تفسیر ابن عربی سوره البقره

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره البقره آية 1-30

(2) سورة البقرة مدنيّة

بسم الله الرحمن الرحيم‏ سميت سورة البقرة و آل عمران الزهراوين، و ورد أنهما يأتيان يوم القيامة صورة قائمة، و لهما عينان و لسانان و شفتان، يشهدان لمن قرأهما بحق.

[سورة البقرة (2): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الم (1)

[الحروف‏]

اعلم وفقنا اللّه و إياكم، أن الحروف أمة من الأمم مخاطبون و مكلفون، و فيهم رسل من‏

______________________________
بسم الله الرحمن الرحيم قوله بسم اللّه الرحمن الرحيم آية من هذه السورة، و الباء من بسم اللّه متعلقة بما في المتقين من معنى الفعل، كأنه يقول «الذين اتقوا اللّه بأسمائه» و إن شئت علقتها بفعل أمر محذوف، و هو قولك «اقرأ بسم اللّه» لا ينبغي أن يضمر له غير ذلك، و إن كان يجوز، و لكن اتباع اللّه فيما أوحى به أولى، قال تعالى: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» فالعالم الأديب لا يضمر إلا هذا الفعل على هذه الصيغة، فأما ما يتضمنه من الرحمة، فهو رحمته سبحانه بمحمد عليه السلام بالكتاب الذي أنزله عليه حين سأل الكفار إنزاله، فقالوا «وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ» فأعطاه الأمرين المعراج و القرآن، فقال له (2) «الم» ذلك الكتاب الذي سألوه منك هو هذا الكتاب لا شك فيه، فهذا من أثر الرحمة من (بسم الله الرحمن الرحيم)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 43

جنسهم و لهم أسماء من حيث هم، و هم عوالم و لكل عالم رسول من جنسهم، و لهم شريعة تعبدوا بها، و لهم لطائف و كثائف، و عليهم من الخطاب الأمر ليس عندهم نهي، و فيهم عامة و خاصة و خاصة الخاصة و صفاء خلاصة خاصة الخاصة، و حروف أوائل السور من الخاصة التي فوق العامة، و لا يعرف حقيقة مبادئ السور المجهولة، الا أهل الصور المعقولة [هم الذين لهم حظ من خلق اللّه آدم على صورته، و هم الذين وصلوا مرتبة الكمال و الخلافة] و جعل تبارك و تعالى أوائل السور تسعا و عشرين سورة، و هو كمال الصورة، كما قدر منازل القمر، و جعل الحروف على تكرارها ثمانية و سبعين حرفا، فلا يكمل عبد أسرار الإيمان حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها. قال عليه السلام: «و الإيمان بضع و سبعون شعبة» كما أنه إذا علمها من غير تكرار علم تنبيه اللّه فيها على حقيقة الإيجاد و تفرد القديم سبحانه بصفاته الأزلية، ثم إنه سبحانه جعل أولها الألف في الخط، و الهمزة في اللفظ، و آخرها النون، فالألف لوجود الذات على كمالها لأنها غير مفتقرة إلى حركة، و النون لوجود الشطر من العالم و هو عالم التركيب، و ذلك نصف الدائرة الظاهرة لنا من الفلك، و النصف الآخر النون المعقولة عليها، التي لو ظهرت للحس و انتقلت من عالم الروح لكانت دائرة محيطة، و لكن أخفى هذه النون الروحانية- التي بها كمال الوجود- و جعلت نقطة النون المحسوسة دالة عليها، فالألف كاملة من جميع وجوهها و النون ناقصة، و جعلت هذه الحروف على أفراد في بعض السور مثل «ص، ق، ن» و ثنيت في «طس، طه» و أخواتها، و جمعت في ثلاثة فصاعدا حتى بلغت خمسة حروف متصلة و منفصلة و لم تبلغ أكثر، و لا يعرف هذا العلم الا أولياء اللّه تعالى كشفا، و سماه الحكيم الترمذي علم الأولياء.

______________________________
قوله‏ «الم» وقع النطق بأسماء هذه الحروف المعينة على طريق البناء على السكون الذي هو الثبوت، فلا يتغير، و أما ما تدل عليه فلا يعرف ذلك على الحقيقة إلا من جانب الحق، و ليس هذا مما يدرك بالرأي، و كل ما قيل فيه فليس بمرضي، و لا يفيد علما، و كلام اللّه لا ينبغي أن يترجم بالحدس و لا بالظن و التخمين، و العرب لا تعرفه، و كل ما ذكره المفسرون في ذلك و نسبوه للعرب فلا يشبه هذا إذا حققته، و كان سبب نزول هذه الحروف أن الكفار قالوا (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ) فكانوا إذا رأوا النبي صلّى اللّه عليه و سلم يوحى إليه يكثرون اللغط، فلما سمعوا التلفظ بأسماء حروف المعجم، أرادوا أن يعرفوا ما أريد بها، عساه يفسر ذكرها ما يدل على المراد بها، فيسكتون و تتوفر

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 44

و اعلم أن للّه ثمانية و عشرين اسما على عدد منازل الفلك و هي: الرفيع الدرجات، الجامع، اللطيف، القوي، المذل، رزاق، عزيز، مميت، محيي، حي، قابض، مبين، محص، مصور، نور، قاهر، عليم، رب، مقدّر، غني، شكور، محيط، حكيم، ظاهر، باطن، باعث، بديع. و لكل اسم من هذه الأسماء روحانية ملك تحفظه و تقوم به و تحفظها، لها صور في النفس الإنساني تسمى حروفا في المخارج عند النطق و في الخط عند الرقم، فتختلف صورهما في الكتابة و الرقم و لا تختلف في النطق، و تسمى هذه الملائكة الروحانيات في عالم الأرواح بأسماء هذه الحروف، فلنذكرها على ترتيب المخارج حتى تعرف رتبتها فأولهم: ملك الهاء ثم الهمزة، و ملك العين المهملة، و ملك الحاء المهملة، و ملك العين المعجمة، و ملك الخاء المعجمة، و ملك القاف، و ملك الكاف، و ملك الجيم، و ملك الشين المعجمة، و ملك الياء، و ملك الضاد المعجمة، و ملك اللام، و ملك النون، و ملك الراء، و ملك الطاء المهملة، و ملك الدال المهملة، و ملك التاء المعجمة باثنتين من فوقها، و ملك الزاي، و ملك السين المهملة، و ملك الصاد المهملة، و ملك الظاء المعجمة، و ملك الثاء المعجمة بالثلاث، و ملك الذال المعجمة، و ملك الفاء، و ملك الباء، و ملك الميم، و ملك الواو، و هذه الملائكة أرواح هذه الحروف، و هذه الحروف أجساد تلك الملائكة لفظا و خطا بأي قلم كانت، فبهذه الأرواح تعمل الحروف لا بذواتها، أعني صورها المحسوسة للسمع و البصر المتصورة في الخيال، فلا يتخيل أن الحروف تعمل بصورها و إنما تعمل بأرواحها، و لكل حرف تسبيح و تمجيد و تهليل و تكبير و تحميد يعظم بذلك كله خالقه و مظهره، و روحانيته لا تفارقه و بهذه الأسماء يسمون هذه الملائكة في السموات، و كذلك الكواكب التي ترونها إنما هي صور لها أرواح ملكية تدبرها مثل ما لصورة الإنسان، فبروحه يفعل الإنسان و كذلك الكوكب، و الحرف لو لا الروح ما ظهر منه فعل، فإن اللّه سبحانه ما يسوي صورة محسوسة في الوجود على يد من كان، من إنسان أو ريح إذا هبت فتحدث أشكالا في كل ما تؤثر فيه، حتى الحية و الدودة تمشي في الرمل فيظهر طريق، فذلك الطريق صورة أحدثها اللّه بمشي هذه الدودة أو غيرها، فينفخ اللّه فيها روحا من أمره لا يزال يسبحه‏

______________________________
دواعيهم إلى ذلك، فيسمعون ما أراد الحق أن يخاطبهم به من القرآن، فهذا وجه إنزالها، و مع هذا فلها معان لا يعلمها إلا هو، و من أنزلت عليه، ثم إنه ما كتبت على صورة ما تلفظ بها،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 45

ذلك الشكل بصورته و روحه إلى أن يزول فتنتقل روحه إلى البرزخ، و ذلك قوله‏ «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ»، و كذلك الأشكال الهوائية و المائية لو لا أرواحها ما ظهر منها في انفرادها و لا في تركيبها أثر، و كل من أحدث صورة و انعدمت و زالت و انتقل روحها إلى البرزخ فإن روحها الذي هو ذلك الملك يسبح اللّه و يحمده، و يعود ذلك الفضل على من أوجد تلك الصورة الذي كان هذا الملك روحها، فما يعرف حقائق الأمور إلا أهل الكشف و الوجود من أهل اللّه، و لهذا نبه اللّه قلوب الغافلين ليتنبهوا على الحروف المقطعة في أوائل السور، فإنها صور ملائكة و أسماؤهم، فإذا نطق بها القارئ كان مثل النداء بهم فأجابوه، فيقول القارئ «ألف، لام، ميم» فيقول هؤلاء الثلاثة من الملائكة مجيبين «ما تقول» فيقول القارئ ما بعد هذه الحروف تاليا فيقولون «صدقت» إن كان خبرا، و يقولون «هذا مؤمن حقا نطق حقا و أخبر بحق» فيستغفرون له، و هم أربعة عشر ملكا، «ألف، لام، ميم، صاد، راء، كاف، هاء، ياء، عين، طاء، سين، حاء، قاف، نون» ظهروا في منازل من القرآن مختلفة، فمنازل ظهر فيها واحد مثل «ق، ن، ص» و منازل ظهر فيها اثنان مثل «طس، يس، حم» و هي سبعة أعني الحواميم، طه، و منازل فيها ثلاثة و هم، «الم البقرة، و الم آل عمران، و الم يونس و هود و يوسف و إبراهيم و الحجر، و طسم الشعراء و القصص و العنكبوت و لقمان و الروم و السجدة» و منها منازل ظهر فيها أربعة و هم «المص الأعراف، و المر الرعد» و منازل ظهر فيها خمسة و هي «مريم و الشورى» و جميعها ثمان و عشرون سورة على عدد منازل السماء سواء، فمنها ما يتكرر في المنازل و منها ما لا يتكرر، فصورها مع التكرار تسعة و سبعون ملكا بيد كل ملك شعبة من الإيمان، و إن الإيمان بضع و سبعون شعبة أرفعها لا إله إلا اللّه، و أدناها إماطة الأذى عن الطريق- و البضع من واحد إلى تسعة- فقد استوفى غاية البضع، فمن نظر في هذه الحروف يرى عجائب، و تكون هذه الأرواح الملكية التي هذه الحروف أجسامها تحت تسخيره، و بما بيدها من شعب الإيمان تمده و تحفظ عليه إيمانه.

و اعلم أن هذه الحروف الأربعة عشر التي في أوائل السور، كل حرف منها له ظاهر

______________________________
و لما كتبت ما قيدت بحركات مخصوصة، بل تركت مهملة، و هذا كله يدلك على أنه من فسرها

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 46

و هو صورته و له باطن و هو روحه، و لكل حرف ليلة من الشهر أعني الشهر الذي يعرف بالقمر، فإذا مشى القمر و قطع في سيره أربع عشرة منزلة أعطى في كل حرف من هذه الحروف من حيث صورها قوتين من حيث ذاته، و من حيث نوره، و أعطاه قوتين أخريين من حيث المنزلة التي نزل بها، و من حيث البرج الذي لتلك المنزلة، و لكن بقدر ما لتلك المنزلة من البرج، فيصير في ذلك الحرف أربع قوى، فيكون عمله أقوى، فإذا أخذ القمر في النقص فقد أخذ في روحانية هذه الحروف إلى أن يكملها بكمال المنازل، فتلك ثمان و عشرون و القوى مثل القوى إلا أنه يكون العمل غير العمل، فالعمل الظاهر في المنافع، و العمل الثاني في دفع المضار. و في قوة النور الذي للقمر لهذه الحروف مراتب بحسب المنزلة و البرج الذي تكون فيه الشمس، و اتصالات القمر بالمنزلة في تسديسها و تربيعها و تثليثها و مقابلتها و مقارنتها، فتختلف الأحكام باختلاف هذا للحرف من قوة النور القمري، و أما لام ألف فهو من الحروف المركبة، أنزلوه منزلة الحرف الواحد لكمال نشأة الحروف، و لهذا الحرف ليلة السرار الذي يكون للقمر، فالعمل بالحروف يحتاج إلى علم دقيق، فهذه القوى تحصل للحروف من سير القمر، فإن اللّه ما قدر هذا القمر منازل حتى عاد كالعرجون القديم و اختصه بالذكر سدى، بل ذلك لحكمة إلهية يعلمها من أوتي الحكمة التي هي الخير الكثير الإلهي، فإن الستة الجواري الباقية قدّرها أيضا منازل في نفس الأمر و ما خصها بالذكر، فلما دخل القمر في الذكر كان له من القوة الإلهية و الشرف في الولاية و الحكم الإلهي ما ليس لغيره، فإنه ما ذكر إلا بالحروف و بها نزل إلينا الذكر، فكان نسبته إلى الحروف أتم من نسبة غيره، فصار إمداده للحروف إمدادين، إمداد جزاء و شكر لأن بها حصل له الذكر، و إمدادا طبيعيا كإمداد سائر الستة لهذه الحروف- راجع و القمر قدرناه منازل.

«تفسير من باب الإشارة»: «الألف» من‏ (الم) إشارة إلى التوحيد فمهما نظرت إلى الوجود جمعا و تفصيلا، وجدت التوحيد يصحبه، لا يفارقه البتة، صحبة الواحد الأعداد، فالواحد ليس العدد، و هو عين العدد، أي به ظهر العدد، فالألف ليس من الحروف عند من شم رائحة من الحقائق، و لكن قد سمته العامة حرفا، فإذا قال المحقق إنه‏

______________________________
برأيه فما أصاب، و اللّه أعلم، أو قد اجترأ فيما ذكره و لو أصاب، فإن ذلك مما لا يدرك بالاجتهاد

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 47

حرف فإنما يقول ذلك على سبيل التجوز في العبارة، و مقام الألف مقام الجمع، له من الأسماء اسم اللّه، و له من الصفات القيومية، و له المراتب كلها، و له مجموع عالم الحروف و مراتبها، ليس فيها و لا خارجا عنها، نقطة الدائرة و محيطها، و مركب العوالم و بسيطها. «و الميم» للملك الذي لا يهلك «و اللام» بينهما واسطة لتكون رابطة بينهما، فالألف إشارة إلى الذات المنزهة عن قيام الحركات بها، و اللام إشارة إلى الصفات التي لا تعقل إلا بالأفعال، لذلك اتصلت اللام بالميم الذي هو أثرها و فعلها.

[سورة البقرة (2): آية 2]

ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2)

«ذلِكَ» مبتدأ ليس بفاعل و لا مفعول لما لم يسم فاعله، و لا يصح أن يكون فاعلا لقوله‏ «لا رَيْبَ فِيهِ» فلو كان فاعلا لوقع الريب، لأن الفاعل إنما هو منزله لا هو، و لا يقال فيه أيضا مفعول لم يسم فاعله لأنه من ضرورته أن يتقدمه كلمة على بنية مخصوصة محلها النحو و «الْكِتابُ» هنا نفس الفعل و الفعل لا يقال فيه فاعل و لا مفعول، و هو مرفوع فلم يبق إلا أن يكون مبتدأ، و جاء بعد قوله‏ «الم» إشارة إلى موجود بيد أن فيه بعدا، و سبب البعد لما أشار إلى الكتاب، و هو المفروق محل التفصيل و الإشارة نداء على رأس البعد عند أهل اللّه (1) فقوله «ذا» حرف مبهم فبيّن ذلك المبهم بقوله‏ «الْكِتابُ» و هو حقيقة ذا

______________________________
قوله (3) «ذلِكَ الْكِتابُ» الآية. ذا إشارة، و الألف و اللام للعهد، فالإشارة للكتاب المسئول المعهود هو هذا، و لا وجه لقوله‏ (الم) في الإعراب، و من أعربه فقد أخطأ، فإن إعراب الكلام تابع لمعرفة معانيه، و هذا مجهول المعنى، و لا سيما في الخط حيث لم يقيد بحركة، و قوله‏ «لا رَيْبَ فِيهِ» يقول لا شك فيه، فيحتمل أن يكون العامل في‏ «فِيهِ» ما في الريب من معنى الفعل، أو في الهدى من كائن، فإن له تعلقا بالريب و تعلقا بالهدى، و في القرآن من ذلك كثير مثل‏ «هذَا» في‏ (يس) في قوله‏ (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا، هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ) فله وجه إلى ما، و وجه إلى مرقدنا، و كذلك‏ (وَ الْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ) في سورة النور يطلبه‏ «يُسَبِّحُ» بالفاعلية، و يطلبه الابتداء بالمبتدئية، و ضمير لا تلهيهم يعود عليهم في الوجهين معا، و كذلك هذا يجوز الوقف على‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 48

و ساق الكتاب بحر في التعريف و العهد، فذلك الكتاب هو الكتاب المرقوم، لأن أمهات الكتب ثلاثة: الكتاب المسطور و الكتاب المرقوم و الكتاب المجهول. و الكتاب ضم معنى إلى معنى، و المعاني لا تقبل الضم إلى المعاني حتى تودع في الحروف و الكلمات، فإذا حوتها الكلمات و الحروف قبلت ضم بعضها إلى بعض فانضمت بحكم التبع لانضمام الحروف، و انضمام الحروف تسمى كتابة، فذلك الكتاب المرقوم المنزل عليك هو علمي لا علمك‏ «لا رَيْبَ فِيهِ» عند أهل الحقائق أنزله في معرض الهداية «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» فهو في معرض الهداية لمن اتقاني و أنت المنزل فأنت محله، و لا بد لكل كتاب من أم، و أمه ذلك الكتاب المجهول لا تعرفه أبدا، و قال تعالى‏ «ذلِكَ» و لم يقل تلك آيات الكتاب، فالكتاب للجمع و الآيات للتفرقة، و ذلك مذكر مفرد، و تلك مفرد مؤنث، فأشار تعالى بذلك الكتاب أولا لوجود الجمع أصلا قبل الفرق، كما أشار بالآيات إلى محل الأحكام و القضايا.

– إشارة- الكتاب المرقوم هو هذا القرآن، و الكتاب المسطور هو الوجود كله، و الكتاب المجهول هو علم اللّه تعالى.

[سورة البقرة (2): آية 3]

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3)

[بحث في الإيمان‏]

بحث في الإيمان: إن الإيمان عبارة عن نور حاصل من قبل الحق تعالى، قابل لكل ما

______________________________
«فِيهِ» و يجوز الابتداء به فيقرأ: فيه‏ «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» هدى أي بيان، أي أن الكتاب يتضمن بيان ما أراد اللّه أن يخبر به عباده، من طريق السعادة التي من سلك عليها نجا، و خص المتقين بالذكر، فإن المتقي هو الذي يحذر و يخاف، فيؤديه حذره إلى البحث و التفتيش عن الأمر الذي تكون فيه سعادته، فيتبين له من القرآن ذلك، فيما هو معجز يحصل له التصديق بالمخبر به، و هو النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و بما يتضمنه من المعاني يحصل له التصديق بها، فإن اللّه هو الصادق في خبره، لا يجوز عليه الكذب، و لا يشترط في المتقي هنا أن يكون مؤمنا في حال تقواه، فإنه صاحب نظر و طلب و استكشاف عن بيان الأمر، فإذا تبين له آمن، و إذا آمن استصحبه التقوى و الحذر من مخالفة اللّه فيما أمر به و نهى، و فيما يطرأ على القلوب من الشكوك و الشبه المضلة، فلا تزال التقوى له صفة، قوله (4) «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» هو نعت للمتقين، و قد يكون مبتدأ، و يكون الخبر الجملة من قوله‏ «أُولئِكَ عَلى‏ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ». ثم اعلم أن المعلومات على قسمين:

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 49

يرد منه من دين و شرع و نحوهما، فيستحق حامله بوصف قبوله المذكور الأمن من سخط الرحمن، فيسمى بهذا الوصف و الحكم الخاص إيمانا و تصديقا، و على التحقيق إنما هو أول اعتبار من العلم متعلق بالدين و الشرع وحداني النعت، من غير اعتبار تأيد بدليل و برهان عقلي أو سمعي أو كشفي، فإذا تأيد بشي‏ء من ذلك صار علما و إيقانا، و خرج من كونه إيمانا، ثم إن محل هذا النور يختلف بحسب رقة حجب العادة و الطبع الحائل بين النفس و القلب، و بين قبولهما الدين و الشرع و بحسب كثافتهما، فمهما رقّت الحجب و شفت يرد هذا النور من ضمن إخبار مخبر صادق عن الحق تعالى، رغما منه بطريق السمع غالبا، و يخلص إلى القلب فيتلقاه القلب بالقبول، و ذلك يكون نفس التصديق الذي محله القلب، و الدليل على كونه نورا قول النبي صلّى اللّه عليه و سلم: [فذلك مثلهم و مثل ما قبلوا من هذا النور] و ذلك في آخر حديث تمثيل اليهود و النصارى و المسلمين و تمثيل إجارتهم و أجورهم، و أما الدليل على وروده على القلب قوله عزّ من قائل [أولئك كتب في قلوبهم الإيمان و أيدهم بروح منه‏] فيظهر القلب و آثاره، و يتميز بعد أن كان مغمورا و مستورا و مقهورا تحت سلطنة النفس و آثارها، ثم بعد هذا الورود يسري أثره من الباطن و القلب إلى ظاهر النفس، حتى إلى صورتها البدنية و سائر قواها و أعضائها، فتنقاد و تستسلم و تلين بعد انشراح الصدر له و لأحكامه الظاهرة و الباطنة، كما قال تعالى [ثم تلين جلودهم و قلوبهم إلى ذكر اللّه‏] و يسمى هذا النور بحكم سرايته في الظاهر و تليينه إياه و انقياد الظاهر له و لأحكامه إسلاما، و مهما تراكمت الحجب لم يرد هذا النور من ضمن الأخبار المذكورة إلا على ظاهر النفس من قبل أن ينشرح الصدر، فتتلقاه النفس بقبول مختلس، فتنقاد له و لأحكامه الظاهرة الحسية، رغبة أو رهبة متعلقة بالظاهر، كحقن الدم و صون المال و العرض، و يسمى هذا النور بهذا القدر اليسير من الانقياد الظاهري إسلاما، لكن لما لم يخلص ذلك إلى القلب، لكثافة الحجب و عدم سرايته إلى الباطن أصلا، لم ينشرح له الصدر، و لم ينبسط لقبوله كما قال تعالى [قالت‏

______________________________
معلومات تستقل العقول بإدراكها، كالعلم بوجود الحق سبحانه و توحيده، و نسب نعوت الكمال و الجلال إليه، و ما يجب له و ما يستحيل عليه، و ما يجوز أن يكون منه في خلقه، كل ذلك لا يفتقر إلى خبر و لا مخبر، و قسم آخر لا تستقل العقول بإدراكه، و هو وقوع ما يجوز

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 50

الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم‏] فأما إذا سرى أثر قبول الظاهر إلى الباطن و حكم قبول القلب إلى النفس، بتلطيف الحجب و غلبة حكم العبادة على أحكام العادة، فيحصل إما تمام شرح الصدر أو بعضه، و ذلك قول اللّه تعالى [أ فمن شرح اللّه صدره للإسلام فهو على نور من ربه‏]، و يعم حكم القبول للقلب من النفس، و يتحد وصفهما الذي هو الإسلام و الإيمان، كما أخبر اللّه تعالى عن حال مؤمني قوم لوط في ذلك بقوله عزّ و جل من قائل: [فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين‏] فعلى هذا يكون لهذا النور بحسب محليه- أعني النفس و القلب- ظاهر و باطن فظاهره الانقياد القائم بالنفس و آلاتها التي هي القوى و الأعضاء البدنية، و له ثلاث مراتب فمبدؤها وصف المنافقين و ذلك قبل شرح الصدر، و هو انقياد النفس الأمارة بالسوء رغبة أو رهبة دنيوية فحسب، و وسطها نعت الأبرار من المسلمين، و هو انقياد النفس اللوامة للأوامر و النواهي ظاهرا و باطنا، و لكن عن رغبة و رهبة متعلقة بالآخرة، و استيفاء حظوظ النفس من الجنة بنعمها المحسوسة و درجاتها، و ذلك في أثناء شرح الصدر، و غايتها صفة المؤمنين الموقنين المقربين المخلصين، و هو انقياد النفس المطمئنة، ظاهرا و باطنا خالصا مخلصا من غير شائبة حظ النفس أصلا دنيا و آخرة، و هو المراد بقول الخليل عليه السلام‏ (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ «أَسْلِمْ» قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ)، و بما وصى بنيه يعقوب عليه السلام بقوله‏ (فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) و ذلك بعد تمام شرح الصدر و فتح القلب، و هو ظهوره من مشيمة النفس و الروح، و هذا النور الإيماني من هذه الحيثية الظاهرة و من حيثية عموم الحكم و اتحاد الوصف المذكورين قبيل هذا أيضا قابل للزيادة و النقصان، لكون الأعمال البدنية منها، فيزيد بزيادتها و ينتقص بانتقاصها، و أما باطنه و حقيقته المكتوب في القلب، فهو مجرد التصديق، وحداني النعت، غير قابل من هذه الحيثية زيادة و نقصانا، نعم قد يقوى و يضعف ظهوره برقة الحجب و كثافتها، و ربما يتأيد و يتقوى و يتفرع منه أشعة في الظاهر و الباطن، و لكن القوة و الضعف و التأييد و الظهور و الأشعة، كلها من نعوته و صفاته، لا من أجزاء حقيقته و مقوماته، ثم إن هذه الحيثية الباطنية التصديقية أيضا لها ثلاث‏

______________________________
أن يكون منه أو عدم وقوعه، فهذا القسم مغيب عن العقول، فلا تدركه إلا بالخبر الصدق،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 51

درجات: أولها إيمان العوام، و هو الاعتقاد الصحيح السليم الذي هو أصل الصراط المستقيم، و وسطاها سرايتها في النفس و جميع قواها و آلاتها البدنية و استصحابها مع كل حركة و سكنة قولا و فعلا، و ثمرة ذلك الائتمار لجميع الأوامر و الانتهاء عن جميع النواهي ظاهرا و باطنا، و قوله صلّى اللّه عليه و سلم لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن «الحديث» من هذه المرتبة الوسطى الإيمانية، فإنه نفى الإيمان عمن لم يستصحبه في جميع حركاته و سكناته، و لو صحبه حال فعل الزنا و السرقة باستحضار الحق تعالى و لزوم أوامره و نواهيه لما أقدم على ذلك، فكان الإيمان المنفي من هذه المرتبة الوسطى لا الأعلى و الأدنى، و أعلى مراتب الإيمان ظهور عروقه الكلية الضاربة إلى الروح الروحانية، و ثمرة ذلك تعديل الأخلاق و تبديلها، أو صرفها فيما ظهر حسنا جميلا بالنسبة إلى تلك المصارف، و يؤول الأمر من هذه المرتبة إلى أن تزول الحجب كلها أو أكثرها، و يظهر القلب فتصحو سماؤه عن غمام الشك و الريب، و تنجلي فيه آيات الرب تعالى و تقدس، و يصير الإيمان إحسانا، و يعود الكشف عيانا، و هنالك الولاية للّه الحق، فدخل في مرتبة الإحسان، و اعلم أيدك اللّه أن الإيمان بمعناه اللغوي، الذي هو إعطاء الأمان، إنما يتعدى بنفسه فيقال: «آمنته» و أما ما يتضمن معنى التصديق و الاعتراف الباطن فيعدى بالباء، كقوله تعالى: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) و ذلك باطنه المتعلق بالقلب و هو الأصل، و أما ما يتضمن معنى الانقياد و الاستسلام المتعلق بالنفس فيعدى باللام كقوله عزّ و جل‏ «أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ» فالذي يقبل التشعب و الانقسام و الزيادة و النقصان من هذا النور إنما هو الظاهري المعدّى باللام، الذي هو حقيقة الإسلام لا الباطن المعدى بالباء الذي هو الأصل الذي تفرعت منه الأغصان، و التشعب المذكور في الحديث (الإيمان بضع و سبعون شعبة أعلاها لا إله إلا اللّه و أدناها إماطة الأذى عن الطريق و الحياء شعبة من شعب الإيمان) و قد ذكر الإمام أبو القاسم الراغب في ذريعته في معنى انقسام الإيمان المذكور في هذا الحديث كلاما بليغا، و حصر شعبه في اثنين و سبعين شعبة، و حاصل كلامه: أن الإيمان شيئان، تصديق و أعمال، فالتصديق على ثلاث مراتب: أعلى و هو المراد بقوله‏ «الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا» و أوسط و هو الظن المقارب لليقين بسبب‏

______________________________
فإذا وردت عليه صدّقت به، فهو قوله‏ «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» و هو ما وقع به الإخبار من اللّه‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 52

أمارة قوته، كما قال تعالى‏ «يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ» و أدنى و هو التقليد المحض، و الأعمال أيضا ثلاثة: خلافة معينة بقوله‏ «وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ» و عبادة مرادة بقوله‏ «إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» و عمارة أرض كقوله تعالى‏ «وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها» فهذه ستة، و كل واحد منها صدوره إما أن يكون عن رغبة و رهبة أو عن إخلاص فهذه اثنتا عشرة، و كل واحد منها إما يكون المؤمن في مبدئه أو في وسطه أو في منتهاه، فإن كل فضيلة و رذيلة لا تنفك عنها، فاثنتا عشرة في ثلاث صارت ستا و ثلاثين، و كل واحد منها إما أن يكون باجتباء وهبي، و إما باهتداء كسبي، فصارت اثنتين و سبعين شعبة من غير زيادة و نقصان، هذا حاصل كلام الراغب رحمة اللّه تعالى، و قد أجاد في هذا الحصر و التقسيم، إلا أنه حمل البضع الذي هو العدد المجهول على الاثنين، و قد اختلف في الاثنين هل هو من العدد أم لا، على أن الأكثر مالوا إلى أن البضع لا يقع إلا على العدد المجهول من الثلاثة إلى التسعة، فقد عين و اختار أمرا مختلفا فيه، و أيضا يصير الفرع على ما قرره أفضل و أعلى من الأصل، و يلوح لي في هذا الحصر و التقسيم وجه آخر مناسب لأفضلية هذا القول و حمل البضع الوضع إجماعا، و ذلك أنا قد قررنا آنفا أن حقيقة الإيمان باطنا أمر وحداني غير قابل للتجزئة و القسمة و التشعب، و إنما ينقسم من حيث ظاهره و صفاته و نعوته الظاهرة و ذلك هو الإسلام و هو المعدى باللام، و حسبت حروف البضع بحساب الجمل، فرأيت أن دلالة لفظ البضع على عدد الثمانية أشد و أقوى من دلالتها على غير ذلك من الأعداد فحملناه هاهنا على ذلك، فانحصرت شعب الإيمان و انقسمت على ثمان و سبعين شعبة، و وجه ذلك أن كل ما يصدر من ظاهر نفس الإنسان من حيث قواها و آلاتها، التي تصلح إضافة العمل إليها مبنيا على نية منتشئة من أصل الإيمان و ماهيته، التي بسراية تلك النية يقع ذلك التصادر في معرض المجازاة شرعا، ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها قولي محض، مثل قول‏ «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ»* مثلا. ثانيها عملي محض كالجهاد و الزكاة. و ثالثها متركب منهما كالصلاة، ثم إن العملي إما أن يكون باجتماع القوى و الآلات، أو بتفرد كل قوة و آلة بما يخصه من العمل، فالقولي وحده و المتركب منه و من العملي و المتركب من العمليات ثلاثة أقسام، و بقي ما تفرد

______________________________
مجملا و مفصلا، مثل (فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر) و مثل قوله‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 53

كل قوة و آلة بما يخصه من العمل، و ذلك نوعان: نوع غايته و المقصود منه العلم و الإدراك لا غير، و ذلك منحصر في خمسة أصناف: هي الحواس الخمس، السمع و البصر و الشم و الذوق و اللمس. و النوع الثاني ما لا يكون غايته العلم و الإدراك بل غايته منحصرة في أمرين: أحدهما جلب المنفعة أو اللذة، و ذلك يكون بالقوة الشهوية، و الأمر الثاني دفع المضرة و الألم و ذلك بالقوة الغضبية، و آلات هاتين القوتين و مظاهرها خمسة أيضا إحداها اليد التي ينتهي إليها إعلاء كلمة الحق بضرب أعناق مخالفيه، و ثانيها الرجل التي بها يسارع إلى الائتمار بأمر (فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ)، و ثالثها الرأس الذي به يتقرب إلى اللّه تعالى بأمر (وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ)، و رابعها البطن الذي به يقوم بقاء الشخص بالمبادرة إلى أمر (كلوا)، و خامسها الفرج الذي تعلق به بقاء النوع بواسطة الانتداب بأمر (تناكحوا) و ليس غير ما أحصيناه قوة و آلة في الظاهر يعمل و يتقرب بها إلى اللّه تعالى أصلا، فهذه العشرة مع الثلاثة المذكورة آنفا صارت ثلاثة عشر، و كل واحد منها ينقسم قسمين: أحدهما فعلي كما وصفنا، و الثاني تركي كالصوم و جميع مقتضيات الحياة، فتصير ستا و عشرين، و كل واحد منها إما أن يكون صدوره ابتغاء مرضاة اللّه تعالى و خالصا لوجهه غير مشوب بعلة نفسانية أصلا أو يكون مشوبا بعلة، و العلة النفسية نوعان: رغبة و رهبة باقتضاء قوتي الشهوة و الغضب و بحسبها، فهذه الثلاثة تضرب في ست و عشرين تصير ثمانيا و سبعين، فانحصرت شعب ظاهر الإيمان التي أفضلها قول لا إله إلا اللّه بسراية أصلها الذي هو القصد و النية المنتشئة من باطن الإيمان و أصله و منبعثة في ثمان و سبعين شعبة، و يحتمل أن يعد باطن الإيمان الوحداني من جملة شعبه الظاهرة، تسمية للأصل و الذات باسم الفرع و الصفة، فتصير الشعب تسعا و سبعين و يحمل البضع على أكثر ما يحتمله في العدد، كما أن الراغب حمله على أقل العدد من وجه، و اللّه تعالى أعلم. و إذا علمت أن الإيمان نور وارد على القلب و النفس، قابل لكل ما يرد من الحق من أنوار الأمر و النهي المقربة إلى اللّه تعالى، المزيلة لظلمة الطبيعة العنصرية، و المظهرة سبيل القرب إليه تعالى و تقدس، علمت أن التقوى هي السلوك في ذلك السبيل، و التقرب إليه عزّ و جل بإتيان الأوامر و أداء الواجبات و المندوبات التي هي مقتضاها، و بالانتهاء عن النواهي و ترك المحرمات و الشبهات و الانحرافات التي هي من‏

______________________________
(حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ) و (فِيهِما فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ) و ما أشبه ذلك، و من الغيب أيضا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 54

مقتضياتها، و الدخول بواسطة ذلك الإتيان و الانتهاء في وقاية رضى اللّه تعالى و هدايته و نفعه‏

[شعب الإيمان‏]

و لطفه- شعب الإيمان- اعلم أن الإيمان بضع و سبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق، و أعلاها لا إله إلا اللّه، و ما بينهما على قسمين من اللّه: عمل و ترك، أي مأمور به و منهي عنه، فالمنهي عنه هو الذي يتعلق به الترك و هو قوله لا تفعل، و المأمور به هو الذي يتعلق به العمل و هو قوله افعل، و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا، و قال صلّى اللّه عليه و سلم: [ما نهيتكم عنه فانتهوا] و أطلق و لم يقيد و قال في الأمر «و ما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم» فهذا من رحمته بأمته، و هو لا ينطق عن الهوى فهذا من رحمة اللّه تعالى بعباده: و أمره بما وجب به الإيمان على نوعين: فرض و مندوب، و النهي على قسمين نهي حظر و نهي كراهة، و الفرض على نوعين: فرض كفاية و فرض عين، و كذلك الواجب أقول فيه: واجب موسع و واجب مضيق، فالواجب الموسع موسع بالزمان و موسع بالتخيير و هو الواجب المخير فيه مثل كفارة المتمتع، و إتيان ما يؤتى من هذا كله و ترك ما يترك من هذا كله هو الإيمان الذي فيه سعادة العباد، فالبضع و السبعون من الإيمان هو الفرض منه من عمل و ترك و أما غير الفرض كالمندوبات و المكروهات فيكاد لا ينحصر عند أحد، فابحث عليها في الكتاب و السنة. و من شعب الإيمان: الشهادة بالتوحيد و بالرسالة، و الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحج، و الجهاد، و الوضوء و الغسل من الجنابة و الغسل يوم الجمعة، و الصبر، و الشكر، و الورع و الحياء، و الأمان، و النصيحة، و طاعة أولي الأمر، و الذكر، و كف الأذى، و أداء الأمانة، و نصرة المظلوم و ترك الظلم، و ترك الاحتقار، و ترك الغيبة، و ترك النميمة، و ترك التحسس، و الاستئذان، و غض البصر، و الاعتبار، و سماع الأحسن من القول و اتباعه، و الدفع بالتي هي أحسن، و ترك الجهر بالسوء من القول، و الكلمة الطيبة، و حفظ الفرج، و حفظ اللسان، و التوبة، و التوكل، و الخشوع، و ترك اللغو، و الاشتغال بما يعني و ترك ما لا يعني، و حفظ العهد و الوفاء بالعقود، و التعاون على البر و التقوى و ترك التعاون على الإثم و العدوان، و التقوى، و البر، و القنوت، و الصدق، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و إصلاح ذات البين و ترك إفساد ذات البين، و خفض الجناح، و اللين، و بر الوالدين، و ترك العقوق، و الدعاء، و الرحمة بالخلق، و توقير الكبير

______________________________
ما هو من مجازات العقول، و هو ما وقفت فيه، فلم تحكم عليه بوجوب و لا جواز و لا إحالة،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 55

و معرفة شرفه و رحمة الصغير، و القيام بحدود اللّه، و ترك دعوى الجاهلية فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم يقول: دعوها فإنها منتنة، و التودد، و الحب في اللّه و البغض في اللّه، و التؤدة، و الحلم، و العفاف، و البذاذة، و ترك التدابر، و ترك التحاسد، و ترك التباغض، و ترك التناجش، و ترك شهادة الزور و ترك قول الزور، و ترك الهمز و اللمز و الغمز، و شهود الجماعات، و إفشاء السلام، و التهادي، و حسن الخلق، و حسن العهد، و السمت الصالح، و حفظ السر، و النكاح و الإنكاح، و حب الفأل، و حب أهل البيت، و ترك الطيرة، و حب النساء، و حب الطيب، و حب الأنصار، و تعظيم الشعائر، و تعظيم حرمات اللّه، و ترك الغش، و ترك حمل السلاح على المؤمن، و تجهيز الميت و الصلاة على الجنائز، و عيادة المريض، و إماطة الأذى، و أن تحب لكل مؤمن ما تحب لنفسك، و أن يكون اللّه و رسوله أحب إليك مما سواهما، و أن تكره أن تعود في الكفر، و أن تؤمن بملائكة اللّه، و كتبه، و رسله، و بكل ما جاءت به الرسل من عند اللّه، من ذلك نعلم أن الإيمان نور شعشعاني، ظهر عن صفة مطلقة لا تقبل التقييد، فإذا خالط هذا النور بشاشة القلوب لا يتصور في صاحبه شك، لأن الشك لا يجد محلا يعمره، فإن محله الدليل و لا دليل، فما ثم على ما يرد عليه الدخل و لا الشك بل هو في مزيد، فالإيمان لا تعطيه إقامة الدليل بل هو نور إلهي يلقيه اللّه في قلب من شاء من عباده، و قد يكون عقيب الدليل و قد لا يكون هناك دليل أصلا، كما قال تعالى‏ (وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) فنور الإيمان وهب إلهي ليس فيه من الكسب شي‏ء، و لا أثر للدلالة فيه البتة، فإن الإيمان كشف نوري لا يقبل الشبهة، و هو لا يقبل الزوال لأنه نور إلهي، و صاحب الدليل لا يقدر على عصمة نفسه من الدخل عليه في دليله القادح، فيرده هذا الداخل إلى محل النظر، فصاحب الإيمان يصف الحق بما لا تقبله الأدلة، و يتأوله المؤمن به من حيث الدليل، فينقصه من الإيمان بقدر ما نفاه عنه دليله، و موطن الدنيا اقتضى أن ينحجب الخلق عن اللّه، إذ لو أشهدهم نفسه في الدنيا لبطل حكم القضاء و القدر، الذي هو علم اللّه في خلقه بما يكون عنهم و فيهم، فكان حجابه رحمة بهم و إبقاء عليهم، فإن تجليه سبحانه يعطي بذاته القهر فلا يتمكن معه دعوى، و الإيمان لا يكون إلا بالخبر لا بالعيان‏ «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» فليس المؤمن إلا من يؤمن بالغيب، و هو الخبر الذي جاء من عند اللّه، فإن الخبر بما هو خبر يقبل الصدق و الكذب،

______________________________
و قد يمكن أن يكون من ذلك رؤية اللّه سبحانه، فإذا قررها الخبر الصدق تعين الحكم و أن ذلك‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 56

فالصدق متعلقه الخبر، و محله الصادق، و ليس بصفة لأصحاب الأدلة العلماء الذين آمنوا بما أعطتهم الآيات و المعجزات من الدلالة على صدق دعواه فذلك علم، و الصدق نور يظهر على قلب العبد، يصدق به هذا المخبر، و يكشف بذلك النور أنه صدق، و يرجع عنه برجوع المخبر، لأن النور يتبع المخبر حيث مشى، و المصدق بالدليل ليس هذا حكمه، إن رجع المخبر لم يرجع لرجوعه، فالمؤمنون على قسمين: مؤمن عن نظر و استدلال و برهان، فهذا لا يوثق بإيمانه و لا يخالط نوره بشاشة القلوب، فإن صاحبه لا ينظر إليه إلا من خلف حجاب دليله، و ما من دليل لأصحاب النظر إلا و هو معرض للدخل فيه و القدح و لو بعد حين، فلا يمكن لصاحب البرهان أن يخالط الإيمان بشاشة قلبه و هذا الحجاب بينه و بينه، و المؤمن الآخر الذي كان برهانه عين حصول الإيمان في قلبه لا أمر آخر. ثم إن المؤمن على نوعين:

مؤمن له عين فيه نور، بذلك العين إذا اجتمع بنور الإيمان أدرك المغيبات التي متعلقها الإيمان، و مؤمن ما لعينه سوى نور الإيمان، فنظر إليه به و نظر إلى غيره به، فالأول يمكن أن يقوم بعينه أمر يزيل عنه النور الذي إذا اجتمع بنور الإيمان أدرك الأمور التي ألزمه الإيمان القول بها، و هو المؤمن الذي لا دليل له و ينظر الأشياء بذاته، فيدخله الشك ممن يشككه فإن فطرته تعطي النظر في الأدلة، إلا أنه لم ينظر فإذا نبّه تنبه، فمثل هذا إن لم يسرع إليه الذوق و إلا خيف عليه، و المؤمن الآخر هو بمنزلة الجسد الذي قد تسوت بنيته، و استوت آلات قواه، و تركبت طبقات عينه، غير أنه ما نفخ فيه الروح فلا نور لعينه، فإذا كان الإنسان بهذه المثابة من الطمس، فنفخ فيه روح الإيمان، فأبصرت عينه بنور الإيمان الأشياء، فلا يتمكن له إدخال الشكوك عليه جملة و رأسا، فإنه ما لعينه نور سوى نور الإيمان، و الضد لا يقبل الضد، فما له نور في عينه يقبل به الشك و القدح فيما يراه، و متى لم يكن الإيمان بهذه المثابة و إلا فقليل أن يجي‏ء منه ما جاء من الأنبياء و الأولياء من الصدق بالإلهيات، فالفطر الذكية التي تقبل النظر في المعقولات من أكبر الموانع لحصول ما ينبغي‏

______________________________
من قبيل الممكنات، قوله‏ «وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ» يقول: يتمون نشأتها كما أمروا بها، و الألف و اللام للتعريف بالصلاة المشروعة لا اللغوية، و إتمام نشأتها و كمال صورتها يختلف باختلاف الحالات، يحصرها ثلاثة أحوال: الواحدة أن يصلي الرجل وحده فيتم ركوعها و سجودها و ما تحوي عليه‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 57

أن يحصل من العلم الإلهي، و الفطر المطموسة هي القابلة التي لا نور لعينها من ذاتها إلا من نور الإيمان، فلا تعطي فطرته النظر في الأمور على اختلافها، و منزلة الأنبياء فيما يأخذونه من الغيب بطريق الإيمان من الملائكة منزلة المؤمنين مع ما يأخذونه من الأنبياء، فالأنبياء مؤمنون بما يلقي إليهم الروح، و الروح مؤمن بما يلقي إليه من يلقي إليه، فالمؤمن هو الذي لا نور لعين بصيرته إلا نور الإيمان، و ليس الإيمان المعتبر عندنا إلا أن يقال الشي‏ء لقول المخبر على ما أخبر به، أو يفعل ما يفعل لقول المخبر لا لعين الدليل العقلي. «وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ» وقعت الصلاة في الرتبة الثانية من قواعد الإيمان التي بني الإسلام عليها، في الخبر الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا اللّه، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صوم رمضان، و الحج) فعلم الصحابة أنه صلّى اللّه عليه و سلم راعى الترتيب لما يدخل الواو من الاحتمال، و لهذا لما قال بعض رواة هذا الحديث من الصحابة لما سرده فقال: و الحج و صوم رمضان، أنكر عليه و قال له (و صوم رمضان و الحج) فقدّمه، و علمنا أنه أراد الترتيب، و نبه على أن لا ننقل عنه صلّى اللّه عليه و سلم إلا عين ما تلفظ به، فإنه من العلماء من يرى نقل الحديث المتلفظ به من النبي صلّى اللّه عليه و سلم على المعنى، فالصلاة ثانية في القواعد، مشتقة من المصلي في الخيل، و هو الذي يلي السابق في الحلبة، و السابق من القواعد الشهادة، و المصلي هي الصلاة، و جعل الزكاة تلي الصلاة لأن الزكاة التطهير فناسبت الصلاة، فإن الصلاة لا يقبلها اللّه بغير طهور، و الزكاة تطهير الأموال، و من شروط الصلاة طهارة الثياب و الأبدان و البقعة التي توقع الصلاة عليها و فيها كانت ما كانت، و جعل الصوم يلي الزكاة، لما شرع اللّه في صوم رمضان عند انقضائه من زكاة الفطر فلم يبق الحج إلا أن يكون آخرا.

و اعلم أن الصلاة تضاف إلى ثلاثة و إلى رابع ثلاثة بمعنيين بمعنى شامل و بمعنى غير شامل، فتضاف الصلاة إلى الحق بالمعنى الشامل و هو الرحمة- فإن اللّه وصف نفسه بالرحيم- و وصف عباده بها فقال‏ (أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)* و قال تعالى‏ (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ) فوصف نفسه بأنه يصلي أي يرحمكم. و تضاف الصلاة إلى الملائكة بمعنى الرحمة،

______________________________
من الأقوال و الأفعال كما علمنا الشارع لنا، و هذا سار في كل مصل على كل حال، و الثانية أن يكون المصلي مع إمام وحده، فمن تمام صلاته و إقامته الاقتداء به، فلا يرفع حتى يرفع، و لا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 58

و الاستغفار، و الدعاء للمؤمنين، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ) فصلاة الملائكة ما ذكرناه، قال اللّه عزّ و جل في حق الملائكة: (وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) و تضاف الصلاة إلى البشر بمعنى الرحمة، و الدعاء و الأفعال المخصوصة المعلومة شرعا، فجمع البشر هذه الثلاث المراتب المسماة صلاة، قال تعالى آمرا لنا «وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ»* و تضاف الصلاة إلى كل ما سوى اللّه، من جميع المخلوقات: ملك و إنسان و حيوان و نبات و معدن بحسب ما فرضت عليه و عينت له، قال تعالى: (أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ) فأضاف الصلاة إلى الكل، و التسبيح في لسان العرب الصلاة. و إقامة الصلاة ظهور نشأتها على أتم خلقها، و خلقها يختلف باختلاف من تنسب إليه، و كل صلاة مما ذكرنا تامة الخلقة، حتى الصلاة المنسوبة إلى الجماد و النبات و الحيوان، ما عدا الإنس و الجان، فإن صلاتهما إذا أنشئاها قد تكون مخلقة أو غير تامة الخلقة، لذلك أمرهما تعالى بقوله‏ «وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ»* و إقامة البشر للصلاة المنسوبة إلى الإنسان و الجن هو أن تنسب إليهم بمعنى الرحمة، كما نسبت إلى الحق، و بمعنى الدعاء و الرحمة، كما نسبت إلى الملائكة. و بمعنى الدعاء و الرحمة و إتمام التكبير و القيام و الركوع و السجود و الجلوس كما ورد في الخبر، فمن أتم ركوعها و سجودها و ما شرع فيها، و إن كان في جماعة مما تستحقه صلاة الجماعة و الائتمام فقد أكمل خلقها، و إن كان انتقص منها شي‏ء كانت له بحسب ما انتقص منها، و اللّه لا يقبلها ناقصة، فيضم بعض الصلوات إلى بعض فإن كانت له مائة صلاة و فيها نقص كملت بعضها من بعض، و أدخلت على الحق كاملة، فتصير المائة صلاة مثلا ثمانين صلاة أو خمسين أو عشرة أو زائدا على ذلك أو ناقصا عنه، هكذا هي صلاة الثقلين، و ربط إقامة الصلاة بأزمان هي الأوقات المفروض فيها إقامة الصلوات المفروضات، قال تعالى‏ (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) أي مفروضة في وقت معين سواء كان موسعا أو مضيقا، و ربطها بأماكن و هي المساجد، و المبادرة إلى أول الأوقات في العبادات هو الأحوط و المطلوب من العباد في حال التكليف،

______________________________
يفعل شيئا قبل فعل إمامه، و الحالة الثالثة أن يكون في جماعة، فمن تمام صلاته التراص في الصف و إلزاق المناكب و تسوية الصف، فهذا إقامة الصلاة، و سميت صلاة لأنها في المرتبة الثانية من شهادة

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 59

قال تعالى‏ (أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ) و لهذا الاحتراز و الاحتياط يحمل الأمر الإلهي- إذا ورد معرى عن قرائن الأحوال التي يفهم منه الندب أو الإباحة- على الوجوب، و يحمل النهي كذلك على الحظر إذا تعرى عن قرينة حال تعطيك الكراهة، و لا تتوقف عن حمل الأمر و النهي على ما قلناه، إلا بقرينة حال تخرجهما عن حكم الوجوب في الأمر، و حكم الحظر في النهي. «وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» فرضا كان أو تطوعا، فالفرض من ذلك قد عين اللّه أصنافه، و رتّبه على نصاب و زمان معين، و التطوع من ذلك لا يقف عنده شي‏ء، و جعله تعالى إنفاقا لأنه له وجه و نسبة إلى الحق، و وجه و نسبة إلى الخلق، لأنه من النفق و هو جحر اليربوع و يسمى النافقاء، له بابان إذا طلب من باب ليصاد خرج من الباب الآخر، كالكلام المحتمل إذا قيدت صاحبه بوجه، أمكن أن يقول لك إنما أردت الوجه الآخر من محتملات اللفظ. ورد أن الصدقة تقع بيد الرحمن قبل وقوعها بيد السائل فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، فهذه نسبة إلهية مع الغنى المطلق الذي يستحقه، و النسب الإلهية لا ينكرها إلا من ليس بمؤمن خالص، فإن اللّه يقول: (وَ أَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً)* و اليد العليا هي المنفقة، فهي خير بكل وجه من اليد السفلى التي هي الآخذة، فلما كان العطاء له نسبة إلى الحق و الغنى، و نسبة إلى الخلق و الحاجة سماه اللّه إنفاقا، فالعلماء ينفقون بالوجهين فيرون الحق فيما يعطونه معطيا و آخذا، و يشاهدون أيديهم هي التي يظهر فيها العطاء و الأخذ، و لا يحجبهم هذا عن هذا، و المعطي بحق و الآخذ بحق ليسا على السواء في المرتبة و لا في الاسم و لا في الحال.

______________________________
التوحيد، و تلك السابقة. و هذه متأخرة عنها، تأخر المصلي عن السابق في الحلبة، فإنه يليه، في الحديث الصحيح (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللّه، و إقام الصلاة) فأتى بها ثانية تابعة بلفظة الإقامة، و هكذا جاءت هنا «يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ» و إذا وقع الإيمان باللّه، فليس من حيث الدليل، و إنما هو من حيث ما جاء به الخبر من قوله: (وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) و شبه ذلك، فصدّقنا قوله، فذلك التصديق هو الإيمان، و هو نور يقذفه اللّه في قلب من شاء من عباده، قوله تعالى‏ «وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» من هنا للتبيين، و لها وجه إلى التبعيض، و الآية وردت على جهة المدح بصفة الكرم، فعلى هذا سواء كان ذلك الرزق حراما أو حلالا، و من حمل الرزق على أنه الحلال خاصة و هو قوله تعالى‏ (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص:60

[سورة البقرة (2): آية 4]

وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)

حكم اليقين سكون النفس بالمتيقن أو حركتها إلى المتيقن، و هو ما يكون الإنسان فيه على بصيرة أي شي‏ء كان، فإذا كان حكم المتيقن من النفس حكم الحاصل فذلك اليقين، سواء حصل المتيقن أو لم يحصل في الوقت.

______________________________
و هو الأظهر، فإنه جاء هذا المدح للذين يؤمنون بالغيب، و قد نقول إن المؤمن إذا عصى بكسب المال الحرام فله التصرف فيه، و التصرف فيه رده إلى من غصبه، أو إلى ذريته أو إلى بيت المال، و إن لم يوجد شي‏ء من هذا كله تصدق به عن صاحبه، فتعمه هذه الآية، و أتى بلفظ «يُنْفِقُونَ» من نفقت الدابة إذا هلكت، و قد ورد في الصحيح فيمن آتاه اللّه مالا، فسلّطه اللّه على هلكته في اللّه، فهو يخرجه هكذا و هكذا، و قوله‏ «مِمَّا رَزَقْناهُمْ» و لم يقل (من أموالهم) فأضاف الرزق إليه لقوله‏ (وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) فهم فيما في أيديهم وكلاء للّه تعالى في التصريف فيه على حد ما شرعه الموكل، كالسلطان على بيت المال، فأجرهم في ذلك أجر الوكيل الموفي حق مرتبة الوكالة، فلنفقته و إنفاقه وجهان، وجه من حيث أنه المباشر بالعطاء، و وجه أنه معط ما هو موكّل فيه، ليس هو ماله، من النافقاء و هو الجحر الذي له بابان، قال تعالى‏ (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ) و اختلف الناس في مسمى الرزق، هل يسمى الحرام رزقا أم لا؟ فمن جعله رزقا لمن هو بيده كان المدح بصفة الكرم، و من منع ذلك كان المدح أيضا بصفة الكرم، و المدح بالوقوف عند ما حد له رب المال، قوله: (5) «وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ» يقول: و الذين يصدقون بما أنزل إليك، و هو ما أوحي به إليه من القرآن، و قوله‏ (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ) فرأيه شرع، و أن اللّه أراه ذلك، فالمؤمنون يؤمنون بذلك كله، و قوله‏ «ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ» يعني من الكتب و الصحف و الشرائع المنزلة، و لا يلزم من الإيمان بالشي‏ء العمل به، إلا حتى يكون فيما أنزل العمل بما أنزل أو ببعض ما أنزل، فالتصديق يعم، قال تعالى‏ (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ، كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ) فآمنا بما أنزل من قبلنا من حيث ما أنزل على نبينا، لا من حيث ما نقل إلينا، و قد يدخل في هذه الآية من أسلم من أهل الكتب، و هو قوله‏ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) بما أخبركم به محمد صلّى اللّه عليه و سلم،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 61


[سورة البقرة (2): آية 5]

أُولئِكَ عَلى‏ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

«عَلى‏ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ» أي على بيان و توفيق حيث صدقوا ربهم فيما أخبرهم به مما هو غيب في حقهم‏ «وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» أي الناجون من عذاب اللّه الباقون في رحمة اللّه، فإن الفلاح هو البقاء، و الآخرة هي دار البقاء.

[سورة البقرة (2): آية 6]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6)

كما آمنتم به من حيث أخبركم به موسى و عيسى، قال تعالى‏ «يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ» فالضمير يعود عليهم بأنه نبي مبعوث إليهم أيضا في كتبهم، فمن إيمانهم بكتبهم إيمانهم به صلّى اللّه عليه و سلم، و ما من آية إلا و لنزولها سبب، و لكن ليس المقصود معرفة السبب إلا إذا كان مقصورا على السبب، فيتعين عند ذلك ذكر السبب، و كون المنزل مقصورا عليه، فلذلك لا نتعرض في هذا التفسير لأسباب النزول في أكثره. «وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ» من يقن الماء في الحفرة إذا استقر فيها، فلما استقر الإيمان بالغيب و بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك و بالآخرة، سماهم موقنين، فأخبر عنهم بفعل الحال، و إلى هنا انتهت جملة المبتدأ إذا كان‏ «الَّذِينَ» مبتدأ، و قوله‏ «بِالْآخِرَةِ» لما قال‏ «وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ» و ذكر ما كان قبله، قال‏ «وَ بِالْآخِرَةِ» و هو ما يكون بعد مما لم يكن، و هو من وقته إلى قيام الساعة، إلى دخول الجنة و النار، إلى الخلود فيها، إلى ما لا يتناهى و لا ينقطع، مما وردت به الأخبار الإلهية، قوله (6) «أُولئِكَ عَلى‏ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» أولاء حرف إشارة يشار به إلى المتقين، لقوله‏ «فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» فهو قوله‏ «أُولئِكَ» يعني المتقين على هدى من ربهم في توقيهم الداعي لهم إلى البحث عن طريق نجاتهم حتى يتبين، فهم على هدى من ربهم في ذلك‏ (أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ)* و هو الهدى، و الرب هنا بمعنى المصلح، و هو الأوجه من سائر مدلولاته، و المربي أيضا، و قوله‏ «وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» حرف إشارة يشار به أيضا إلى المتقين و إلى الذين يؤمنون، سواء كان نعتا أو مبتدأ، و فيه بشرى و نوع تقوية لمن يقول إن المجتهد مأجور و إن أخطأ، و إن الاجتهاد في الأصول كما هو في الفروع، و المفلحون: معناه الناجون من عذاب اللّه، الباقون في دار كرامة اللّه، قال تعالى:

(وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) و في هذه الآيات من أول السورة إلى هنا تكذيب لقول من قال: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى‏) فكذبهم في التحجير. قوله (7) «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا»

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 62

لأنهم قالوا سواء علينا أ وعظت أم لم تكن من الواعظين فكأن اللّه حكى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم و عرفه بأن حالهم ما ذكروه عن نفوسهم، فهذه ظلمة قد تكون ظلمة جهل، و قد تكون ظلمة جحد لهوى قام بهم، و هو أشد الظلم.

[سورة البقرة (2): آية 7]

خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7)

«خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ» بخاتم الكفر فلا يدخله الإيمان مع علمهم به، «وَ عَلى‏ سَمْعِهِمْ» أي ختم على سمع فهمهم فهم الجهلاء، لا يعلمون ما أراد اللّه بما قاله‏ «وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ» و على أبصار عقولهم غشاوة، حيث نسبوا ما رأوه من الآيات إلى‏

______________________________
الآية، يقول: بكل ما تقدم ذكره، الكافر هو الساتر للحق، و الساترون الحق على قسمين:

قسم يسترون الحق مع معرفتهم بأنه الحق، فلا يتمكن أن يستروه عن نفوسهم، بل يستروه عن الغير بما يوردونه من الشبه المضلة و التشكيكات الصارفة عن ظهوره، و هو قوله تعالى‏ (يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ)* و قوله‏ (وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) فهؤلاء جاحدون، و القسم الآخر هو الذي ستر الحق عن نفسه بما ظهر له من الشبه، فقامت له سترا بينه و بين الحق، فيسمى أيضا هذا كافرا لأنه ما وفّى النظر حقه في الأدلة، فالأول معاند، و الثاني مفرّط، قال اللّه لنبيه عليه السلام‏ «سَواءٌ عَلَيْهِمْ» و لم يقل عليك‏ «أَ أَنْذَرْتَهُمْ» يقول: خوفتهم و أعلمتهم بأسباب السعادة و الشقاء «أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ» يقول: أو سكت عنهم‏ «لا يُؤْمِنُونَ» يقول: لا يصدقون، إما عنادا و جحدا، و إما جهالة، و الأظهر هنا إرادة القسم الواحد و هم الجاهلون، من أجل ما يأتي بعد من ذكر القلوب، فالمعاند عالم و مصدق في الباطن، غير مظهر لما هو به مصدق، فإنه لا يقدر في نفسه أن ينكر علمه بالشي‏ء، و لا أن يجعله جهلا، فهؤلاء أيضا هم الذين جعل اللّه جزاءهم عدم المغفرة في قوله تعالى‏ (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) و لم يقل عليك فإنه ليس عليه صلّى اللّه عليه و سلم سواء، و هم سواء دعاؤه إياهم أو سكوته عنهم، ما يتغير عليهم الحال في نفوسهم، و هذا يؤيد أن المراد بالذين كفروا هنا من جهل لا من عاند مع علمه‏ (لا يُؤْمِنُونَ) أي لا يصدقون بما أعلمتهم، و التصديق حالة قلبية. قوله (8) «خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ» الآية، العالم بالشي‏ء ما ختم على قلبه، لكن الجاهل بالشي‏ء مختوم على قلبه، قوله‏ «خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ» و ما ذكر الطبع هنا، بل ذكره في موضع آخر، قال تعالى‏ (أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ) و الطبع النقش الذي يكون في الختم، و الختم هو القفل. فقال‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 63

السحر

[طب‏]

– طب- إذا استرخت الطبقة الصلبة التي في البصر حصل الضرر، فالرخاوة غشاوة، «وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» العذاب إنما سماه اللّه بهذا الاسم إيثارا للمؤمن، فإنه يستعذب ما يقوم بأعداء اللّه من الآلام، فهو عذاب بالنظر إلى هؤلاء، و من وجه آخر سمي عذابا ما يقع به الآلام بشرى من اللّه لعباده، أن الذي تتألمون به لا بد إذا شملتكم الرحمة أن تستعذبوه و أنتم في النار، كما يستعذب المقرور حرارة النار و المحرور برودة الزمهرير، و لهذا جمعت جهنم النار و الزمهرير لاختلاف المزاج، فما يقع به الألم لمزاج مخصوص يقع به النعيم في مزاج آخر يضاده، فلا تتعطل الحكمة، و يبقي اللّه على أهل جهنم الزمهرير على المحرورين و النار على المقرورين فينعمون في جهنم، فهم على مزاج لو دخلوا به الجنة تعذبوا بها لاعتدالها، فسمى العذاب عذابا لأن المآل إلى استعذابه لمن قام به بعد شمول الرحمة، كما يستحلي الجرب من يحكه، فإذا حكه من غير جرب أو حاجة من يبوسة تطرأ على بعض بدنه تألم لحكه.

عناية ربي أدركت كل كائن‏ من الناس في ختم القلوب و في الطبع‏
و من أجل ذا لم يدخل الكبر قلبهم‏ على موجد الصنع الذي جل من صنع‏
و لو لا وجود السمع في الناس ما اهتدوا و ليس سوى علم الشريعة و الوضع‏
فكم بين أهل النقل و العقل يا فتى‏ و هل تبلغ الألباب منزلة السمع‏

______________________________
تعالى: (أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها)، و قال هنا «خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ» أي الذين قالوا (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ) هو منّا، ثم قال‏ «وَ عَلى‏ سَمْعِهِمْ» أي و ختم على سمعهم حين قالوا (وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ) أي هو منّا، و قال تعالى‏ «وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ» لقولهم: (وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ) أي هو منّا ثم قالوا: (فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ) فقال اللّه: «وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» و هو العمل الذي قالوه و طلبوه، و الختم الذي على السمع هو بينه و بين القلب، لا بينه و بين الكلام، فإنه سمع الكلام من الرسول بلا شك، و لكن لجهله بما سمع أنه حق في نفس الأمر و عدم تصديقه، كان عنده كمثل الصوت من الإنسان عند البهائم التي لا تعقل معناه، و هو قوله تعالى: (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً، صُمٌّ، بُكْمٌ، عُمْيٌ، فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) أن ذلك المصوّت به حق فيما يدعو إليه، و كذلك قوله‏ «وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ» و ما جعله ختما، أي حائل بينه و بين القلب أن يعلم القلب أن ذلك المبصر من المعجزات الموقوفة على إدراك البصر أنها حق، مثل نبع الماء من بين أصابعه، و رؤية الطعام القليل حين أشبع الكثير، فإن العلم به لا يحصل إلا من جهة

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 64

[سورة البقرة (2): آية 8]

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)

[حول الناس‏]

لم سمى اللّه تعالى البشر الناس؟- من باب الإشارة- الناس اسم فاعل من النسيان معرّف بالألف و اللام لأنه نسي أن الحق سمعه و بصره و جميع قواه في حال كونه كله نورا، فلما لم يتذكر الناسي هذه الحال و هو في نفسه عليها غافل عنها، خاطبه الحق مذكرا له بهذا القرآن الذي تعبده بتلاوته ليدبروا آياته و ليتذكر أولو الألباب ما كانوا قد نسوه.

______________________________
البصر فعاين، فلو كان الغشاء بينه و بين المبصر ما صدق هذا القول، فكان الغشاء بلا شك على البصر من جهة القلب، فلا يبصر البصر القلب الذي يقبل ما جاء به، بل جعله القلب من قبيل السحر و الخيال، فتعظيم العذاب هو العذاب من وجهين فصاعدا، فلهم عذاب الجهل و عذاب التكذيب، قال تعالى‏ (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ) فإنها أدركت بلا شك (و إنما تعمى القلوب) أعين البصائر و هو النظر في مقدمات الأدلة و ترتيبها (الَّتِي فِي الصُّدُورِ) قد يكون من الرجوع عن الحق قال تعالى‏ (يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ) لهم قوله: (9) «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» الناس: اسم جنس لا واحد له من لفظه، كقوم و معشر و رهط، و قد قيل في تصغيره نويس، فلا أصل له في الهمز، و قد تكلموا في اشتقاقه و قالوا إنه من النوس و هو الصوت، و هذا كله لا فائدة فيه، إذ قد علمنا لفظة الناس على من ينطلق، فأقول:

و إن كان سبب نزولها قوم مخصوصون، فلا حاجة لذكرهم بما بيّن اللّه من صفتهم، فكل من قامت به تلك الصفة فهو المراد بالآية إلى يوم القيامة قال تعالى: «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ» فلم يخبر تعالى أنهم قالوا: لا إله إلا اللّه، و لا أنهم قالوا: اليوم الآخر حق، و إنما أخبر عنهم أنهم قالوا «آمَنَّا بِاللَّهِ» فالمفهوم الأول التصديق بوجود اللّه و وجود اليوم الآخر، فيتصور أن يكون هنا طائفتان، ثم أخبر تعالى بنفي الإيمان عنهم فيما ادعوه، قولا و اعتقادا، فقال‏ «وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» بوجود اللّه، فيكون الإخبار عن المعطلة، و هم على قسمين: معطلة من حيث الأصل، و معطلة بعد وجود، فقوله‏ «وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» أي بمصدقين اعتقادا، و لا ذكر أنهم تلفظوا به، فتحقق نفي الإيمان عن قلوبهم، و بقي الاحتمال في هل تلفظوا أم لا؟ و اليوم الآخر، و أما الطائفة الأخرى، فقد يكونون مؤمنين باللّه من حيث وجوده و إن كانوا مشركين، و لا يؤمنون باليوم الآخر و لو كانوا موحدين من حيث الدليل، فيكون الحق قد نفى بقوله تعالى:

«وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» يعني بما جئت به من الغيب عنا و باليوم الآخر، و الأظهر أنه أراد المثبتين وجوده‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 65

[سورة البقرة (2): آية 9]

يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ (9)

«يُخادِعُونَ اللَّهَ» بجهلهم القائم بهم بأن اللّه لا يعلم‏ «وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ» في خداعهم الذين آمنوا، فإن من خادع المؤمن فما خدع إلا نفسه، و أما من يخادع اللّه فهو جاهل باللّه حيث تخيل أنه يلبّس على الحق و أن اللّه لا يعلم كثيرا مما يعملون، فهو من الخاسرين فإن اللّه هو خادعهم بخداعهم، أي هو خداع اللّه بهم لكونهم اعتقدوا أنهم يخادعون اللّه، فما يشعرون اليوم بأن اللّه يرد عليهم أعمالهم.

______________________________
سبحانه سواء وحدوا أو أشركوا بقوله فيهم (10) «يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا» و هذا و أيضا قوله‏ «وَ الَّذِينَ آمَنُوا» يقوي ما ذهبنا إليه في تفسير نفي الإيمان أنه الإيمان بوجود اللّه، فيكون‏ «يُخادِعُونَ اللَّهَ» على دعواكم أن ثم إلها «وَ الَّذِينَ آمَنُوا» يخادعون حقيقة فإنهم موجودون، و لا يبعد جميع ما ذكرناه، فإن هؤلاء الأصناف كلهم موجودون، و قد دخلوا فيمن بعث إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فإن رسالته عامة، فينسحب الخطاب عليهم، و الخداع مأخوذ من المخدع، فدخلوا فيه ليعصموا دماءهم و أموالهم لما رأوا دين اللّه ظاهرا، فدل بقوله‏ «يُخادِعُونَ اللَّهَ» على جهلهم باللّه، و صورة الجهل، إن كان يعلم ما تلفظوا به من كلمتي الشهادة فهو يعلم ما في نفوسهم من عدم التصديق بها، و إن كان لا يعلم عدم تصديقهم فلا يعلم أيضا أنهم تلفظوا بالشهادة، و الأظهر أن مخادعتهم للّه على زعمكم أن ثم إلها، فيبقى الخداع على الحقيقة للذين آمنوا، الذين يخافون منهم أن يقتلوهم، و لذلك قال‏ «وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ» أي أمثالهم، مثل قوله‏ (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) و مثل قوله‏ (كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) يريد أمثالكم، و يحتمل أن يريد بقوله‏ «إِلَّا أَنْفُسَهُمْ» أن يكون الخداع راجعا عليهم، قال اللّه تعالى‏ (يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ)، أي خداعهم هو خداع اللّه بهم، يؤيد ذلك قوله‏ «وَ ما يَشْعُرُونَ» أي لا يتفطنون لذلك أنه من خداعنا بهم، و أما قوله‏ «يُخادِعُونَ اللَّهَ» ببنية المفاعلة لأن المخادعة فعل فاعلين، و ذلك أن من شرط الخداع أن لا يعلم به المخدوع، و اللّه بكل شي‏ء عليم، فقال تعالى‏ (وَ هُوَ خادِعُهُمْ) اسم فاعل من خدع و لم يقل مخادعهم، فإنه يخدعهم حقيقة، و هم لا يقدرون أن يخدعوه، فلم تختلف القراءة في الأول و اختلف في الثاني و هو قوله‏ «وَ ما يَخْدَعُونَ» و «يُخادِعُونَ» فإن المفاعلة تصح منهم في جنسهم، لكن العالم قد يصح أن ينخدع، فهو منخدع، بمعنى أن يظهر لهم أنه مخدوع،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 66

[سورة البقرة (2): آية 10]

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (10)

«فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» شك مما جاءهم به رسولي، و هذا المرض هو الشبه المضلة القادحة في الأدلة و في الإيمان، تحول بين العقل من العاقل و بين صحة الإيمان‏ «فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً» شكا و حجابا «وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» يوم القيامة، و سمي ما يتألم به أهل الشقاء عذابا لأن السعداء يستعذبون آلام أهل الشقاء، إيثارا لجناب الحق حيث أشركوا، فلهم في أسباب الآلام نعيم، فسمى الحق ذلك عذابا إيثارا لهم حين آثروه، و قوله تعالى‏ «أَلِيمٌ» اعلم أن قيام الألم و وجوده في نفس المتألم، ما هو السبب المربوط به عادة، كوجود الضرب بالسوط، و الحرق بالنار، و الجرح بالحديد، و ما أشبه ذلك من الآثار الحسية مما يكون عنها الآلام الحسية، و كذلك ضياع المال، و المصيبة في الأهل و الولد، و التوعد بالوعيد، و جميع الأسباب الخارجة عنه الموجبة للآلام النفسية عادة، إذا حصلت بهذا الشخص فتسمى هذه الأسباب عذابا، و ليس في الحقيقة عذابا، و إنما العذاب هو وجود الألم عند هذه الأسباب، لا عين الأسباب.

______________________________
بعدم المؤاخذة في الحال، فيتوهمون لحلمه أنهم خدوعه، قوله (11) «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ» يقول في قلوبهم مرض الجهل باللّه، فزادهم اللّه مرضا بإنزاله سور القرآن، قال تعالى‏ (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) كما قال في المؤمنين‏ (زادَهُمْ هُدىً) و (زادتهم إيمانا و هم يستبشرون) و هؤلاء بذلك يتألمون، و الألم هو المرض عينه، و هو أيضا قوله تعالى‏ (وَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) و ما قال: باللّه، أي انقبضت لما وجدت من ألم نسبة الوحدة للّه في الألوهية، و مما يدل على جهلهم بالتوحيد، قوله‏ (أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ) فبعث الرسل للكفار زادهم مرضا، لخطاب الوقت، فزادهم ألما «وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» أي موجع، و الألم هو العذاب نفسه، و قد يطلق العذاب على سبب الألم، كما أن النعيم إنما هو اللذة نفسها، و قد يطلق على سببها المعهود، و قوله تعالى‏ «بِما كانُوا يَكْذِبُونَ» هذه باء السبب، أي بسبب تكذيبهم ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه و سلم من الخبر عنا، فإن التكذيب متعلقه الخبر، فهذا عذاب مخصوص من أجل صفة مخصوصة، و ما قال: و لهم عذاب أليم بمرضهم الأول و المزاد، و جاء بلفظة العذاب و لم يكتف به حتى قال‏ «أَلِيمٌ» و ذلك‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 67

[سورة البقرة (2): الآيات 11 الى 12]

وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12)

الشعور علم إجمالي قطعي أن ثم مشعورا به لكن لا يعلم ما هو ذلك المشعور به.

[سورة البقرة (2): آية 13]

وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13)

السفيه: هو الضعيف الرأي، يقولون إنهم ما آمنوا الا لضعف رأيهم و عقلهم فجاز

______________________________
لأن العذاب فيه ضرب من اللذة، و منه في صفة الماء (عَذْبٌ فُراتٌ)* و لما كان في إيلام الكفار باللّه و رسوله سرور المؤمنين قال‏ (وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) سماه عذابا للعذوبة التي تحصل منه للمؤمن، و من قرأ «يكذبون» مخففا من الكذب في قوله‏ (آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) فهي زيادة مرض آخر، و المرض الأول اعتقادهم التكذيب بقلوبهم، فزادهم اللّه مرضا آخر نكرة، و هو أن نطّقهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، و لكل جنس من المرضين عذاب مخصوص، فلذلك وردت القراءتان معا، أي أنهم مجازون على التكذيب بالنار التي تطلع على الأفئدة، و على الكذب بالنار التي تتسلط على الجوارح، قوله (12) «وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ» الضمير في لهم يعود على الذين كفروا خاصة «قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ» في زعمهم، قال تعالى‏ (أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) و قال تعالى: (وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)* الذي هو قول اللّه‏ «لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ» فلما كانوا على عمل هو فساد عند اللّه تعالى، و صلاح في نظرهم، اعتقدوا أن ما خالف عملهم من الأعمال المقابلة لها و ترك أعمالهم هو الفساد، فاعتقدوا أن المؤمنين على فساد لمخالفتهم ما هم عليه، فقال تعالى في مقابلة هذا الاعتقاد و إن لم يجر له لفظ: (13) «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ» دل عليه المعنى‏ «وَ لكِنْ» استدراك‏ «لا يَشْعُرُونَ» أي لا يفطنون لذلك، فلم يكونوا معاندين و لا جاحدين، بل هم جاهلون، قوله (14) «وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا …» الآية، الضمير أيضا يعود على الذين كفروا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 68

ذلك عليهم لقول اللّه‏ «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ» أي الذين ضعفت آراؤهم، فحال ذلك الضعف بينهم و بين الإيمان‏ «وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ».

[سورة البقرة (2): آية 14]

وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى‏ شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14)

كان المنافقون في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يأتون إلى المؤمنين بوجه يظهرون أنهم معهم، و يأتون إلى المشركين بوجه يظهرون به أنهم معهم، و يقولون‏ «إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ» و ما أخذ اللّه المنافقين إلا بما زادوا به على صورة النفاق، و لو أنهم بقوا على صورة النفاق من غير زيادة لسعدوا يقول تعالى: «وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا» لو قالوا ذلك حقيقة لسعدوا، «وَ إِذا خَلَوْا إِلى‏ شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ» لو قالوا ذلك و سكتوا ما أثر فيهم الذم الواقع، و إنما زادوا «إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ» فشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كاذبين، فما أخذوا إلا بما أقروا به، يدلنا على ذلك ما أخبر اللّه به عن نفسه في مؤاخذته إياهم فقال:

______________________________
خاصة، فإن الآخرين قالوا (آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) و إن كانوا كاذبين في مقالتهم تلك‏ «كَما آمَنَ النَّاسُ» يعني المؤمنين‏ «قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ» السفه عدم الرشد، و التصرف على ما لا تقتضيه الحكمة، و ضعف الرأي، قال اللّه لهم مخبرا لنا «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ». يقول:

هم الضعفاء الرأي لا أنتم، فعاد ما نسبوه للمؤمنين إليهم، قال عليه السلام (إنما هي أعمالكم ترد عليكم) و جاء في الصحيح (من قال لأخيه: كافر فقد باء به أحدهما) أي بوصف الكفر، إن كان كما قال فصح الوصف، و إن لم يكن كما قال جاز ذلك على القائل لأنه من قال إن الإسلام كفر فقد كفر، و السعيد من استبرأ لدينه و لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، و العلم واسع و الوجوه كثيرة، ثم قال‏ «وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ» أنهم هم السفهاء، فإن السفه عندهم ترك ما هم عليه و مخالفته، قوله (15) «وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا» إلى قوله‏ «يَعْمَهُونَ». الضمير في لقوا يعود على الناس الذين قالوا آمنا باللّه و باليوم الآخر و ما هم بمؤمنين، كانوا و يكونون إلى يوم القيامة من هذه صفتهم‏ «إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا» أي صدقنا بالذي صدقتم به ليعصموا دماءهم و أموالهم‏ (وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً) فهؤلاء سجدوا كرها، و آمنوا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 69

[سورة البقرة (2): آية 15]

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)

فأخبر اللّه تعالى أنه يستهزئ بهم بذلك الفعل الذي يفعلونه مع المؤمنين، و هم لا يشعرون، فهذا من مكر اللّه بهم، فما أخذهم بقولهم‏ «إِنَّا مَعَكُمْ» و إنما أخذهم بما زادوا به على النفاق و هو قولهم: «إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ» و ما عرفك اللّه بالجزاء الذي جازى به المنافق إلا لتعلم من أين أخذ من أخذ، حتى تكون أنت تجتنب موارد الهلاك‏ «وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» حيث تمادوا على غيهم بعد ما عرفوا من بيده الاقتدار، و عدلوا عنه، و عملوا

______________________________
كرها، لظهور أهل الإيمان بالسيف عليهم‏ «وَ إِذا خَلَوْا إِلى‏ شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ» إلى هنا بمعنى مع، يقول: و إذا خلوا مع شياطينهم من الإنس الباقين على كفرهم، أو خلا بعضهم مع بعض يقولون ذلك، فإنهم كلهم شياطين قال تعالى‏ (شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) و هو قدحهم في أهل الإيمان من حيث إيمانهم، و تزيين ما هم عليه من الباطل، قال تعالى في اليهود و النصارى‏ (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) أي ينصر بعضهم بعضا «قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ» أي على الذي أنتم عليه، ما غيّرنا و لا بدلنا «إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ» بهم و تقيّة لما ينجر في ذلك إلينا من المصالح في أنفسنا و أموالنا و ذرارينا، يقولون: نسخر بهم، فقال اللّه تعالى (16) «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» أي يسخر بهم، و ذلك على وجهين: الوجه الواحد أن استهزاءهم بالمؤمنين هو عين استهزاء اللّه تعالى بهم من حيث لا يشعرون، و منه‏ (وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنا مَكْراً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ) أن عين ما اعتقدوه أنه مكرهم هو مكري بهم، و من هذا الباب‏ (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ) و قوله تعالى‏ (يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ)، و الوجه الآخر ينقسم إلى وجهين: وجه يقتضيه العدل فيكون جزاء، و وجه يقتضيه الاستهزاء، جزاء أيضا في عمل واحد، و ذلك أنه إذا كان يوم القيامة و هو قوله تعالى‏ (كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) فخلصه للاستقبال، و هو يوم القيامة، يحشر اللّه هذه الأمة و فيها منافقوها، فإذا اتبعت كل أمة ما كانت تعبد، و دخلت الأمم النار، و نصب الصراط على جسر جهنم، أتي بهؤلاء المنافقين الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم، و صلوا و صاموا و قاموا بفروع الشريعة في الصورة الظاهرة كما قام المؤمنون، أتى بهم اللّه تعالى حتى [انفهقت‏][1] لهم الجنة بما تحويه من الخير و السرور، فتنعموا برؤيتها

______________________________
(*) […] جاءت في الأصل و في الفتوحات المكية في الباب الأخير، باب الوصايا، الوصية رقم 58 (انفقهت) و الصواب (انفهقت).

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 70

لغيره مما نصبوه بأيديهم و أيدي من هو من جنسهم إلها، و ظهر لهم عجزه مما يزيد في شقاوتهم.

[تنبيه فى الذكر]

– تنبيه- إذا ذكرت فاعلم بلسان من تذكر، و إذا تلوت فاعلم بلسان من تتلو، و ما تتلو، و عمن تترجم. مثال ذلك قوله تعالى: «وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا» إلى هنا قول اللّه‏ «آمَنَّا» حكاية عن المنافقين‏ «وَ إِذا خَلَوْا إِلى‏ شَياطِينِهِمْ قالُوا» إلى هنا قول اللّه‏ «إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ» حكاية فهكذا فلتعرف الأمور إذا وردت، حتى يعلم قول اللّه من قول ما يحكيه لفظا أو معنى كل إنسان بما هو عليه، فإن اللّه قد ترجم لنا قول أقوام مثل فرعون و غيره باللسان العربي و المعنى واحد، فهذه الحكاية على المعنى.

______________________________
و ظنوا أنهم داخلوها، فكانت تلك النظرة و الفرح الذي قام لهم بالطمع بدخلوها جزاء لما جاءوا به من الأعمال الظاهرة، ظاهرا بظاهر، عدلا منه سبحانه، فإذا طابق الجزاء أعمالهم و أخذوا حقهم، و هم لا يعلمون أنهم يصرفون عنها، ضرب اللّه بينهم و بين الجنة سورا باطنه الجنة، و ظاهره من قبله العذاب، فيؤمر بهم إلى النار، فهذا هو استهزاء اللّه بهم و سخرية اللّه بهم، فجمع سبحانه في هذا الفعل الواحد بين العدل و الاستهزاء، كما جمعوا بين الإسلام و الكفر، و ليس للمنافقين من النار إلا الدرك الأسفل، و هي النار التي تطلع على الأفئدة، قال تعالى‏ (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) و ليس لهم في أعلاها مكان إلا على قدر معاصيهم الظاهرة، و الكافر يتعذب في النار علوا و سفلا، بخلاف المنافق، و كلهم في جهنم جميعا، و هذا من عدل اللّه، فإنه ليس في الجنة موضع و لا في النار موضع إلا و له عمل يطلبه من فعل و ترك، إلا ما في الجنة من أمكنة الاختصاص، و ليس في النار ذلك، و لهذا ما ورد في القرآن يختص بنقمته من يشاء، و ورد يختص برحمته من يشاء، فالنار ينزل فيها بالأعمال، و الجنة ينزل فيها بالأعمال و الاختصاص الإلهي، و لذا قال (سبقت رحمتي غضبي) إلى الاختصاص، و اللّه واسع الرحمة كما قال، و لم يقل ذلك في النقمة، فتحقق ما ذكرناه، ثم قال‏ «وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» يقول: يملي لهم مما هم فيه، قال تعالى‏ (إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً) (وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ) و قوله‏ «فِي طُغْيانِهِمْ» أي في تغاليهم، أي فيما ارتفعوا فيه من الضلالة في بواطنهم إذا كانوا مع المؤمنين، و في ظواهرهم إذا كانوا مع أشكالهم من شياطينهم، من طغى الماء إذا ارتفع و زاد على حده‏ (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ) أي ارتفع، و قوله تعالى‏ «يَعْمَهُونَ» أي يحارون، و العمه الحيرة و الضلال،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 71

[سورة البقرة (2): آية 16]

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ (16)

«أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏»: أي باعوا الهدى بالضلالة، و اشتروا الحيرة بالبيان فخسروا. «فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ» المؤمن ممدوح في القرآن بالتجارة و البيع فيما يملك بيعه، قال تعالى: (لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) و قال تعالى:

(هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) و قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) و ما صرح اللّه في المؤمن بأنه يشتري خاصة، و ما وصف الشراء في القرآن إلا من أشهدهم اللّه عن جناية فقال: «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏» و السبب في أن المؤمن ما وصفه اللّه بالشراء فإنه خلقه اللّه، و ملكه جميع ما خلق اللّه في أرضه الذي هو مسكنه و محله‏ (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) فجميع ما في الأرض ملكه فما بقي له ما يشتريه، و حجر عليه الضلالة و هي صفة عدمية، فإنها عين الباطل و هو عدم، و لم يأمرنا اللّه باتباعه فإذا اشترينا الضلالة فقد اخترنا العدم على الوجود، و الباطل على الحق الذي خلقنا له، فلم يوصف المؤمن بالشراء، و شرع له البيع فيما أبيح له بيعه، و مما ملكه اللّه ما هو مباح له، و ما هو واجب عليه أن لا يخرجه و لا يبيعه، فكأن المؤمن ملك حلة الإباحة، و حلة الوجوب، فخلع عن نفسه حلة الإباحة، و لبس حلة الوجوب، و كلاهما له، فسمى خلعه لها بيعا، و ما سمى لباسه للوجوب شراء، فإنها ملكه و رحله و متاعه و الإنسان لا يشتري ما يملكه، و لما حجر اللّه الضلالة على خلقه و رجح من‏

______________________________
قوله (17) «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ» الآية، أولاء حرف إشارة، أشار بها إلى كل من تقدم ذكره من منافق و كافر، و أما إخبار اللّه تعالى عنهم أنهم‏ «اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏» دل على أنه كان عندهم هدى باعوه بهذه الضلالة، و أن الذين اشتروا منهم الهدى كان عندهم ضلالة، فالترجمة عن ذلك، كل مولود يولد على الفطرة، و أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، و الفطرة التي فطر الناس عليها هي الإقرار منهم للّه بالربوبية عليهم في قوله تعالى‏ (وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏) فهذا هو الهدى،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 72

رجح منهم الضلالة على الهدى اشتروا «الضَّلالَةَ» فإنهم لم يكونوا يملكونها «بِالْهُدى‏» الذي ملكهم اللّه إياه‏ «فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ» في ذلك الشراء لأن اللّه ما شرع لعباده الشراء فاعتبر الحق جانب البيع و لم يعتبر في حق المؤمن جانب الابتياع.

[سورة البقرة (2): آية 17]

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17)

ذهب اللّه بنوره أي أزاله عن أبصارهم أي أن اللّه أعدم النور من أبصارهم، و تركهم‏

______________________________
كان بأيديهم، و ما من هدى إلا و في مقابلته ضلالة، و هو تركه، فجاء المؤمنون الذين بقوا على هداهم، أو رجعوا إلى هداهم بإجابتهم دعوة الحق بلسان الرسول صلّى اللّه عليه و سلم حين دعاهم، و جاء الذين لم يجيبوا داعي اللّه، فأخذ المؤمنون هداهم و عوضهم عن ذلك الضلال الذي في مقابلة هداهم لو لم يهتدوا، فضلّ هؤلاء الذين اشتروا الضلالة بما عوّضوا به زيادة على ضلالتهم، قال تعالى‏ (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) يعني هذه الصفقة، و هي السورة المنزلة، و ازداد المؤمنون هدى إلى هداهم، قال تعالى‏ (وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا) يعني بهداهم الذي كان لهم‏ (زادَهُمْ هُدىً) و هو الهدى الذي باعه الكفار منهم، فكان للمؤمنين نور على نور، و كان للكافرين ظلمات بعضها فوق بعض، فهم في ظلمات لا يبصرون، و المؤمنون نورهم يسعى بين أيديهم، فقال تعالى في صفة الكفار «فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ» أي خسروا في متجرهم لكونهم سفهاء، و هو تأكيد لقوله تعالى‏ (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ) و أي صفة أعظم من سفه تاجر لا يدري كيف يحفظ رأس ماله، الذي هو الدين هنا، قال تعالى‏ (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) قيل و ما هي؟ قال‏ (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فأبوا و اختاروا العمى على الهدى، و اشتروا الكفر بالإيمان من المؤمنين، ليزداد المؤمنون إيمانا مع إيمانهم، قال تعالى‏ (لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ) (يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ)، فقوله‏ «وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ» هنا، أي ما رشدوا و لا اتخذوا سبيل الرشد سبيلا، ثم إن اللّه تعالى ضرب لنا فيهم إذا لقوا المؤمنين مثلا، و ضرب لنا مثلا آخر فيهم و فيما أنزل من القرآن، فقال تعالى (18) «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ» هذا هو المثل الأول، قوله‏ «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ» أي صفتهم كصفة «الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً» و منه‏ (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي صفة

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 73

في ظلمات لا يبصرون. فأصحاب الشهوات في هذه الظلمات تائهون، كما أن أصحاب الحضور التام في الأنوار ينعمون.

[سورة البقرة (2): آية 18]

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18)

وصف الحق هؤلاء الناس بذلك الوصف فهم صم و إن كانوا يسمعون، بكم و إن كانوا يتكلمون، عمي و إن كانوا يبصرون، صم عن سماع ما ذكرهم اللّه به، بكم عن الكلام بالحق، عمي عن النظر في آيات اللّه، فهم صم فلم يسمعوا فلم يرجعوا، فإنهم لم يعقلوا ما سمعته آذانهم، و ما سمع من سمع منهم إلا دعاء و نداء، و هو قوله: يا فلان و ما سمع أكثر من ذلك‏ «فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ» لما سمعوا، و لا يرجعون في الاعتبار إلى ما أبصروا، و لا في الكلام إلى الميزان الذي به خوطبوا، فلا يرجعون عند ما يبصرون، و لا يعقلون عند ما يسمعون، و لا يصيبون عند ما يتكلمون.

______________________________
الجنة، و منه‏ (وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏) أي الوصف، فقال: مثلهم إذا لقوا المؤمنين- قد يمكن أن يكون اللقاء هنا منهم عن قصد- ليؤكدوا عندهم إيمانهم، فإن المؤمن الحقيقي يدل بإيمانه، و الذي في قلبه خلاف ما تلفظ به يتخيل أنه يطّلع على ما في باطنه، فتراه أبدا يحرص على إظهار الإيمان ابتداء من غير استدعاء، ليؤكد عند السامع أنه بتلك الصفة، و إن كان من لقيك فقد لقيته، و لكن ما قال: إذا لقيهم المؤمنون، و يؤكد ما ذهبنا إليه ما ذكره في التشبيه في قوله‏ «كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً» و ما قال: كمثل الذي وجد نارا، و الوقود من الواقد لا يكون إلا بقصد، فلهذا رجحنا أن اللقاء كان عن قصد لما ذكرناه، فقال تعالى: مثلهم إذا لقوا المؤمنين كمثل من استوقد نارا، أي أوقد، أو طلب وقود نار، و هو ما يشرعون فيه مع المؤمنين إذا لقوهم من قولهم‏ (آمَنَّا) فما داموا مجتمعين على ذكر الإيمان و فضائله، هو قوله‏ «أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ» في التشبيه و قال: ما حوله و لم يقل فيه، لأنه ما عنده من الإيمان إلا ذكره، ليس فيه منه شي‏ء، و لذلك عصم ظاهره، فإنه حوله، و لم يعصم باطنه، فإنه ليس فيه إيمان، ثم شبه انصراف المؤمنين عنهم فينصرف نور ذكر الإيمان لانصرافهم بقوله‏ «ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ» ثم شبه رجوعهم إلى أنفسهم و شياطينهم من أمثالهم بقوله‏ «وَ تَرَكَهُمْ» يعني المنافقين بانصراف النور عنهم‏ «فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ» يقول في طغيانهم لا يهتدون، لأنه من لا يبصر لا يهتدي، و لا يعلم ما حدث له في طريقة، ثم قال (19) «صُمٌّ» عن سماع داعي الحق‏ «بُكْمٌ» لا يتكلمون في حق‏ «عُمْيٌ»

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 74

[سورة البقرة (2): آية 19]

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19)

الصواعق هواء محترق، و البروق هواء مشتعل تحدثه الحركة الشديدة، و الرعود هو هبوب الهواء تصدع أسفل السحاب إذا تراكم‏ «وَ اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ» و هي إحاطة عامة، فهي الأخذ الكلي من غير تقييد بجهة خاصة، لكن هو أخذ بتقييد صفة و هو الكفر.

______________________________
لا ينظرون في الأشياء نظر اعتبار، كما قال‏ (وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ) و قال تعالى‏ (إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ)، ثم قال‏ «فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ» إلى طريق الهدى، لأن اللّه ختم على قلوبهم و سمعهم و على أبصارهم، قوله (20) «أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ» أتى بأو للتشكيك اتساعا، فعدلوا بها عن الشك، و الأولى أن لا يعلل كلام العرب مثل هذا، بل يقال:

ترد في اللسان للشك، و ترد للتخيير، و كلاهما لغة، تقول جالس فلانا أو فلانا، فمعناه انظر في هذا المثل إن شئت، أو في هذا المثل إن شئت، أو فيهما، فالمشبّه الكتاب المذكور في أول السورة الذي أنزل إليه صلّى اللّه عليه و سلم، و المشبّه به الصيّب، الذي هو المطر المنحدر من السماء، و هو السحاب هنا، نزل به الروح الأمين على قلب محمد، و شبّه القرآن في حياة القلوب به للمؤمنين بالمطر الذي به حياة الأرض، ثم قال‏ «فِيهِ» يعود الضمير على السماء و هو السحاب‏ «ظُلُماتٍ» شبه بها ما يحوي عليه القرآن من الأخبار التي أخبر الحق بها عن الكفار من قولهم‏ (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ) و (نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ) و (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)* و (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) فهذه الأقوال ظلمات القرآن‏ «وَ رَعْدٌ» ما فيه من الآيات الزواجر «وَ بَرْقٌ» ما فيه من الآيات الدالة على التوحيد و التنزيه، و الذي وقع التشبيه بها هنا و اللّه أعلم في البرق إنما هي آيات مكارم الأخلاق و صنائع المعروف التي هي محبوبة لكل نفس، و لذا قال تعالى‏ (كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) و الكافر لا تضي‏ء له آية التوحيد حتى يمشي فيها، و إنما ذلك آيات الوعد و الرغبة و مكارم الأخلاق، و قوله‏ «يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ» من أجل سماع الآيات الزواجر، جمع صاعقة أي سماع هذه الآيات يجعلهم يصعقون و يخافون الصعق لئلا يكون فيه موتهم، أي تنصدع قلوبهم بما سمعوه، كما اتفق لبعض زعماء المشركين و ذلك أنه لما سمع النبي صلّى اللّه عليه و سلم يتلو (فإن أعرضوا فقد أنذرتكم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 75

[سورة البقرة (2): آية 20]

يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (20)

«وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ» من نسبة الأفعال إلى اللّه لا يجب عليه فعلها و لا تركها، و لهذا جعل المشيئة في ذلك و علقها بلو فامتنع عن نفوذ الاقتدار، و هذا موضع إبهام لا يفتح أبدا، فوصف الحق نفسه بما يقوم الدليل العقلي على تنزيهه عن ذلك، فما يقبله إلا بطريق الإيمان و التسليم، فإنه سبحانه قيد مشيئته و إرادته بلو، و هو حرف امتناع فيه سر خفي لأهل العلم باللّه، فإذا علمت هذا أقمت عذر العالم عند اللّه، فالكل بيده و إليه يرجع الأمر كله‏ «إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» بالإيجاد.

[سورة البقرة (2): آية 21]

يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)

صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ) ضرط و تخبط في عقله، و قال: إن هذا كلام جبار، ثم قال‏ «وَ اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ» بالأخذ، من أحاط بهم العدو، فلا يجدون مفلتا و لا منقذا، قال تعالى‏ (وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) (وَ أُحِيطَ بِثَمَرِهِ) فالمثل الأول في المنافقين، و هذا المثل الآخر في الجميع، و في نزول القرآن و ما يحويه، ثم قال (21) «يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ» يقول: يكاد ما يسمعونه من آيات الوعد و التحضيض على مكارم الأخلاق‏ «يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ» عن العمى، و يردهم إلى الحق مما يفرحون بسماعه، ثم قال‏ «وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا» يقول:

و إذا سمعوا الآيات التي حكاها الحق عنهم رجعوا إليها و قاموا على دينهم و كفرهم، أي ثبتوا «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ» عن الباطل، و عن رؤية الظلمات إلى الحق و إلى النور، كأنه يقول: و لو شاء اللّه لهداهم، «إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» أي على كل مقدور، أن يوجده إن كان معدوما، أو يعدمه إن كان موجودا، قال تعالى‏ (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ)* إعدام الموجود (وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ)* إيجاد المعدوم‏ (وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)* بممتنع، قوله (22) «يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 76

«يا أَيُّهَا» إذا أيه اللّه بأحد في كتابه فكن أنت ذلك المؤيه به، فإن أخبر فافهم و اعتبر، فإنه ما أيه بك إلا لما سمعت، و إن أمرك أو نهاك فامتثل، و ما ثم قسم رابع، إنما هو خبر أو أمر أو نهي، و أنزله تعالى في خطابه إياك منزلة الأم في الشفقة، فتلقّى منه بالقبول ما يورده عليك، فإنه ما خاطبك إلا لينفعك، و كن أنت المخاطب في خطاب الحق بسمعك لا بسمع الحق، فإنه لا يأمر نفسه و لا ينهاها «يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» أي الأسباب التي وجدتم عندها «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» ثم قال لمن يرى أنا وجدنا بالأسباب لا عندها.

______________________________
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» نادى الشاردين من عباده الذين تمادوا في إعراضهم عن توحيد خالقهم، فإن لفظة «يا» في النداء وضعت للبعد، و كذلك (أيا) و (هيا) كما أن الهمزة و أي للقرب، و أي حرف مبهم، و الهاء للتنبيه، و لا بد من مفسّر يأتي بعد «يا أيها» فكان الناس هنا، فقال‏ «يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ» أي تذللوا و أطيعوا مصلحكم و مربيكم، تعريفا بالنعم‏ «الَّذِي خَلَقَكُمْ» أوجدكم‏ «وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» و خلق من قبلكم، فذكر الخلق تنبيها لاعتكافهم على عبادة آلهة لا يخلقون شيئا و هم يخلقون، قال تعالى‏ (أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ)، فلما تمدح بالخلق دل من مضمون الكلام أن لا خالق للأشياء كلها إلا هو، من أفعال العباد و غيرها، و لو كانت أفعال العباد خلقا لهم، لم يكن ذكره للخلق تمدحا خاصا لوقوع الاشتراك، فتحقق مذهب أهل الحق في أن لا موجد و لا فاعل إلا هو، و قوله‏ «وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» أي أنها مخلوقة له أيضا تأكيد لما ذكرناه، و من قبلنا كل من تقدمنا في الخلق من مخلوقات اللّه، من عقول و نفوس و أجسام و جسمانيات، فإن كثيرا من الناس يضيفون الأفعال بطريق الإيجاد إلى نفوس الأفلاك و العقول، فبيّن اللّه أن الكل من خلقه، ثم قال‏ «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» لعل كلمة ترج و توقع، و كذلك عسى، و هي من الكرماء واجبة، و اللّه أكرم الأكرمين، و العامل في هذا الترجي عند الجماعة (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) و ما بعده، و فيه بعد لغموضه و ما يحتاج إليه من التقدير فيه، و الأظهر عندي أن ضرب الأمثال المتقدمة تطلبه بقرائن الأحوال، و مدلول المعاني و سياق الكلام، أي ضربنا لكم هذه الأمثال لعلكم تتقون، أي تحذرون و تخافون، فيردكم حذركم إلى الحق، فيطابق معنى التقوى، و لا يظهر مثل هذا في قوله‏ (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) و لا سيما و يأتي بعد تتقون ما يناسب الأول، و هو قوله‏ (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً) إلى‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 77

[سورة البقرة (2): آية 22]

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)

«وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» أنه أوجد الأسباب، و أوجدكم عندها لا بها، فإن اللّه وضع الأسباب و جعلها له كالحجّاب، فهي توصل إليه تعالى كل من علمها حجّابا، و هي تصد عنه كل‏

______________________________
قوله‏ (رِزْقاً لَكُمْ) كلها من باب تقرير النعم التي أنعم بها على عباده، فكأن‏ «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» صار مقحما، و إن لم يسم مثل هذا مقحما، و لكنه في المعنى كذلك، و ربما لا يعرف إنزال هذه اللفظة في هذا الموضع و فصلها بين المناسبين إلا من يعرف إعجاز القرآن، و أما حرف الترجي في هذه التقوى مع علمه بما يكون منهم، فمثل قوله‏ (وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ) و هو عالم بما يكون منهم، و غلّب المخاطب على الغائب في‏ «لَعَلَّكُمْ» لأنه المقصود بالخطاب، و هو الأوجه من طريق المعنى، لأن اللّه هو المخاطب و لا يغيب شي‏ء عن اللّه، فينسحب هذا الخطاب على جميع المخلوقات من مضى، و من هو الآن، و من يكون، و بلا شك أن من يكون مخاطب بهذه الآية و هو الآن لم يكن، و لكن ما جاء فيه بضمير الغائب، و كذلك من قبلنا، و الكلام قديم، و السامع محدث، و المتكلم به كذلك، قال تعالى‏ (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) و الذي جاءهم إنما هو المتكلم به. ثم قال (23) «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً» خص ذكر الفراش على المهاد و القرار و البساط للتوالد الذي يذكره فيما بعد، من إخراج الثمرات بإنزال الماء من السماء في الأرض، و ذكر السماء بلفظة البناء للابتناء، فجعله شبيها بالنكاح فقال‏ «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً» فعلى السماء على الأرض و هي مفترشة قابلة، فأنزل فيها الماء فاهتزت و تحركت و ربت، حملت شبه حمل المرأة «فَأَخْرَجَ بِهِ» أي بسبب هذا النكاح‏ «مِنَ الثَّمَراتِ» الألف و اللام لاستغراق الجنس‏ «رِزْقاً لَكُمْ» ما تغتذون به‏ «فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ» الذي خلق هذه الأشياء كلها «أَنْداداً» آلهة تعبدونها، مخلوقة تنحتونها بأيديكم، أو تتخذون الكواكب و غيرها آلهة مع اللّه‏ «وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» أنهم لا يخلقون شيئا و أن اللّه هو خالقهم و خالق كل شي‏ء، و الند المثل المخالف المناوي، و هذا لا يتصور إلا فيمن يدّعي الألوهية، كفرعون و غيره من الجبابرة، لا في كل من يدّعى فيه الألوهية، و هو و اللّه أعلم من ندّ أي شرد، فإنه شرد من موطن العبودة التي هي حقيقته إلى الربوبية التي ليس له منها وصف، و لا له فيها قدم، فلهذا سمي ندا، فكأنه يقول لهم: من ندّ و ادعى لكم أنه إله، فلا تجعلوه لي ندا، أي مثلا، قال عليه‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 78

من اتخذها أربابا، فذكرت الأسباب في إنبائها، أن اللّه من ورائها، و أنها غير متصلة بخالقها، فإن الصنعة لا تعلم صانعها، و لا منفصلة عن رازقها، فإنّها تأخذ عنه مضارها و منافعها، فالعلاقة بين الأسباب و المسببات لا تنقطع، فإنها الحافظة لكون هذا سببا، و هذا مسببا عنه، فسببية السماء فيما يظهر على الأرض من النبات من توجهها عليها بما تلقيه من الغيث فيها، و تلقيها، كذلك كل حركة فلكية و نظر كوكب في العالم العلوي و إمداد الطبيعة، كل ذلك أسباب لوجود زهرة تظهر على وجه الأرض، و السبب الحادث قد يعلم أن أثره و حكمه في المسبّب عن أمر إلهي فله فيه إرادة، فهو سبب عرضي، و قد لا يعلم أن أثره و حكمه في المسبب عن أمر إلهي فهو سبب ذاتي، و من جهة أخرى نقول: إن الغنى باللّه لا يصح عن اللّه، و لا عن المخلوقين من حيث العموم، لكنه يصح من حيث تعيين مخلوق ما، يمكن أن يستغنى عنه بغيره، فإن اللّه ما وضع الأسباب سدى، فمنها أسباب ذاتية لا يمكن رفعها هنا، و منها أسباب عرضية يمكن رفعها، فمن المحال رفع التأليف و التركيب عن الجسم، مع بقاء حكم الجسمية فيه، فهذا سبب لا يمكن زواله إلا بعدم عين الجسم من الوجود، و إذا كانت الأسباب الأصلية لا ترتفع فلنقر الأسباب العرضية أدبا مع اللّه، فإنه ما وضعها إلا و هو يعلم الحكمة في وضعها، و لا نركن إليها، و نبقي الخاطر معلقا باللّه، فلا يرفع الأسباب إلا جاهل بالوضع الإلهي، و لا يثبت الأسباب إلا عالم كبير أديب في العلم الإلهي، و مع ذلك يجب أن نعلم أن للّه في كل موجود وجها خاصا و في كل ما وجد فيه، و عن ذلك الوجه الخاص وجد، و لا يعرف السبب قط ذلك الوجه الخاص الذي لمسبّبه المنفعل عنه، فلا يعلمه إلا اللّه خاصة و هو رقيقة الجود، و كل خلق أضيف إلى خلق فمجاز و صورة حجابية، ليعلم العالم من الجاهل، و فضل الخلق بعضهم على بعض-

[كيفيته كون الارض فراشا]

إشارة لطيفة- إن فهمت معاني القرآن، و كيف جعل الأرض فراشا، و كيف خلق آدم منها، علمت قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: الولد للفراش يريد المرأة، أي لصاحب الفراش، كما كان آدم عليه السلام حيث جعله خليفة فيمن خلق فيها، ليكون أيضا صاحب فراش لأنه على صورة من أوجده، فأعطاه قوة الفعل، كما أعطاه قوة الانفعال، فإن اللّه ما خلق الألفاظ حين عينها بالذكر سدى، و لو لا هذه الحكمة المطلوبة لا كتفى بالمهاد و لم‏

______________________________
السلام: من الكبائر أن تجعل للّه ندا و هو خلقك، فمن عجز عن الخلق فليس بإله، فالخلق أخص‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 79

يذكر الفراش، فإن ذلك حرف جاء لمعنى و هو ما قلنا و لا يقتصر، فجعل سبحانه بين السماء و الأرض التحاما معنويا، و توجها لما يريد سبحانه أن يوجده في هذه الأرض من المولدات، من معدن و نبات و حيوان، فجعل الأرض كالأهل، و السماء كالبعل، و السماء تلقي إلى الأرض من الأمر الذي أوحى اللّه فيها، كما يلقي الرجل الماء بالجماع في المرأة، و تبرز الأرض عند الإلقاء ما خبأه الحق فيها من التكوينات على طبقاتها.

[سورة البقرة (2): آية 23]

وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى‏ عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23)

[إعجاز القرآن‏]

انظر في إعجاز القرآن تجده حسن النظم، مع توفير المعنى و حسن مساقه و جمع المعاني بعضها إلى بعض من اللفظ الحسن النظم الوجيز، مع وجود تكرار القصة الموجب للملل، و لا تجد هذا في القرآن، فتجد مع تكرار القصة الواحدة، مثل قصص الأمم كآدم و موسى و نوح و غيرهم، مما تكرر بزيادة لفظ أو نقصه، ما تجد إخلالا في المعنى جملة واحدة، و سبب ذلك أنه قول حق، ما فيه تزوير.

______________________________
أوصاف الإله الذي تميز به عن عباده، فليس لمخلوق خلق فعل أصلا، ثم قال (24) «وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى‏ عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» هذا خطاب لفصحاء العرب خاصة، الذين يعرفون نظم الكلام العربي و إعجازه، يقول: إن كنتم في شك من القرآن أنه منزل على محمد عبدنا من عندنا، عارضوه في سورة مثله، حتى تعرفوا أنه ليس في مقدور البشر أن يأتوا بمثل هذا القرآن، و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا، أي معينا من الجن و الإنس، و الظاهر في هذه المعجزة أنه ليس من مقدور البشر، لا أنهم صدوا مع القدرة قبل طلب المعارضة، و هو الوجه الآخر من الإعجاز، فترجح الوجه الواحد بقوله‏ «نَزَّلْنا» يؤيد ذلك‏ (فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) فهكذا أنزل عليه بهذه الألفاظ المخصوصة، فإن لم تقدروا، كما أنه خارج عن مقدور عبدنا، «وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ» الذين اتخذتموهم آلهة «مِنْ دُونِ اللَّهِ» يأتونكم بمثل ما نزلنا على عبدنا «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» أنهم آلهة إذ الإله هو الذي لا يعتاص عليه شي‏ء، بل‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 80

[سورة البقرة (2): آية 24]

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (24)

ثبت أنه ما من أحد إلا سيكلمه اللّه ليس بينه و بينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدّم، و ينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدّم، و ينظر بين يديه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار و لو بشق تمرة، و النار تتقى لما يكون من الألم عند تعلقها بنا، فقوله تعالى‏ «فَاتَّقُوا النَّارَ» أي اجعلوا بينكم و بينها وقاية حتى لا يصل إليكم أذاها يوم القيامة «الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ» المشركون و منهم من ادعى الألوهية، فدعاكم إلى عبادة نفسه، أو عبدتموه و كان في وسعه أن ينهاكم عن ذلك فما نهاكم، فمثل هؤلاء يكون من حصب جهنم‏ «وَ الْحِجارَةُ» المعبودة التي كانوا يصورونها في الكنائس و غيرها، فالمشركون و الحجارة المعبودة جمر جهنم.

[سورة البقرة (2): آية 25]

وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَ لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (25)

هو على كل شي‏ء قدير، قوله (25) «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ» يقول فإن لم تأتوا بسورة من مثله و عجزتم عن المعارضة، و لن تفعلوا و لن تأتوا بمثله، فنفى بلن الإتيان في المستقبل كما انتفى في الحال، فجاء شبه المقحم، و فيه فائدة الإخبار بعدم المعارضة في المستقبل، و تأييد أنه خارج عن مقدور البشر، فتبيّن صدق الرسول عندكم بعدم المعارضة، فصح عنادكم إن لم تؤمنوا و ترجعوا عن ضلالتكم، فإن لم تفعلوا «فَاتَّقُوا النَّارَ» أي اتخذوا الإيمان بما جاء به محمد صلّى اللّه عليه و سلم وقاية من النار «الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ» الذين كفروا بما أنزل عليه‏ «وَ الْحِجارَةُ» الآلهة التي عبدوها من دون اللّه، نكاية لهم حيث زعموا أنها تشهد لهم أنهم على الحق عند اللّه تعالى، قالوا (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏) فاتخذوهم شهداء، و لذا قال‏ (وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) فدخولها معهم زيادة في عذابهم، و قوله‏ «أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ» يعني النار، و قد يحتمل أن يقول: أعدت الحجارة هنا، أي هي معدة لعذابهم في النار، ثم قال (26) «وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ» الآية، يقول: و قل للمؤمنين‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 81

«وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ» الأعمال الصالحة رأسها الإيمان فهي تابعة له، فالشرط المصحح لقبول جميع الفرائض فرض الإيمان، فإن الإيمان و الإسلام واجب على كل إنسان، و الأحكام كلها الواجبة واجبة على كل إنسان، و لكن يتوقف قبول فعلها أو فعلها من الإنسان على وجود الإسلام منه، فلا يقبل تلبسه بشي‏ء منها إلا بشرط وجود الإسلام عنده، فإن لم يؤمن أخذ بالوجهين جميعا يوم القيامة «أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» الجنة و هي دار السعادة ثماني جنات، و هي: جنة عدن، و جنة الفردوس، و جنة النعيم، و جنة المأوى، و جنة الخلد، و جنة السلام، و جنة المقامة، و الوسيلة، و هي أعلى جنة في الجنات، فإنها في كل جنة من جنة عدن إلى آخر جنة، فلها في كل جنة صورة، و هي مخصوصة برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم وحده، نالها بدعاء أمته، حكمة من اللّه حيث نال الناس السعادة ببركة بعثته و دعائه إياهم إلى اللّه، و تبيينه ما نزل اللّه إلى الناس من أحكامه، جزاء وفاقا، و أرض هذه الجنات سطح الفلك المكوكب، الذي هو سقف النار، و جعل اللّه في كل جنة مائة درجة، بعدد الأسماء الحسنى و الاسم الأعظم المسكوت عنه لوترية الأسماء، و هو الاسم الذي يتميز به الحق عن العالم، هو الناظر إلى درجة الوسيلة خاصة. و منازل الجنة على عدد آي القرآن ما بلغ إلينا منه نلنا تلك المنزلة بالقراءة، و ما لم يبلغ إلينا نلناه بالاختصاص في جنات الاختصاص، كما نلنا بالميراث جنات أهل النار الذين هم أهلها، و أبواب الجنة ثمانية على عدد أعضاء التكليف فلكل عضو باب، و الأعضاء الثمانية: العين و الأذن و اللسان و اليد

______________________________
الذين عملوا الصالحات قولا يظهر منه السرور على بشرتهم، و هو «أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» يعني الأنهار المعروفة، فأتى بحرف العهد و التعريف، قال تعالى‏ (فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَ أَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَ أَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وَ أَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى) و سيأتي الكلام عليها في السورة التي تذكر فيها، و لم يعرّف الجنات لأن الأعمال التي تقتضيها لم تفصل، فتتعرف جنة كل عمل، و هذه مسئلة عظيمة جليلة الخطب، عظيمة الفائدة، لنا فيها باع متسع، و قد أهملها الناس لعدم استقصائهم على مراتب الآخرة في دار السعادة و الشقاء، ثم قال‏ «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً» أي كل وقت، و ما هنا ظرفية «قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ» لشبهه في الصورة، فإن المثل يشبه المثل، و لا سيما في الأسماء، فيقولون: هذا تفاح و رمان و غير ذلك، فإذا طعموه تبيّن لهم الفرق بين المثلين، كالصلاة تشبه الصلاة الأخرى في‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 82

و البطن و الفرج و الرجل و القلب، فقد يقوم الإنسان في زمن واحد بأعمال هذه الأعضاء كلها، فيدخل من أبواب الجنة الثمانية في حال دخوله من كل باب منها، فإن نشأة الآخرة تشبه البرزخ و باطن الإنسان، و أما خوخات الجنات فهي تسعة و سبعون خوخة و هي شعب الإيمان، فلكل شعبة من الإيمان طريق إلى الجنة، و لأهل الجنات الرؤية متى شاءوا، و الذي تولى بناء الجنات كلها هم الاثنا عشر ملكا، ملائكة البروج، إلا جنة عدن فإن اللّه خلقها بيده، و جعل بأيديهم غراس الجنات، إلا شجرة طوبى فإن الحق تعالى غرسها بيده في جنة عدن، و أطالها حتى علت فروعها سور الجنة جنة عدن، و تدلت مطلة على سائر الجنات كلها، و ليس في أكمامها ثمر إلا الحلي و الحلل، لباس أهل الجنة و زينتهم، زائدا في الحسن و البهاء على ما تحمل أكمام شجر الجنات من ذلك، لأن لشجرة طوبى اختصاص فضل بكون اللّه خلقها بيده، فإن لباس أهل الجنة ما هو نسج ينسج، و إنما تشقق عن لباسهم ثمر الجنّة كما تشقق الأكمام هنا عن الورد، و عن شقائق النعمان و ما شاكلهما من الأزهار كلها، هكذا ورد في الحديث الحسن نقلا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم. و أدار بجنة عدن سائر الجنات، و بين كل جنة و جنة سور يميزها عن صاحبتها، و سمى كل جنة باسم معناه سار في كل جنة، و إن اختصت هي بذلك الاسم، فإن ذلك الاسم الذي اختصت أمكن ما هي عليه من معناه و أفضله‏ «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً» أي يشبه بعضه بعضا، فيتخيل أن الثاني عين الأول و ليس كذلك بل هو مثله، و الفارق بين المثلين في أشياء يعسر إدراكه بالمشاهدة.

______________________________
إقامة نشأتها، و لكن الذي يجده المصلي في كل صلاة مختلف باختلاف الأحوال، فكما كانت الأعمال هنا متشابهة الصور، كذلك ثمراتها متشابهة الصور، و كل ذائق يعرف الفرق في الآخرة كما عرفه في العمل في الدنيا «وَ لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ» و لم يقل مطهرات لأن تطهير كل زوجة ما هو تطهير الزوجة الأخرى، كالجنات سواء و ما فيها، فيقول: كل زوجة مطهرة، و لو لم يكن كذلك لكان الذوق له من كل واحدة على نسبة واحدة، و لا تكرار فيها أصلا، بل و لا في العالم للاتساع الإلهي، بل نعيم مجدد مع تجدد الأنفاس، و ليس اجتماعه بها الأول شبه الثاني‏ «وَ هُمْ فِيها» يعني في الجنة «خالِدُونَ» أي لا يخرجون منها، قال تعالى‏ (وَ ما هُمْ مِنْها

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 83

[سورة البقرة (2): آية 26]

إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (26)

الحياء: معناه الترك، ورد في الخبر: أن اللّه حيي، لكن للحياء موطن خاص، فإن اللّه قد قال في الموطن الذي لا حكم للحياء فيه: «إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي» أي إن اللّه لا يترك‏ «أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً» فالوجود كله عظيم فلا يترك منه شي‏ء، لأن الحياء ترك، فما ثمّ تافه و لا حقير، فإن الكل شعائر اللّه، و ذلك لقول من ضلّ بهذا المثل من المشركين الذين تكلموا فيه، فلو وجد الحق عند السامع ما هو أخفى من البعوضة لجاء بها، كما جاء بذلك مجملا في قوله‏ «فَما فَوْقَها» يعني في الصغر، يعني أنه لا يترك ضرب المثل بالأدنى و الأحقر عند الجاهل، فإنه ما هو حقير عند اللّه، و كيف يكون حقيرا من هو عين الدلالة على اللّه، فيعظم الدليل بعظمة المدلول، لذلك قال تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا» فالقرآن له وجه نفع في المؤمن فإنه يزيده إيمانا، و فيه وجه ضرر للكافر لأنه يزيده، رجسا إلى رجسه، و لذلك قال تعالى: «يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً» أي بهذا المثل المضروب به في القرآن أي بسببه و هو من القرآن،

______________________________
بِمُخْرَجِينَ) (27) «إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا» الآية، الأوجه في قوله‏ «لا يَسْتَحْيِي» نفي الحياء عن اللّه، فمن قال بالمفهوم من الخطاب، أو احتج في أن اللّه ذو حياء بحديث (إن اللّه يستحي من ذي الشيبة) فالأوجه في التأويل في هذه الآية، أن يكون قول اللّه جوابا بحكم المطابقة لكلام تقدم من الكفار، و هو: أ ما يستحي رب محمد أن يضرب مثلا بالمحقرات، كبيت العنكبوت و الذباب؟ و هم طائفة من الكفار لا حرمة للحق عندهم، أو يقولون: اللّه أعلى و أجل و أعظم حياء أن يضرب مثلا بما يعاب عليه من ذكره هذه المحقرات، فقال اللّه‏ «إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما» فيكون جوابا بحكم التطابق لكلامهم، و هل يتصف بالحياء أم لا؟ مسئلة أخرى، فإن ورد بذلك نص عنه أجريناه مجرى ما نسب إليه من اليد و العين و غير ذلك، على‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 84

و معلوم أن القرآن مهداة كله، و لكن بالتأويل في المثل المضروب ضل من ضل، و به اهتدى من اهتدى، فهو من كونه مثلا لم تتغير حقيقته، و إنما العيب وقع في عين الفهم، فاحذر من القرآن إلا أن تقرأه فرقانا فإن اللّه‏ «يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً» أي يحيرهم‏ «وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً» أي يرزقهم الفهم فيه بما هو عليه من البيان، فعلّمك في هذه الآية أن لا تترك شيئا إلا و تنسبه إلى اللّه و لا يمنعك حقارة ذلك الشي‏ء و لا ما تعلق به من الذم عرفا و شرعا في عقدك، ثم تقف عند الإطلاق، فلا تطلق ما في العقد على كل شي‏ء و لا في كل حال وقف عند ما قاله لك الشارع، قف عنده فإن ذلك هو الأدب الإلهي الذي جاء به الشرع. «وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» فإنهم حاروا فيه، و الضلالة الحيرة، و رأوا عزة اللّه و جلاله و كبرياءه و حقارة البعوضة في المخلوقات، فاستعظموا جلال اللّه أن ينزل في ضرب المثل لعباده هذا النزول، و ذلك لجهلهم بالأمور فإنه لا فرق بين أعظم المخلوقات و هو العرش المحيط، و بين‏

______________________________
الوجهين، على ما تتأوله الأشاعرة، أو على ما ذهب إليه السلف من الوقوف عند ذلك من غير تأويل، قال تعالى‏ «إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما» فأبهمه بقوله «ما» أي بكل ما يجوز أن يضرب به المثل، لأن القصد من المثل إيصال المعنى إلى المخاطب السامع، حتى يفهم المراد منه إذا كان لا يصل إلى معرفة المعاني بغامضات الأدلة لبعدها، فينزل لهم المتكلم في العبارات بضرب الأمثال لذلك، و لا يتصور أن ينكر ضرب الأمثال بالمحقرات أهل الكتاب، لأنه في كتبهم من ذلك كثير، و هم مؤمنون به إلا أن يباهتوا، و أما ما عدا أهل الكتاب فقد يسوغ منهم ذلك على الطريقين اللذين ذكرناهما، من التعظيم للّه، و عدم التعظيم أو التعليل، ثم قال‏ «بَعُوضَةً فَما فَوْقَها» في الصغر كالذرة، ثم قال‏ «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا» يريد أصحاب الكتب، و نحن و كل من أنزل عليه كتاب و آمنوا بكتبهم‏ «فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ» المثل‏ «الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» أي حق مطابق للممثل به، و أن اللّه قاله‏ «وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا» الذي ذكره‏ «مَثَلًا» أي لأي شي‏ء ضرب المثل، و قد يتصور هذا القول من العالم أنه من الحق و من غيره، فيقوله معنى: إنه على زعمكم أنه قاله سبحانه، فقال تعالى‏ «يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً» يعني بالمثل يقول ليضل به‏ «وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً» و لم يذكر المؤمنين و ذكر الفاسقين‏ «وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» الذين خرجوا عما دخل فيه المؤمنون من الإيمان باللّه مطلقا، و برسوله في حق البراهمة، و بمحمد في حق من كفر به من أهل الكتب، على الخصوص، و ما جاء به، و الفسوق الخروج عن الشي‏ء، و في الشرع الخروج عن‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 85

الذرة في الخلق، و البعوضة و إخراجها من العدم إلى الوجود، فما هي حقيرة إلا في صغر جسمها إذا أضفته إلى ذي الجسم الكبير، بل الحكمة في البعوضة أتم، و القدرة أنفذ، فإن البعوضة على صغرها خلقها اللّه على صورة الفيل على عظمه، فخلق البعوضة أعظم في الدلالة على قدرة خالقها من الفيل لأهل النظر و الاعتبار، و لهذا لم يصف نفسه بالحياء في ذلك لما فيها من الدلالة على تعظيم الحق، ثم إن من رحمته تعالى بخلقه أن قال‏ «وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» الخارجين عن حكم إما العقل السليم أو الشرع المعصوم، و هم الذين خرجوا عن حدوده و رسومه، فأعطانا العلامة، فمن وجد في نفسه تلك العلامة علم أنه من أهل الضلال.

[سورة البقرة (2): الآيات 27 الى 28]

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)

الوجه الأول- «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً» و هو الموت الأصلي لا عن حياة متقدمة في الموصوف بالموت، و هو العدم الذي للممكن إذ كان معلوم العين للّه و لا وجود

______________________________
أوامر اللّه، ثم وصفهم فقال تعالى (28) «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ» مطلقا، يريد ميثاق أخذ الذرية بالإقرار، و أخذ العهد على أهل الكتاب، و قوله‏ «وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» من وصل الإيمان بالرسل مع الإيمان باللّه في حق البراهمة و من قال بقولهم، و في حق أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة محمد عليه السلام و لم يصلوا إيمانهم به بإيمانهم باللّه و رسلهم‏ «وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ» أن يفعلوا فيها بخلاف أمر اللّه مطلقا «أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» يقول:

هم الذين ما ربحت تجارتهم، بل خسروا رأس مالهم، و بعد أن ذكرنا أصول هذه الآية من الإيمان، فالمقصود أيضا منها فروع الأحكام، فكل عهد مشروع بيننا بعضنا في بعض، و بين الكفار و بيننا مما ألزمنا الحق الوفاء به، يدخل تحت هذا النقض، و أنه عهد اللّه الذي شرعه لنا، و كذلك ما أمرنا اللّه به أن نوصله من الأرحام و أهل ودّ آبائنا، فيلزمنا إيصاله، و تلحقنا المذمة من هذه الآية بقطع ذلك‏ «أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» حيث اشتروا الضلالة بالهدى، و العذاب بالمغفرة، و الكفر

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 86

له في نفسه، «فَأَحْياكُمْ» فأخرجكم إلى الوجود «ثُمَّ يُمِيتُكُمْ» و هو الموت العارض، الذي يطرأ على الحي فيزيل حياته، فإن حياة الجسم الظاهرة من آثار حياة الروح كنور الشمس الذي في الأرض من الشمس، فإذا مضت الشمس تبعها نورها و بقيت الأرض مظلمة، كذلك الروح إذا رحل عن الجسم إلى عالمه الذي جاء منه تبعته الحياة المنتشرة منه في الجسم الحي، و بقي الجسم في صورة الجماد في رأي العين، فيقال مات فلان و تقول الحقيقة رجع إلى أصله‏ (مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏) كما رجع أيضا الروح إلى أصله، حتى البعث و النشور يكون من الروح تجل للجسم بطريق العشق، فتلتئم أجزاؤه و يتركب أعضاؤه بحياة لطيفة جدا تحرك الأعضاء للتأليف، فإذا استوت البنية و قامت النشأة الترابية تجلى له الروح بالرقيقة الإسرافيلية في الصور المحيط، فتسري الحياة في أعضائه، فيقوم شخصا سويا كما كان أول مرة، و هو قوله تعالى: «ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» فإما شقي و إما سعيد- الوجه الثاني- لما كان الموت سببا لتفريق المجموع، و فصل الاتصالات و شتات الشمل سمي التفريق الذي هو بهذه المثابة موتا، فقال تعالى: «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» أي كنتم متفرقين في كل جزء من عالم الطبيعة، فجمعكم و أحياكم ثم يميتكم أي يردكم متفرقين، أرواحكم مفارقة لصور أجسامكم التي أخذ عليها الميثاق‏ «ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» الحياة الدنيا «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» بعد مفارقة الدنيا-

[صلاة الجنازة على الطفل‏]

صلاة الجنازة على الطفل- أطلق اللّه علينا اسم الموت قبل نفخ الروح، و لذلك يصلى على صورة الجنين و لو كان أصغر من البعوضة بحيث تكون أعضاؤه مصورة حتى يعلم أنه إنسان، و إن‏

______________________________
بالإيمان، و الفساد بالصلاح، و القطيعة بالوصل، و نقض العهد بالوفاء، ثم أخذ سبحانه يقرر نعمته عليهم، فقال (29) «كَيْفَ» حرف استفهام مثل الهمزة بضرب من التوبيخ و التقرير و الإنكار عليهم، بما قررهم عليه من النعم التي يذكرها، فقال كيف‏ «تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً» بلا حياة «فَأَحْياكُمْ» فخلق فيكم الحياة بخلق الروح الذي هو المقصود من الإنسان‏ «ثُمَّ يُمِيتُكُمْ» أي يقبض أرواحكم اللّه، لتلقوه فتشرفون بلقائه‏ «ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» ثم يرد أرواحكم إلى أجسادها، ليكون العبد عند ربه بكليته روحا و جسما، كما كان بالموت روحا دون جسم، فكان نعمة على نعمة، فركب أرواحكم في أجسادكم لترجعوا إليه سبحانه، فقال‏ «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» و جعله رجوعا لأنه خرج من عنده روحا عبدا، فرده إلى تدبير جسده، فرجع إليه واليا مليكا،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 87

كان قبل نفخ الروح فيه، فإنه ينطلق بالشرع على تلك الصورة أنها ميتة، فإذا خرج الجنين بالطرح، و شاهدناه صورة و إن لم ينفخ فيه روح للصورة الظاهرة، و تحقق اسم الموت، فلا مانع للصلاة عليه بوجه من الوجوه، و لم يقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إنه لا يصلى على ميت إلا بعد أن تتقدمه حياة، ما تعرض لذلك، و إن كان لم يقع الأمر إلا فيمن تقدمت له حياة، و ما يدل عدم النقل على رفع الحكم، بل المفهوم من الشرع الصلاة على الميت من غير تخصيص، إلا ما خصصه الشارع من النهي عن الصلاة على الكافر و غير ذلك، ممن نص ترك الصلاة عليه، و ليس للطفل فيه مدخل. بل قد ذكر الترمذي عن جابر بن عبد اللّه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن الطفل يصلى عليه، و لا يرث و لا يورث حتى يستهل صارخا، فقد حكم بالصلاة عليه و ما حكم بالميراث مثل ما حكم على من مات عن حياة، فهذا الخبر يقوي ما ذهبنا إليه، من وجود صورة الإنسان و إن لم يعلم أن موته عن حياة و لا عن غير حياة، و حديث المغيرة عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أن الطفل يصلى عليه.

[سورة البقرة (2): آية 29]

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (29)

إن الرزق على نوعين في الميزان الموضوع في العالم لإقامة العدل و هو الشرع: النوع الواحد يسمى حراما، و النوع الآخر يسمى حلالا، و هو بقية اللّه التي جاء نصها في القرآن. قال تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فهذه هي التي بقيت للمؤمنين‏

______________________________
بما ولاه اللّه عليه من تدبير جسده، و من ملكه الذي يصل إليه في جواره في دار الكرامة، فإن كنتم مؤمنين كنتم بهذه المثابة من الكرامة، و إن كفرتم كنتم على النقيض من هذه الصفة، و كان خلق الحياة و الموت في حقكم ابتلاء، فقال تعالى‏ (خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) فأحسن المؤمنون فربحوا، و لم يحسن الكفار فخسروا، حيث لم يقوموا بشكر هذه النعم، ثم أردف هذه النعم بنعم أخر فقال (30) «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» ردا على القائلين بنسبة الخلق المولد في الأرض للطبيعة، فأضافه إليه سبحانه، و خلق هنا خاصة بمعنى قدّر، و هو

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 88

من قوله‏ «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» و قد ورد في الخبر أن ما سكت عن الحكم فيه بمنطوق فهو عافية، أي دارس لا أثر له و لا مؤاخذة فيه، فإن اللّه قد بيّن للناس ما نزّل إليهم من الأحكام في كتابه، و على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلم، و الساكت لا ينسب إليه أمر حتى يتكلم و لا مذهب، و لهذا لا يدخل في الإجماع بسكوته. و هذه مسألة خلاف، و الصحيح ما قلناه، كما أن ترك النكير ليس بحجة إلا في بقاء ذلك الأمر على الأصل المنطوق به في قوله تعالى‏ «خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» و كلام بني آدم مما خلق في الأرض و جميع أفعالهم، فإذا رأينا أمرا قد قيل، أو فعل بمحضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و لم ينكره، فلا نقول إن حكمه الإباحة، فإنه لم يحكم فيه بشي‏ء، إذ يحتمل أنه لم ينزل فيه شي‏ء عليه، و هو لا يحكم إلا بما أوحى اللّه فيه إليه، فيبقى ذلك على الأصل و هو التصرف الطبيعي الذي تطلبه هذه النشأة من غير تعيين حكم عليه بأحد الأحكام الخمسة و هو الأصل الأول، أو نرده إلى الأصل الثاني و هو قوله تعالى‏ «خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» و ليس بنص في الإباحة، و إنما هو ظاهر لأن حكم المحظور خلق أي حكم به من أجلنا، أي نزل حكمه من أجلنا ابتلاء من اللّه هل نمتنع منه أم لا، كما نزل الوجوب و الندب و الكراهة و الإباحة، فالأصل أن لا حكم، و هو الأصل الأول الذي يقتضيه النظر الصحيح‏ «ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ» فالسّماوات من العناصر، فهي أجسام عنصريات و إن كانت فوق الأركان بالمكان، فالأركان فوقهن بالمكانة.- بحث في الاستواء- من الآيات المتشابهة آيات الاستواء، و الأحاديث الواردة فيه، و مرجعها فيه عند المحققين إلى الآيات المحكمات،

[فى الاستواء]

و أول ما ينبغي تقديمه معنى الاستواء لغة، و أصله افتعال من السواء و السواء في اللغة العدل و الوسط، و له وجوه في الاستعمال ترجع إلى ذلك، منها استوى يعني أقبل، نقله الهروي عن الفراء، فإن العرب يقولون استوى إلي يخاصمني أي أقبل إلي- الثاني:

بمعنى قصد، قاله الهروي- الثالث: بمعنى استولى- الرابع: بمعنى استقام- الخامس:

______________________________
قوله تعالى‏ (وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها) و سيأتي في (فصلت) و إنما قلنا خلق هنا بمعنى قدر، لأنه قال بعد هذا «ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ» فجاء بثم، يؤذن بالبعدية، فخلق الأرض و قدر فيها أقواتها علما، ثم استوى إلى السماء و كانت واحدة ففتقها و سواها سبع سماوات طباقا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 89

بمعنى اعتدل- السادس: بمعنى علا- قال الشاعر:

و لما علونا و استوينا عليهم‏ تركناهم صرعى لنسر و كاسر

قال الحسن بن سهل: إذا علم أصل الوضع و تصاريف الاستعمال فنزل على ذلك الاستواء المنسوب إلى ربه سبحانه و تعالى، و قد فسره الهروي بالقصد، و فسره ابن عرفة بالإقبال كما نقل عن الفراء، و فسره بعضهم بالاستيلاء، و أنكره ابن الأعرابي و قال: العرب لا تقول استولى إلا لمن له تضادد، و فيما قاله نظر لأن الاستيلاء من الولي و هو القرب أو من الولاية و كلاهما لا يفتقر إطلاقه بالمضادد، و نقل الحسن بن سهل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه فسر قوله تعالى‏ «ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ» قال: علا أمره، و هذه التفاسير كلها و منه قوله تعالى‏ (وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) و قوله تعالى‏ (لِتَسْتَوُوا عَلى‏ ظُهُورِهِ) الآية فلا يليق نسبة مثله إلى استواء ربنا تعالى على العرش، مع أنا نقول قد علمت أصل اشتقاق الاستواء و لا مدخل فيه لمعنى الاستقرار، و إنما الحق أن معنى استوى على الدابة جاء على الأصل، و يكون معناه اعتدل، أو علا عليها، و الاستقرار لازم ذلك بحسب خصوصية المحل، لا أن للاستقرار مدخلا في معنى اللفظ مطلقا، و حينئذ فلا يصح نسبة مثله إليه تعالى لاستحالته في حقه، و عدم وضع اللفظ له، و قد ثبت عن الإمام مالك رضي اللّه عنه أنه سئل كيف استوى؟ فقال: كيف غير معقول، و الاستواء غير مجهول، و الإيمان به واجب، و السؤال عنه بدعة، فقوله كيف غير معقول، أي: كيف من صفات الحوادث و كلما كان من صفات الحوادث فإثباته في صفات اللّه تعالى ينافي ما يقتضيه العقل، فيجزم على نفيه عن اللّه تعالى، و قوله: و الاستواء غير مجهول، أي أنه معلوم المعنى عند أهل اللغة،: و الإيمان به على الوجه الأليق به تعالى واجب، لأنه من الإيمان باللّه تعالى و بكتبه،: و السؤال عنه بدعة: أي حادث لأن الصحابة رضي اللّه عنهم كانوا عالمين بمعناه الأليق بحسب اللغة، فلم يحتاجوا للسؤال عنه، فلما جاء من لم يحط بأوضاع لغتهم، و لا له نور كنورهم، يهديه لصفات ربهم، شرع يسأل عن ذلك، فكان سؤاله سببا لاشتباهه‏

______________________________
فدارت بكواكبها، ففتق الأرض بما أخرج فيها و منها من معدن و نبات و حيوان، فكان إيجادا عند دوران الأفلاك بعد تقدير، و جعل سبحانه هذا الخلق كله من أجلنا، فأية نعمة أو أية عناية أعظم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 90

على الناس و زيغهم عن المراد، و تعين على العلماء حينئذ أن لا يهملوا البيان، قال اللّه تعالى:

(وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ) و لا بد في إيضاح البيان الزيادة فنقول: قد قررنا أن الاستواء مشتق من السواء و أصله العدل، و حينئذ الاستواء المنسوب إلى ربنا تعالى في كتابه بمعنى اعتدل أي قام بالعدل، و أصله من قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) إلى قوله‏ (قائِماً بِالْقِسْطِ) فقيامه بالقسط و العدل هو استواؤه، و يرجع معناه إلى أنه أعطى بعدله كل شي‏ء خلقه، موزونا بحكمته البالغة في التعرف لخلقه بوحدانيته، و لذلك قرنه بقوله: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) و الاستواء المذكور في كتابه استواءان:

استواء سماوي و استواء عرشي، فالأول تعدى بإلى قال تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ» و قال‏ «ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ» و معناه- و اللّه أعلم- اعتدل أي: قام بقسطه و تسويته إلى السماء فسواهن سبع سماوات، و نبّه على أن استواءه هذا هو قيامه بميزان الحكمة، و تسويته بقوله أولا عن الأرض‏ (وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ) و بقوله آخرا (ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)* و أما الاستواء العرشي: فهو أنه تعالى قام بالقسط، متعرفا بوحدانيته في عالمين:

عالم الخلق، و عالم الأمر و هو عالم التدبير، (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ) فكان استواؤه على العرش للتدبير بعد انتهاء عالم الخلق لقوله تعالى: (الذي خلق السماوات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه) و بهذا يفهم سر تعدية الاستواء العرشي بعلى، لأن التدبير للأمر لا بد فيه من استعلاء و استيلاء «وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» و علمه تعالى ذاته، فإنه يستحيل عليه أن يقوم بذاته أمر زائد، أو عين زائدة ما هي ذاته، تعطيها حكما لا يصح لها ذلك الحكم دونها مما يكون كمالا لها في ألوهيتها، بل لا تصح الألوهة إلا بها و هو كونه عالما بكل شي‏ء، ذكر ذلك عن نفسه بطريق المدحة لذاته، و دل عليه دليل العقل.-

[القصد من خلق الثقلين‏]

رقيقة- لما خلق اللّه الثقلين في المقام الذي قصده بخلقهم و هو أجلية الحق، من قوله تعالى: (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فرغهم لذلك‏

______________________________
من هذه العناية، التي لأجلها خلق هذا الخلق العظيم الكبير، و مصداق كونه من أجلنا أنه إذا انتقلنا إلى الدار الآخرة مارت السماء و انشقت، و زالت الأرض و سارت الجبال بزوالنا من الدنيا،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 91

حتى لا يقوم لهم حجة بالاشتغال بما به قوامهم، فخلق الأشياء التي بها قوامهم خاصة من أجلهم ليتفرغوا لما قصد بهم، فقامت عليهم حجة اللّه إذا لم يقوموا بما خلقوا له، جاء في الأثر أن الحق يقول لابن آدم: خلقت الأشياء من أجلك، و خلقتك من أجلي، فلا تهتك ما خلقت من أجلي، فيما خلقت من أجلك‏

[العالم لا يرمي بشي‏ء من الوجود]

– تحقيق- العالم لا يرمي بشي‏ء من الوجود، و إنما يبرز إليه ما يناسبه منه، و لا يغلب عليه حال من الأحوال، بل هو مع كل حال بما يناسبه، فإن أكثر الناس لا يعلمون ذلك، بل هم بهذا القدر جاهلون، و هذا هو الذي أداهم إلى ذم الدنيا و ما فيها، و الزهد في الآخرة، و في كل ما سوى اللّه، و انتقدوا على من شغل نفسه بمسمى هذه كلها، و جعلهم في ذلك ما حكي عن الأكابر في هذا النوع، و حملوا ألفاظهم على غير وجه ما تعطيه الحقيقة، و رأوا أن كل ما سوى اللّه حجاب عن اللّه، فأرادوا هتك هذا الحجاب فلم يقدروا عليه إلا بالزهد فيه، و الحق كل يوم في شأن الخلق، و الجنة و هي دار القربة و محل الرؤية، هي دار الشهوات و عموم اللذات، و لو كانت حجابا لكان الزهد و الحجاب فيها، و كذلك الدار الدنيا، فاللّه خلق أجناس الخلق و أنواعه، و ما أبرز من أشخاصه لننظر فيه نظرا يوصلنا إلى العلم بخالقه، فما خلقه لنزهد فيه، فوجب علينا الانكباب عليه، و المثابرة و المحبة فيه، لأنه طريق النظر الموصل إلى الحق، فمن زهد في الدليل فقد زهد في المدلول، و خسر الدنيا و الآخرة، ذلك هو الخسران المبين. و جهل حكمة اللّه في العالم و جهل الحق و كان من الخاسرين، فالرجل كل الرجل من ظهر بصورة الحق في عبودة محضة، فأعطى كل ذي حق حقه، و يبدأ بحق نفسه فإنها أقرب إليه من كل من توجه له عليه حق من المخلوقين، و حق اللّه أحق بالقضاء، و حق اللّه عليه إيصال كل حق إلى من يستحقه، فيطلبه أصحاب الحقوق بحقوقهم نطقا و حالا ظاهرا و باطنا، فيطلبه السمع بحقه، و البصر و اللسان و اليدان و البطن و الفرج و القدمان و القلب و العقل و الفكر و النفس النباتية، و الحيوانية و الغضبية و الشهوانية و الحرص، و الأمل و الخوف و الرجاء و الإسلام و الإيمان و الإحسان، و أمثال هؤلاء من عالمه المتصل به، و أمره الحق أن لا يغفل‏

______________________________
و كان أيضا هذا ابتلاء مدرجا في نعمة، أو نعمة مدرجة في ابتلاء، مثل خلق الحياة و الموت، فقال تعالى‏ (وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 92

عن أحد من هؤلاء أوّلا، و يصرفهم في المواطن التي عين له الحق، و جعل هذه القوى كلها متوجهة على هذه النفس الناطقة بطلب حقوقها، و جعلها كلها ناطقة بتسبيح اللّه تعالى جعلا ذاتيا لا تنفك عنه، و جعل هذه الحقوق التي توجهت لها على النفس الناطقة الحاكمة على الجماعة ثابتة الحق جزاء لما هي عليه من تسبيح اللّه بحمده دنيا و آخرة، فالعارف المكمّل المعرفة يعلم أن فيه من يطلب مشاهدة ربه و معرفته الفكرية و الشهودية، فتعين عليه أن يؤدي إليهم حقهم من ذلك، و علم أن فيه من يطلب المأكل الشهي الذي يلائم مزاجه، و المشرب و المنكح و المركب و الملبس و السماع و النعيم الحسي المحسوس، فتعين عليه أيضا أن يؤدي إليهم حقوقهم من ذلك الذي عين لهم الحق، و من كان هذا حاله كيف يصح له أن يزهد في شي‏ء من الموجودات؟ و ما خلقها اللّه إلا له. إلا أنه مفتقر إلى علم ما هو له و ما هو لغيره لئلا يقول كل شي‏ء هو له، فلا ينظر من الوجوه الحسان إلا ما يعلم أنه له، و ما يعلم أنه لغيره يكف بصره و يغضه عنه، فإنه محجور عليه ما هو لغيره، فهذا حظه من الورع و الاجتناب، و الزهد إنما متعلقة الأولوية بخلاف الورع و كل ترك، فأما الأولوية فينظر في الموطن يعمل بمقتضاه، و مقتضاه قد عينه له الحق بما أعلمه به بلسان الشرع، فسموا من طريق الأخذ بالأولوية زهادا، حيث أخذوا بها، فإن لهم تناول ذلك في الحياة الدنيا فما فعلوا، لأن اللّه خيرهم فما أوجبه عليهم و لا ندبهم إليه و لا حجر عليهم و لا كرهه فاعلم ذلك، ثم إنه ينظر في هذا المخير فيه فلا يخلو حاله في تناوله أن يحول بينه هذا التناول و بين المقام الأعلى الذي رجحه له أو لا يحول، فإن حال بينه و بينه تعين عليه بحكم العقل الصحيح السليم تركه و الزهد فيه، و إن كان على بينة من ربه أن ذلك لا يقدح، و لا يحول بينه و بين الرتبة العليا من ذلك فلا فائدة لتركه، كما قال لنبيه سليمان عليه السلام: «هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ» و لا تكون ممن تلتبس عليه الأمور فيتخيل أنه بزهده فيما هو حق لشخص ما من رعيته، ينال حظ ما يطلبه به منه شخص آخر من رعيته، فإن‏

______________________________
أَحْسَنُ عَمَلًا)* و قال‏ (وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ) فقال تعالى‏ «وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» أي بما خلق، و بما لأجله خلق، و بما يكون ممن خلق، و قال تعالى‏ (وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) فهو قوله‏ «خَلَقَ لَكُمْ»* أي من أجلكم، و جعل ذلك آيات لقوم يتفكرون ليعلموا ما مراد

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 93

ذلك عين الجهل، فالأولى بالعبد الذي كلفه اللّه تدبير نفسه و ولاه أن يعلم، فإذا علم استعمله علمه فوفّى الحقوق أربابها، و مثل هذا الإمام في العالم قليل.

[سورة البقرة (2): آية 30]

وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30)

خلق الخليفة من العناصر-

[خلق الخليفة من العناصر]

لما خلق اللّه الأفلاك و السموات، و أوحى في كل سماء أمرها، و رتب فيها أنوارها و سرجها، و عمرها بملائكته و حركها فتحركت، و خلق الجان من النار، و الطير و الدواب البرية و البحرية و الحشرات، و قدر في الأرض أقواتها من أجل المولدات، فجعلها خزانة لأقواتهم، و استوت المملكة و تهيأت، ما عرف أحد من هؤلاء المخلوقات كلها من أي جنس يكون هذا الخليفة؟ الذي مهد اللّه هذه المملكة لوجوده، بترتيب اللّه الخلق بالإيجاد، إلى أن انتهت النوبة و الترتيب الإلهي إلى ظهور هذه النشأة الإنسانية الآدمية، فلما وصل الوقت المعين في علمه لإيجاد هذا الخليفة، أمر بعض ملائكته بأن يأتيه بقبضة من كل أجناس تربة الأرض، فأتاه بها- في خبر طويل معلوم عند الناس- فأخذها سبحانه و خمرها بيديه في قوله «لما خلقت بيدي» فلما خمر الحق تعالى بيديه طينة آدم حتى تغير ريحها و هو المسنون، و ذلك الجزء الهوائي الذي في النشأة، و كان الجزء الناري الذي أنشأه اللّه منه في قوله تعالى: «مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ» و الجزء المائي هو الذي عجن به التراب فصار طينا، فلما سوى نشأته جعل ظهره محلا للأشقياء و السعداء من ذريته، فأودع فيه ما كان في قبضتيه، فإنه سبحانه أخبر أن في قبضة يمينه السعداء، و في قبضة اليد الأخرى الأشقياء، و كلتا يدي ربي يمين مباركة، فقال: هؤلاء للجنة،

______________________________
اللّه من ذلك، فمن وجوهه عندنا الابتلاء الذي نبهنا عليه، ثم أردف هذه الآية بنعمة الاستخلاف و تعليم الأسماء و السجود لهذه النشأة الإنسانية، فقال تعالى (31) «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ»

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 94

و بعمل أهل الجنة يعملون، و هؤلاء إلى النار، و بعمل أهل النار يعملون، و أنشأ الحق هذه النشأة الإنسانية في أحسن تقويم، ثم نفخ فيها من روحه المضاف إليه، فحدث عند هذا النفخ فيه بسريانه في أجزائه الحياة و ما يتبعها من كونه حيوانا، و بذلك جمع اللّه في الإنسان الكامل بين الصورتين الطبيعيتين في نشأته، فخلقه بجسم مظلم كثيف، و بجسم لطيف محمول في هذا الجسم الكثيف سماه روحا له، به كان حيوانا و هو البخار الخارج من تجويف القلب المنتشر في أجزاء البدن المعطي فيه النمو و الإحساس، ثم خصه بما يتميز به عن الحيوان بالقوة المصورة و العاقلة، ثم أنشأه خلقا آخر و هو الإنسانية فجعله درّاكا بهذه القوى، حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا على حد معلوم معتاد في اكتسابه، و خصه دون العالم كله بالقوة المفكرة التي بها يدبر الأمور و يفصلها، و ليس لغيره من العالم ذلك فإنه على الصورة الإلهية، و من صورتها يدبر الأمر يفصل الآيات فتبارك اللّه أحسن الخالقين- البحث الثاني:

[ما هو الإنسان؟]

ما هو الإنسان؟- اعلم أن الناس اختلفوا في مسمى الإنسان ما هو؟ فقالت طائفة: هو اللطيفة و طائفة قالت: هو الجسم، و طائفة قالت: هو المجموع و هو الأولى. و قد وردت لفظة الإنسان على ما ذهبت إليه كل طائفة، ثم اختلفنا في شرفه هل هو ذاتي؟ أو هو بمرتبته نالها بعد ظهوره في عينه و تسويته كاملا في إنسانيته إما بالعلم و إما بالخلافة و الإمامة؟ فمن قال: إنه شريف لذاته، نظر إلى خلق اللّه إياه بيديه، و لم يجمع ذلك لغيره من المخلوقين، و قال: إنه خلقه على صورته، فهذه حجة من قال شرفه شرف ذاتي، و من خالف هذا القول قال: لو أنه شريف لذاته لكنا إذا رأينا ذاته علمنا شرفه،

______________________________
لما اقتضى عند اللّه خلقنا صلاحا في نفس الأمر، قرن التعريف لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم بالاسم الرب الذي هو المصلح، و أضافه إلى محمد صلّى اللّه عليه و سلم اعتناء به أنه المقصود من هذه النشأة، إذ كان سيد الناس يوم القيامة، و أخفى في الدنيا ما يجب من تعظيمه لعلو منزلته، كما أخفى ما يستحقه جل جلاله من تعظيم عباده إياه، و أطلق الألسنة عليه بأن له صاحبة و ولدا، و ما وقع به التعريف مما لا يليق به، كذلك قيل فيه صلّى اللّه عليه و سلم إنه ساحر مجنون كذاب، و غير ذلك، فإذا كان يوم القيامة و ظهر الحق سبحانه في عزته و كبريائه، فذلّ كل موجود تحت عزته على الكشف، و ذهبت الدعاوى و تبرأ الذين اتّبعوا من الذين اتّبعوا، ظهر أيضا في ذلك اليوم مقام محمد صلّى اللّه عليه و سلم و سيادته على الناس، و افتقار

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 95

و الأمر ليس كذلك، و لم يكن يتميز الإنسان الكبير الشريف بما يكون عليه من العلم و الخلق على غيره من الأناسي و يجمعهما الحد الذاتي، فدل أن شرف الإنسان بأمر عارض يسمى المنزلة أو المرتبة، فالمنزلة هي الشريفة، و الشخص الموصوف بها نال الشرف بحكم التبعية، كمرتبة الرسالة و النبوة و الخلافة و السلطنة، فما علم شرف الإنسان إلا بما أعطاه اللّه من العلم و الخلافة، فليس لمخلوق شرف من ذاته على غيره إلا بتشريف اللّه إياه. و أرفع المنازل عند اللّه أن يحفظ اللّه على عبده مشاهدة عبوديته دائما، سواء خلع عليه من الخلع الربانية شيئا أو لم يخلع، فهذه أشرف منزلة تعطى لعبد، و هو قوله تعالى: (وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) و قوله سبحانه: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ) فقرن معه تنزيهه، فليس لصنعة شرف أعلى من إضافتها إلى صانعها، و لهذا لم يكن لمخلوق شرف إلا بالوجه الخاص الذي له من الحق، لا من جهة سببه المخلوق مثله، و في هذا الشرف يستوي أول موجود- و هو القلم أو العقل أو ما سميته- و أدنى الموجودات مرتبة، فإن النسبة واحدة في الإيجاد، و الحقيقة واحدة في الجميع من الإمكان، فآخر صورة ظهر فيها الإنسان الصورة الآدمية، و ليس وراءها صورة أنزل منها، و بها يكون في النار من شقي لأنها نشأة تركيب تقبل الآلام و العلل، و أما أهل السعادة فينشئون نشأة و تركيبا لا يقبل ألما و لا مرضا و لا خبثا، و لهذا لا يهرم أهل الجنة و لا يتمخطون و لا يبولون و لا يتغوطون و لا يسقمون و لا يجوعون و لا يعطشون، و أهل النار على النقيض منهم، و هي نشأة الدنيا و تركيبها فهي أدنى صورة قبلها الإنسان و قد أتت عليه أزمنة و دهور قبل أن يظهر في هذه الصورة الآدمية، و هو في الصورة التي له في كل مقام و حضرة من فلك و سماء و غير ذلك مما تمر عليه الأزمان و الدهور، و لم يكن قط في صورة من تلك الصور مذكورا بهذه الصورة الآدمية العنصرية، و لهذا ما

______________________________
الخلق إليه من سائر الأمم في فتح باب الشفاعة، و بان فضله على سائر الأنبياء و الرسل، فعلم هنالك عظم منزلته عند ربه، كما تظهر عزة كل مقرب عند سلطان عند ظهور سلطانه و دولته، فأخبر سبحانه نبيه محمدا صلّى اللّه عليه و سلم بما كان بينه جل علاه و بين ملائكته في حق آدم صلّى اللّه عليه و سلم، فمن جعل لفظة الملائكة بمعنى الرسل كان صفة، فدخل فيهم إبليس، و من جعله اسما لهم من حيث نشأتهم و إن كانوا سموا به لاستتارهم، لم يدخل إبليس في هذا الخطاب، و قد يكون الخطاب عاما لهم و لغيرهم من المخلوقين في ذلك الوقت، و خصوا الملائكة بالذكر اعتناء بهم و تهمما و تشريفا، فيدخل إبليس‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 96

ابتلاه قط في صورة من صوره في جميع العالم إلا في هذه الصورة الآدمية، و لا عصى الإنسان قط خالقه إلا فيها، و لا ادعى رتبة خالقه إلا فيها و لا مات إلا فيها، و لهذا يقبل الموت أهل الكبائر في النار، ثم يخرجون فيغمسون في نهر الحياة فيتركبون تركيبا لا يقبل الآلام و لا الأسقام، فيدخلون بتلك الصورة الجنة- البحث الثالث-

[خلق الانسان الكامل‏]

خلق آدم عليه السلام الإنسان الكامل الأول، و الخليفة الأول، باليدين و على الصورة الإلهية: لما أراد اللّه بالإنسان الخلافة و الإمامة بدأ بإيجاد العالم، و هيأه و سواه و عدله و رتبه مملكة قائمة، فلما استعد لقبول أن يكون مأموما أنشأ اللّه جسم الإنسان الطبيعي و نفخ فيه من الروح الإلهي، فخلقه على صورته لأجل الاستخلاف، فظهر بجسمه فكان المسمى آدم فجعله في الأرض خليفة، و كان من أمره و حاله مع الملائكة ما ذكر اللّه في كتابه لنا، و جعل الإمامة في بنيه إلى يوم القيامة، فالإنسان الكامل هو المقصود الذي به عمرت الدنيا و قامت، و إذا رحل عنها زالت الدنيا، و مارت السماء، و انتثرت النجوم، و كورت الشمس، و سيرت الجبال، و عطلت العشار، و سجرت البحار، و ذهبت الدار الدنيا بآخرها، و انتقلت العمارة إلى الدار الآخرة، بانتقال الإنسان، فعمرت الجنة و النار، و ما بعد الدنيا من دار: إلا الجنة و النار.

و اعلم أن اللّه جمع لنشأة جسد آدم بين يديه فقال «لما خلقت بيدي» فإنه لما أراد اللّه كمال هذه النشأة الإنسانية جمع لها بين يديه، و أعطاها جميع حقائق العالم، و تجلى لها في الأسماء كلها، فحازت الصورة الإلهية، و الصورة الكونية، و جعلها روحا للعالم و جعل أصناف العالم له كالأعضاء من الجسم للروح المدبرة له، فلو فارق العالم هذا الإنسان مات العالم، فالدار الدنيا جارحة من جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه، فلما قابل الإنسان الحضرتين بذاته (الحضرة الإلهية و الحضرة الكونية) صحت له الخلافة، و تدبير العالم‏

______________________________
في التعريف و إن لم يجر له ذكر، و أما قوله تعالى‏ «إِنِّي جاعِلٌ» أي خالق و ناصب‏ «فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» فإن أراد في ذلك من يخلف من مضى في الأرض من الأمم قبلنا أو الملائكة، و هو الأظهر، فيدخل تحت هذه اللفظة آدم و ذريته الكافر و المؤمن، و إن أراد بالخلافة النيابة عنه في خلقه، فتختص بذلك الرسل صلوات اللّه عليهم، و الوجهان صالحان لذلك‏ «قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ» فلهذا تقوى عندنا و ظهر أنا خلف من الملائكة في الأرض، لأنهم لو فهموا من الحق في خطابه أن المراد غيرهم لما أجابوا بهذا الجواب، هذا جواب‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 97

و تفصيله، فإذا لم يحز الإنسان رتبة الكمال فهو حيوان تشبه صورته صورة الإنسان.

فالإنسان الكامل من تممت له الصورة الإلهية، و لا يكمل إلا بالمرتبة، و من نزل عنها فعنده من الصورة بقدر ما عنده، أ لا ترى الحيوان يسمع و يبصر و يدرك الروائح و الطعوم و الحار و البارد و لا يقال فيه إنسان! بل هو حمار و فرس و طائر و غير ذلك، فلو كملت فيه الصورة قيل فيه إنسان، كذلك الإنسان لا يكمل فيزول عنه الاسم العام إلى الاسم الخاص فلا يسمى خليفة إلا بكمال الصورة الإلهية فيه، إذ العالم لا ينظرون إلا إليها، و هو الآخر بخلقه الطبيعي فإنه آخر المولدات فإن اللّه ما خلق أولا من هذا النوع إلا الكامل، و هو آدم عليه السلام، و هو لم يكن مبعوثا لأنه لم يكن مرسلا إلى أحد، و إنما كان في الأرض لوجود عالم التركيب، فهو مفتتح وجودنا، فالإنسان الكامل ظاهره خلق، و باطنه حق، و ما عدا هذا فهو الإنسان الحيواني، و رتبة الإنسان الحيواني من الإنسان الكامل رتبة خلق النسناس من الإنسان الحيواني، ثم أبان الحق عن مرتبة الكمال لهذا النوع، فمن حازها منه فهو الإنسان الذي أريده، و من نزل عن تلك الرتبة فعنده من الإنسانية بحسب ما تبقى له، و ليس في الموجودات من وسع الحق سواه، و ما وسعه إلا بقبول الصورة، فهو مجلى الحق فيرى الحق صورته في الإنسان الكامل، و معنى رؤية الحق صورته فيه هو: إطلاق جميع الأسماء الإلهية عليه. كما جاء في الخبر «فبهم تنصرون» و اللّه الناصر «و بهم ترزقون» و اللّه الرازق «و بهم ترحمون» و اللّه الراحم، فإنه سبحانه ما سمى نفسه باسم من الأسماء إلا و جعل للإنسان في التخلق بذلك الاسم حظا منه يظهر به في العالم على قدر ما يليق به، و أنزله خليفة عنه في أرضه، و الخليفة معلوم أنه لا يظهر إلا بصفة من استخلفه، فلا مخلوق أعظم رحمة من الإنسان الكامل الذي هو مجلى حقائق العالم، فهو آخر نوع ظهر، فأوليته حق و آخريته خلق، فهو

______________________________
على أنهم أجابوا من حيث ما فهموا، و قد يكون الأمر في نفسه على ما فهموا و قد لا يكون، و ذلك أن كل كلام يحكيه الحق أو يخبر به أنه قول لأحد من خلقه، لا يلزم منه أن يكون صحيحا مدلول ذلك القول، و لا فاسدا و لا إصابة و لا خطأ، و إنما تتبين صحته و فساده من دليل آخر سمعي أو عقلي، و الأظهر ما ذهبنا إليه في مفهومهم، و لما أبصرت الملائكة نشأة الإنسان مركبة من طبائع متنافرة، دلهم ذلك على أنه في جبلة هذا المخلوق المنازعة في جنسه و مع غير جنسه،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 98

الأول من حيث الصورة الإلهية، و الآخر من حيث الصورة الكونية، و الظاهر بالصورتين و الباطن عن الصورة الكونية بما عنده من الصورة الإلهية، و قد ظهر حكم هذا في عدم علم الملائكة بمنزلته مع كون اللّه قد قال لهم: إنه خليفة، فكيف بهم لو لم يقل لهم ذلك؟ فلم يكن ذلك إلا لبطونه عن الملائكة، و هم من العالم الأعلى العالم بما في الآخرة و بعض الأولى، فإنهم لو علموا ما يكون في الأولى ما جهلوا رتبة آدم عليه السلام مع التعريف الإلهي لهم بقوله: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» و ما عرفه من العالم إلا اللوح و القلم و هم العالون، و لا يتمكن لهم إنكاره و القلم قد سطره و اللوح قد حواه، فإن القلم لما سطره سطر رتبته و ما يكون منه، و اللوح قد علم علم ذوق ما خطه القلم فيه. أما الملائكة فلم تر من آدم إلا صورته الطبيعية الجسمية المظلمة العنصرية الكثيفة، لذلك قالت ما قالت، و كان آدم عند العالم من الملائكة فمن دونهم مجهول الباطن، فحكموا عليه بالفساد، أي بالإفساد من ظاهر نشأته لمّا رأوها قامت من طبائع مختلفة متضادة متنافرة، فعلموا أنه لا بد أن يظهر أثر هذه الأصول على من هو على هذه النشأة، فلو علموا باطنه و هو حقيقة ما خلقه اللّه عليه من الصورة حيث قال صلّى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه خلق آدم على صورته» لعلمت الملائكة ما جهلته من آدم، فلما أعلمهم اللّه بكمال الصورة فيه و أمرهم بالسجود له سارعوا بالسجود، و لا سيما و قد ظهر لهم بالفعل في تعليمه الأسماء إياهم، و لو لم يعلمهم و قال لهم اللّه إني أعطيته الصورة و السورة لأخذوها إيمانا و عاملوه بما عاملوه به لأمر اللّه، فلولا أن اللّه تعالى جمع لآدم في خلقه بين يديه فحاز الصورتين و إلا كان من جملة الحيوان الذي يمشي على رجليه، و إنا و إن حزنا بخلقنا الصورة الربانية فنحن بحكم الأصل عبيد عبودية لا حرية فيها، فما نحن سادة و لا أرباب، قال صلّى اللّه عليه و سلم: كمل من الرجال كثيرون و لم يكمل من النساء إلا آسية

______________________________
و يدخل في هذا الجان و الإنس، و إنما لم يذكروا ذلك و إن كانوا من طبائع متنافرة غير أنهم غلب عليهم عنصر النار كما غلب علينا عنصر التراب، فهم أشد منازعة منا للحركة السريعة التي في لهب النار و السكون الذي في التراب، فكل منازعة تقع منا فمن غلبة طبيعة النار في ذلك الوقت، و هو الغضب و الحمية، و هو المرة الصفراء، لكن الجان لما لم يقل لهم الحق إنهم يخلفونكم في الأرض لم يقولوا شيئا، و إنما القول في الجان بالمنازعة أولى لما ذكرناه ف «قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 99

امرأة فرعون، و مريم ابنة عمران. فلكون الإنسان الكامل على الصورة الكاملة صحت له الخلافة و النيابة عن اللّه تعالى في العالم، فبالإنسانية و الخلافة صحت له الصورة على الكمال، و ما كل إنسان خليفة، فإن الإنسان الحيوان ليس بخليفة عندنا، و ليس المخصوص بها أيضا الذكورية فقط، فكلامنا في صورة الكامل من الرجال و النساء، فإن الإنسانية تجمع الذكر و الأنثى، و الذكورية و الأنوثة إنما هما عارضان ليستا من حقائق الإنسانية لمشاركة الحيوانات كلها في ذلك، و قد شهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بالكمال للنساء كما شهد به للرجال فقال في الصحيح: كمل من الرجال كثيرون، و كملت من النساء مريم بنت عمران و آسية امرأة فرعون. فالكمل هم الخلائف، فإن اللّه قد اعتنى بالإنسان دون العالم غاية العناية ما لم يعتن بمخلوق بكونه جعله خليفة، و أعطاه الكمال بعلم الأسماء، و خلقه على الصورة الإلهية، و أكمل من الصورة الإلهية ما يمكن أن يكون في الوجود. فالإنسان الكامل مثل، ضد، خلاف، فهو مثل من حيث الصورة الإلهية، ضد من حيث أنه لا يصح أن يكون في حال كونه عبدا ربا لمن هو له عبد، خلاف من حيث أن الحق سمعه و بصره و قواه فأثبته و أثبت نفسه، و الإنسان الكامل الظاهر بالصورة الإلهية لم يعطه اللّه هذا الكمال إلا ليكون بدلا من الحق، و لهذا سماه خليفة، و ما بعده من أمثاله خلفاء له، فالأول وحده هو خليفة الحق، و ما ظهر عنه من أمثاله في عالم الأجسام فهم خلفاء هذا الخليفة و بدل منه في كل أمر يصح أن يكون له. و اعلم أن المراتب كلها إلهية بالأصالة، و ظهرت أحكامها في الكون، و أعلى رتبة إلهية ظهرت في الإنسان الكامل، فأعلى الرتب رتبة الغنى عن كل شي‏ء، و تلك الرتبة لا تنبغي إلا للّه من حيث ذاته، و أعلى الرتب في العالم الغنى بكل شي‏ء و إن‏

______________________________
وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ» فإن أرادوا بالفساد إزالة ترتيب بعض ما نظم اللّه عليه بعض العالم مما لهم تسلط عليه و قوة، و يسفك الدماء فيهم و فيما يذبحونه من الحيوانات و يقتلونها، فغيرة منهم على جناب الحق، لأن له في كل ترتيب تسبيح مخصوص، فإذا فسد ذلك النظام ذهب عين تلك الصورة فزال ذلك التسبيح و التقديس بزوال المسبح و المقدس، فقالوا حقا و غيرة و إيثارا لجناب الحق، و هو الظن بهم، و إن أرادوا بالفساد و سفك الدماء غير ما تشرع لهم، فينتهكون حرمة الحق المشروع، و يتعدون حدوده، و يخالفون أمره، فيريدون المخالفين من بني آدم، و سبب وجود الذرية وجود الأب الأول الذي هو الأصل، و إنما لم يتعرضوا له و لكن يتضمنه الكلام،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 100

شئت قلت: الفقر إلى كل شي‏ء، و تلك رتبة الإنسان الكامل، فإن كل شي‏ء خلق له و من أجله و سخر له، لما علم اللّه من حاجته إليه، فليس له غنى عنه، و لذلك استخدم اللّه له العالم كله، فما من حقيقة صورية في العالم الأعلى و الأسفل إلا و هي ناظرة إليه نظر كمال، أمينة على سر أودعها اللّه إياه لتوصله إليه.-

[حكم الصورة الإلهية]

حكم الصورة الإلهية التي خلق عليها الإنسان: إن العالم و إن كان على صورة الحق فما كان العالم على الكمال في صورة الحق حتى وجد الإنسان فيه، فبه كمل العالم، فالإنسان الأول بالمرتبة الآخر بالوجود، و الإنسان من حيث رتبته أقدم من حيث جسميته، فالعالم بالإنسان على صورة الحق، و الإنسان دون العالم على صورة الحق، و العالم دون الإنسان ليس على الكمال في صورة الحق، و لذلك لما خلق اللّه الإنسان الكامل و خلفاءه من الأناسي على أكمل صورة، و ما ثم كمال إلا صورته تعالى، أخبر أن آدم خلقه على صورته ليشهد فيعرف من طريق الشهود، فأبطن في صورته الظاهرة أسماءه سبحانه التي خلع عليه حقائقها، و وصفه بجميع ما وصف به نفسه، و نفى عنه المثلية فلا يماثل و هو قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ) من العالم، أي ليس مثل مثله شي‏ء من العالم، و لم يكن مثلا إلا بالصورة، لهذا كان الخليفة على صورة من استخلفه، فالنسبة الجامعة بين الحق و الخلق، هي الصورة التي خلق عليها الإنسان، و لما كان للصورة حكم، و من ظهر في صورة كان له حكمها، من هنا تعرف مرتبة الإنسان الكامل الذي خلقه على صورته، و لتلك الصور حكم فتتبع الحكم الصورة، فلم يدّع الألوهية لنفسه أحد من خلق اللّه إلا الإنسان الذي ظهر بأحكام الأسماء و النيابة، و من سواه ادعيت فيه و ما ادعاها، قال فرعون: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏) و ما في الخلق من يملك سوى الإنسان، و ما سوى الإنسان من ملك و غيره لا يملك شيئا، يقول اللّه تعالى في إثبات الملك للإنسان‏ (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) و ما ثم موجود ما يقرّ له بالعبودية إلا الإنسان فيقال هذا عبد فلان، و لهذا شرع اللّه له العتق و رغّبه فيه و جعل له ولاء المعتق إذا مات من غير وارث، كما أن الورث للّه من عباده قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْها) و ما ثم موجود

______________________________
و إن كان القصد بإنزال المطر في طلب العباد له سقي زراعاتهم، فيتخرب بيت العجوز الضعيفة بذلك المطر، قالت عائشة (يا رسول اللّه أ نهلك و فينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث بالمدينة، فيعم الهلاك الصالح و الطالح و يمتازون في القيامة) (وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) ثم قالوا عن‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 101

يقبل التسمية بجميع الأسماء الإلهية إلا الإنسان، و قد ندب إلى التخلق بها و لهذا أعطي الخلافة و النيابة و علم الأسماء كلها، و كان آخر نشأة في العالم جامعة لحقائق العالم، مما اختص اللّه بها ملكه كله و صورته، و لما كان للإنسان الكامل هذا المنصب العالي، كان العين المقصودة من العالم وحده، و ظهر هذا الكمال في آدم عليه السلام في قوله تعالى: (وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها)

[الخليفة واحد]

الخليفة واحد:

جمع الأنام على إمام واحد عين الدليل على الإله الواحد

قال اللّه عزّ و جل: (وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) و قال تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) و قال سبحانه: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما و قال صلّى اللّه عليه و سلم: [الخلفاء من قريش‏] و التقريش التقبض و الاجتماع، كذلك الإمام إن لم يكن متصفا بأخلاق من استخلفه جامعا لها مما يحتاج من استخلف عليهم و إلا فلا تصح خلافته، فهو الواحد المجموع-

[تتابع الخلفاء في الأرض‏]

تتابع الخلفاء في الأرض: اعلم أن اللّه تعالى لما شاء أن يجعل في أرضه خلفاء على من يعمرها من الإنس و الجان و جميع الحيوانات، و قدمهم و رشحهم للإمامة دون غيرهم من جنسهم جعل بينه و بينهم سفيرا و هو الروح الأمين، و سخر لهم ما في السموات من ملك و كوكب سابح في فلك، و ما في الأرض و ما بينهما من الخلق جميعا منه، و أباح لهم جميع ما في الأرض أن يتصرفوا فيه، و أيد هؤلاء الخلفاء بالآيات البينات ليعلم المرسلون إليهم أن هؤلاء خلفاء اللّه عليهم، و مكنهم من الحكم في رعيتهم بالأسماء الإلهية على وجه يسمى التعلق، و شرع لهم في نفوسهم شرائع، و حد لهم حدودا، و رسم لهم مراسم، يقفون عندها يختصون بها، لا يجوز لأحد من رعاياهم أن يتخذوها لأنفسهم شرائع، و لا يقتدون بهم فيها، ثم نصب لهم شرائع يعملون بها هم و رعيتهم و كتب لهم كتبا بذلك نزلت بها السفراء عليهم، ليسمعوها رعيتهم فيعلموا حدود ما أنزل اللّه الذي استخلف عليهم فيقفوا عندها، و يعملوا بها سرا و جهرا، فمنها ما كتبه‏

______________________________
نفوسهم تحدثا و ثناء على اللّه بما أنعم عليهم، فقالوا «وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ» أي من أجلك‏ «قالَ» اللّه تعالى‏ «إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ» من قولكم فيكم و فيمن يخلفكم، و ذلك أن قولهم‏ «نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ» فأضاف و أخر التعريف، و لم يقولوا بالحمد الذي لك، فالمفهوم منه تعميم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 102

بيده تعالى و هو التوراة، و منها ما نزل به الروح الأمين عليهم من الكتاب المكنون الذي نزل من اللّه من عرشه المنقول من الدفتر الأعظم، و هو الإمام المبين فهو معه على عرشه، و نقل منه في اللوح المحفوظ قدر ما يقع به التصريف في الدنيا إلى يوم القيامة، و يتضمن ما في العالم من حركة و سكون، و اجتماع و افتراق، و رزق و أجل و عمل، ثم أنزل ذلك كله في كتاب مكنون إلى السماء الدنيا، و جعله بأيدي سفرة، كرام بررة، مطهرين أرواح قدس، صحفا مكرمة، مرفوعة مطهرة فيها توقيعات إلهية بما وعد اللّه المؤمنين باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و ما جاءت به رسله من اليوم الآخر و البعث الآخر و ما يكون في ذلك اليوم من حكم اللّه في خلقه، و تولى اللّه ذلك كله بنفسه على صورة الحق الذي بعث به رسله، ليصدقهم عند عبيده، فعلا بحكمه ذلك فيهم، كما صدقهم في حال احتجابه بما أيدهم به من الآيات، فآمن من آمن، و كفر من كفر، ثم إنه أنزل في الكتب و الصحف على ألسنة الخلفاء صلوات اللّه عليهم و سلامة من الوعيد و التهديد، و أخذ من كفر باللّه و نافق أو آمن ببعض و كفر ببعض مما أنزله اللّه، و جحد و أشرك، و كذب و ظلم، و اعتدى و أساء، و خالف و عصى، و أعرض و فسق، و تولى و أدبر، و أخبر في التوقيع أنه من كان بهذه المثابة و قامت به هذه الصفات في الحياة الدنيا أو بعضها ثم تاب إلى اللّه منها، و مات على توبة من ذلك كله، فإنه يلقى ربه و هو راض عنه، فإن فسح له و أنسأ اللّه في أجله بعد توبته فعمل عملا صالحا بدّل اللّه سيئاته حسنات، و غفر له جميع ما كان وقع منه قبل ذلك، و لم يؤاخذه بشي‏ء منه، و ما زالت التوقيعات الإلهية تنزل من اللّه على خلفائه بما يعدهم اللّه به من آمن باللّه و رسله من الخير، و ما توعد به لمن كفر به من الشر، مدة إقامة ذلك الخليفة المنزل عليه و هو الرسول إلى حين موته، فمن زمان خلافته إلى انتهاء مدة عمره لا تزال التوقيعات الإلهية تنزل عليه، فإذا مات و استخلف من شاء بوحي من اللّه له في ذلك، أو ترك الأمر شورى بين أصحابه، فيولون من يجمعون عليه، إلى أن يبعث اللّه من عنده رسولا، فيقيم فيهم خليفة آخر، إلا إذا كان خاتم الخلفاء فإن اللّه يقيم نوابا عنه، فيكونون خلفاء الخليفة من عند اللّه، لا أنهم‏

______________________________
الحمد الذي يليق باللّه، فإن التنكير أعم، أي أبين في العموم من الألف و اللام، و إن كان يقتضي استغراق أجناس الثناء، فيقتضي أيضا التعريف و العهد، فلا يختص بأحد الوجهين إلا بدليل، و من جملة ما يثنى عليه سبحانه به معرفة أسماء الثناء، فإن الثناء لا يقع إلا بعد معرفة الأسماء،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 103

في منزلة الرسل خلفاء من عند اللّه، و هم الأقطاب و أمراء المؤمنين إلى يوم القيامة، فمن هؤلاء النواب من يكشف اللّه عنه الغطاء فيكون من أهل العين و الشهود، فيدعو إلى اللّه على بصيرة، كما دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و لو لا أن الزمان اقتضى أن لا يكون مشرع بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لكان هؤلاء مشرعين، و إن لم يأتوا إلا بشرع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فإنهم كانوا يكونون فيه كما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في شرع من قبله إذا حكم به في أمته، فهو بمنزلة الأول الذي كان قبله، لا خليفة عنه في ذلك و إن قرره، فلما منع اللّه ذلك في هذه الأمة، علمنا أنهم خلفاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و إن دعوا إلى اللّه على بصيرة، كما دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، كما ورد في القرآن العزيز عنه في قوله: «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي» فالعبد إذا أقيم في خروجه من حضرة الحق إلى الخلق بطريق التحكم فيهم من حيث لا يشعرون، و قد يشعرون في حق بعض الأشخاص من هذا النوع كالرسل عليهم السلام، الذين جعلهم اللّه خلائف في الأرض، يبلغون إليهم حكم اللّه فيهم، و أخفى ذلك في الورثة فهم خلفاء من حيث لا يشعر بهم، و لا يتمكن لهذا الخليفة المشعور به و غير المشعور به أن يقوم في الخلافة إلا بعد أن يحصل معاني حروف أوائل السور سور القرآن المعجمة، مثل «ألف لام ميم» و غيرها الواردة في أوائل بعض سور القرآن، فإذا أوقفه اللّه على حقائقها و معانيها تعينت له الخلافة، و كان أهلا للنيابة، هذا في علمه بظاهر هذه الحروف، و أما علمه بباطنها فعلى تلك المدرجة يرجع إلى الحق فيها، فيقف على أسرارها و معانيها من الاسم الباطن إلى أن يصل إلى غايتها، فيحجب الحق ظهوره بطريق الخدمة في نفس الأمر، فيرى مع هذا القرب الإلهي خلقا بلاحق، كما يرى العامة بعضهم بعضا، و لا يكون في الزمان إلا واحدا يسمى الغوث و القطب، و هو الذي ينفرد الحق و يخلو به دون خلقه، فإذا فارق هيكله المنور انفرد بشخص آخر لا ينفرد بشخصين في زمان واحد، و ذلك العبد عين اللّه في كل زمان، لا ينظر الحق في زمانه إلا إليه-

[لم كان الخليفة في الأرض؟]

لم كان الخليفة في الأرض؟: لما كان الاختصاص الإلهي الكامل في الجمع بين السعادة و الصورة، كان الكمال للمؤمن بالخلافة في المكان الذي من شأنه أن يظهر فيه كمال الصورة، من نفوذ الاقتدار عند الإغضاب، و ليست الجنة بمحل لهذه الصفة

______________________________
فإنها تدل على المسميات، سواء كانوا حاضرين أو غير حاضرين، فإن كانوا حاضرين فيغني الثناء بالإشارة، و إن كانوا غير حاضرين و لا علم لهم بأسماء من غاب و يريدون الثناء على اللّه بهم،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 104

فليست بدار خلافة بل هي دار ولاية، و نشأة الدنيا على مزاج يقبل الغضب و لهذا قال:

«إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» و لم يقل في العالم- الوجه الثاني في قوله تعالى‏ «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» ورد في الخبر أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال: [أنا سيد ولد آدم و لا فخر] و في صحيح مسلم [أنا سيد الناس يوم القيامة] فثبتت له السيادة و الشرف على أبناء جنسه من البشر، و قال عليه السلام: «كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين» يريد على علم بذلك، فأخبره اللّه تعالى بمرتبته و هو روح قبل إيجاده الأجسام الإنسانية، كما أخذ الميثاق على بني آدم قبل إيجاد أجسامهم، فكانت الأنبياء في العالم نوابه صلّى اللّه عليه و سلم، من آدم إلى آخر الرسل عليهم السلام، و قد أبان صلّى اللّه عليه و سلم عن هذا المقام بأمور: منها قوله صلّى اللّه عليه و سلم «و اللّه لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني»، و قوله في نزول عيسى ابن مريم في آخر الزمان إنه يؤمنا بسنة نبينا عليه السلام، و لو كان محمد صلّى اللّه عليه و سلم قد بعث في زمان آدم لكانت الأنبياء و جميع الناس تحت شريعته إلى يوم القيامة حسا، و لهذا لم يبعث عامة إلا هو خاصة، فهو الملك و السيد و كل رسول سواه بعث إلى قوم مخصوصين، فمن زمان آدم عليه السلام إلى زمان بعث محمد صلّى اللّه عليه و سلم إلى يوم القيامة ملكه، و تقدمه في الآخرة على جميع الرسل و سيادته فمنصوص على ذلك في الصحيح عنه، فروحانيته صلّى اللّه عليه و سلم موجودة و روحانية كل نبي و رسول، فكان الإمداد يأتي إليهم من تلك الروح الطاهرة بما يظهرون به من الشرائع و العلوم في زمان وجودهم رسلا، فنسب كل شرع إلى من بعث به، و هو في الحقيقة شرع محمد صلّى اللّه عليه و سلم و إن كان مفقود العين من حيث لا يعلم ذلك، فهو صلّى اللّه عليه و سلم الحاكم غيبا و شهادة، فبنو آدم سوقة و ملك لهذا السيد محمد صلّى اللّه عليه و سلم و هو المقصود فهو ملك و سيد على جميع بني آدم، و جميع من تقدمه كان ملكا له و تبعا، و الحاكمون فيه نوّاب عنه، و الملك عبارة عما مهد اللّه من آدم إلى زمان محمد صلّى اللّه عليه و سلم من الترتيبات في هذه النشأة الإنسانية بما ظهر من الأحكام الإلهية فيها، فكانوا خلفاء الخليفة السيد، و أول موجود ظهر من الأجسام الإنسانية كان آدم عليه السلام، فكان آدم عليه السلام أول خليفة و نائب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فقد ورد في الحديث‏

______________________________
لا يتمكن لهم ذلك لعدم معرفتهم بأسمائهم، فقد نقص من عموم ذلك الحمد ما ادعوه، فقال‏ «إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ» و الثناء كلام، و الكلام إنما هو بالأسماء و المسميات، و قولهم‏ «وَ نُقَدِّسُ لَكَ‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 105

المروي أن اللّه يقول: (لولاك يا محمد ما خلقت سماء و لا أرضا، و لا جنة و لا نارا) فكان آدم أول خليفة عنه ثم ولد و اتصل النسل، و عين في كل زمان خلفاء، إلى أن وصل زمان نشأة الجسم الطاهر محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فظهر مثل الشمس الباهرة، فاندرج كل نور في نوره الساطع، و غاب كل حكم في حكمه، و انقادت جميع الشرائع إليه، و ظهرت سيادته التي كانت باطنة، فإن الإنسان آخر موجود من أجناس العالم، فإنه ما ثم إلا ستة أجناس و كل جنس تحته أنواع و تحت الأنواع أنواع، فالجنس الأول الملك، و الثاني الجان، و الثالث المعدن، و الرابع النبات، و الخامس الحيوان، و انتهى الملك و استوى، و كان الجنس السادس جنس الإنسان و هو الخليفة، و إنما وجد آخرا ليكون إماما بالفعل حقيقة، لا بالصلاحية و القوة، فعند ما وجد عينه لم يوجد إلا واليا سلطانا ملحوظا، فجعل الحق للرسول صلّى اللّه عليه و سلم نوابا، حين تأخرت نشأة جسده، فكان آدم عليه السلام أول نائب عنه صلّى اللّه عليه و سلم، فقال تعالى: «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» يحتمل أن يكون المراد بالخلافة أن يخلف من كان قبله فيها لما فقد، فإن اللّه لما نفخ في آدم من روحه، و أمر الملائكة بالسجود له، فوقعت ساجدة عن الأمر الإلهي بذلك، فجعله قبلة للملائكة، و ذلك قوله تعالى: (إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ، فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) ثم عرفهم بخلافته في الأرض فلم يعرفوا عمن هو خليفة، فربما ظنوا أنه خليفة في عمارتها عمن سلف، و يحتمل أن تكون الخلافة أي النيابة عن الحق في أرضه، و عليه الكلام و كان المقصود بقوله خليفة أي نائب الحق الظاهر بصورته، لقول الملائكة: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ» و هذا لا يقع إلا ممن له حكم، و لا حكم إلا لمن له مرتبة التقدم و إنفاذ الأمر، فخلقه على صورته قال صلّى اللّه عليه و سلم: إن اللّه خلق آدم على صورته، و لما كان عالم الخلق و التركيب يقتضي الشر لذاته، لهذا قال عالم الأمر- الذي هو الخير الذي لا شر فيه- حين رأى خلق الإنسان و تركيبه من الطبائع المتنافرة، و التنافر هو عين التنازع، و النزاع أمر مؤد إلى الفساد قالوا: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ»

______________________________
يقولون و نقدس ذواتنا من أجلك، فلا يقوم بنا جهل بك، فيقال لهم: هل تعلمون أسماء هؤلاء؟ فيقولون لا، فيقال لهم: فلم لم تقدسوا ذواتكم من جهلكم بما ينسب إلينا من هذه‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 106

فاعترضت الملائكة لنشأة آدم من الطبيعة، لما تحمله الصورة من الأضداد، و لا سيما و قد جعل آدم من العناصر، فلم تشاهد الملائكة الأسماء الإلهية التي هي أحكام هذه الصورة، و هي كون الحق سمعه و بصره و جميع قواه، فلو شهدت ذلك ما اعترضت، و لكنها اعترضت لما رأوا من تقابل طبائعه في نشأته، فعلموا أن العجلة تسرع إليه، و أن تقابل ما تركب منه جسده ينتج عنه نزاعا فيؤثر فسادا في الأرض و سفك دماء، فقالت ما قالت، من غير تعرض لمواقع الأحكام المشروعة، و كذلك وقع مثل ما قالوه فإنهم رأوا الحق سبحانه يقول:

(وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) و قال: «وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ» فكرهوا ما كره اللّه، و أحبوا ما أحب اللّه، و جرى حكم اللّه في الخلق بما قدره العزيز العليم، فما ظهر من عالم التركيب من الشرور فمن طبيعته التي ذكرتها الملائكة، فإن الغالب على عالم الأرض سلطان الهوى، و هو يورث الفساد، فعلمت الملائكة ما يقع لعلمهم بالحقائق، لأن المولد من الأضداد المتنافرة لا بد فيه من المنازعة، و لا سيما المولد من الأركان، و كذا وقع الأمر، و إنما وقع الغلط عندهم في استعجالهم بهذا القول، من قبل أن يعلموا حكمة اللّه في هذا الفعل ما هي، و حملهم على ذلك الغيرة التي فطروا عليها في جناب اللّه. فما ذكرت الملائكة إلا مساوينا و ما تعرضت للحسن من ذلك، إلا لأن الملأ الأعلى تغلب عليه الغيرة على جناب اللّه أن يهتضم، و علمت من هذه النشأة العنصرية أنها لا بد أن تخالف ربها لما هي عليه من حقيقتها، و ذلك عندها بالذوق من ذاتها فإنها مخلوقة من عالم الطبيعة، و إنما هي في نشأتنا أظهر، فإن اعتراض الملائكة من حيث طبيعتهم و غيرتهم على الجناب الإلهي، فبالذي وقع من الإنسان من الفساد و غيره مما يقتضيه عالم الطبع، به بعينه وقع اعتراض الملائكة، فرأوه في غيرهم و لم يروه في نفوسهم، فإن الملائكة غلب عليها الطبع، و لم ترد الخير إلا لنفسها، و ما وافقت الحق فيما أراد أن يظهره في الكون، من جعل آدم خليفة في الأرض، فعرفهم بذلك، فلم يوافقوه، لحكم الطبع في الطمع في أعلى المراتب، و قامت لهم صورة الغيرة على جناب الحق، و الإيثار لعظمته، و ذهلوا عن تعظيمه، إذ لو وقفوا مع ما ينبغي له من العظمة لوافقوه؛ و ما وافقوه، و إن كانوا قصدوا الخير، فقالوا: «وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ‏

______________________________
الأسماء؟ فقالوا (سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا) فرجعوا إلى العجز و طلب العلم، و لهذا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 107

وَ نُقَدِّسُ لَكَ» تعني ذواتها و قولها: «لَكَ» أي من أجلك، و كونهم ذوات مقدسة لذاتها أنها لم تلتفت قط إلى غير الاسم الإلهي الذي عنه تكونت، فلم يطرأ عليها حجاب يحجبها عن إلهها، فتتصف لذلك الحجاب بأنها غير مقدسة، و لذلك قال تعالى في الملائكة:

(يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) و لا يكون ذلك إلا من ذاته مقدسة بالشهود الدائم، فقولها يعني نحن أولى من هذا، فرجحوا نظرهم على علم اللّه في خلقه، لذلك قال لهم:

«إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ» فوصفهم بنفي العلم، الذي علم الحق من هذا الخليفة مما لم يعلموا، و أثنوا على أنفسهم، فمسألتهم جمعت ذلك حيث أثنوا على أنفسهم، و عدلوها، و جرحوا غيرهم، و ما ردوا العلم في ذلك إلى اللّه، و هذا يؤيد أن الملائكة تحت حكم الطبيعة، و أن لها أثرا فيهم و في ذلك نقول:-

[شعر فى اعتراض الملائكة]

فعجبت منهم كيف قال جميعهم‏ بفساد والدنا و سفك دماء!
إذ كان يحجبهم بظلمة طينه‏ عما حوته من سنا الأسماء
و بدا بنور ليس فيه غيره‏ لكنهم فيه من الشهداء
أن كان والدنا محلا جامعا للأولياء معا و للأعداء
و رأى المويهة و النويرة جاءتا كرها بغير هوى و غير صفاء
فبنفس ما قامت به أضداده‏ حكموا عليه بغلظة و بذاء
و أتى يقول أنا المسبح و الذي‏ ما زال يحمدكم صباح مساء
و أنا المقدس ذات نور جلالكم‏ و أتوا في حق أبي بكل جفاء
لما رأوا جهة الشمال و لم يروا منه يمين القبضة البيضاء
و رأوا نفوسهم عبيدا خشعا و رأوه ربا طالب استيلاء
لحقيقة جمعت له أسماء من‏ خص الحبيب بليلة الإسراء
و رأوا منازعة اللعين بجنده‏ يرنو إليه بمقلة البغضاء
و بذات والدنا منافق ذاته‏ حظ العصاة و شهوتا حواء
علموا بأن الحرب حتما واقع‏ منه بغير تردد و إباء
فلذاك ما نطقوا بما نطقوا به‏ فاعذرهم فهمو من الصلحاء

______________________________
صح قوله‏ (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في دعواكم في عموم ما ينبغي لي من الثناء، و في تقديس ذواتكم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 108

فطروا على الخير الأعم جبلة لا يعرفون مواقع الشحناء
و متى رأيت أبي و هم في مجلس‏ كان الإمام و هم من الخدماء
و أعاد قولهم عليهم ربنا عدلا فأنزلهم إلى الأعداء
فحرابة الملأ الكريم عقوبة لمقالهم في أول الآباء
أو ما ترى في يوم بدر حربهم‏ و نبينا في نعمة و رخاء
بعريشه متملقا متضرعا لإلهه في نصرة الضعفاء

فالإنسان المخلوق في أحسن تقويم، لما ظهرت للملإ الأعلى طينته، جهلت قيمته، و نظر إلى الأضداد فقال بالفساد، و غاب عن القبضة البيضاء، و حميد الثناء، بما أعطي من علم الأسماء، و لم يكن الملأ الأعلى سمع بالصورة، التي أعطته السورة، فحمل الخلافة على من تقدم من القطّان، في تلك الأوطان، فلو علم أنه خليفة الحق لأذعن و سلم، و ما اعترض و لا نطق، ثم ظهر في بنيه ما قاله من المقالة. و آدم للعالم كالروح من الجسد، فالإنسان روح العالم، و العالم جسد، فبالمجموع يكون العالم كله هو الإنسان الكبير و الإنسان فيه، و إذا نظرت العالم وحده دون الإنسان وجدته كالجسم المسوى بغير روح، و كمال العالم بالإنسان مثل كمال الجسد بالروح و الإنسان منفوخ في جسم العالم، فهو المقصود من العالم، و العالم كله تفصيل آدم، و آدم هو الكتاب الجامع، فأرى الحق الملائكة شرف آدم عليهم، بما خصه من علم الأسماء الإلهية، التي خلق المشار إليهم بها و جهلتها الملائكة، فكأنه يقول سبحانه: «أجعل علمي حيث شئت من خلقي أكرمه بذلك»- إشارة و اعتبار في قوله تعالى‏ «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»: اعتباره في العالم الصغير، استخلاف الروح في أرض البدن، لما أوجد الحق هذا الخليفة على حسب ما أوجده قال له: أنت المرآة و بك ننظر إلى الموجودات، و فيك ظهرت الأسماء و الصفات، أنت الدليل عليّ، و جهتك خليفة في عالمك، تظهر فيهم بما أعطيتك، تمدهم بأنواري، و تغذيهم بأسراري، و أنت المطالب بجميع ما يطرأ في الملك، و مركز هذا الخليفة من البدن أو الجسم الذي هو مملكته إنما هو القلب شرعا لقوله صلّى اللّه عليه و سلم مخبرا عن ربه: ما وسعني أرضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي‏

______________________________
من أجلي عن جهل بأمر ما، في العلم به زيادة تعظيم في قلوبكم، و الدليل على ما ذهبنا إليه في‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 109

المؤمن، و قال: إن اللّه تعالى لا ينظر إلى صوركم و لا إلى أعمالكم و لكن ينظر إلى قلوبكم.

و ذلك أن المستخلف إنما نظره أبدا إلى خليفته ما يفعله فيما قلده، و اللّه سبحانه قد استخلف الأرواح على الأجسام.

 

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=