في الشخص توجهه إلى كماله أو كونه على ذلك الكمال، و الفساد بالضدّ و في العمل كونه وصلة وسيلة إليه من صاحب قلب بالغ إلى كمال الرجولية أو صاحب نفس قابلة لتأثير القلب مستفيضة منه وَ هُوَ مُؤْمِنٌ أي: معتقد للحق اعتقادا جازما، إذ صلاح العمل مشروط بصحة الاعتقاد و إلا لم يتصور كماله على ما هو عليه و لم يعتقده على الوجه الذي ينبغي فلم يمكنه عمل يوصله إليه فلا يكون ما يعمله صالحا حينئذ في الحقيقة. و إن كان في صورة الصلاح فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً أي:
حياة حقيقية لا موت بعدها بالتجرّد عن المواد البدنية و الانخراط في سلك الأنوار السرمدية، و التلذّذ بكمالات الصفات في مشاهدات التجليات الأفعالية و الصفاتية وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ من جنان الأفعال و الصفات بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ إذ عملهم يناسب صفاتهم التي هي مبادئ أفعالهم و أجرهم يناسب صفاتنا التي هي مصادر أفعالنا، فانظر كم بينهما من التفاوت في الحسن.
[98- 99]
[سورة النحل (16): الآيات 98 الى 99]
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99)
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ فادرج عن مقام النفس بالعروج إلى جناب القدس، فإن النفس مأوى كل كدورة و منبع كل رجس تناسب وساوس الشيطان، و تجرّدها بأحاديثها، فإن ارتقيت من مقرّها لم يكن للشيطان عليك سلطان لأنه لا يطيق نور حضور الحق و حضرة القلب مهبط أنواره و جناب صفاته المقدّسة و محل تجلياته النورية، فعذ إليها و عذ بنور اللّه فيها تستحكم بنيان إيمانك باليقين فإن الإيمان الذي لا يبقى معه سلطان الشيطان كما قال تعالى:
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا أقل درجاته اليقين العلمي الذي محله القلب الصافي و لا يكفي هذا اليقين في نفي سلطانه إلا إذا كان مقرونا بشهود الأفعال الذي هو مقام التوكل كما قال تعالى: وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ و الفناء في الأفعال لا يمكن مع بقاء صفات النفس، إذ بقاء صفاتها يستدعي أفعالها، و لهذا قيل: لا يمكن إيفاء حق مقام و تصحيحه و أحكامه إلا بعد الترقي إلى ما فوقه، فبالترقي إلى مقام الصفات يتم فناء الأفعال فيصح التوكل.
[100- 105]
[سورة النحل (16): الآيات 100 الى 105]
إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (104)
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (105)
إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ في مقام النفس بالمناسبة التي بينهما في الظلمة و الكدورة، إذ التولي مرتب على الجنسية وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ بنسبة القوة و التأثير إليه، بل بطاعته و انقياد أوامره للتولي المذكور.
[106- 107]
[سورة النحل (16): الآيات 106 الى 107]
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (106) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (107)
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ لكون الظلمة له ذاتية بحسب استعداده الأول و النور عارضيا، فهو في حجاب خلقي عن نور الإيمان إن اعتراه شعاع قدسيّ من نفس الرسول أو من فيض القدس أو أثر فيه وعدا و وعيدا، أو كلمة حق في دعوته إلى الحق في حال إقبال من قلبه و دعاه داعية نفسانية من حصول نفع و دفع ضرّ ماليين أو جاه و عزّة بسبب الإسلام، آمن ظاهرا، و مقامه و مقرّه الكفر، فقد استحق غضب اللّه لأنه محجوب بحسب الاستعداد عن أول مراتب الإيمان الذي هو شهود الأفعال بالاستدلال من الصنع على الصانع فعقابه من باب الأفعال و الصفات لا الذي أُكْرِهَ على الكفر بالإنذار و التخويف وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ ثابت متمكن مملوء بِالْإِيمانِ لنورية فطرته في الأصل و كون النور ذاتيا له بحسب الفطرة، و الكفر و الاحتجاب إنما عرض بمقتضى النشأة. و قد زال الحجاب العارضي. وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أي: طاب به نفسا و رضي و اطمأن لكونه مستقرّه و مأواه الأصلي فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ عظيم، أي: غضب مِنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ لاحتجابهم عن جميع مراتب الأنوار من الأفعال و الصفات و الذات، فما أغلظ حجابهم و ما أعظم عذابهم.
ذلِكَ أي: انشراح الصدر بالكفر و الرضا به بسبب بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ لكونها مبلغ علمهم و نهايته، و ما بلغ علمهم إلى الآخرة لانسداد بصائر قلوبهم و مناسبة استعدادهم للأمور الغاسقة السفلية من الموادّ الجسمية، فأحبوا ما شعروا به و لاءم حالهم. و حبّ الدنيا رأس كل خطيئة لاستلزامه الحجاب الأغلظ الذي لا خطيئة إلا تحته و في طيّه وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي: المحجوبين بأغلظ الحجب لامتناع قبولهم للهداية.
[108- 109]
[سورة النحل (16): الآيات 108 الى 109]
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (108) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (109)
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ بقساوتها و كدورتها في الأصل فلم ينفتح لهم طريق الإلهام و الفهم و الكشف وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ بسدّ طريق المعنى المراد من مسموعاتهم و طريق الاعتبار من مبصراتهم إلى القلب، فلم يؤثر فيهم شيء من أسباب الهداية من طريق الباطن من فيض الروح و إلقاء الملك و إشراق النور و لا من طريق الظاهر بطريق التعليم و التعلم و الاعتبار من آثار الصنع وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ بالحقيقة لعدم انتباههم بوجه من الوجوه و امتناع تيقظهم من نوم الجهل بسبب من الأسباب.
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ الذين ضاعت دنياهم التي استنفدوا في تحصيلها وسعهم، و أتلفوا في طلبها أعمارهم، و ليسوا من الآخرة في شيء إلا في عذاب هيئات التعلقات و وبال التحسرات.
[110- 111]
[سورة النحل (16): الآيات 110 الى 111]
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَ صَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (111)
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا أي: تباعد بين هؤلاء المحجوبين الذين: إنّ ربّك عليهم بالغضب و القهر، و بين الذين: إنّ ربّك لهم بالرضا و الرحمة و هم الذين هاجروا عن مواطن النفس بترك المألوفات و المشتهيات مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا و ابتلوا بحكم النشأة البشرية ثُمَّ جاهَدُوا في اللّه بالرياضات و سلوك طريقه بالترقي في المقامات و التجريد عن الهيئات و التعلقات وَ صَبَرُوا على ما تحب النفس و تكرهه بالثبات في السير إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بعد هذه الأحوال لَغَفُورٌ لهم بستر غواشي الصفات النفسانية رَحِيمٌ بإفاضة الكمالات و إبدال صفاتهم بالصفات الإلهية.
[112]
[سورة النحل (16): آية 112]
وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (112)
وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا للنفس المستعدّة، القابلة الصافية عن الكدورات، المستفيدة من فيض القلب، الثابتة في طريق اكتساب الفضائل، الآمنة من خوف فواتها و فنائها، المطمئنة باعتقادها يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً من العلوم النافعة و الفضائل الحميدة و الأنوار الشريفة مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي: من جميع جهات الطرق البدنية كالحواس الممتارة إياها قوت العلوم الجزئية، و الجوارح، و الآلات التي تطاوعها في الأعمال الجميلة، و تمرين الفضيلة إذا كانت منقادة للقلب مطواعة له، قابلة لفيضه، باقية على معتقدها من الحق تقليدا.
و من جهة القلب كإمداد الأنوار، و هيئات الفضائل، فظهرت بصفاتها بطرا و إعجابا بزينتها و كمالها. و نظرا إلى ذاتها ببهجتها و بهائها فاحتجبت بصفاتها الظلمانية عن تلك الأنوار و مالت إلى الأمور السفلية من زخارف الدنيا و اللذات الحسيّة و انقطع إمداد القلب عنها، و انقلبت المعاني الواردة إليها من طرق الحس هيئات غاسقة من صور المحسوسات التي انجذبت إليها فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بانقطاع مدد المعاني و الفضائل و الأنوار من القلب و الخوف من زوال مقتنياتها من الشهوات و المألوفات الحسيّة و المشتهيات بِما كانُوا يَصْنَعُونَ من كفران نعم اللّه باستعمالها في طلب اللذات الحسيّة و الزخارف الدنيوية و لظهورها بصفاتها و إعجابها بكمالاتها و ركونها إلى الدنيا و لذاتها و استيلائها على القلب بهيئاتها و أفعالها و حجب صاحبها عن نوره و مدده بطلب شهواتها، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «نعوذ باللّه من الضلال بعد الهدى»بقرية صفتها ما ذكر.
[113- 119]
[سورة النحل (16): الآيات 113 الى 119]
وَ لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَ هُمْ ظالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَ اشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (117)
وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)
وَ لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ أي: من جنسهم و هي القوة الفكرية التي هي من جملة قوى النفس بالمعاني المعقولة و الآراء الصادقة فَكَذَّبُوهُ بعدم التأثر بها و الانقياد لأوامرها و نواهيها العقلية و الشرعية و ترك العمل بمقتضاها و قلّة المبالاة بها، و لم يرفعوا بها رأسا عن الانهماك فيما هم عليه فَأَخَذَهُمُ عذاب الاحتجاب و الحرمان عن لذة الكمال في حالة ظلمهم و زيغهم عن طريق الفضيلة و نقصهم لحقوق صاحبهم.
[120]
[سورة النحل (16): آية 120]
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قد مرّ أن كل نبي يبعث في قوم يكون كماله شاملا لجميع كمالات أمته و غاية لا يمكن لأمّته الوصول إلى رتبة إلا و هي دونه، فهو مجموع كمالات قومه و لا يصل إليهم الكمال في صفة من صفات الخير و السعادة إلا بواسطته بل وجوداتهم فائضة من وجوده فهو وحده أمة لاجتماعهم بالحقيقة في ذاته، و لهذا
قال عليه الصلاة و السلام: «لو و زنت بأمتي لرجحت بهم».
قانِتاً للّه مطيعا له، منقادا بحيث لا يتحرك منه شعرة إلا بأمره لاستيلاء سلطان التوحيد عليه و محو صفاته بصفاته، و اتحاده بذاته، و لهذا سمي خليل اللّه لمخالة الحق إياه في شهوده. فمخالته عبارة عن مزج بقية من ذاته تؤذن بالاثنينية أما ترى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لما لم يبق منه شيء من بقيته سمي حبيب اللّه فمحو صفاته في صفات الحق بالكلية و بقاء أثر من ذاته دون العين قنوته للّه و إلا كان قانتا باللّه لا للّه، كما قال لمحمد عليه الصلاة و السلام: وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ[7] حَنِيفاً مائلا عن كل باطل حتى عن وجوده و وجود كل ما سواه تعالى معرضا عن إثباته. و ما كان مِنَ الْمُشْرِكِينَ بنسبة الوجود و التأثير إلى الغير.
[121]
[سورة النحل (16): آية 121]
شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَ هَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (121)
شاكِراً لِأَنْعُمِهِ أي: مستعملا لها على الوجه الذي ينبغي لكونه متصرفا فيها بصفات اللّه فتكون أفعاله إلهية مقصودة لذاتها لا لغرض فلا يمكنه و لا يسعه إلا توجيه كل نعمة إلى ما هو كمالها على مقتضى الحكمة الإلهية و العناية السرمدية اجْتَباهُ اختاره في العناية الأولى بلا توسط عمل منه و كذا لكونه من المحبوبين الذين سبقت لهم منه الحسنى، فتتقدم كشوفهم على سلوكهم وَ هَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: بعد الكشف و التوحيد و الوصول إلى عين الجمع هداه إلى سلوك صراطه ليقتدي به، و ردّه من الوحدة إلى الكثرة و إلى الفرق بعد الجمع لإعطاء كل ذي حق حقه من مراتب التفاصيل، و تبيين أحكام التجليات في مقام التمكين و الاستقامة و إلا لم يصلح للنبوّة.
[122]
[سورة النحل (16): آية 122]
وَ آتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)
وَ آتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً من تمتيعه بالحظوظ لتتقوى نفسه على تقنين القوانين الشرعية و القيام بحقوق العبودية في مقام الاستقامة و الإطاقة بحمل أعباء الرسالة و آتيناه الملك العظيم مع النبوة، كما قال: وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً[8] ليتمكن من تقرير الشريعة و يضطلع بأحكام الدعوة و الذكر الجميل كما قال: وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا[9] و الصلاة و السلام عليه كما قال: وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (109)[10] وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ أي: في عالم الأرواح لَمِنَ الصَّالِحِينَ المتمكنين في مقام الاستقامة بإيفاء كل ذي حق حقه، و تبليغه إلى كماله و حفظه عليه ما أمكن.
[123]
[سورة النحل (16): آية 123]
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي: بعد هذه الكرامات و الحسنات التي أعطيناه إياها في الدارين شرّفناه و كرمناه بأمرنا باتباعك إياه أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ في التوحيد و أصول الدين التي لا تتغير في الشرائع كأمر المبدأ و المعاد و الحشر و الجزاء و أمثالها، لا في فروع الشريعة و أوضاعها و أحكامها، فإنها تتغير بحسب المصالح و اختلاف الأزمنة و الطبائع و ما عليه أحوال الناس من العادات و الخلائق.
[124]
[سورة النحل (16): آية 124]
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124)
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي: ما فرض عليك إنما فرض عليهم فلا يلزمك اتباع موسى في ذلك بل اتباع إبراهيم.
[125]
[سورة النحل (16): آية 125]
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ إلخ، أي: لتكن دعوتك منحصرة في هذه الوجوه الثلاثة لأن المدعو إما أن يكون خاليا عن الإنكار أو لا، فإن كان خاليا لكونه في مقام الجهل البسيط غير معتقد لشيء، فإما أن يكون مستعدا غير قاصر عن درك البرهان بل يكون برهاني الطباع أو لا. فإن كان الأول فادعه بالحكمة و كلمه بالبرهان و الحجة و اهده إلى صراط التوحيد بالمعرفة، و إن كان قاصر الاستعداد فادعه بالموعظة الحسنة و النصيحة البالغة من الإنذار و البشارة و الوعد و الوعيد و الزجر و الترهيب و اللطف و الترغيب، و إن كان منكرا ذا جهل مركب و اعتقاد باطل فجادله بالطريقة التي هي أحسن من إبطال معتقده بما يلزم من مذهبه بالرفق و المداراة على وجه يلوح له أنك تثبت الحق و تبطل الباطل لا غرض لك سواه.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ في الأزل لشقاوته الأصلية فلا ينجع فيه أحد هذه الطرق الثلاثة وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ المستعدّين، القابلين للهداية لصفاء الفطرة.
[126]
[سورة النحل (16): آية 126]
وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126)
وَ إِنْ عاقَبْتُمْ إلخ، أي: الزموا سيرة العدالة و الفضيلة لا تجاوزوها فإنها أقلّ درجات كمالكم، فإن كان لكم قدم في الفتوة و عرق راسخ في الفضل و الكرم و المروءة فاتركوا الانتصار و الانتقام ممن جنى عليكم و عارضوه بالعفو مع القدرة و اصبروا على الجناية فإنه لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ألا تراه كيف أكده بالقسم و اللام في جوابه و ترك المضمر إلى المظهر حيث ما قال: لهو خير لكم، بل قال: لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ[11] للتسجيل عليهم بالمدح و التعظيم بصفة الصبر، فإن الصابر ترقى عن مقام النفس و قابل فعل نفس صاحبه بصفة القلب فلم يتكدّر بظهور صفة النفس و عارض ظلمة نفس صاحبه بنور قلبه، فكثيرا ما يندم و يتجاوز عن مقام النفس، و تنكسر سورة غضبه فيصلح، و إن لم يكن لكم هذا المقام الشريف فلا تعاقبوا المسيء لسورة الغضب بأكثر مما جنى عليكم فتظلموا، أو تتورطوا بأقبح الرذائل و أفحشها فيفسد حالكم و يزيد وبالكم على وبال الجاني.
[127]
[سورة النحل (16): آية 127]
وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127)
وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ اعلم أنّ الصبر أقسام: صبر للّه، و صبر في اللّه، و صبر مع اللّه، و صبر عن اللّه، و صبر باللّه. فالصبر للّه هو من لوازم الإيمان و أول درجات أهل الإسلام.
قال النبي عليه الصلاة و السلام: «الإيمان نصفان، نصف صبر و نصف شكر»، و هو حبس النفس عن الجزع عند فوات مرغوب أو وقوع مكروه، و هو من فضائل الأخلاق الموهوبة من فضل اللّه لأهل دينه و طاعته المقتضى للثواب الجزيل. و الصبر في اللّه هو الثبات في سلوك طريق الحق، و توطين النفس على المجاهدة بالاختيار، و ترك المألوفات و اللذات، و تحمل البليّات، و قوّة العزيمة في التوجه إلى منبع الكمالات، و هو من مقامات السالكين، يهبه اللّه لمن يشاء من فضله من أهل الطريقة.
و الصبر مع اللّه هو لأهل الحضور، و الكشف عند التجرّد عن ملابس الأفعال و الصفات، و التعرّض لتجليات الجمال و الجلال، و توارد واردات الأنس و الهيبة، فهو بحضور القلب لمن كان له قلب، و الاحتراس عن الغفلة و الغيبة عند التلوينات بظهور النفس و هو أشقّ على النفس من الضرب على الهام، و إن كان لذيذا جدا.
و الصبر عن اللّه هو لأهل الجفاء و الحجاب، نورانيا كان أو ظلمانيا، و هو مذموم جدا، و صاحبه ملوم حقا و كلما كان أصبر كان أسوأ حالا و أبعد، و كلما كان في ذلك أقوى كان ألوم و أجفى أو لأهل العيان و المشاهدة من العشاق و المشتاقين المتقلبين في أطوار التجلي و الاستتار، و المنخلعين عن الناسوت المتنوّرين بنور اللاهوت ما بقي لهم قلب و لا وصف كلما لاح لهم نور من سبحات أنوار الجمال احترقوا و تفانوا، و كلما ضرب لهم حجاب ورد وجودهم تشويقا و تعظيما ذاقوا من ألم الشوق و حرقة الفرقة ما عيل به صبرهم و تحقق موتهم و هو من أحوال المحبين و لا شيء أشق من هذا الصبر و أشد تحملا و أقتل، فإن أطاقه المحب كان خافيا و إن لم يطق كان فانيا فيه هالكا، و في هذا المقام قال الشبلي:
| صابر الصبر فاستغاث به الصب | ر فصاح المحب بالصبر صبرا |
أي: صابر الحبيب الصبر، فاستغاث به الصبر عند إشرافه على النفاد فصاح المحب بالصبر صبرا على النفاد و الهلاك، فإن فيه النجاح و الفلاح. و الصبر باللّه هو لأهل التمكين في مقام الاستقامة الذين أفناهم اللّه بالكلية و ما ترك عليهم شيئا من بقية الإنية و الإثنينية ثم وهب لهم وجودا من ذاته حتى قاموا به و فعلوا بصفاته و هو من أخلاق اللّه تعالى ليس لأحد فيه نصيب و لهذا أمره به. ثم بيّن أن ذلك الصبر الذي أمرت به ليس من سائر أقسام الصبر حتى يكون بنفسك أو بقلبك بل هو صبري لا تباشره إلا بي و لا تطيقه إلا بقوّتي، و لعدم وفاء قوته بهذا الصبرقال: «شيّبتني سورة هود».
وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ بالتلوين بظهور القلب بصفته لأن صاحب هذا الصبر يرى الأشياء بعين الحق فكل ما يصدر عنهم يراه فعل اللّه و كل صفة تظهر عليهم يراه تجليا من تجلياته و ينكر المنكر بحكمه لأن اللّه بصّره بأنواع التجليات القهرية و اللطفية و الغضبية و الرضوية و عرّفه أحكامه و أمره بإنفاذ الأحكام في مواقعها. وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ لانشراح صدرك بي، فكن معهم كما تراني معهم سائرا بسيري، قائما بي و بأمري.
[128]
[سورة النحل (16): آية 128]
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا بقاياهم و آنياتهم بالاستهلاك في الوحدة و الاستغراق في عين الجمع وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ بشهود الوحدة في عين الكثرة، و الطاعة في عين المعصية، و القيام بالأمر و النهي في مقام الاستقامة، و إبقاء حقوق التفاصيل في عين الجمع، فلا يحجبهم الفرق عن الجمع و لا الجمع عن الفرق، و يسعهم مراعاة الحق و الخلق للرجوع إلى الكثرة بوجود القلب الحقانيّ.
[1] ( 1) سورة آل عمران، الآية: 18.
[2] ( 2) سورة هود، الآية: 56.
[3] ( 1) سورة الأنعام، الآية: 107.
[4] ( 2) سورة يس، الآية: 83.
[5] ( 1) سورة الجاثية، الآية: 23.
[6] ( 1) سورة المجادلة، الآية: 18.
[7] ( 1) سورة النحل، الآية: 172.
[8] ( 1) سورة النساء، الآية: 54.
[9] ( 2) سورة مريم، الآية: 50.
[10] ( 3) سورة الصافات، الآيات: 108- 109.
[11] ( 1) سورة النحل، الآية: 126.