تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره الأنبياء

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الأنبياء

سورة الأنبياء

[1- 27]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 1 الى 27]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (2) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4)

بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7) وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9)

لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (10) وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12) لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى‏ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (14)

فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (15) وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19)

يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24)

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ‏ في القيامة الصغرى، بل لو عرفوا القيامة لعاينوا حسابهم الآن. أي: لو أردنا أن نتخذ موجودات تحدث و تفنى كما قيل: نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ[1] لأمكننا من جهة القدرة لكنه ينافي الحكمة و الحقيقة فلا نتخذها بَلْ نَقْذِفُ‏ باليقين البرهاني و الكشفي على الاعتقاد الباطل‏ فَيَدْمَغُهُ‏ فيقمعه‏ فَإِذا هُوَ زائل‏ وَ لَكُمُ‏ الهلاك‏ مِمَّا تَصِفُونَ‏ من عدم الحشر أو نقذف بالتجلي الذاتي في القيامة الكبرى الذي هو الحق الثابت الغير المتغير على باطل هذه الموجودات الفانية فيقهره و يجعله لا شيئا محضا، فإذا هو فان صرف، فيظهر أنّ الكل حق و أمره جد، لا باطل و لا لهو، و لكم الهلاك و الفناء الصرف مما تصفون من إثبات وجود الغير و اتصافه بصفة و فعل و تأثير لَفَسَدَتا لأن الوحدة موجبة لبقاء الأشياء، و الكثرة موجبة لفسادها. ألا ترى أن كل شي‏ء له خاصية واحدة يمتاز بها عن غيره هو بها هو و لو لم تكن لم يوجد ذلك الشي‏ء، و هي الشاهدة بوحدانيته تعالى كما قيل:

ففي كل شي‏ء له آية تدل على أنه الواحد

و العدل الذي قامت به السموات و الأرض هو ظل الوحدة في عالم الكثرة، و لو لم يوجد هيئة وحدانية في المركبات كاعتدال المزاج لما وجدت، و لو زالت تلك الهيئة لفسدت في الحال‏ فَسُبْحانَ اللَّهِ‏ أي: نزّه للفيض على الكل بربوبيته للعرش الذي ينزل منه الفيض على جميع الموجودات عما تصفونه من إمكان التعدّد.

 

 

 

 

[28- 29]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 28 الى 29]

يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى‏ وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)

يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ‏ أي: ما تقدّمهم من العلم الكليّ الثابت في أمّ الكتاب المشتمل على جميع علوم الذوات المجرّدة من أهل الجبروت و الملكوت‏ وَ ما خَلْفَهُمْ‏ من علوم الكائنات و الحوادث الجزئية الثابتة في السماء الدنيا، فكيف يخرج علمهم عن إحاطة علمه و يسبق فعلهم أمره و قولهم قوله‏ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ‏ علمه أهلا للشفاعة بقبوله لصفاء استعداده و مناسبة نفسه للنور الملكوتي‏ وَ هُمْ‏ في الخشية من سبحات وجهه و الخشوع و الإشفاق و الانقهار تحت أنوار عظمته.

 

 

 

[30]

[سورة الأنبياء (21): آية 30]

أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (30)

أَ وَ لَمْ يَرَ المحجوبون عن الحق‏ أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا مرتوقتين من هيولى واحدة و مادة جسمانية فَفَتَقْناهُما بتباين الصور، أو أن سموات الأرواح و أرض الجسد كانتا مرتوقتين في صورة نطفة واحدة ففتقناهما بتباين الأعضاء و الأرواح.

 

 

 

[31]

[سورة الأنبياء (21): آية 31]

وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)

وَ جَعَلْنا أي: خلقنا من النطفة كل حيوان‏ وَ جَعَلْنا في أرض الجسد رَواسِيَ‏ العظام كراهة أن تضطرب و تجي‏ء و تذهب و تختلف بهم فلا تقوم بهم و تستقل‏ وَ جَعَلْنا فِيها فِجاجاً مجاري، طرقا للحواس و جميع القوى‏ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ‏ بتلك الحواس و الطرق إلى آيات اللّه فيعرفوه.

 

 

 

[32]

[سورة الأنبياء (21): آية 32]

وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (32)

وَ جَعَلْنَا سماء العقل‏ سَقْفاً مرتفعا فوقهم‏ مَحْفُوظاً من التغير و السهو و الخطأ وَ هُمْ‏ عن حججها و براهينها مُعْرِضُونَ‏.

 

 

 

 

[33- 38]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 33 الى 38]

وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35) وَ إِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَ هُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (36) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (37)

وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38)

وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ‏ ليل النفس و نهار العقل الذي هو نور شمس الروح و قمر القلب‏ كُلٌّ فِي فَلَكٍ‏ أي: مقرّ علوي و حدّ و مرتبة من سموات الروحانيات يسيرون إلى اللّه‏ خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏ إذ النفس التي هي أصل الخلقة دائمة الطيش و الاضطراب لا تثبت على حال فهو مجبول على العجل و لو لم يكن كذلك لم يكن له السير و الترقي من حال إلى حال إذ الروح دائم الثبات و بتعلقه بالنفس يحصل وجود القلب و يعتدل بهما في السير، فما دام الإنسان في مقام النفس و لم يغلب عليه نور الروح و القلب المفيد للسكينة و الطمأنينة يلزمه العجلة بمقتضى الجبلة.

 

 

 

 

[39- 45]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 39 الى 45]

لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَ لا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (41) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43)

بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَ آباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ (44) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَ لا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (45)

لَوْ يَعْلَمُ‏ المحجوبون عن الرحمن العامّ الفيض و عن المعاد الشامل للكل وقت إحاطة العذاب بهم جميع الجهات بأمر الرحمن المحيط العلم الوحداني الأمر فلا يقدرون أن يمنعوه‏ عما قدامهم من الجهة التي تلي الروح المعذبة بنار القهر الإلهي و الحرمان الكلي من الأنوار الروحانية و الكمالات الإنسانية و لا عما خلفهم من الجهة التي تلي الجسد المعذبة بنار الهيئات الجسمانية و العقارب و الحيّات السود النفسانية و الأقذار الهيولانية و الآلام الجسدانية وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ‏ من الأمداد الرحمانية لكثافة حجابهم و شدّة ارتيابهم لما استعجلوا.

أَ فَلا يَرَوْنَ‏ أ تمادت غفلتهم فلا يرون‏ أَنَّا نَأْتِي‏ أرض البدن بالشيخوخة نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها كالسمع و البصر و سائر القوى أو أرض النفس المتيقظة المتوجهة إلى الحق، الذاكرة بأنوار الصفات ننقصها من صفاتها و قواها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ‏ أم نحن.

 

 

 

[46]

[سورة الأنبياء (21): آية 46]

وَ لَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (46)

وَ لَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ من النفحات الربانية في صورة العذاب أي: من الألطاف الخفيّة كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «سبحان من اشتدّت نقمته على أعدائه في سعة رحمته، و اتسعت رحمته لأوليائه في شدّة نقمته».

فكشف عنهم حجاب الغفلة المتراكمة من طول التمتيع الذي هو النقمة في صورة الرحمة و القهر الخفيّ ليستيقظنّ و يتنبهنّ لظلمهم في إعراضهم عن الحق و انهماكهم في الباطل.

 

 

 

[47]

[سورة الأنبياء (21): آية 47]

وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى‏ بِنا حاسِبِينَ (47)

وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ ميزان اللّه تعالى هو عدله الذي هو ظلّ وحدته و صفته اللازمة لها، به قامت سموات الأرواح و أرض الأجساد و استقامت و لولاه لما استقرّ أمر الوجود على النسق المحدود. و لما شمل الكل أصاب كل موجود قسطه منه بحسب حاله و قدر احتماله فصار بالنسبة إلى كل أحد بل كل شي‏ء ميزانا خاصا و تعدّدت الموازين على حسب تعدّد الأشياء و هي جزئيات الميزان المطلق و لذلك أبدل القسط المطلق منها أو وصفها به، فإنها كلها هي العدل المطلق الواحد و لا تتعدّد الحقيقة بتعدّد المظاهر.

و وضعها عبارة عن ظهور مقتضاها و ذلك إنما يكون يوم القيامة الصغرى بالنسبة إلى المحجوب و يوم القيامة الكبرى بالنسبة إلى أهلها فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً لأن كل ما عملت من خير وجد حالة عمله في كفّة الحسنات التي هي جهة الروح من القلب هو كل ما عملت من سوء وضع في كفّة السيئات التي هي جهة النفس منه.

و القلب هو لسان الميزان و لهذا قيل: يجعل في كفّة الحسنات جواهر بيض مشرقة، و في كفّة السيئات جواهر سود مظلمة، إلا أن الثقل هناك يوجب الصعود و الميل إلى العلوّ، و الخفة توجب النزول و الميل إلى السفل بخلاف الميزان الجسماني إذ الثقيل ثمة هو الراجح المعتبر الباقي عند اللّه و الخفيف هو المرجوح الفاني الذي لا وزن له عند اللّه و لا اعتبار فلا ينقص مما عملت نفس شيئا وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ‏ و من هذا يعلم ما قيل: إن اللّه تعالى يحاسب الخلائق في أسرع من فواق شاة.

 

 

 

[48- 49]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 48 الى 49]

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى‏ وَ هارُونَ الْفُرْقانَ وَ ضِياءً وَ ذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ هُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)

آتَيْنا مُوسى‏ القلب‏ وَ هارُونَ‏ العقل أو على ظاهرهما الْفُرْقانَ‏ أي: العلم التفصيلي الكشفي المسمّى بالعقل الفرقاني‏ وَ ضِياءً أي: نورا تاما من المشاهدات الروحانية وَ ذِكْراً أي: تذكيرا و موعظة لِلْمُتَّقِينَ‏الَّذِينَ‏ تزكت نفوسهم من الرذائل و الصفات الحاجبة فأشرقت أنوار طيبات العظمة من قلوبهم على نفوسهم لصفائها و زكائها فأورثت الخشية في حال الغيبة قبل الوصول إلى مقام الحضور القلبي‏ وَ هُمْ مِنَ السَّاعَةِ أي: القيامة الكبرى على إشفاق و توقع لوقوعها لقوة يقينهم إذ الإشفاق إنما يكون عند التوقع لشي‏ء مترقب الوقوع. أي: آتيناهما في مقام القلب، العلم الذي به يفرق بين الحق و الباطل من الحقائق و المعارف الكلية و في مقام الروح و مرتبته النور المشاهد الباهر على كل نور، و في مقام النفس و رتبة الصدر التذكير بالمواعظ و النصائح و الشرائع من العلوم الجزئية النافعة للمستعدّين القابلين السالكين.

 

 

 

[50]

[سورة الأنبياء (21): آية 50]

وَ هذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)

وَ هذا ذِكْرٌ غزير الخير و البركة، شامل للأمور الثلاثة، زائد عليها بالكشف الذاتي و الشهود الحق في مقام الهوية و عين جمع الأحدية جامع لجوامع الكلم، حاف بجميع المشاهدات و الحكم إذ في البركة معنى النماء و الزيادة.

 

 

 

[51]

[سورة الأنبياء (21): آية 51]

وَ لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا بِهِ عالِمِينَ (51)

وَ لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ‏ الروح‏ رُشْدَهُ‏ المخصوص به الذي يليق بمثله و هو الاهتداء إلى التوحيد الذاتي و مقام المشاهدة و الخلة مِنْ قَبْلُ‏ أي: قبل مرتبة القلب و العقل متقدّما عليهما في الشرف و العزّ وَ كُنَّا بِهِ عالِمِينَ‏ أي: لا يعلم بكماله و فضيلته غيرنا لعلوّ شأنه.

 

 

 

[52- 58]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 52 الى 58]

إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (52) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (53) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (54) قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (55) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَ أَنَا عَلى‏ ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56)

وَ تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)

إِذْ قالَ لِأَبِيهِ‏ النفس الكلية وَ قَوْمِهِ‏ من النفوس الناطقة السماوية و غيرها ما هذِهِ التَّماثِيلُ‏ أي: الصور المعقولة من حقائق العقول و الأشياء و ماهيات الموجودات المنتقشة فيها الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ‏ مقيمون على تمثلها و تصوّرها و ذلك عند عروجه من مقام الروح المقدّسة و بروزه عن الحجب النورية إلى فضاء التوحيد الذاتي، كما قال عليه السلام: إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً[2]، و من هذا المقام قوله لجبريل عليه السلام: أما إليك فلا.

وَجَدْنا آباءَنا عللنا من العوالم السابقة على النفوس كلها من أهل الجبروت‏ لَها عابِدِينَ‏ باستحضارهم إياها في ذواتهم لا يذهلون عنها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ في حجاب عن الحق نوريّ، غير واصلين إلى عين الذات عاكفين في برازخ الصفات لا تهتدون إلى حقيقة الأحدية و الغرق في بحر الهوية أَ جِئْتَنا بِالْحَقِ‏ أي: أحدث مجيئك إيانا من هذا الوجه بالحق فيكون القائل هو الحق عزّ سلطانه أم استمر بنفسك كما كان فتكون أنت القائل فيكون قولك لعبا لا حقيقة له.

فإن كنت قائما بالحق، سائرا بسيره، قائلا به، صدقت و قولك الجدّ و تفوّقت علينا، و تخلفنا عنك، و إن كنت بنفسك فبالعكس‏ بَلْ رَبُّكُمْ‏ الجائي و القائل ربكم الذي يربكم بالإيجاد و التقويم و الإحياء و التجريد و الإنباء و التعليم ربّ الكل الذي أوجده‏ وَ أَنَا عَلى‏ ذلِكُمْ‏ الحكم بأن القائل هو الحق الموصوف بربوبية الكل‏ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏ و هذا الشهود هو شهود الربوبية و الإيجاد و إلا لم يقل أنا و على إذ الشهود الذاتي هو الفناء المحض الذي لا أنائية فيه و لا اثنينية، و تلك الاثنينية بعد الإفصاح بأن الجائي و القائل هو الحق الذي أوجد الكل مشعرة بمقام الكل المتخلف عن مقام‏ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ‏ لأمحونّ صور الأشياء و أعيان الموجودات التي عكفتم على إيجادها و حفظها و تدبيرها، و أقبلتم على إثباتها بعد أن تعرضوا عن عين الأحدية الذاتية بالإقبال إلى الكثرة الصفاتية بنور التوحيد فَجَعَلَهُمْ‏ بفأس القهر الذاتي و الشهود العيني‏ جُذاذاً قطعا متلاشية فانية إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ‏ هو عينه الباقي على اليقين الأول الذي به سمى الخليل خليلا لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ‏ يقبلون منه الفيض و يستفيضون منه النور و العلم كما استفاض هو منه أولا.

 

 

 

[59- 61]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 59 الى 61]

قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (60) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى‏ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61)

قالُوا أي: قالت النفوس العاشقة بالعقول‏ مَنْ فَعَلَ هذا الاستخفاف و التحقير بِآلِهَتِنا التي هي معشوقاتنا و معبوداتنا بنسبتها إلى الاحتجاب و النظر إليها بعين الفناء و جعلهابقوّة الظهر كالهباء، متعجبين منه، معظمين له، مستعظمين لأمره‏ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ‏ الناقصين حقوق المعبودات المجرّدة و جميع الموجودات من الوجودات و الكمالات بنفيها عنهم و إثباتها للحق، أو الناقصين حق نفسهم بإفنائها و قهرها قالُوا سَمِعْنا فَتًى‏ كاملا في الفتوّة و الشجاعة على قهر ما سوى اللّه من الأغيار و السخاوة ببذل النفس و المال‏ يَذْكُرُهُمْ‏ بنفي القدرة و الكمال عنهم و نسبة العدم و الفناء إليهم‏ فَأْتُوا بِهِ‏ أي: استحضروه و أحضروه معاينا لجميع النفوس‏ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ‏ كماله و فضيلته فيستفيدون منه.

 

 

 

[62- 63]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 62 الى 63]

قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (62) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (63)

أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا صورة إنكار لما لم يعرفوا من كماله إذ كل ما يمكن للنفوس معرفته فهو دون كمال العقول التي هي معشوقاتها و هي محجوبة عن كماله الإلهي الذي هو به أشرف منها قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ‏ أي: ما فعلته بأنانيتي التي أنا بها أحسن منها، بل بحقيقتي و هويتي التي هي أشرف و أكبر منها فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏ بالاستقلال، أي: لا نطق لهم و لا علم و لا وجود بأنفسهم بل باللّه الذي لا إله إلا هو.

 

 

 

[64- 65]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 64 الى 65]

فَرَجَعُوا إِلى‏ أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى‏ رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (65)

فَرَجَعُوا إِلى‏ أَنْفُسِهِمْ‏ بالإقرار و الإذعان معترفين بأن الممكن لا وجود له بنفسه فكيف كماله‏ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ‏ بنسبة الوجود و الكمال إلى الغير لا هو ثُمَّ نُكِسُوا عَلى‏ رُؤُسِهِمْ‏ حياء من كماله و نقصهم و خضوعا و انفعالا منه‏ لَقَدْ عَلِمْتَ‏ بالعلم اللدني الحقاني فناءهم فنفيت النطق عنهم، و أما نحن فلا نعلم إلا ما علمنا اللّه فاعترفوا بنقصهم كما اعترفوا به عند معرفتهم لآدم بعد الإنكار، فقالوا: لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا[3].

 

 

 

[66- 68]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 66 الى 68]

قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (67) قالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (68)

أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ و تعظمون غيره مما لا ينفع و لا يضر، إذ هو النافع الضارّ لا غير أُفٍّ لَكُمْ‏ أتضجر بوجودكم و وجود معبوداتكم و وجود كل ما سواه تعالى‏ أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ أن لا مؤثر و لا معبود إلا اللّه‏ حَرِّقُوهُ‏ أي: اتركوه يحترق بنار العشق التي أنتم‏ أوقدتموها أولا بإلقاء الحقائق و المعارف إليه التي هي حطب تلك النار عند رؤيته ملكوت السموات و الأرض بإراءة اللّه إياه، كما قال: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏[4] و إشراق الأنوار الصفاتية و الأسمائية عند تجليات الجمال و الجلال عليه من وراء أستار أعيانكم التي هي منشأ اتقاد تلك النار وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ‏ أي: معشوقاتكم و معبوداتكم في الإمداد بتلك الأنوار و إيقاد تلك النار إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ‏ بأمر الحق.

 

 

 

[69- 71]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 69 الى 71]

قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ (69) وَ أَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (71)

يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً بالوصول حال الفناء، فإن لذّة الوصول تفيد الروح الكامل و السلامة عن نقص الحدثان و آفة النقصان و الإمكان في عين نار العشق‏ وَ أَرادُوا بِهِ كَيْداً بإفنائه و إحراقه‏ فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ‏ الأنقصين منه كمالا و رتبة وَ نَجَّيْناهُ‏ و لوط العقل بالبقاء بعد الفناء بالوجود الحقاني الموهوب إلى أرض الطبيعة البدنية الَّتِي بارَكْنا فِيها بالكمالات العملية المثمرة و الآداب الحسنة المفيدة و الشرائع و الملكات الفاضلة لِلْعالَمِينَ‏ أي: المستعدّين لقبول فيضه و تربيته و هدايته.

 

 

 

[72- 73]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 72 الى 73]

وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً وَ كُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (72) وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ (73)

وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ‏ القلب للردّ إلى مقامه بتكميل الخلق حال الرجوع عن الحق‏ وَ يَعْقُوبَ‏ النفس المرتاضة الممتحنة بالبلاء، المطمئنة باليقين و الصفاء نافِلَةً متنوّرة بنور القلب متولّدة منه‏ وَ كُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ‏ بالاستقامة و التمكين في الهداية وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً لسائر القوى و النفوس الناقصة المستعدة يَهْدُونَ بِأَمْرِنا أما الروح فبالأحوال و المشاهدات و الأنوار، و أما القلب فبالمعارف و المكاشفات و الأسرار، و أما النفس فبالأخلاق و المعاملات و الآداب، و هي المراد بقوله: وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ‏ بالتوحيد و العبودية الحقّة في مقام التجريد و التفريد، و هذا هو تطبيق ظاهر إبراهيم على باطنه.

و قد يمكن أن يؤول بضرب آخر من التأويل مناسب لما

قال النبي عليه السلام: «كنت أنا و عليّ نورين نسبّح اللّه تعالى و نحمده و نهلّله، و سبّحته الملائكة بتسبيحنا و حمدته بتحميدنا، و هلّلته. فلما خلق آدم عليه السلام انتقلنا إلى جبهته و من جبهته إلى صلبه ثم إلى شيث»

.. إلى آخر الحديث. و هو: أن الروح الإبراهيمي، قدّسه اللّه تعالى، كان كاملا في‏ أول مراتب صفوف الأرواح مفيضا على أطوار الملكوت كمالاتهم، جابرا لنقصهم، كاسرا لأصنام أعيان الموجودات و آلهة الذوات الممكنات من المادية و المجرّدات بنور التوحيد طاويا لمراتب الكمالات، ذاويا للواقفين مع الصفات و المحجوبين بالغير عن الذات، فوضعه نمروذ النفس الطاغية، العاصية، و قواها التي هي قومه، في منجنيق الذكر و القوّة في نار حرارة طبيعة الرحم، فجعلها اللّه عليه بردا و سلاما، أي: روحا و براءة من الآفات، أي: وضعوا درّة وجوده التي هي مظهر روحه و نجيناه إلى أرض البدن التي باركنا فيها للعالمين بهدايته إياهم و تكميله و تربيته لهم فيها بالعلوم و الأعمال التي هي أرزاقهم الحقيقية و أوصافهم الكمالية.

 

 

 

[74- 76]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 74 الى 76]

وَ لُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (74) وَ أَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) وَ نُوحاً إِذْ نادى‏ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76)

و اذكر لوط القلب‏ آتَيْناهُ‏ حكمة وَ عِلْماً وَ نَجَّيْناهُ مِنَ‏ أهل قرية البدن‏ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ‏ خبائث الشهوات الفاسدة فاسِقِينَ‏ بإتيانهم الأمور لا من جهتنا المأمور بها و مباشرتهم الأعمال لا على ما ينبغي من وجه الشرع و العقل‏ وَ أَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا الرحيمية و مقام تجلي الصفات‏ إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ العاملين بالعلم الثابتين على الاستقامة.

و نوح العقل‏ إِذْ نادى‏ من جهة قدم القلب، و استدعى اللّه الكمال اللاحق‏ فَاسْتَجَبْنا لَهُ‏ بإفاضة كماله على مقتضى استعداده و إبرازه إلى الفعل‏ فَنَجَّيْناهُ‏ فنجينا القوى القدسية و الفكرية و الحمدية و سائر القوى العقلية مِنَ الْكَرْبِ‏ الذي هو كون كمالاتها بالقوة، إذ كل ما هو كامن في الشي‏ء بالقوة كرب له، يطلب التنفيس بالظهور و البروز إلى الفعل و كلما كان الاستعداد أقوى و الكمال الممكن له، الكامن فيه، أتمّ، كان الكرب أعظم.

 

 

 

[77]

[سورة الأنبياء (21): آية 77]

وَ نَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (77)

وَ نَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ‏ أي: القوى النفسانية و البدنية المكذبين بآيات المعقولات و المحرّمات‏ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ يمنعونه من الكمال و التجريد و يحجبونه عن الأنوار بالتكذيب‏ فَأَغْرَقْناهُمْ‏ في يمّ القطران الهيولاني و البحر العميق الجسماني‏ أَجْمَعِينَ‏.

 

 

 

[78- 79]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 78 الى 79]

وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ وَ كُنَّا فاعِلِينَ (79)

وَ داوُدَ العقل النظري الذي هو في مقام السرّ وَ سُلَيْمانَ‏ العقل العلمي الذي هو في‏ مقام الصدر إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ‏ أي: فيما في أرض الاستعداد من الكمالات المودعة فيه، المخزونة في الأزل، و المغروزة في الفطرة الناشئة عند التوجه إلى الظهور و البروز يَحْكُمانِ‏ فيه بالعلم و العمل و الفكر و الرياضة في تثميرها و إيناعها و إدراكها.

إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ‏ انتشرت فيه بالإفساد في ظلمة ليل غلبة الطبيعة البدنية و الصفات النفسانية غَنَمُ الْقَوْمِ‏ أي: القوى البهيمية الشهوانية وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ‏ على مقتضى أحوالهم حاضرين، إذ كان الحكم بأمرنا و على أعيننا، و مقتضى إرادتنا، فحكم داود السرّ على مقتضى الذوق بتسليم غنم القوى الحيوانية البهيمية إلى أصحاب الحرث من القوى الروحانية بالملكية ليذبحوها و يميتوها بالاستيلاء و القهر و الغلبة، و يغتذوا بها. و حكم سليمان العقل العلمي على مقتضى العلم بتسليط القوى الروحانية عليها لينتفعوا بألبانها من العلوم النافعة و الإدراكات الجزئية و الأخلاق و الملكات الفاضلة و يروضوها بالتهذيب و التأديب و إقامة أصحاب الغنم من النفس و قواها الحيوانية كالغضبية و المتحرّكة و المتخيلة و الوهمية و أمثالها بعمارة الحرث و إصلاح ما في أرض الاستعداد بالطاعات و العبادات و الرياضات من باب الشرائع و الأخلاق و الآداب و سائر الأعمال الصالحات حتى يعود الحرث ناضرا بالغا إلى حدّ الكمال، لتردّ الغنم إلى أصحابها عند حصول الكمال، فتصير محفوظة مرعية مسوسة مهذبة في الأعمال البهيمية بفضيلة العفّة، و يردّ الحرث إلى أربابه من الروح و قواه يانعا مثمرا بالعلوم و الحكم، متزيّنا بأزهار المعارف و الحقائق و أنوار التجليات و المشاهدات، و لهذا قال: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ‏ فإنّ العمل بالتقوى و الرياضة على وفق الشرع و الحكمة العملية أبلغ في تحصيل الكمال و إبرازه إلى الفعل من العلم الكلي و الفكر و النظر و الذوق و الكشف‏ وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً إذ كل منهما على الصواب في رأيه و الحكمة النظرية و العملية و المكاشفة و المعاملة كلتاهما متعاضدتان في طلب الكمال، متوافقتان في تحصيل كرم الخصال بهما.

وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الفؤاد، جبال الأعضاء يُسَبِّحْنَ‏ بألسنة خواصها التي أمرن بها و يسرن معه بسيرتها المخصوصة بها فلا تعصي و لا تمتنع عليه، فتكلّ و تثقل و تأبى أمره، بل تسير معه مأمورة بأمره، منقادة مطواعة لتأدبها و ارتياضها و تعوّدها بأمره، و تمرّنها في الطاعات و العبادات، و طير القوى الروحانية يسبحنّ بالأذكار و الأفكار و الطيران في فضاء أرواح الأنوار وَ كُنَّا قادرين على ذلك التسخير.

 

 

 

[80]

[سورة الأنبياء (21): آية 80]

وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (80)

وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ‏ من الورع و التقوى و نعم الدرع الحصين الورع‏ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ‏ بأس القوى الغضبية السبعية و استيلاء الحرص و الدواعي الطبيعية و القوى الوهمية الشيطانية فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ‏ حق هذه النعمة بالتوجه إلى الحضرة الربانية بالكلية.

 

 

 

[81]

[سورة الأنبياء (21): آية 81]

وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى‏ الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَ كُنَّا بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عالِمِينَ (81)

وَ لِسُلَيْمانَ‏ أي: سخّرنا لسليمان العقل العملي المتمكن على عرش النفس في الصدر ريح الهوى‏ عاصِفَةً في هبوبها تَجْرِي بِأَمْرِهِ‏ مطيعة له إلى أرض البدن المتدرب بالطاعة و الأدب‏ الَّتِي بارَكْنا فِيها بتثمير الأخلاق و الملكات الفاضلة و الأعمال الصالحة وَ كُنَّا بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ من أسباب الكمال‏ عالِمِينَ‏.

 

 

 

[82]

[سورة الأنبياء (21): آية 82]

وَ مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَ يَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَ كُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (82)

وَ مِنَ‏ شياطين الوهم و التخيّل‏ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ‏ في بحر الهيولى الجسمانية يستخرجون درر المعاني الجزئية وَ يَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ‏ من التركيب و التفصيل و المصنوعات و بهيج الدواعي المكسوبات و أمثالها وَ كُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ‏ عن الزيغ و الخطأ و التسويل الباطل و الكذب.

 

 

 

[83- 86]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 83 الى 86]

وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ ذِكْرى‏ لِلْعابِدِينَ (84) وَ إِسْماعِيلَ وَ إِدْرِيسَ وَ ذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَ أَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86)

وَ أَيُّوبَ‏ النفس المطمئنة الممتحنة بأنواع البلاء في الرياضة البالغة كمال الزكاء في المجاهدة إِذْ نادى‏ رَبَّهُ‏ عند شدّة الكرب في الكدّ و بلوغ الطاقة و الوسع في الجدّ و الجهد أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ من الضعف و الانكسار و العجز وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏ بالتوسعة و الروح‏ فَاسْتَجَبْنا لَهُ‏ بروح الأحوال عن كدّ الأعمال عند كمال الطمأنينة و نزول السكينة فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ الرياضة بنور الهداية و نفسنا عنه ظلمة الكرب بإشراق نور القلب‏ وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ‏ القوى النفسانية التي ملكناها و أمتناها بالرياضة بإحيائها بالحياة الحقيقية وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ‏ من إمداد القوى الروحانية و أنوار الصفات القلبية و وفرنا عليهم أسباب الفضائل الخلقية و أحوال العلوم النافعة الجزئية رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ ذِكْرى‏ لِلْعابِدِينَ‏.

 

 

 

[87- 88]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 87 الى 88]

وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى‏ فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)

وَ ذَا النُّونِ‏ أي: الروح الغير الواصل إلى رتبة الكمال‏ إِذْ ذَهَبَ‏ بالمفارقة عن البدنية مُغاضِباً عن قومه، القوى النفسانية لاحتجابها و إصرارها على مخالفته و إبائها و استكبارها عن طاعته‏ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏ أي: لن نستعمل قدرتنا فيه بالابتلاء بمثل ما ابتلي به، أو: لن نضيق عليه، فالتقمه حوت الرحمة لوجوب تعلّقه بالبدن في حكمتنا للاستعمال‏ فَنادى‏ في ظلمات المراتب الثلاث من الطبيعة الجسمانية و النفس النباتية و الحيوانية بلسان الاستعداد أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ‏ فأقرّ بالتوحيد الذاتي المركوز فيه عند العهد السابق و ميثاق الفطرة و التنزيه المستفاد من التجرّد الأول في الأزل بقوله: سُبْحانَكَ‏ و اعترف بنقصانه و عدم استعمال العدالة في قومه فقال: إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ فَاسْتَجَبْنا لَهُ‏ بالتوفيق بالسلوك و التبصير بنور الهداية إلى الوصول‏ وَ نَجَّيْناهُ‏ من غمّ النقصان و الاحتجاب بنور التجلي و رفع الحجاب‏ وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ‏ بالإيمان التحقيقي الموقنين.

 

 

 

[89- 90]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 89 الى 90]

وَ زَكَرِيَّا إِذْ نادى‏ رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ وَهَبْنا لَهُ يَحْيى‏ وَ أَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ يَدْعُونَنا رَغَباً وَ رَهَباً وَ كانُوا لَنا خاشِعِينَ (90)

وَ زَكَرِيَّا الروح الساذج عن العلوم‏ إِذْ نادى‏ رَبَّهُ‏ في استدعاء الكمال بلسان الاستعداد، و استوهب يحيى القلب لتنتعش فيه العلوم، و شكا انفراده عن معاضدة القلب في قبول العلم و حيازة ميراثه مع علمه بأن الفناء في اللّه خير من الكمال العملي حيث قال:

وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ‏ من القلب و غيره‏ وَ وَهَبْنا لَهُ يَحْيى‏ القلب بإصلاح زوجه النفس العاقر لسوء الخلق و غلبة ظلمة الطبع عليها بتحسين أخلاقها و إزالة الظلمة الموجبة للعقر عنها إِنَّهُمْ‏ إن أولئك الكمل من الأنبياء كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ‏ أي: يسابقون إلى المشاهدات التي هي الخيرات المحضة بالأرواح‏ وَ يَدْعُونَنا لطلب المكاشفات بالقلوب‏ رَغَباً إلى الكمال‏ وَ رَهَباً من النقصان أو رغبا إلى اللطف و الرحموت في مقام تجليات الصفات و رهبا من القهر و العظموت‏ وَ كانُوا لَنا خاشِعِينَ‏ بالنفوس.

 

 

 

[91]

[سورة الأنبياء (21): آية 91]

وَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَ جَعَلْناها وَ ابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (91)

وَ الَّتِي أَحْصَنَتْ‏ أي: النفس الزكية الصافية المستعدّة العابدة التي أحصنت فرج استعدادها و محل تأثير الروح من باطنها بحفظه من مسافحي القوى البدنية فيها فَنَفَخْنا فِيها من تأثير روح القدس بنفخ الحياة الحقيقية فولدت عيسى القلب‏ وَ جَعَلْناها مع القلب علامة ظاهرة و هداية واضحة لِلْعالَمِينَ‏ من القوى الروحانية و النفوس المستعدّة المستبصرة يهديهم إلى الحق و إلى طريق مستقيم.

 

 

 

[92- 93]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 92 الى 93]

إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَ تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (93)

إِنَّ هذِهِ‏ الطريقة الموصلة إلى الحقيقة و هي طريقة التوحيد المخصوصة بالأنبياء المذكورين، طريقتكم أيها المحققون السالكون، طريقة واحِدَةً لا اعوجاج و لا زيغ و لا انحراف عن الحق إلى الغير و لا ميل‏ وَ أَنَا وحدي‏ رَبُّكُمْ‏ فخصصوني بالعبادة و التوجه و لا تلتفتوا إلى غيري‏ وَ تَقَطَّعُوا أي: تفرق المحجوبون الغائبون عن الحق، الغافلون في أمر الدين و جعلوا أمر دينهم قطعا يتقسمونه‏ بَيْنَهُمْ‏ و يختارون السبل المتفرّقة بالأهواء المختلفة كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ‏ على أي مقصد و أية طريقة و أية وجهة كانوا فنجازيهم بحسب أعمالهم و طرائقهم.

 

 

 

[94- 95]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 94 الى 95]

فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَ إِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (94) وَ حَرامٌ عَلى‏ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (95)

فَمَنْ‏ يتّصف بالكمالات العملية وَ هُوَ عالم موقن فسعيه مشكور غير مكفور في القيامة الوسطى و الوصول إلى مقام الفطرة الأولى‏ وَ إِنَّا لصورة ذلك السعي لكاتبون في صحيفة قلبه فيظهر عليه عند التجرد أنوار الصفات و ممتنع‏ عَلى‏ قَرْيَةٍ حكمنا بإهلاكها و شقاوتها في الأزل رجوعهم إلى الفطرة من الاحتجاب بصفات النفس في النشأة.

 

 

 

[96- 97]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 96 الى 97]

حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (97)

حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ‏ القوى النفسانية وَ مَأْجُوجُ‏ القوى البدنية بانحراف المزاج و انحلال التركيب‏ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ‏ من أعضاء البدن التي هي محالها و مقارها يَنْسِلُونَ‏ بالذهاب و الزوال‏ وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُ‏ من وقوع القيامة الصغرى بالموت، فحينئذ شخصت أبصار المحجوبين لشدّة الهول و الفزع، داعين بالويل و الثبور، معترفين بالظلم و القصور.

 

 

 

[98- 100]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 98 الى 100]

إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (98) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ هُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (100)

إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ‏ أي: كل عابد منكم لشي‏ء سوى اللّه محجوب به عن الحق، مرميّ مع معبوده الذي وقف معه في طبقة من طبقات جهنم، البعد و الحرمان على حسب مرتبة معبوده‏ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ من ألم الاحتجاب و شدّة العذاب و استيلاء نيران الأشواق و طول مدة الحرمان و الفراق‏ وَ هُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ‏ كلام الحق و الملائكة لتكاثف الحجاب و شدّة طرق مسامع القلب لقوّة الجهل كما لا يبصرون الأنوار لشدّة انطباق الظلمة و عمى البصيرة.

 

 

 

[101- 103]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 101 الى 103]

إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏ أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (101) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (102) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَ تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)

إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا السعادة الْحُسْنى‏ و حكمنا بسعادتهم في القضاء السابق‏ أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ‏ لتجرّدهم عن الملابس النفسانية و الغشاوات الطبيعة لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها لبعدهم عنها في الرتبة وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ‏ ذواتهم من الجنات الثلاث و خصوصا المشاهدات في جنة الذات‏ خالِدُونَ* لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ بالموت في القيامة الصغرى و لا بتجلي العظمة و الجلال في القيامة الكبرى‏ وَ تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ عند الموت بالبشارة أو عند البعث النفساني بالسلامة و النجاة، أو في القيامة الوسطى و البعث الحقيقي بالرضوان أو عند الرجوع إلى البقاء بعد الفناء حال الاستقامة بالسعادة التامّة.

 

 

 

[104]

[سورة الأنبياء (21): آية 104]

يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (104)

يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ أي: لا يحزنهم يوم نطوي سماء النفس بما فيها من صور الأعمال و هيئات الأخلاق في الصغرى‏ كَطَيِ‏ الصحيفة للمكتوبات التي فيها، أي: كما تطوى ليبقى ما فيها محفوظا، أو سماء القلب بما فيها من العلوم و الصفات و المعارف و المعقولات ما فيها محفوظا، أو سماء القلب بما فيها من العلوم و الصفات و المعارف و المعقولات في الوسطى، أو سماء الروح بما فيها من العلوم من المشاهدات و التجليات في الكبرى‏ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ‏ بالبعث في النشأة الثانية على الأول أو بالرجوع إلى الفطرة الأولى على الثاني أو بالبقاء بعد الفناء على الثالث.

 

 

 

[105- 112]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 105 الى 112]

وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (106) وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (107) قُلْ إِنَّما يُوحى‏ إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى‏ سَواءٍ وَ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (109)

إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَ يَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (110) وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ (111) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَ رَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى‏ ما تَصِفُونَ (112)

وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي‏ زبور القلب‏ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ في اللوح أن أرض البدن يرثها القوى‏ الصالحة المنوّرة بنور السكينة بعد إهلاك الفواسق بالرياضة. أو: و لقد كتبنا في زبور اللوح المحفوظ من بعد الذكر في أمّ الكتاب‏ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ من الروح و السرّ و القلب و العقل و النفس و سائر القوى بالاستقامة بعد إهلاك الصالحين بالفناء في الوحدة لَبَلاغاً لكفاية لِقَوْمٍ‏ عبدوا اللّه بالسلوك فيه‏ رَحْمَةً عظيمة مشتملة على الرحيمية بهدايتهم إلى الكمال المطلق و الرحمانية بأمانهم من العذاب المستأصل في زمانه لغلبة رحمته على غضبه.


[1] ( 1) سورة الجاثية، الآية: 24.

[2] ( 1) سورة الأنعام، الآيات: 78- 79.

[3] ( 1) سورة البقرة، الآية: 32.

[4] ( 1) سورة الأنعام، الآية: 75.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=