تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الروم
سورة الروم
[1- 3]
[سورة الروم (30): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)
المغُلِبَتِ الرُّومُ الذات الأحدية مع صفتي العلم و المبدئية كما ذكر، اقتضت أن روم القوى الروحانية تكون مغلوبة في أقرب موضع من أرض النفس الذي هو الصدر، لأن فيض المبدأ يوجب إظهار الخلق و احتجاب الحق به، فكل ما كان أقرب إلى الحق كان مغلوبا بالذي هو أقرب إلى الخلق و ذلك حكم الاسم المبدئ في مظهر النشأة و تجليه تعالى به و باسمه الظاهر و اسمه الخالق، و في الجملة: بما في حضرته المبدئية من الأسماء وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ كونهم مغلوبين سَيَغْلِبُونَ على فارس القوى النفسانية الأعجمية المحجوبة بالرجوع إلى اللّه، و ظهور الغلب.
[4- 5]
[سورة الروم (30): الآيات 4 الى 5]
فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)
فِي بِضْعِ سِنِينَ من الأطوار التي يكون فيها الترقي إلى الكمال و أوقات الحضور و المقامات و التجليات.
لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ بحكم اسمه المبدئ وَ مِنْ بَعْدُ بحكم اسمه المعيد، يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه وَ يَوْمَئِذٍ أي: يوم غلبة روم الروحانيات على النفسانيات يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَبِنَصْرِ اللَّهِ و تأييده من الملكوت السماوية و إمدادهم بالأمداد القدسية يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ من أهل عنايته المستعدّين بها وَ هُوَ الْعَزِيزُ القويّ الغالب على قهر الفارسيين المحجوبين الرَّحِيمُ بإفاضة الأمداد الكمالية و الأنوار التأييدية القدسية على الروميين الغالبين.
[6]
[سورة الروم (30): آية 6]
وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6)
وَعْدَ اللَّهِ في تكميل المستعدّين من أهل عنايته لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لاحتجابهم يحسبون أن هذه الغلبة بقوّتهم و كسبهم، و أنه قد يمكن أنه لا يبلغ المعني به السعي إلى الكمال لعدم السعي و لا يعرفون أن ذلك المستعدّ أيضا من توفيقه و علامة عنايته تعالى به، و عدم السعي من خذلانه و آية كونه غير معني به، فإن أعمالنا معرّفات لا موجبات.
[7]
[سورة الروم (30): آية 7]
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (7)
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا و أنّ وجوه المكاسب منوطة بسعي العباد و تدبيرهم وَ هُمْ عن الباطن و أحوال العالم الروحاني هُمْ غافِلُونَ لا يفطنون أن وراء هذه الحياة المنقطعة حياة سرمدية كما قال: وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ[1]، و أنّ وراء تدبير العباد و سعيهم للّه تعالى تقديرا و حكما.
[8- 10]
[سورة الروم (30): الآيات 8 الى 10]
أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (8) أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ أَثارُوا الْأَرْضَ وَ عَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (10)
أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ سموات الغيوب السبعة و أرض البدن وَ ما بَيْنَهُما من القوى الطبيعية و الملكوت الأرضية و الروحانية، و الملكوت السماوية و الصفات و الأخلاق و غيرها إلا بالحكمة و العدل و ظهور الحق في مظاهرهم بالصفات على حسب استعداد قبولها لتجلّيه وَ أَجَلٍ مُسَمًّى هو غاية كمال كل منهم و فنائه في اللّه بمقتضى هوية استعداده الأول حتى يشهدوا بقدر استعدادهم و إلقاء اللّه فيهم بصفاته و ذاته وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ لاحتجابهم عنه، فيتوهمون أنه لا يكون إلا بالمقابلة الصورية في عالم آخر باندراج الهوية في الهوية.
[11]
[سورة الروم (30): آية 11]
اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11)
اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ بإظهار الفرس على الروم ثُمَّ يُعِيدُهُ بإظهار الروم على الفرس ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بالفناء فيه.
[12- 16]
[سورة الروم (30): الآيات 12 الى 16]
وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَ كانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (13) وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ لِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (16)
وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ بوقوع القيامة الصغرى يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ عن رحمة اللّه و تحيّرهم في العذاب، غير قابلين للرحمة، أو القيامة الكبرى بظهور المهديّ و قهرهم تحت سطوته و حرمانهم من رحمته، و حينئذ يتفرّق الناس بتميز المؤمن عن الكافر.
[17- 18]
[سورة الروم (30): الآيات 17 الى 18]
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ (18)
فَسُبْحانَ اللَّهِ أن يكون غيره في الوجود و الصفة و الفعل و التأثير حِينَ تُمْسُونَ بغلبة ظلمة الفرس على نور الروم وَ حِينَ تُصْبِحُونَ عند ظهور نورهم على ظلمة الفرس وَ لَهُ الْحَمْدُ بظهور صفات كماله و تجليات جماله في سموات الغيوب السبعة وقت إصباح غلبة نور الروحانيات على ظلمات النفسانيات و قرب طلوع شمس الروح، و بظهور وقت إصباح غلبة نور الروحانيات على ظلمات النفسانيات و قرب طلوع شمس الروح، و بظهور صفات جلاله في أرض البدن عند إمساء غلبة ظلمة النفسانيات على نور الروحانيات وَ عَشِيًّا وقت فنائهم و غيبة شمس الروح في الذات وَ حِينَ تُظْهِرُونَ في البقاء بعد الفناء عند الاستقامة و الاستواء.
[19- 20]
[سورة الروم (30): الآيات 19 الى 20]
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)
يُخْرِجُ حيّ القلب من ميت النفس بالإعادة وقت الإصباح و يُخْرِجُ ميت النفس من حيّ القلب في الإبداء عند الإمساء وَ يُحْيِ أرض البدن حينئذ وَ كَذلِكَ تُخْرَجُونَ في النشأة الثانية.
[21- 23]
[سورة الروم (30): الآيات 21 الى 23]
وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (22) وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23)
وَ مِنْ آياتِهِ أي: من أفعاله و صفاته التي يتوصل بها إلى ذاته معرفة و سلوكا أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً أي: خلق لكم من النفوس أزواجا للأرواح لِتَسْكُنُوا إِلَيْها و تركنوا و تميلوا نحوها بالمودّة و التأثير و التأثر وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ من الجانبين المودّة و الرحمة فتودّ النفس نور الروح و تأثيره بالقبول و التأثر، فتسكن عن الطيش و تتصفى فيرحمها اللّه بولد القلب في مشيمة الاستعداد برّا بها، فتهتدي ببركته و تتخلق بأخلاقه فتفلح، و تودّ الروح النفس بالتأثير فيها و إفاضة النور عليها فيرحمه اللّه بالولد المبارك برّا، عطوفا، فيرتقي ببركته و يظهر به كماله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ صفات و كمالات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في أنفسهم و ذواتهم و ما جبلت عليها و أودعت فيها وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ من لسان النفس و القلب و السرّ و الروح و الخفاء بكل مقال في كل مقام، فإنه لا ينحصر وجوه اختلافات هذه الألسن وَ أَلْوانِكُمْ تلوّناتكم و تلويناتكم في السموات السبع و الأرض لَآياتٍ من تجلّيات الصفات و الأفعال للعلماء العارفين في مراتب علومهم مَنامُكُمْ غفلتكم في ليل النفس و نهار القلب بظهور صفاتها وَ ابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ بالترقي في الكمالات و اكتساب الأخلاق و المقامات يَسْمَعُونَ كلام الحق بسمع القلب، فيفهمون معناه بحسب مقاماتهم في الأطوار.
[24- 26]
[سورة الروم (30): الآيات 24 الى 26]
وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (26)
يُرِيكُمُ برق اللوامع و الطوالع في البدايات، خائفين من انقضاضها و خفوقها و بقائكم في الظلمة بفواتها، و طامعين في رجوعها و مزيدكم بها، و ينزل مياه الواردات و المكاشفات بعدها من سماء الروح و سحاب السكينة، فيحيي بها أراضي النفوس و الاستعدادات الهامدة بعد موتها بالجهل يَعْقِلُونَ بمطاوعة نفوسهم للدواعي العقلية معاني الواردات و ما يصلحهم من الحكم و المعقولات.
[27- 29]
[سورة الروم (30): الآيات 27 الى 29]
وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (29)
وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي: الوصف الأعلى بالفردانية في الوجود و الوحدة الذاتية، و ما أحسن قول مجاهد في معناه أنه: لا إله إلا هو.
[30- 31]
[سورة الروم (30): الآيات 30 الى 31]
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَ اتَّقُوهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لدين التوحيد و هو طريق الحق تعالى، و لذلك أطلق من غير إضافة أي: هو الدين مطلقا و ما سواه ليس بدين لانقطاعه دون الوصول إلى المطلوب، و الوجه هو الذات الموجودة مع جميع لوازمها و عوارضها، و إقامته للدين تجريده عن كل ما سوى الحق قائما بالتوحيد و الوقوف مع الحق غير ملتفت إلى نفسه و لا إلى غيره فيكون سيره حينئذ سيرا للّه و دينه و طريقته اللذان هو عليهما دين اللّه و طريقته إذ لا يرى غيره موجودا حَنِيفاً مائلا منحرفا عن الأديان الباطلة التي هي طرق الأغيار و الأنداد لمن أثبت غيره فأشركه باللّه فِطْرَتَ اللَّهِ أي: الزموا فطرة اللّه، و هي الحالة التي فطرت الحقيقة الإنسانية عليها من الصفاء و التجرّد في الأزل و هي الدين القيّم أزلا و أبدا، لا يتغير و لا يتبدّل عن الصفاء الأول، و محض التوحيد الفطري. و تلك الفطرة الأولى ليست إلا من الفيض الأقدس الذي هو عين الذات، من بقي عليها لم يمكن انحرافه عن التوحيد و احتجابه عن الحق، إنما يقع الانحراف و الاحتجاب من غواشي النشأة و عوارض الطبيعة عند الخلقة أو التربية و العادة.
أما الأول فلقوله عليه السلام في الحديث الرباني: «كل عبادي خلقت حنفاء فاحتالتهم الشياطين عن دينهم و أمروهم أن يشركوا بي غيري».
و أما الثاني فلقوله صلى اللّه عليه و سلم: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه و ينصرّانه»، لا أن تتغير تلك الحقيقة في نفسها عن الحالة الذاتية فإنه محال، و ذلك معنى قوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ تلك الحقيقة مُنِيبِينَ إِلَيْهِ حال من الضمير المتصل في: الزموا المقدّر، أي:
الزموا تلك الفطرة المخصوصة باللّه منيبين إليه من جميع الأغيار المتوهم وجودها من قبل شياطين الوهم و الخيال و أديانها الباطلة بالتجرّد عن الغواشي الجبلية و العوارض البدنية و الهيئات الطبيعية و الصفات النفسانية إلى الحق و دينه وَ اتَّقُوهُ بعد الإنابة إليه بتجريد الفطرة بالفناء فيه وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ الشهود الذاتي وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ببقية الفطرة و ظهور الأنانية في مقامها مِنَ الَّذِينَ فارقوا دينهم الحقيقي بسقوطهم عن الفطرة و احتجابهم بحجب النشأة و العادة وَ كانُوا شِيَعاً فرقا مختلفة لوقوف كل أحد مع حجابه و اختلاف حجبهم و تفريق الشيطان إياهم في أودية صفات النفس، فبعضهم على دين البهائم، و بعضهم على دين السباع، و بعضهم على دين الهوى، و بعضهم على دين الشيطان خاصة، و أنواع الشياطين لا تنحصر فكذا الأديان.
[32- 60]
[سورة الروم (30): الآيات 32 الى 60]
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَ إِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَ إِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (36)
أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (45) وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَ لِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46)
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) وَ لَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51)
فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَ ما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَ لكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56)
فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) وَ لَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَ لَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (58) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (60)
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي: من المفارقين الدين الحقيقيّ المتفرّقين شيعا مختلفة كل حزب عند تكدّر الفطرة و تكاثف الحجاب يفرح بما يقتضيه استعداده من الحجاب لكونه مقتضى طبيعة حجابه، فيناسب حاله من الاستعداد الغالب و الفرح إنما يكون بإدراك الملائم من حيث هو ملائم و ذلك ملائم في الحال بحسب الاستعداد العارضي و إن لم يلائم في الحقيقة بحسب الاستعداد الأصليّ، و لهذا يجب به التعذيب عند زوال العارض.
[1] ( 1) سورة العنكبوت، الآية: 64.