تفسیر ابن عربی سوره الإنسان

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الإنسان

(76) سورة الإنسان مدنيّة

[سورة الإنسان (76): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)

«هَلْ أَتى‏» أي قد أتى‏ «عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ» الدهر هنا الزمان، و الحين جزء منه‏ «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» مذكورا هنا بمعنى موجودا، يريد عدمه في عينه، لأنه كان مذكورا للّه تعالى، أي قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا موجودا في عينه، لأنه أتى على الإنسان أزمنة و دهور قبل أن يظهر في هذه الصورة الآدمية، و هو في الصورة التي له في كل مقام و حضرة، من فلك و سماء و غير ذلك، مما تمر عليه الأزمان و الدهور،و لم يكن قط في صورة من تلك الصور مذكورا بهذه الصورة الآدمية العنصرية،

و هذه الآية من أصعب ما نزل في القرآن في حق نقصان الإنسان، و مساق الآية يؤذن بتقرير النعم عليه، و قوله تعالى‏ «مَذْكُوراً» و إنما وقعت الصعوبة في هذا الذكر كونه نكرة، و النكرة تعم في مساق النفي، فالتنكير يؤذن بتعميم نفي الذكر عنه من كل ذاكر، و هو دليل على أن اللّه ما ذكره لما أوجده قبله من الأعيان، و إن كان مذكورا له في نفسه، و يعني ذلك أن الإنسان في ذلك الحين موجود في عينه مع وجود الأعيان، و لكن ما تعرفه حتى تذكره، و لا هي ذات فكر حتى تجمعه في ذهنها تقديرا فتذكره، فإن الفكر من القوى التي اختص بها الإنسان لا توجد في غيره، ثم ذكره تعالى لملائكته برتبته التي خلق لها، لا باسمه العلم الذي هو آدم، فقوله تعالى في الإنسان‏ «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» لأن الذكر له تعالى، فحدث الإنسان لما حدث ذكره‏

[إشارة: لو لا ما نحن ثابتون في العدم، ما صح أن تحوي علينا خزائن الكرم:]

– إشارة- لو لا ما نحن ثابتون في العدم، ما صح أن تحوى علينا خزائن الكرم، فلنا في العدم شيئية، غير مرئية، فقوله‏ «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً»، فذلك إذ لم يكن مأمورا، فقيده بالذكر، في محكم الذكر.

[سورة الإنسان (76): الآيات 2 الى 3]

إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً (3)

– الوجه الأول- «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ» إلى النعم امتنانا إلهيا «إِمَّا شاكِراً» فنزيده منها «وَ إِمَّا كَفُوراً» بنعمه فيسلبها عنه و يعذبه على ذلك- الوجه الثاني- لما تبينت طرق السعادة بالرسل قال تعالى‏ «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ» أي بينا له طريق السعادة و الشقاء، و خلقنا له الإرادة في محله، فإذا وقع بالاختيار دون الاضطرار و الكره نسب إلى من وقع منه نسبة صحيحة، و التعلق نسبة لا تتصف بالوجود فتكون مخلوقة لأحد، فتعلقت بأمر ما متعين، مما يسمى به شاكرا أو كفورا، فقال تعالى‏ «إِمَّا شاكِراً» فيعمل في السبيل بمقتضاه، إن كان نهيا انتهى و إن كان أمرا فعل، «وَ إِمَّا كَفُوراً» يقول يستر على نفسه فيخادعون أنفسهم، فإنه ما ضل أحد إلا على علم، فإن بيان الحق ليس بعده بيان، و لا فائدة للبيان إلا حصول العلم، ثم يستره العالم به عن نفسه لغرض يقوم له، فتقوم الحجة للّه عليه، فقوله تعالى‏ «إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً» راجع للمخاطب المكلف، فإن نوى الخير أثمر خيرا، و إن نوى الشر أثمر شرا، فإن اللّه لما بين السبيل للعبد إلى سعادته جعله ذا اختيار في أفعاله،

و لهذا يصح منه القبول و الرد، و يعاقب و يثاب، و على هذا قام أصل الجزاء من اللّه تعالى لعباده، و اعلم أن اللّه تعالى خلق جميع من خلق في مقام الذلة و الافتقار، و في مقامه المعين له، فلم يكن لأحد من خلق اللّه من هؤلاء ترقّ عن مقامه الذي خلق فيه إلا الثقلين، فإن اللّه خلقهم في مقام العزة، و في غير مقامهم الذي ينتهون إليه عند انقطاع أنفاسهم التي لهم في الحياة الدنيا، فلهم الترقي إلى مقاماتهم التي تورثهم الشهود، و النزول إلى مقاماتهم التي تورثهم الوقوف خلف الحجاب، فهم في برزخ النجدين‏ «إِمَّا شاكِراً» فيعلو فله منزل السرور «وَ إِمَّا كَفُوراً» فيسفل فله سوء المصير و الثبور.

قال تعالى‏ (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فمن أراد طريق العلم و السعادة فلا يضع ميزان الشرع من يده نفسا واحدا، فإن اللّه بيده الميزان لا يضعه، و كذلك ينبغي للمكلف بل للإنسان أن لا يضع الميزان المشروع من يده ما دام مكلفا، فإن كل حركة في المكلف و من المكلف و سكون، لميزان الشرع فيه حكم، فلا يصح وضعه مع بقاء الشرع.

 

[سورة الإنسان (76): الآيات 4 الى 5]

إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَ أَغْلالاً وَ سَعِيراً (4) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (5)

أهل الجنة لا يظمئون فيها، و هم فيها يشربون شرب شهوة و التذاذ، لا شرب ظمأ، و لا دفع ألمه.

[سورة الإنسان (76): آية 6]

عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (6)

و تفجيرهم إياها عين المزاج، فلو جرت من غير تفجير، من كونه على كل شي‏ء قديرا، لكان شراب المقربين، الآتي من تسنيم، على البار المنعم بالتنعيم، فبين المقرب و البار، ما بين الأعين و الآثار.

 

[سورة الإنسان (76): آية 7]

يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7)

– نصيحة- لا تزد في العهود و يكفيك ما جبرت عليه‏

، و لهذا كره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم النذر و أوجب الوفاء به، لأنه من فضول الإنسان، فهو واجب في جميع المذاهب، فما قرر اللّه و أوجبه على العبد مما أوجبه العبد على نفسه، و هو النذر، إلا لتحقق عبده أنه خلقه على صورته، و قد أوجبه على نفسه، و ذكر- و هو الصادق- أنه يوفي به لمن أوجبه له، فأوجب عليك الوفاء بما أوجبته على نفسك.

[سورة الإنسان (76): الآيات 8 الى 17]

وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (8) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً (11) وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً (12)

مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَ لا زَمْهَرِيراً (13) وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (14) وَ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (15) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (16) وَ يُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (17)

اعلم أن أهل الجنة بعد شربهم من الحوض عن ظمأ لا يظمئون بعد ذلك أبدا، فإن أهل الجنة لا يظمئون فيها.

[سورة الإنسان (76): الآيات 18 الى 24]

عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (18) وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (19) وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً (20) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقٌ وَ حُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (21) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (22)

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (24)

الشريعة حكم اللّه في خلقه لا حكم المخلوق، فالشرع حكم اللّه لا حكم العقل.

[سورة الإنسان (76): الآيات 25 الى 27]

وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً (25) وَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَ سَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)

ثقيلا، من أجل المطالبة بما كلف الإنسان مما أتت به شرائعه.

[سورة الإنسان (76): الآيات 28 الى 30]

نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (28) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَ ما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)

«وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ»

[ «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ …» الآية- الفرق بين الأثر و الحكم:]

أن تشاءوا، فتلك على الحقيقة مشيئة اللّه لا مشيئتك، و أنت تشاء بها، و نحن نقول في النسبة الاختيارية: إن اللّه خلق للعبد مشيئة شاء بها، حكم هذه النسبة و تلك المشيئة الحادثة عن مشيئة اللّه، فأثبت سبحانه المشيئة له و لنا، و جعل مشيئتنا موقوفة على مشيئته، هذا في الحركة الاختيارية، و أما في الاضطرارية، كحركة المرتعش فالأمر عندنا واحد فالسبب الأول مشيئة الحق، و السبب الثاني المشيئة التي وجدت عن مشيئة الحق، فاللّه هو المشي‏ء،

و إن وجد العبد في نفسه إرادة لذلك فالحق عين إرادته، فحكم المشيئة التي يجدها في نفسه ليست سوى الحق، فإذا شاء كان ما شاءه، فهو عين‏ مشيئة كل مشي‏ء، فإن مشيئة العبد إذا وقعت و تعلقت بالمشاء قد يكون المشاء و قد لا يكون، و لهذا شرع اللّه لنا إذا قلنا نفعل كذا أن نقول: إن شاء اللّه، حتى إذا وقع ذلك الفعل الذي علقناه على مشيئة اللّه كان عن مشيئة اللّه بحكم الأصل، و لم يكن لمشيئتنا فيه أثر في كونه، لكن لها فيه حكم،

و هو أنه ما شاء سبحانه تكوين ذلك الشي‏ء إلا بوجود مشيئتنا، إذ كان وجودها عن مشيئة اللّه، فلا بد من وجود عين مشيئتنا و تعلقها بذلك الفعل، و من عرف الأمور عرف حكم مقت اللّه بمن يقول ما لا يعمل من غير أن يقرن به المشيئة الإلهية، فإذا علق المشيئة الإلهية بقوله أن يعمل فلا يكون ذلك العمل، لم يمقته اللّه، فإنه غاب عن انفراد الحق في الأعمال كلها التي تظهر على أيدي المخلوقين بالتكوين، و أنه لا أثر للمخلوق فيها من حيث تكوينها، و إن كان للمخلوق فيها حكم لا أثر، فالناس لا يفرقون بين الأثر و الحكم، فإن اللّه إذا أراد إيجاد حركة أو معنى من الأمور التي لا يصح وجودها إلا في مواد، لأنها لا تقوم بأنفسها،

فلا بد من وجود محل يظهر فيه تكوين هذا الذي لا يقوم بنفسه، فللمحل حكم في الإيجاد لهذا الممكن، و ما له أثر فيه، فهذا الفرق بين الأثر و الحكم، و لذلك شرع الحق الاستثناء الإلهي ليرتفع المقت الإلهي عنهم، و لهذا لا يحنث من استثنى إذا حلف على فعل مستقبل، فإنه أضافه إلى اللّه لا إلى نفسه، و هذا لا ينافي إضافة الأفعال إلى المخلوقين، فإنهم محل ظهور الأفعال الإلهية، فقوله تعالى‏ «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» عزاء أفاد علما، ليثبت به العبد في القيامة حكما، فهو تلقين حجة، و رحمة من اللّه و فضل، أي أن العبد مجبور في اختياره.

 

[سورة الإنسان (76): آية 31]

يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (31)

لو كان الأمر كما يتوهمه من لا علم له، من عدم مبالاة الحق بأهل الشقاء ما وقع الأخذ بالجرائم، و لا وصف اللّه نفسه بالغضب، و لا كان البطش الشديد، فهذا كله من المبالاة و التهمم بالمأخوذ، إذ لو لم يكن له قدر ما عذب و لا استعد له، و قد قيل في أهل الشقاء (أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) فلو لا المبالاة ما ظهر هذا الحكم.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 435

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=