تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة حم السجدة
سورة حم السجدة
[1- 5]
[سورة فصلت (41): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيراً وَ نَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (4)
وَ قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (5)
حم ظهور الحق بالصورة المحمدية تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ الكل الجامع لجميع الحقائق من الذات الأحدية الموصوفة بالرحمة الرحمانية العامّة للكل، بإفاضة الوجود و الكمال عليه، و الرحيمية الخاصة بالأولياء المحمديين، المستعدّين لقبول الكمال الخاص العرفاني، و التوحيد الذاتيّ. و هو كتاب العقل الفرقاني الذي فُصِّلَتْ آياتُهُ بالتنزيل بعد ما أجملت قبل في عين الجمع حال كونه قُرْآناً أي: فصّلت بحسب ظهور الصفات و حدوث الاستعدادات في حال كونه جامعا للكل عَرَبِيًّا لوجود نشأته في العرب لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ حقائق آياته لقرب استعداداتهم منه و صفاء فطرهم بَشِيراً للقابلين المستعدّين للكمال، المستبصرين بنوره باللقاء نَذِيراً للمحجوبين بظلمات نفوسهم من العقاب فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ لاحتجابهم بالأغيار و بقائهم في ظلمات الاستتار فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ كلام الحق لوقر سمع القلب كما قالوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ لأنّ غشاوات الطبيعة و حجب صفات النفوس أعمت أبصار قلوبهم و أصمّت آذانها و جعلتها في أغطية و أكنّة و حجبت بينهم و بينه.
[6]
[سورة فصلت (41): آية 6]
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَ اسْتَغْفِرُوهُ وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6)
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي: إني من جنسكم و أناسبكم في البشرية و المماثلة النوعية، لتوجهه للإنس و الخلطة، و أباينكم بالوحي المنبه على التوحيد المبين لطريق السلوك، فاتصلوا بي بالمناسبة النوعية و مجانسة البشرية لتهتدوا بنور التوحيد و الوحي المفيد لبيان الدين، و تسلكوا سبيل الحق الذي عرّفنيه بقوله: أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له في الوجود فَاسْتَقِيمُوا بالثبات على الإيمان و السكينة و الإيقان في التوجه إِلَيْهِ من غير انحراف إلى الباطل و الطرق المتفرّقة و لا زيغ بالالتفات إلى الغير و الميل إلى النفس وَ اسْتَغْفِرُوهُ بالتنصل عن الهيئات المادية و التجرّد عن الصفات البشرية ليستر بنور صفاته ذنوب صفاتكم وَ وَيْلٌ للمحتجبين بالغير.
[7- 8]
[سورة فصلت (41): الآيات 7 الى 8]
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8)
الَّذِينَ لا يزكون أنفسهم بمحو صفاتها ليرتفع حجاب الغيرية فتتحقق بالوحدة وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ لسترهم النور الفطري المقتضي الشوق إلى عالم القدس و معدن الحياة الأبدية بظلمات الحسّ و هيئات الطبيعة البدنية.
[9- 11]
[سورة فصلت (41): الآيات 9 الى 11]
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (9) وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (11)
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ أي: في حادثين كما ذكر أنّ اليوم معبّر به عن الحادث لنسبته إليه في قولهم: الحوادث اليومية لتشابههما في الظهور و الخفاء، و هما الصورة و المادّة وَ بارَكَ فِيها أي: أكثر خيرها وَ قَدَّرَ فِيها معايشها و أرزاقها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ هي الكيفيات الأربع و العناصر الأربعة التي خلق منها المركبات بالتركيب و التعديل سَواءً مستوية بالامتزاج و الاعتدال للطالبين للأقوات و المعايش، أي: قدّرها لهم ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي: قصد إلى إيجادها و ثم للتفاوت بين الخلقين في الإحكام و عدمه، و اختلافهما في الجهة و الجوهر لا للتراخي في الزمان إذ لا زمان هناك وَ هِيَ دُخانٌ أي:
جوهر لطيف بخلاف الجواهر الكثيفة الثقيلة الأرضية فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً أي: تعلق أمره و إرادته بإيجادهما فوجدتا في الحال معا كالمأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع لم يلبث في امتثاله، و هو من باب التمثيل إذ لا قول ثمة.
[12- 19]
[سورة فصلت (41): الآيات 12 الى 19]
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ (13) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (14) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَ هُمْ لا يُنْصَرُونَ (16)
وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَ نَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ (18) وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19)
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ أي: المادة و الصورة كالأرض وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها أي: أشار إليها بما أراد من حركتها و تأثيرات ملكوتها و تدبيراتها و خواص كوكبها و كل ما يتعلق بها.
وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا أي: السطح الذي يلينا من فلك القمر بِمَصابِيحَ الشهب وَ حفظناها حِفْظاً من أن تنخرق بصعود البخارات إليها و وصول القوى الطبيعية الشيطانية إلى ملائكتها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الغالب على أمره كيف يشاء الْعَلِيمِ الذي أتقن صنعه بعلمه، أو أ إنكم لتكفرون و تحتجبون بالغواشي البدنية عن الذي خلق أرض البدن و جعلها حجاب وجهه في يومين أي شهرين أو حادثين مادة و صورة، و تجعلون له أندادا بوقوفكم مع الغير و نسبتكم التأثير إلى ما لا وجود له و لا أثر، ذلك الخالق هو الذي يربّ العالمين بأسمائه و جعل فيها رواسي الأعضاء من فوقها أو رواسي الطبائع الموجبة للميل السفلي من القوى العنصرية و الصور الماديّة التي تقتضي ثباتها على حالها، و بارك فيها بتهيئة الآلات و الأسباب و المزاجات و القوى التي تتم بها لمقته و أفعاله و قدّر فيها أقواتها بتدبير الغاذية و أعوانها و تقدير مجاري الغذاء و أمور التغذية و أسبابها و موادّها في تتمة أربعة أشهر، أي: جميع ذلك في أربعة أشهر سواء متساوية أو في مواد العناصر الأربعة، ثم استوى أي: بعد ذلك قصد قصدا مستويا من غير أن يلوي إلى شيء آخر، إلى سماء الروح و تسويتها و هي دخان أي: مادة لطيفة من بخارية الأخلاط و لطافتها مرتفعة من القلب.
و قد جاءفي الحديث: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث اللّه إليه ملكا بأربع كلمات، فيكتب عمله و أجله و رزقه و شقيّ أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح و يعضده». حديث آخر في أنّ نفخ الروح في الجنين يكون بعد أربعة أشهر من وقت الحمل.
فقال لها و لأرض البدن: ائتيا، أي: تعلقت إرادته بتكوينهما و صيرورتهما شيئا واحدا و خلقا جديدا، فتكونا على ما أراد من الصورة و هذا معنى خلوّ الأرض قبل السماء غير مدحوّة و دحوها بعده. فإن المادة البدنية و إن تخلقت بدنا قبل اتصال الروح و انتفاخه فيها لكن الأعضاء لم تنبسط و لم ينفتق بعضها من بعض إلا بعده، فقضاهنّ سبع سموات، أي: الغيوب السبعة المذكورة من القوى و النفس و القلب و السرّ و الروح و الخفاء، و الحق الذي أدرج هويته في هوية الشخص الموجود و تنزل بإيجاده في هذه المراتب و احتجب بها و إن جعلت السبعة من المخلوقات حتى تخرج الهوية من جملتها فإحداها و هي الرابعة بين القلب، و السرّ العقل،و هي السماء الدنيا باعتبار دنوّها من القلب الذي به الإنسان إنسانا في يومين في شهرين آخرين، فتمّ مدة الحمل ستة أشهر أو مدة خلق الإنسان، و لهذا إذا ولد بعد تمام الستة على رأس الشهر السابع عاش مستوي الخلق أو في طورين مجرّدة و غير مجرّدة أو حادثين روح و جسد و اللّه أعلم.
و أوحى في كل سماء من الطبقات المذكورة أمرها و شأنها المخصوص بها من الأعمال و الإدراكات و المكاشفات و المشاهدات و المواصلات و المناغيات و التجليات. و زيّنا السماء الدّنيا: أي العقل بمصابيح الحجج و البراهين و حفظناها من استراق شياطين الوهم و الخيال، كلام الملأ الأعلى من الروحانيات بالترقي إلى الأفق العقلي و استفادة الصور القياسية لترويج أكاذيبها و تخيلاتها بها.
[20- 29]
[سورة فصلت (41): الآيات 20 الى 29]
حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ وَ لكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَ إِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)
وَ قَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (25) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (28) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)
حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ أي: غيّرت صور أعضائهم و صوّرت أشكالها على هيئة الأعمال التي ارتكبوها، و بدّلت جلودهم و أبشارهم، فتنطق بلسان الحال، و تدل بالأشكال على ما كانوا يعملون. و لنطقها بهذا اللسان قالت:
أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ إذ لا يخلو شيء ما من النطق، و لكنّ الغافلين لا يفهمون وَ قَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ أي: قدّرنا لهم أخدانا و أقرانا من شياطين الأنس و الجنّ من الوهوم و التخيل لتباعدهم من الملأ الأعلى، و مخالفتهم بالذات للنفوس القدسية و الأنوار الملكوتية بانغماسهم في الموادّ الهيولانية، و احتجابهم بالصفات النفسانية، و انجذابهم إلى الأهواء البدنية و الشهوات الطبيعية، فناسبوا النفوس الأرضية الخبيثة، و الكدرة المظلمة، و خالفوا الجواهر القدسية و الذوات المجرّدة، فجعلت الشياطين أقرانهم و حجبوا عن نور الملكوت فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ما بحضرتهم من اللذات البهيمية و السبعية و الشهوات الطبيعية وَ ما خَلْفَهُمْ من الآمال و الأماني التي لا يدركونها وَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ في القضاء الإلهيّ بالشقاء الأبديّ كائنين فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ المكذبين بالأنبياء و المحجوبين عن الحق من الباطنيين و الظاهريين إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ لخسرانهم نور الاستعداد الأصلي، و ربح الكمال الكسبي، و وقوعهم في الهلاك الأبديّ و العذاب السرمديّ.
رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا أي: حنق المحجوبون و اغتاظوا على من أضلّهم من الفريقين عند وقوع العذاب و تمنوا أن يكونوا في أشدّ من عذابهم و أسفل من دركاتهم لما لقوا من الهوان و ألم النيران و عذاب الحرمان و الخسران بسببهم و أرادوا أن يشفوا صدورهم برؤيتهم في أسوأ أحوالهم و أنزل مراتبهم، كما ترى من وقع في البليّة بسبب رفيق أشار إليه بما أوقعه فيها يتجرّد عليه و يتغيظ و يكاد أن يقع فيه مع غيبته و يتحرّق.
[30]
[سورة فصلت (41): آية 30]
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ أي: وحدوه بنفي غيره و عرفوه بالإيقان حق معرفته ثُمَّ اسْتَقامُوا إليه بالسلوك في طريقه و الثبات على صراطه مخلصين لأعمالهم عاملين لوجهه، غير ملتفتين بها إلى غيره تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ للمناسبة الحقيقية بينهم في التوحيد الحقيقي و الإيمان اليقيني و العمل الثابت على منهاج الحق و الاستقامة في الطريقة إليه، غير ناكثين في عزيمة و لا منحرفين عن وجهه و لا زائغين في عمل كما ناسبت نفوس المحجوبين من أهل الرذائل الشياطين بالجواهر المظلمة و الأعمال الخبيثة فتنزّلت عليهم أَلَّا تَخافُوا من العقاب لتنوّر ذواتكم بالأنور و تجرّدها عن غواسق الهيئات وَ لا تَحْزَنُوا بفوات كمالاتكم التي اقتضاها استعدادكم وَ أَبْشِرُوا بجنّة الصفات الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ حال الإيمان بالغيب أو قالوا: رَبُّنَا اللَّهُ بالفناء فيه ثم استقاموا به بالبقاء بعد الفناء عند التمكين تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ للتعظيم عند الرجوع إلى التفصيل، إذ في حال الفناء لا وجود للملائكة و لا لغيرهم، ألّا تخافوا من التلوين و لا تحزنوا على الاستغراق في التوحيد، فإن أهل الوحدة إذا ردّوا إلى التفصيل و رؤية الكثرة غلب عليهم الحزن و الوجد في أول الوهلة لفوات الشهود الذاتي في عين الجمع و الاحتجاب بالتفصيل حتى يتمكنوا في التحقق بالحق حال البقاء و انشراح الصدر بنور الحق فلا تحجبهم الكثرة عن الوحدة و لا الوحدة عن الكثرة، شاهدين في تفاصيل الصفات عين الذات بالذات، كما قال تعالى لنبيه عليه السلام في هذه الحال:
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3)[1] و أبشروا بجنّة الذات الشاملة لجميع مراتب الجنان التي كنتم توعدونها في مقام تجلّيات الصفات.
[31- 33]
[سورة فصلت (41): الآيات 31 الى 33]
نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَ عَمِلَ صالِحاً وَ قالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)
نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ و أحباؤكم في الدارين للمناسبة الوصفية و الجنسية الأصلية بيننا و بينكم، كما أن الشياطين أولياء المحجوبين لما بينهم من الجنسية و المشاركة في الظلمة و الكدورة وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ من المشاهدات و التجليات و الروح و الريحان و النعيم المقيم أي: إذا بلغتم الكمال الذي هو مقتضى استعدادكم فلا شوق لكم إلى ما غاب عنكم، بل كل ما تشتهون و تتمنون فهو مع الاشتهاء و التمني حاضر لكم في الجنان الثلاث نُزُلًا معدّا لكم مِنْ غَفُورٍ ستر لكم بنوره ذنوب آثاركم و أفعالكم و صفاتكم و ذواتكم رَحِيمٍ رحمكم بتجليّات أفعاله و صفاته و ذاته و إبدالكم بها إياها وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا أي:
حالا إذ كثيرا ما يستعمل القول بمعنى الفعل و الحال منه، قالوا: رَبُّنَا اللَّهُ أي: جعلوا دينهم التوحيد، و منه
الحديث: «هلك المكثرون إلا من قال هكذا و هكذا …»
أي: أعطى. مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَ عَمِلَ صالِحاً وَ قالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي: ممن أسلم وجهه إلى اللّه في التوحيد و عمل بالاستقامة و التمكين، و دعا الخلق إلى الحق للتكميل، فقدّم الدعوة إلى الحق و التكميل لكونه أشرف المراتب و لاستلزامه الكمال العلمي و العملي، و إلا لما صحت الدعوة و إن صحت ما كانت إلى اللّه، أي: إلى ذاته الموصوفة بجميع الصفات، فإن العالم الغير العامل إن دعا كانت دعوته إلى العليم، و العامل الغير العالم إلى الغفور الرحيم، و العالم العامل العارف الكامل صحّت دعوته إلى اللّه.
[34- 35]
[سورة فصلت (41): الآيات 34 الى 35]
وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَ ما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)
وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ لكون الأولى من مقام القلب تجرّ صاحبها إلى الجنّة و مصاحبة الملائكة، و الثانية من مقام النفس تجرّ صاحبها إلى النار و مقارنة الشياطين ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إذا أمكنك دفع السيئة من عدوّك بالحسنة التي هي أحسن، فلا تدفعها بالحسنة التي دونها، فكيف بالسيئة؟!، فإن السيئة لا تندفع بالسيئة بل تزيد و تعلو ارتفاع النار بالحطب، فإن قابلتها بمثلها كنت منحطا إلى مقام النفس، متّبعا للشيطان، سالكا طريق النار، ملقيا لصاحبك في الأوزار و جاعلا له و لنفسك من جملة الأشرار، متسببا لازدياد الشرّ معرضا عن الخير.
و إن دفعتها بالحسنة سكنت شرارته و أزلت عداوته و تثبت في مقام القلب على الخير، و هديت إلى الجنة و طردت الشيطان، و أرضيت الرحمن و انخرطت في سلك الملكوت و محوت ذنب صاحبك بالندامة. و إن دفعتها بالتي هي أحسن ناسبت الحضرة الرحيمية بالرحموت و صرت باتصافك بصفاته تعالى من أهل الجبروت و أفضت من ذاتك فيض الرحمة على صاحبك فصار كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ و لأمر ما
قال النبي عليه السلام: «لو جاز أن يظهر البارئ لظهر بصورة الحلم»
، و لا يلقى هذه الخصلة الشريفة و الفضيلة العظيمة إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا مع اللّه، فلم يتغيروا بزلّة الأعداء لرؤيتهم منه تعالى و توكلهم عليه و اتّصافهم بحلمه أو طاعتهم لأمره وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ من اللّه بالتخلّق بأخلاقه.
[36]
[سورة فصلت (41): آية 36]
وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)
وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ينخسنك نخس بالمقابلة بالسيئة و داعية بالانتقام و هيجان من غضبك فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ بالرجوع إلى جنابه و اللجوء إلى حضرته من شرّه و وسوسته و نزغه بالبراءة عن أفعالك و صفاتك و الفناء فيه عن حولك و قوّتك إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لما هجس ببالك من أحاديث نفسك و أقوالك الْعَلِيمُ بنياتك و ما بطن من أحوالك.
[37- 39]
[سورة فصلت (41): الآيات 37 الى 39]
وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ (38) وَ مِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)
وَ مِنْ آياتِهِ ليل ظلمة النفس بظهور صفاتها الساترة للنور لتقعوا في السيئات و تستعدّوا لقبول الوساوس الشيطانية و نهار نور الروح بإشراق أشعتها من القلب إلى النفس، فتباشروا الحسنات و تدفعوا السيئات بها و تمتنعوا عن قبول الوساوس و تتعرّضوا للنفحات و شمس الروح و قمر القلب لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ بالفناء فيه و الوقوف معه و الاحتجاب به عن الحق وَ لا لِلْقَمَرِ بالوقوف مع الفضائل و الكمالات و النبوّ إلى جنّة الصفات وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَ بالفناء في الذات إِنْ كُنْتُمْ موحدين، مخصصين العبودية به دون غيره لا مشركين و لا محجوبين فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا عن الفناء فيه بظهور الأنانية و الطغيان و الاستعلاء بصفات النفس و العدوان فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بالتجريد و التنزيه عن حجب ذواتهم و صفاتهم دائما بليل الاستتار في مقام التفصيل و نهار التجلي في مقام الجمع لا يَسْأَمُونَ لكونهم قائمين باللّه ذاكرين بالمحبة الذاتية.
[40- 43]
[سورة فصلت (41): الآيات 40 الى 43]
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَ ذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (43)
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا أي: يميلون و يزيغون فيها من طريق الحق إلى الباطل فينسبونها إلى غير الحق لاحتجابهم عنه و يتلونها بأنفسهم فيفهمون منها ما يناسب صفاتهم لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا و إن خفينا عنهم وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ منيع محميّ عن أن يمسّه و يفهمه النفوس الخبيثة المحجوبة فتغيره و يطلع عليه المبطلة فتبطله لبعده عن مبالغ عقولهم و ما اعتقدوه من باطلهم إذ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ جهة من الجهات لا من جهة الحق فيبطله بما هو أبلغ منه و أشدّ إحكاما في كونه حقا و صدقا و لا من جهة الخلق فيبطلونه بالإلحاد في تأويله و يغيّرونه بالتحريف لكونه ثابتا في اللوح محفوظا من جهة الحق، كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9)[2].
[44- 52]
[سورة فصلت (41): الآيات 44 الى 52]
وَ لَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَ عَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفاءٌ وَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (44) وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (46) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ ما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَ ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَ لا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَ ظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48)
لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَ إِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (49) وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (50) وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَ نَأى بِجانِبِهِ وَ إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (51) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (52)
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفاءٌ أي: هو للمؤمنين بالغيب هداية تهديهم إلى الحق و تبصرهم بالمعرفة و شفاء يزيل أمراض قلوبهم من الرذائل كالنفاق و الشك أي: تبصرهم بطريق النظر و العمل فتعلمهم و تزكّيهم وَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ من المحجوبين لا يسمعونه و لا يفهمونه بل يشتبه عليهم و يلتبس لاستيلاء الغفلة عليهم و سدّ الغشاوات الطبيعية و الهيئات البدنية طرق أسماع قلوبهم و أبصارها فلا ينفذ فيها و لا يتنبهوا بها و لا يتيقظوا كالذي ينادي من مكان بعيد لبعدهم عن منبع النور الذي يدرك به الحق و يرى، و انهماكهم في ظلمات الهيولى.
[53]
[سورة فصلت (41): آية 53]
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ أي: نوفقهم للنظر في تصاريفنا للممكنات و أحوالها حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ بطريق الاستدلال و اليقين البرهاني أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ للذين شاهدوه من أهل العيان أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ حاضر مطلع، أي: لم يكف شهوده على مظاهر الأشياء في معرفته و كونه الحق الثابت دون غيره حتى تحتاج إلى الاستدلال بأفعاله أو التوسل بتجليات صفاته و هذا هو حال المحبوب المكاشف بالجذب قبل السلوك، و الأول حال المحبّ السالك المجاهد لطلب الوصول.
[54]
[سورة فصلت (41): آية 54]
أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)
أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ لاحتجابهم بالكون عن المكوّن و المخلوق عن الخالق أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ لا يخرج عن إحاطته شيء و إلا لم يوجد، إذ حقيقة كل شيء عين علمه تعالى و وجوده به، و علمه عين ذاته و ذاته عين وجوده، فلا يخرج شيء عن إحاطته إذ لا وجود لغيره و لا عين و لا ذات كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[3] كما قال تعالى:
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (26) وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ (27)[4].
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 227
[1] ( 1) سورة الشرح، الآيات: 1- 3.
[2] ( 1) سورة الحجر، الآية: 9.
[3] ( 1) سورة القصص، الآية: 88.
[4] ( 2) سورة الرحمن، الآيات: 26- 27.