تفسیر ابن عربی سوره الإنفطار

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الانفطار

(82) سورة الانفطار مكيّة

[سورة الانفطار (82): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (1)

و يحق لها أن تنفطر.

[سورة الانفطار (82): آية 2]

وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (2)

إذا طمست النجوم، فلم يبق لها نور إلا سباحتها لا تزول في النار، لا بل انتثرت، فهي على غير النظام الذي كان سيرها في الدنيا، و يحتمل أن يكون المعنى‏ «إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ» أي انتثر ضوؤها، فتبقى مظلمة، و فعلها المودع فيها باق، فتعطي من الأحكام في أهل النار على قدر ما أوحى فيها اللّه تعالى، فاختلف حكمها في أهل النار بزيادة و نقص، لأن التغيير وقع في الصور لا في الذوات، فالكواكب كلها في جهنم، مظلمة الأجرام عظيمة الخلق، و كذلك الشمس و القمر، و الطلوع و الغروب لهما في جهنم دائما، فشمسها شارقة لا مشرقة، و التكوينات عن سيرها بحسب ما يليق بتلك الدار من الكائنات، فذوات الكواكب في جهنم صورتها صورة الكسوف عندنا.

[سورة الانفطار (82): الآيات 3 الى 5]

وَ إِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (3) وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ (5)

لأنها تجده محضرا، يكشفه لها النور الذي أشرقت به أرض المحشر في قوله تعالى‏ (وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها).

[سورة الانفطار (82): آية 6]

يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)

[ «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ» الآية- تلقين الحجة للعبد:]

وجودك عن تدبير أمر محقق‏ و تفصيل آيات لو أنك تعقل‏
فيا أيها الإنسان ما غرّ ذاتكم‏ برب يرى الأشياء تعلو و تسفل‏
فإن كنت ذا عقل و فهم و فطنة علمت الذي قد كنت بالأمس تجهل‏
و ذلك أن تدري بأنك قابل‏ لقرب و بعد بالذي أنت تعمل‏
فخف رب تدبير و تفصيل مجمل‏ فذاك الذي بالعبد أولى و أجمل‏
إذا كان هذا حالك اليوم دائبا لعل بشارات بسعدك تحصل‏
فإن جلال الحق يعظم قدره‏ و في الخلق يقضي ما يشاء و يفصل‏

فالرب الكريم خلق، فعيّن الشكل و فصّل الأجزاء في الكل، لذلك قال‏ «يا أَيُّهَاالْإِنْسانُ» حدث اسم الإنسان باجتماع النفس و الجسم، و تعلق التكليف و ظهرت الطاعات و المخالفات، فالإنسان العاقل البالغ هو المكلف لا غير، و من زالت عنه هذه الشروط من هذا النوع، فليس بمكلّف و لا مذموم على ترك فعل أو فعل منهي عنه،

و لما أنس الإنسان برتبة الكمال فوقع بما رآه الأنس له سماه إنسانا، فالألف و النون فيه زائدتان في اللسان العربي، و لما كان الإنسان مخلوقا على الصورة الإلهية سمي باسم ينصرف، ليعلم في صورته الإلهية أنه مقهور ممنوع عبد ذليل مفتقر، إذ كانت الصورة الإلهية تعطيه التصرف في جميع المراتب، و لهذا سمي بإنسان فرفع و خفض و نصب، فهو إنسان من حيث الصورة، و منها يتصرف في المراتب كلها، و منع الصرف من حيث هو في قبضة موجده،

ملك يبقيه ما شاء و يعدمه إن شاء، فبالصورة تنال الخلافة و التصريف و اسم الإنسانية، فمن إنسانيته ثبت أنه غير يؤنس به، و من الخلافة ثبت أنه عبد فقير ما له قوة من استخلفه، بل الخلافة خلعت عليه، يزيلها متى شاء، و يجعلها على غيره، فقال تعالى معلما و منبها ينبه الإنسان‏ «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ» و ما يعني بالإنسان هنا إلا المسي‏ء صاحب الكبيرة، فنبه اللّه المسي‏ء أن يقول:

بكرم الحق، لكونه يحكم بالكرم في حقه، فنبهه بهذه الآية ليقول: كرمك؛ فإنه لا يقاوم كبير كرمه إلا بأكبر الكبائر، و هناك يظهر عموم الكرم الإلهي، فلا يعرف الكريم إلا المسي‏ء، و لا أكرم من اللّه، فيقول تعالى لهذا الإنسان‏ «ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ» فهذه الآية من باب تعليم الخصم الحجة خصمه، ليحاجه بذلك إن كان محبوبا،

ليقول: كرمك، و تنبيه من اللّه لعبده، كما يفعله الحاكم المؤمن العالم، إذ يقول للسارق و الزاني: قل لا زنيت أو قل لا سرقت أو قل لا، لعلمه أنه إذا اعترف أقام عليه الحد، فربما يكون الزاني يدهش بين يدي الحاكم فينبهه، فيقول بهذه المقالة: لا، فيدرأ عنه الحد بذلك، و جاء بلفظة الإنسان بالألف و اللام و الإغرار ليعم جميع الناس، فلقد فزت بحظ عظيم‏ «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ» و الكريم هو الذي يترك ما له و يؤدي ما أوجبه على نفسه من الحقوق، كرما منه قبل أن يسألها،

ثم إنه يمنع وقتا و يطالب وقتا، لتظهر بذلك منزلة الشافع عنده في مثل هذا، و كرمه بالسائل فيما سأله فيه بإجابته، فقوله تعالى هذا ذكّر العبد بالحجة، و أبان له عن المحجة، ليقول: كرمك غرني، و الكريم لا يضرني و هو الغيور على اسمه، و المبقي في قلب عبده رسمه لسابق علمه، فمن رحمة اللّه تعالى تلقين عبده حجته، فلو قال: الشديد العقاب، ذهل و تحير، و هذا مما يدل على أن إرادة الحق ، و لو نالهم ما نالهم مما يناقضها، فإن الحق لم يخص شخصا من شخص، بل الظاهر أنه يريد من خالف أمره و عصاه مطلقا لا من أطاعه، فنبه الغافل عن صفة الحق التي هي كرمه، فإنه من كرمه أوجده، ليقول له العبد: يا رب كرمك غرني؛ فقد يقولها لبعض الناس هنا في خاطره و في تدبره عند التلاوة، فيكون سبب توبته، و قد يقولها في حشره، و قد يقولها له و هو في جهنم، فتكون سببا في نعيمه حيث كان، فإنه ما يقولها له إلا في الوقت الذي قد شاء أن يعامله بصفة الكرم و الجود، فإن رحمته سبقت غضبه.

[سورة الانفطار (82): آية 7]

الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)

«الَّذِي خَلَقَكَ» و هو ما ذكره في التفصيل من التقلب في الأطوار «فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» و هي هذه النشأة الظاهرة، و التسوية هي الاعتدال في الشي‏ء، فقال تعالى‏ «فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» يمتن بذلك على الإنسان، فسواه بخلقه بيديه، و عدله و هو التهيؤ و الاستعداد للتركيب و الحمل، و لم يذكر في غير نشأة الإنسان قط تسوية و لا تعديلا، و إن كان قد جاء (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) فقد يعني خلق الإنسان، لأن التسوية و التعديل لا يكونان معا إلا للإنسان، و لم يكن ذلك لغيره من المخلوقين من العناصر، ثم قال له بعد ذلك.

[سورة الانفطار (82): آية 8]

فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (8)

[ «فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ» الآية- الصور الروحية:]

قد يعني قوله تعالى‏ (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) أو سواه و عدله على مزاج يقبل كل صورة إذا شاء الحق، و جعل التركيب للّه لا له، فهذه النشأة المسواة المعدلة قابلة لجميع الصور، في أي صورة من صور الأكوان ما شاء ركبك،

– و من باب الإشارة-

في أي صورة من صور التجلي، ما شاء ركبك في المعارف، فأعلمنا أن هذه النشأة تعطي القبول لأي صورة كانت، و هذا يعرفه ذوقا من اختصه اللّه من عباده بالتشكل في حضرة الغيب و الشهادة و الخيال، فإذا فتح له فيه ظهر في عالم الشهادة في أي صورة من صور عالم الشهادة، و ظهر في عالم الغيب و الملكوت في أي صورة من صوره شاء، فلو لا قبولك عند تسويتك و تعديلك لكل صورة ما ثبت قوله‏ «فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ»

و وجه آخر-

«فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ» إذا سوى اللّه الصور الجسمية، إن شاء ركبك في صورة الكمال فيجعلك خليفة عنه في العالم، أو في صورة الحيوان فتكون من جملة الحيوان بفصلك المقوم لذاتك، الذي لا يكون إلا لمن ينطلق عليه اسم الإنسان، فالصورة الجسمية في أي صورة ما شاء من الصور الروحية ركبها، إن شاء في صورة خنزير، أو كلب، أو إنسان، أو فرس، على ما قدّره العزيز العليم، فثمّ شخص الغالب عليه البلادة و البهيمية، فروحه روح حمار و به يدعى إذا ظهر حكم ذلك الروح، فيقال: فلان حمار، و كذلك كل صفة تدعى إلى كتابها،

فيقال: فلان كلب، و فلان أسد، و فلان إنسان، و هو أكمل الصفات، و أكمل الأرواح، فقوله تعالى‏ (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) و تمت النشأة الظاهرة للبصر «فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ» من صور الأرواح فتنسب إليها كما ذكرنا، و قرن التركيب بالمشيئة، فالظاهر أنه لو اقتضى المزاج روحا معينا خاصا ما قال‏ «فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ» و أي حرف نكرة، مثل حرف ما، فإنه حرف يقع على كل شي‏ء، فأبان لك أن المزاج لا يطلب صورة بعينها، و لكن بعد حصولها تحتاج إلى هذا المزاج و ترجع به، فإنه بما فيه من القوى التي لا تدبره إلا بها، فإنه بقواه لها كالآلات لصانع النجارة أو البناء مثلا إذا هيئت و أتقنت و فرغ منها، تطلب بذاتها و حالها صانعا يعمل بها ما صنعت له، و ما تعيّن، زيدا، لا عمروا و لا خالدا و لا واحدا بعينه، فإذا جاء من جاء من أهل الصنعة مكّنته الآلة من نفسها تمكينا ذاتيا، لا تتصف بالاختيار فيه،

فجعل يعمل بها صنعته بصرف كلّ آلة لما هيئت له، فمنها مكمّلة و هي المخلّقة يعني التامة الخلقة، و منها غير مكمّلة و هي غير المخلّقة، فينقص العامل من العمل على قدر ما نقص من جودة الآلة، و ذلك ليعلم أنّ الكمال الذاتي للّه سبحانه، فأجمل خلق النفس الناطقة الذي هو بها إنسان في هذه الآية، و بيّن لك الحق مرتبة جسدك بقوله‏ (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ)، و روحك بقوله‏ «فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ»، لتنظر و تتفكر فتعتبر أن اللّه ما خلقك سدى، و إن طال المدى.

[سورة الانفطار (82): الآيات 9 الى 10]

كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (10)

ليس هؤلاء من حفظة الوجود، و إنما هؤلاء هم المراقبون أفعال العباد.

[سورة الانفطار (82): آية 11]

كِراماً كاتِبِينَ (11)

[كن نعم الجليس للملك القرين الموكل بك:]

ورد في الحديث أن الملائكة- و هم المذكورون في هذه الآية- تقول: ذاك عبدك فلان يريد أن يعمل سيئة، و هو أبصر به، فيقول الحق لهم: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، و إن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرائي، أي من أجلي، فأعطتهم المرتبة و التولية أن يتكلموا بما تكلموا به، فلهم كتابة الحسن من غير تعريف، بما تقدم اللّه إليهم به في ذلك،

و يتكلمون في السيئة لما يعلمونه من فضل اللّه و تجاوزه، و لو لا ما تكلموا في ذلك ما عرفنا ما هو الأمر فيه عند اللّه، فكلامهم عليهم السلام تعليم و رحمة، و إن كان ظاهره ما يسبق إلى الأفهام القاصرة، فكن نعم الجليس للملك القرين الموكل بك، و أصغ إليه و احذر من الجليس الثاني الذي هو الشيطان، و لا تنصر الشيطان على الملك بقبولك منه ما يأمرك به، و اخذله، و استعن بقبولك من الملك، و أكرم جلساءك من الملائكة الكرام الكاتبين الحافظين عليك، فلا تمل عليهم إلا خيرا، فإنك لا بد لك أن تقرأ ما أمليته عليهم، فإن من علم أن عليه حافظا يكتب ما يعلمه من أفعاله، حفظ ما يملي عليه، قال تعالى:

[سورة الانفطار (82): آية 12]

يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (12)

الحفظة تعلم ما يفعل العبد، و لكنها ما تكتب له عملا حتى يتلفظ به، فإذا تلفظ كتبت، فهم شهود إقرار، و سبب ذلك عدم اطلاعهم على ما نواه العبد في ذلك الفعل، و لهذا ملائكة العروج بالأعمال تصعد بعمل العبد و هي تستقله فيقبل منها و يكتب في عليين، و تصعد بالعمل و هي تستكثره فيقال لها: اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، فإنه ما أراد به وجهي‏ (وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ) فلو علمت الحفظة ما في نية العبد عند العمل ما ورد مثل هذا الخبر، فالنية في الأعمال لا تكون من العبد إلا من الوجه الخاص، و لهذا لا يعلمه من العامل إلا اللّه و العامل الذي نوى فيه ما نوى.

[سورة الانفطار (82): آية 13]

إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (13)

بما غمرهم به من إحسانه.

[سورة الانفطار (82): الآيات 14 الى 19]

وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (15) وَ ما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (16) وَ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (18)

يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 465

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=