تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الأعراف آیه 73-145
[سورة الأعراف (7): آية 73]
وَ إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73)
فلا تتعرضوا بالمخالفة لسطوتنا، و لا تستبطئوا عند اعتدائكم نقمتنا.
[سورة الأعراف (7): الآيات 74 الى 87]
وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَ تَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَ قالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (78)
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَ لكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) وَ لُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَ ما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْناهُ وَ أَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83)
وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَ إِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَ طائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (87)
«وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ» فإن له الحكم الأعم، يحكم على كل حكم و على كل حاكم بكل حكم.
[سورة الأعراف (7): الآيات 88 الى 89]
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89)
«وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ» لمغاليق غيوبه.
[سورة الأعراف (7): الآيات 90 الى 96]
وَ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93) وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَ قالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَ السَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (95) وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (96)
– فائدة- لما كان الرسول من الجنس، و من عادة الجنس الحسد إذا ظهر التفوق، و قد ارتفع عن المتشرعين المنكسرة قلوبهم الحسد، و هم ناظرون إلى الرسول دائما بعين حق مع شهود بشريته، فتح اللّه لهم البركات من السماء و الأرض.
[سورة الأعراف (7): الآيات 97 الى 99]
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَ هُمْ نائِمُونَ (97) أَ وَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (99)
[الطريق إلى العصمة من المكر الإلهي]
من أراد الطريق إلى العصمة من المكر الإلهي فليلزم عبوديته في كل حال و لوازمها، فتلك علامة على عصمته من مكر اللّه، و ذلك بأن لا يضع ميزان الشرع من يده و شهود حاله، و هذه حالة المعصوم، و يبقى كونه لا يأمنه في المستقبل بمعنى أنه ما هو على أمن أن تبقى له هذه الحالة في المستقبل إلا بالتعريف الإلهي الذي لا يدخله تأويل، و لا يحكم عليه إجمال «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» فلا يأمن أحد مكر اللّه حتى الخاصة و خاصة الخاصة، فينبغي للعاقل أن لا يأمن مكر اللّه في إنعامه، فإن المكر فيه أخفى منه في البلاء، و أدنى المكر فيه أن يرى نفسه مستحقا لتلك النعمة، و أنها من أجله خلقت، فإن اللّه ليس بمحتاج إليها، فهي له بحكم الاستحقاق، و يغيب عن أن الأشياء إنما خلقت له تعالى، لتسبح بحمده، و كان انتفاعنا بها بحكم التبعية لا بالقصد الأول، فمكر العموم الإلهي هو إرداف النعم على إثر المخالفات، و زوالها عند الموافقات، و قد يكون المكر الإلهي في حق بعض الناس من الممكور بهم يعطي الشقاء و هو في العامة، و قد يكون يعطي نقصان الحظ و هو المكر بالخاصة و خاصة الخاصة، فالمؤمن ما هو في أمان إلا في دار الحيوان، و أما في هذه الدار فهو في محل الاختبار، فإما إلى دار القرار و إما إلى دار البوار، مما روينا أن جبريل و ميكائيل عليهما السلام بكيا، فأوحى اللّه إليهما ما شأنكما تبكيان؟ فقالا: لا نأمن مكرك، قال: كذلك فكونا لا تأمنا مكري.
[سورة الأعراف (7): الآيات 100 الى 102]
أَ وَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَ لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (101) وَ ما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَ إِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (102)
«وَ إِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ» أي عن الوفاء بالعهد، قال تعالى: «أَوْفُوا بِعَهْدِي» و قال تعالى: «وَ لَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ».
[سورة الأعراف (7): الآيات 103 الى 105]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَ قالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (105)
«حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» فإنه باللّه يسمع و يبصر و ينطق.
[سورة الأعراف (7): الآيات 106 الى 122]
قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (107) وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ (110)
قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ أَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَ جاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (113) قالَ نَعَمْ وَ إِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115)
قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ انْقَلَبُوا صاغِرِينَ (119) وَ أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (120)
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ (122)
قالت السحرة ذلك، أي الذي يدعوان إليه رب موسى و هارون، فجاءت بذلك لرفع الارتياب.
[سورة الأعراف (7): الآيات 123 الى 127]
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (125) وَ ما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ تَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (126) وَ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَ نَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَ إِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (127)
… «وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ» و المعبودين الذين نعبدهم، و قد قرئ «و يذرك و ألهتك» و الألهة العبادة، أي و عبادتك «قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَ نَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَ إِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ» هذه الصفة في المخلوقين لا تكون قط عن حقيقة، بل يعلمون عجزهم و قصورهم، و إنما ذلك صورة ظاهرة كبرق الخلب، و على قدر ما يظهر من هذه الصفة يتوجه القهر الإلهي و البطش الشديد.
[سورة الأعراف (7): آية 128]
قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)
قال موسى لقومه: «اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ» فشرّك الحق نفسه مع العبد في الفعل، و أمر الحق بالاستعانة باللّه تقريرا للدعوى، حتى يكون ذلك عن أمره، و أمثالنا نقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) و مثل هذا كله، تعبدا، و نثابر عليه بخلاف من لا يعلم، و ما قرر الحق لعباده هذا إلا غيرة، فيتخذون ذلك عبادة، و يقولون إذا رجعوا إليه و كان الملك للّه الواحد القهار في موطن الجمع، و سئلوا عن مثل هذا الشرك الخفي، يقولون: أنت أمرتنا بالاستعانة بك، فأنت قررت لنا أن لنا قوة ننفرد بها، و إن كان أصلها منك، و لكن ما لها النفوذ إلا بمعونتك،فطلبنا القوة منك، فإنك ذو القوة المتين، فيصدقهم اللّه في كونهم جعلوا القوة منه التي فيهم، و أنهم رأوا فيها القصور لخاصية المحل، فما لها نفوذ الاقتدار الإلهي إلا بمساعدة الاقتدار الإلهي، فشرع لهم سبحانه قول [لا حول و لا قوة إلا باللّه] رحمة بهم «وَ اصْبِرُوا» على حمل المشاقات و التكاليف بلا حول و لا قوة إلا باللّه «إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» فأنت وارث و الحق موروث منه، فإن الحق ما خلق الأشياء لنفسه، و إنما خلقها بعضها لبعض من هذا الوجه، فخلق الخلق للخلق لا لنفسه، فإن المنافع تعود من الخلق على الخلق، و اللّه هو النافع الموجد للمنافع.
[سورة الأعراف (7): الآيات 129 الى 135]
قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131) وَ قالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (133)
وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (135)
كشف ما نزل بالخلق بيد الحق.
[سورة الأعراف (7): آية 136]
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ (136)
[انتقام إلهي يقع بالعالم لا يكون إلا بعد إغضاب،]
كل انتقام إلهي يقع بالعالم لا يكون إلا بعد إغضاب، لأن اللّه خلق العالم بالرحمة و ليس من شأنها الانتقام، كما أن الغضب من شأنه الانتقام، و يظهر الانتقام على ميزانه من غير زيادة و لا نقصان، و لا يقع الانتقام أبدا إلا تطهيرا لمن كان منه الإغضاب، فلذلك لا يكون الانتقام إلى غير نهاية بل ينتهي الحكم به إلى أجل مسمى عند اللّه، و تعقبه الرحمة به، لأنّ لها الحكم الأبدي الذي لا يتناهى.
[سورة الأعراف (7): الآيات 137 الى 142]
وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ (137) وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139) قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَ هُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140) وَ إِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)
وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)
«وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً» و هو الميقات الموسوي الأول، إلا أنه طرأ أمر أخل به، فزاد عشرا جبرا لذلك الخلل، فقال تعالى: «وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»
[- إشارة- ضرب الحق لموسى الميقات ليعلم أنه تحت رق الأوقات]
– إشارة- ضرب الحق لموسى الميقات ليعلم أنه تحت رق الأوقات، و جاء العدد بالليل و لم يجىء بالنهار لاحتجاب الحق عن الأبصار، و مقامات الخلفاء، و مصابيح الظلماء ثمانية و عشرون، و حضراتهم اثنتا عشرة لتتميم الأربعين، و هي منازل السالكين فجعله يسلك أربعين مقاما من مغيبات الأسرار، فصح له الاتصال عند الأسحار، و انتظم بها في شمل أمة محمد الداعي من مقام الأرواح، في تخلقهم بالأربعين صباح، و هو ميقات الوارثين، فشرف بذلك كليم رب العالمين، و لذلك كان منه مع محمد عليهما السلام في أمر الصلاة ما شهر، لأنه في أمته يطلب الرفق بإخوته كما ذكر، و ذلك لما وقع هنالك في حدسه، أن محمدا عليه السلام سيقول: لا يكمل عبد الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، أ لا تراه صلّى اللّه عليه و سلم قال في موسى: لو كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني، فأوضح لنا المعنى، و بيّن لنا حقيقة أنه منا
[إشارة- اترك الحق خليفتك على أهلك كما قال عليه السلام: اللهم أنت الخليفة في الأهل]
– إشارة- اترك الحق خليفتك على أهلك كما قال عليه السلام: اللهم أنت الخليفة في الأهل، فاستخلف الحق في الحقيقة، و لا تبال حينئذ بمن يختاره من عالم الحس، فإنك إذا توكلت على الحق و استخلفته، وفق خليفتك الذي هو في عالم التكليف، و هي سنة اللّه تعالى.
[سورة الأعراف (7): آية 143]
وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)
اعلم أن المناجاة كلام لا مشاهدة فيها، فإن الحجاب يصحبها، فإن اللّه يقول: (وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) و كذلك كلم اللّه موسى، و لذلك طلب الرؤية، و موسى عليه السلام من العلماء باللّه، و قد سأل اللّه الرؤية، فما سألها عليه السلام إلا من كونها واجبة وجوبا عقليا، و المعلوم إذا شوهد تعطي مشاهدته أمرا لا يمكن أن يحصل من غير مشاهدة، كما قيل.
| و لكن للعيان لطيف معنى | لذا سأل المعاينة الكليم |
فإنه ليس حكم من شاهد الأمور حكم من لم يشاهدها إلا بالإعلام، فللعيان حال لا يمكن أن يعرفه إلا صاحب العيان، كما أن للعلم حالا لا يعرفه إلا أولو العلم، ليس لغيرهم فيه ذوق، و ما أسمع الرحمن كلامه بارتفاع الوسائط إلا ليتمكن الاشتياق في السامع إلى رؤية المتكلم، لما سمعه من حسن الكلام، فتكون رؤية المتكلم أشد، و لا سيما و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول: إن اللّه جميل يحب الجمال، و الجمال محبوب لذاته، و قد وصف الحق نفسه به، فشوق النفوس إلى رؤيته، و ما شوق اللّه عباده إلى رؤيته بكلامه سدى، و لو لا أن موسى عليه السلام فهم من الأمر إذ كلمه اللّه بارتفاع الوسائط ما جرأه على طلب الرؤية ما فعل، فإن سماع كلام اللّه تعالى بارتفاع الوسائط عين الفهم عنه، فلا يفتقر إلى تأويل و فكر في ذلك، و إنما يفتقر من كلمة اللّه بالوسائط من رسول أو كتاب، فلما كان عين السمع في هذا المقام عين الفهم، سأل الرؤية، ليعلم التابع و من ليست له هذه المنزلة عند اللّه، أن رؤية اللّه ليست بمحال، و قد شهد اللّه لموسى أنه اصطفاه على الناس برسالاته و بكلامه، فهل رآه في وقت سؤاله بالشرط الذي أقامه له كما ورد في نص القرآن (انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي) أو لم يره؟
و الآية محتملة المأخذ، فإنه ما نفى زمان الحال عن تعلق الرؤية، و إنما نفى الاستقبال بأداة سوف، و لا شك أن اللّه تجلى للجبل و هو محدث، و تدكدك الجبل لتجليه، فحصل لنا من هذا رؤية الجبل ربه التي أوجبت له التدكدك، فقد رآه محدث، فما المانع أن رآه موسى عليه السلام في حال التدكدك و وقع النفي على الاستقبال؟ ما لذلك مانع لمن عقل، و لا سيما و قد قام الصعق لموسى عليه السلام مقام التدكدك للجبل، قال تعالى: «وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ» لما كلم موسى عليه السلام ربه أدركه الطمع فقال: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» فسأله ما يجوز له السؤال فيه، إذ كانت الرسل أعلم الناس باللّه، و أنه ذو إدراك يدركه به، و أنه المدرك بالإدراك لا الإدراك، فإنه عالم بأن الأبصار لا تدركه، و إنما هي آلة يدرك بها، فقال: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» بعيني، فإن الرؤية بأداة إلى رؤية العين، فقال له الحق: «لَنْ تَرانِي» بعينك،لان المقصود من الرؤية حصول العلم بالمرئي، و لم يكن ذاك موطنه و مقامه، و لا تزال ترى في كل رؤية خلاف ما تراه في الرؤية التي تقدمت، فلا يحصل لك علم برؤية أصلا في المرئي،
فقال: «لَنْ تَرانِي» فإني لا أقبل من حيث أنا التنوع، فإن رؤية المرئي تعطي العلم به، و يعلم الرائي أنه راء أمرا ما، و قد أحاط علما بما رآه، و الحق لا تنضبط رؤيته، و ما لا ينضبط لا يقال فيه إن الذي رآه عرف أنه رآه، و لا تتعجب من طلب موسى عليه السلام رؤية ربه، فإنه ثمّ مقام يقتضي طلب الرؤية، و الإنسان بحكم الوقت، و يحتمل أن موسى عليه السلام منع من الرؤية بقوله تعالى: «لَنْ تَرانِي» لكونه سألها عن غير أمر إلهي، فقيل له: «لَنْ تَرانِي» ثم استدرك استدراك لطيف بعبده، لما انته فيه حد عقوبة فوت الأدب بالسؤال ابتداء، الذي حمله عليه شوقه، فلما علم أن اليأس قد قام به فيما طلبه، استدرك بالإحالة على الجبل في استقراره، عند التجلي، فقال: «وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي» و الجبل من الممكنات «فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا»
اعلم أنه لا يثبت لتجلي الحق، فلا بد من تغير الحال، فإن التجلي الإلهي يورث الخشوع، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [إن اللّه إذا تجلى لشيء خشع له] فلما تجلى الحق للجبل نقله من حال الشموخ إلى حال الخشوع و الاندكاك، فإن للتجلي النقيضين، يمحو و يثبت، و يوجد و يعدم، فقال تعالى: «فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ» ذلك التجلي «دَكًّا» فما أعدمه، و لكنه أزال حاله و نعته، و لم يزل عينه، و لكن أزال شموخه و علوه، فكان أول جبل أنزله اللّه عن قهره و جبروته، فإن الجبال ظهرت بصورة القهر حيث سكّنت ميد الأرض، فلا تعرف التواضع، فإنها ما كانت أرضا ثم صارت جبالا، فصار جبل موسى بالتدكدك أرضا بعد ما كان جبلا، و لو لا العظمة التي في نفس الجبل من ربه لما تدكدك لتجلي الرب له، فإن الذوات لا تؤثر في أمثالها،
و إنما يؤثر في الأشياء قدرها و منزلتها في نفس المؤثر فيه، فعلمه بقدر ذلك المتجلي أثر فيه، ما أثر فيه ما ظهر له، فإنا نرى الملك إذ دخل في صورة العامة و مشى في السوق بين الناس و هم لا يعرفون أنه الملك لم يقم له وزن في نفوسهم، فإذا لقيه في تلك الحالة من يعرفه قامت بنفسه عظمته و قدره، فأثر فيه علمه به، و كان نظر موسى عليه السلام للجبل في حال شموخه، و كان التجلي له من الجانب الذي لا يلي موسى، فلما صار دكا ظهر لموسى ما صير الجبل دكا، فخر موسى صعقا، فإنه لما كان الجبل حجابا للتجلي، لم يثبت التجلي ما دام الجبل باقيا، الذي هو الحجاب، فلما تدكدك الجبل الذي هو الحجاب بقي التجلي بلا حجاب، فرآه موسى فصعق كما صعق الجبل، و قامت فيه علامة الرؤية التي قامت في الجبل، و ذلك قوله تعالى: «وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً» فكان الدك للجبل كالصعق لموسى، و الذي دك الجبل أصعق موسى، و ما أصعقه إلا ما عنده، أي ما شاهده، فعلم عند ذلك ما لم يكن يعلم من صورة الحق مع العالم، و لا أدري اندك الجبل عن رؤية أو عن مقدمة رؤية، لا بل عن مقدمة رؤية، و صعق موسى عن تلك المقدمة،
و كان موسى عليه السلام ناظرا إلى الجبل طاعة لأمر اللّه، فلاح له عند تدكدكه الأمر الذي جعل الجبل دكا، فخر موسى صعقا، و كان هذا من ضروب الوحي لموسى عليه السلام، فإنه ورد في الخبر: أن اللّه إذا تكلم بالوحي كأنه سلسلة على صفوان صعقت الملائكة، و يحتمل أن يكون قوله تعالى: «وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً» أي ميتا، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [إن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت] فلذلك لما سأله موسى الرؤية أجابه فخر صعقا، فرآه تعالى في صعقته، و قد شك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في أمر موسى إذا وجده يوم البعث، فلا يدري أ جوزي بصعقة الطور فلم يصعق في نفخة الصعق؟ فإن نفخة الصعق ما تعم، و قد صعق بالطور، فما رآه تعالى حتى مات، ثم أفاق فعلم من رأى.
و اعلم أن الحق إذا تجلى في صفة الجبروت لمن تجلى من عباده، فإن كان المتجلّى له ليس له مدبر غير اللّه، كجبل موسى، تدكدك لتجليه، فإنه ما فيه غير نفسه، و إن كان له مدبر قد جعله اللّه له كتدبير النفوس الناطقة أبدانها، لم تتدكدك أجسامها، لكن أرواحها حكم فيها ذلك التجلي حكمه في الجبل، فبعد أن كان قائما بتدبير الجسد، زال عن قيامه، فظهر حكم الصعق، في جسد موسى، و ما هو إلا إزالة قيام المدبر خاصة، كما زال الجبل عن وتديته، فزال حكمه إذ زالت جبليته، كما زال تدبير الروح لجسد صاحب الصعق، إذ زال قيامه به، لأن موسى ذو روح له حكم في مسك الصورة على ما هي عليه، و ما عدا الحيوان فروحه عين حياته، لا أمر آخر، فكان الصعق لموسى مثل الدك للجبل لاختلاف الاستعداد، إذ ليس للجبل روح يمسك عليه صورته، فزال عن الجبل اسم الجبل، و لم يزل عن موسى بالصعق اسم موسى و لا اسم الإنسان، فأفاق موسى و لم يرجع الجبل جبلا بعد دكه، لأنه ليس له روح يقيمه، فإن حكم الأرواح في الأشياء ما هو مثل حكم الحياة لها، فالحياة دائمة في كل شيء، و الأرواح كالولاة، وقتا يتصفون بالعزل، و وقتا يتصفون بالولاية، و وقتا بالغيبة عنها، مع بقاء الولاية، فالولاية ما دام مدبرا لهذا الجسد الحيواني، و الموت عزله، و النوم غيبته عنه مع بقاء الولاية عليه، و أفاق موسى بعد صعقته و لم يرجع الجبل إلى وتديته لوجود العوض، و هو غيره من الجبال، و هذا الجسد الخاص ما له مدبر مخلوق سوى هذا الروح، فطلب الجسم من اللّه بالحال مدبره، فرده اللّه إليه، فهذا سبب علة إفاقة موسى و عدم رجوع الوتدية للجبل، و لم يرجع الجبل إلى وتديته لوجود العوض، و هو غيره من الجبال، و هذا الجسد الخاص ما له مدبر مخلوق سوى هذا الروح، فطلب الجسم من اللّه بالحال مدبره، فرده اللّه إليه، فهذا سبب علة إفاقة موسى و عدم رجوع الوتدية للجبل، لأن الأرض استغنت عنه بأمثاله، و في تدكدك الجبل و صعق موسى عليه السلام إشارة لقول العارف: إن المحدث إذا ظهر له القديم يمحو أثره، إذ لا طاقة للمحدث على رؤية القديم، و لهذا جاء الخبر الصحيح الإلهي بأن الحق قد يكون بصر العبد و سمعه، حتى يثبت لظهور الحق في التجلي أو في الكلام، أ لا ترى إلى موسى عليه السلام لما كان الحق سمعه ثبت لكلام اللّه فكلمه، فلما وقع التجلي و لم يكن الحق عند ذلك بصر موسى كما كان سمعه صعق و لم يثبت، فلو كان بصره لثبت، و كان اندكاك الجبل عن تجلي الحق لكون روحه ما أوجده اللّه لحفظ الصورة على الجبل مثل الأرواح المدبرة،
و إنما أوجده ليكون مسبحا له، فلذلك لم تحفظ عليه صورة الجبلية، و أثر فيه التجلي جعله دكا، و حفظ روح موسى عليه السلام على موسى في صعقته عند رؤية ما رآه الجبل الذي كان حجابا عليه صورة نشأته «فَلَمَّا أَفاقَ» رجع موسى موسى و ما رجع الجبل جبلا، فعلم موسى أنه قد وقع منه ما كان ينبغي له أن لا يقع إلا بأمر إلهي «قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ» لما علم أن اللّه يحب التوابين، قال: رجعت إليك، أو رجعت إلى الحالة التي لم أكن سألتك فيها الرؤية، فلا أطلب رؤيتك على الوجه الذي كنت طلبتها به أولا، فإني قد عرفت ما لم أكن أعلمه منك «وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» على وجهين:- الوجه الأول- أول المؤمنين بوقوع هذا الجائز، إذ ما تقدم لأحد من هذا النوع الإنساني أنه سأل ربه رؤيته، و لا أنه رآه، فلذلك ادعى موسى أنه أول المؤمنين، فما انحجب موسى عن ربه، و استصحبته رؤيته إلى أبد الأبد، ثم إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أعلمنا أنه ما من أحد إلا سيرى ربه و يكلمه كفاحا، و أبان صلّى اللّه عليه و سلم لأمته عن صورة تجلي الحق لعباده، و نحن نعلم قطعا أن ذوق الرسل فوق ذوق الأتباع بما لا يتقارب، فلا تظن أن سؤال موسى رؤية ربه أنه فاقد للرؤية التي كانت حالة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه في قوله: ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله، هذه الرؤية ما هي الرؤية التي طلبها موسى من ربه، فإنها رؤية حاصلة له لعلو مرتبته، فإن ذوق الصادق ما هو ذوق الصديق، فالرؤية ثابتة بلا شك ذوقا و نقلا لا عقلا، فإن رؤية اللّه تعالى من محارات العقول، و مما يوقف عندها و لا يقطع عليها بحكم من أحكامها الثلاثة، إذ ليس للأنبياء و لا للأولياء علم باللّه يكون عن فكر، قد طهرهم اللّه عن ذلك- الوجه الثاني- «وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» أي المصدقين بقولك «لَنْ تَرانِي» فإنه ما نزل هذا القول ابتداء إلا عليّ، فأنا أول المؤمنين به، ثم يتبعني في الإيمان به من سمعه إلى يوم القيامة، فإنك ما قلت ذلك إلا لي، و هو خبر، فلذلك ألحقه بالإيمان لا بالعلم، و لو لا ما أراد الإيمان بقوله «لَنْ تَرانِي» ما صحت الأولية، فإن المؤمنين كانوا قبله، و لكن بهذه الكلمة لم يكن، فما ظهر الحق لطالب الرؤية و لا للجبل، لأنه لو رآه الجبل أو موسى لثبت، و لم يندك و لا صعق، فإنه تعالى الوجود، فلا يعطي إلا الوجود، لأن الخير كله بيديه، و الوجود هو الخير كله، فلما لم يكن مرئيا أثر الصعق و الاندكاك، و لذلك قلنا إن الصعق و الاندكاك كانا عن مقدمة الرؤية، و من هذه الآية نفرق بين الرؤية و المشاهدة، فالمشاهدة في حضرة التمثل كالتجلي الإلهي في الدار الآخرة الذي ينكرونه، فإذا تحول لهم في علامة يعرفونه بها أقروا به و عرفوه، و هو عين الأول المنكور، و هو هذا الآخر المعروف، فما أقروا إلا بالعلامة لا به، فالمشاهدة شهود الشاهد الذي في القلب من الحق، و هو الذي قيد بالعلامة، و الرؤية ليست كذلك، و لهذا قال موسى: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» و ما قال أشهدني، فإنه مشهود له ما غاب عنه، و كيف يغيب عن الأنبياء و ليس يغيب عن الأولياء العارفين به؟
فقال له: «لَنْ تَرانِي» و لم يكن الجبل بأكرم على اللّه تعالى من موسى، و إنما أحاله على الجبل لما قد ذكر سبحانه في قوله: (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) و الجبل من الأرض و موسى من الناس فخلق الجبل أكبر من خلق موسى من طريق المعنى، أي نسبة الأرض و السماء إلى جانب الحق أكبر من خلق الناس من حيث ما فيهم من سماء و أرض، فإنها في السماء و الأرض معنى و صورة، و هما في الناس معنى لا صورة، و الجامع بين المعنى و الصورة أكبر في الدلالة ممن انفرد بأحدهما، فجمع الجبل بين الصورة و المعنى، فهو أكبر من جبل موسى المعنوي، فإذا كان الجامع بين الأمرين و هو الأقوى و الأحق باسم الجبل صار دكا عند التجلي، فكيف يكون موسى حيث جبليته التي هي فيه معنى لا صورة؟ و لما كانت الرؤية لا تصح إلا لمن يثبت لها إذا وقعت، و الجبل موصوف بالثبوت في نفسه و بالإثبات لغيره، إذ كان الجبل هو الذي يسكّن ميد الأرض، و يقال فلان جبل من الجبال إذا كان يثبت عند الشدائد و الأمور العظام، فلهذا أحاله على الجبل الذي من صفاته الثبوت، فإن ثبت الجبل إذا تجليت له، فإنك ستراني من حيث ما فيك من ثبوت الجبل.
| فرؤية اللّه لا تطاق | فإنها كلها محاق |
| فلو أطاق الشهود خلق | أطاقه الأرض و الطباق |
لهذا قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: أ رأيت ربك؟ قال نور أنّي أراه- تحقيق- فإن قلت:
إنك تزعم أن أهل اللّه الذين هم أهله لم يزالوا و لا يزالون دنيا و آخرة في مشاهدة عينية و إن اختلفت الصور، فلا يقدح ذلك عندهم، فموسى أحق بهذه الصفة من الولي، و قد سأل الرؤية، قلنا: قد ثبت عندك إن كنت مؤمنا- و إن لم تكن من أهل الكشف- أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قد أخبر أن اللّه يتجلى في صورة و يتحول إلى صورة، و أنه يعرف و ينكر، إن كنت مؤمنا لا تشك في هذا، و أنه قد بيّن أن التجلي في الصور بحسب قدر المتجلى له، فإذا علمت هذا، تعلم أن موسى قد رأى الحق بما هو متجل للأولياء، إذ علم أنه يتجلى للأولياء في صور مختلفة، لأن موسى ولي للّه، و قد علم ذلك، و مثل هذا فلا يخفى، و إنما سأل التجلي في الصورة التي لا يدركها إلا الأنبياء، و من الأنبياء من خصه اللّه بمقام لم ينله غيره، كالكلام بارتفاع الوسائط لموسى عليه السلام، فطلب موسى عليه السلام من ربه أن يراه في تلك الصورة التي يطلبها مقامه، و أما رؤيته إياه في الصورة التي يراها الأولياء فذلك خبره و ديدنه، فإن قلت: قال تعالى: «لَنْ تَرانِي» و لن تنفي الأفعال المستقبلة، قلنا: إن الحق ما يتجلى لمخلوق إلا في صورة المخلوق، إما التي هو عليها في الحال فيعرفه، أو ما يكون عليها بعد ذلك فينكره، حتى يرى تلك الصورة قد دخل فيها فحينئذ يعرفه، فإن اللّه علمه و علم ما يؤول إليه، و المخلوق لا يعلم من أحواله إلا ما هو عليه في الوقت، فالصورة صورتك، فصدق «لَنْ تَرانِي» و اعلم أنه ليس هناك منع بل فيض دائم و عطاء غير محظور، و لو لم يكن المتجلى له على استعداد أظهر له ذلك الاستعداد هذا المسمى تجليا، ما صح أن يكون له هذا التجلي، فالحق متجل دائما، و القابل لإدراك هذا التجلي لا يكون إلا باستعداد خاص، و قد صح له ذلك الاستعداد فوقع التجلي في حقه، و لا يخلو أن يكون له أيضا استعداد البقاء عند التجلي أو لا يكون له ذلك، فإن كان له ذلك فلا بد أن يبقى، و إن لم يكن له، فكان له استعداد قبول التجلي و لم يكن له استعداد البقاء، و لا يصح أن يكون له، فإنه لا بد من اندكاك أو صعق أو فناء أو غيبة أو غشية، فإنه لا يبقى له مع الشهود غير ما شهد، فلا تطمع في غير مطمع، قال بعضهم: شهود الحق فناء ما فيه لذة لا في الدنيا و لا في الآخرة، فليس التفاضل و لا الفضل في التجلي، و إنما التفاضل و الفضل فيما يعطي اللّه لهذا المتجلى له من الاستعداد، و عين حصول التجلي عين حصول العلم، لا يعقل بينهما بون، و أما التجلي الذي يكون معه البقاء و العقل و الالتذاذ و الخطاب و القبول فذلك التجلي الصوري، و من لم ير غيره ربما حكم على التجلي بذلك مطلقا من غير تقييد
[- إشارة- لم سأل موسى عليه السلام الرؤية و هو يعجز عن النظر؟]
– إشارة- لم سأل موسى عليه السلام الرؤية و هو يعجز عن النظر؟ حتى لا يبقى له من الميراث أثر، فإن الرؤية للنبي محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و انظر إلى كثرة سواد موسى عليه السلام في الآخرة لقرب نسبته من الرسول عليهما السلام.
[سورة الأعراف (7): آية 144]
قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)
فشهد اللّه لموسى أنه اصطفاه على الناس برسالاته و بكلامه ثم قال له: «فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» و لا شك أن موسى قد شكر اللّه على نعمة الاصطفاء و نعمة الكلام شكرا واجبا مأمورا به، فيزيده اللّه لشكره نعمة رؤيته إياه- إشارة- أمره أن يكون من الشاكرين ليزيد في القرب و التمكين.
[سورة الأعراف (7): آية 145]
وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145)
«وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ» ألواح موسى «مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» و هو اللوح المحفوظ «مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ» ففصلت الكتب المنزلة مجمل اللوح المحفوظ، و أبانت عن موعظته فاللوح المحفوظ هو المعبر عنه بكل شيء في الكتاب العزيز من باب الإشارة و التنبيه، تسمية إلهية، و منه كتب اللّه كتبه و صحفه المنزلة على رسله- إشارة- كان في ألواح موسى عليه السلام تفصيل كل شيء علم، و لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم جوامع الكلم.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج2، ص: 173