تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره الزمر

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الزمر

سورة الزمر

[1- 2]

[سورة الزمر (39): الآيات 1 الى 2]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2)

هذا تَنْزِيلُ‏ كتاب العقل الفرقانيّ بظهوره عليك من غيب الغيوب‏ مِنَ اللَّهِ‏ و حضرته الواحدية الْعَزِيزِ المحتجب بسترات الجلال في غيب غيبه‏ الْحَكِيمِ‏ ذي الحكمة الكامنة هناك، البارزة في مراتب التنزيلات‏ بِالْحَقِ‏ أي: أنزلناه بظهور الحق فيك بعد كمونه‏ فَاعْبُدِ اللَّهَ‏ فخصّصه بالعبادة الذاتية حين تجلى لك بذاته و لم يبق أحدا من خلقه‏ مُخْلِصاً ممحضا لَهُ الدِّينَ‏ عن شوب الغيرية و الاثنينية، أي: أعبده بشهوده لذاته و مطالعة تجليات صفاته بعينه و تلاوة كلامه به، فيكون سيرك سير اللّه و دينك دين اللّه و فطرتك ذات اللّه.

 

 

[3- 4]

[سورة الزمر (39): الآيات 3 الى 4]

أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى‏ مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (4)

أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ‏ عن شوب الغيرية و الأنانية لا لك لفنائك فيه بالكلية، فلا ذات لك، و لا صفة، و لا فعل، و لا دين، و إلا لما خلص الدين بالحقيقة فلا يكون للّه‏ وَ الَّذِينَ‏ احتجبوا بالكثرة عن الوحدة و اتخذوا الغير وليّا بالمحبة للتقرّب و التوسل به إلى اللّه‏ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ‏ عند حشر معبوداتهم معهم فيما اختلفوا فيه من صفاتهم و أقوالهم و أفعالهم فيقرن كلّا منهم مع من يتولّاه من عابد و معبود، و يدخل المبطل النار مع المبطلين كما يدخل المحق الجنة مع المحقين، و يجزى كلّا بوصفه الغالب عليه و ما وقف معه و احتجب به مع اختلافهم في الأوصاف و ما وقفوا معه‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي‏ إلى النجاة و عالم النور و تجليات الصفات و الذوات‏ مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ لبعده عنه و احتجابه بظلمة الرذائل و صفات النفس عن النور و امتناعه عن قبوله‏ سُبْحانَهُ‏ أي: نزّهه عن المماثلة و المجانسة و اصطفاء الولد لكون الوحدة لازمة لذاته و قهره بوحدانيته لغيره، فلا تماثل في الوجود، فكيف في الوجوب؟.

 

 

[5]

[سورة الزمر (39): آية 5]

خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)

خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ‏ بظهوره في مظاهرها و احتجابه بصورها مصرفا للكل بقدرته و فعله‏ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ بسلطانه و ملكه فلا ذات و لا صفة و لا فعل لغيره، و ذلك دليل وحدانيته‏ أَلا هُوَ الْعَزِيزُ القويّ الذي يقهر الكل بسطوة قهره‏ الْغَفَّارُ الذي يسترهم بنور ذاته و صفاته فلا يبقى معه غيره أو العزيز المتمنع باحتجابه عن خلقه بصور مخلوقاته الغفار الذي يستر لمن يشاء ذنوب وجوده و صفاته فيظهر عليه و يتجلى له بصفاته و ذاته.

 

 

[6]

[سورة الزمر (39): آية 6]

خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)

خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هي آدم الحقيقي، أي: النفس الناطقة الكلية التي تتشعب عنها النفوس الجزئية ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها النفس الحيوانية وَ أَنْزَلَ لَكُمْ‏ لكون صورها في اللوح المحفوظ و نزول كل ما وجد في عالم الشهادة من عالم الغيب‏ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ‏ يخلقكم في أطوار الخلقة متقلّبين‏ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ‏ من الطبيعة الجسمانية و النفس النباتية و الحيوانية ذلِكُمُ‏ الخالق لصوركم، المكوّر، أي: المصرف بقدرته المسخّر بملكوته و سلطانه، المنشئ للكثرة من وحدته بأسمائه و صفاته، المنزّل لما قضى و قدّر بأفعاله هو الذات الموصوفة بجميع صفاته يربكم بأسمائه‏ لَهُ الْمُلْكُ‏ يتصرّف فيه بأفعاله‏ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ في الوجود فَأَنَّى تُصْرَفُونَ‏ عن عبادته إلى عبادة غيره مع عدمه.

 

 

[7- 8]

[سورة الزمر (39): الآيات 7 الى 8]

إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَ لا يَرْضى‏ لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ ثُمَّ إِلى‏ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7) وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَ جَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (8)

إِنْ تَكْفُرُوا و تحتجبوا بصفاتكم و ذواتكم فإن اللّه لا يحتاج إلى ذواتكم و صفاتكم في ظهوره و كماله، لكونها فانية في نفس الأمر ليست شيئا إلا به، فضلا عن احتياجه إليها و هو الظاهر بذاته لذاته و الباطن بحقيقته، المشاهد لكماله بعينه‏ وَ لا يَرْضى‏ لِعِبادِهِ‏ الاحتجاب لكونه سبب هلاكهم و وقوعهم في أسر المالك و الزبانية و لا يتعلق بهم الرضا، و لا يقبلون نوره‏ فيدخلوا الجنّة وَ إِنْ تَشْكُرُوا برؤية نعمه و استعمالها في طاعته لتستعدّوا لقبول فيضه يرضى الشكر لكم بتجلي الصفات لتّتصفوا بها فتبلغوا مقام الرضا و تدخلوا الجنة، فما تبعة الكفر إلا عليكم و لا ثمرة الشكر إلا لكم، أ هذا الكافر المحجوب أفضل.

 

 

[9]

[سورة الزمر (39): آية 9]

أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (9)

أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ‏ مطيع في مقام النفس و أوقات ظلمة صفاتها ساجِداً بفناء الأفعال و الصفات، قائما بالطاعة و الانقياد، عند ظهور النفس بصفاتها و أفعالها يَحْذَرُ عقاب الآخرة و يرجو الرحمة، إذ السالك في مقام النفس لا يخلو عن الخوف و الرجاء قُلْ هَلْ يَسْتَوِي‏ أي: لا يستويان، و إنما ترك المضمر إلى الظاهر ليبين أنّ المطيع في مقام النفس هو العالم و الكافر هو الجاهل. أما الأول فإن العلم هو الذي رسخ في القلب و تأصل بعروقه في النفس بحيث لا يمكن صاحبه مخالفته بل سيّط باللحم و الدم فظهر أثره في الأعضاء لا ينفك شي‏ء منها عن مقتضاه، و أما المرتسم في حيز العقل و التخيل بحيث يمكن ذهول النفس عنه و عن مقتضاه فليس بعلم إنما هو أمر تصوّري و تخيل عارضي لا يلبث بل يزول سريعا، لا يغذو القلب و لا يسمن و لا يغني من جوع. و أما الثاني فظاهر، إذ لو علم لم يحجب بالغير عن الحق‏ إِنَّما يَتَذَكَّرُ و يتعظ بهذا الذكر أُولُوا العقول الصافية عن قشر التخيّل و الوهم لتحققها بالعلم الراسخ الذي يتأثر به الظاهر. و أما المشوبة بالوهم فلا تتذكر و لا تتحقق بهذا العلم و لا تعيه، بل تتلجلج فيه فيذهب.

 

 

[10- 12]

[سورة الزمر (39): الآيات 10 الى 12]

قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (10) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11) وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12)

قُلْ يا عِبادِ المخصوصين فيّ من أهل العناية الَّذِينَ آمَنُوا الإيمان العملي‏ اتَّقُوا رَبَّكُمْ‏ بمحو صفاتكم‏ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا أي: اتّصفوا بالصفات الإلهية فعبدوه على المشاهدة فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ لا يكتنه كنهها في الآخرة و هي شهود الوجه الباقي و جماله الكريم.

وَ أَرْضُ اللَّهِ‏ أي: النفس المطمئنة المخصوصة باللّه لانقيادها له و قبولها لنوره و اطمئنانها إليه، ذات سعة بيقينها لا تتقيد بشي‏ء و لا تلبث في ضيق من عادة و مألوف و أمر غير الحق‏ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ‏ الذين صبروا مع اللّه في فناء صفاتهم و أفعالهم و سلوكهم فيه و سيرهم في منازل النفس الواسعة باليقين‏ أَجْرَهُمْ‏ من جنات الصفات‏ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ إذ الأجر الموفى بحسب الأعمال في مقام النفس مقدّر بالأعمال في جنّة النفوس، متناه لكونه من‏ باب الآثار محصورا في الموادّ. و أما الذي يوفى بحسب الأخلاق و الأحوال فهو غير متناه لكونه من باب تجليات الصفات في جنة القلب و عالم القدس مجرّدا عن المواد مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ‏ عن الالتفات إلى الغير و السير بالنفس‏ وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ‏ مقدّم المسلمين الذين أسلموا وجوههم إلى اللّه بالفناء فيه و سابقهم في الصف الأول، سائرا باللّه، فانيا عن النفس و صفاتها.

 

 

[13- 15]

[سورة الزمر (39): الآيات 13 الى 15]

قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (15)

أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي‏ بترك الإخلاص و النظر إلى الغير عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ من الاحتجاب و الحرمان و البعد قُلِ اللَّهَ‏ أخصّ بالعبادة مُخْلِصاً لَهُ دِينِي‏ عن شوب الأنانية و الاثنينية قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ‏ بالحقيقة، الكاملين في الخسران، هم الواقفون مع الغير، المحجوبون عن الحق‏ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ‏ بإهلاك الأنفس و تضييع الأهل من الجواهر المقدّسة التي تجانسهم و تناسبهم في عالمها الروحاني لاحتجابهم بالظلمات الهيولانية عنهم‏ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ‏ الحقيقي الظاهر البيّن.

 

 

[16- 17]

[سورة الزمر (39): الآيات 16 الى 17]

لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (16) وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَ أَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى‏ فَبَشِّرْ عِبادِ (17)

لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ‏ لانغمارهم في المواد الهيولانية و استقرارهم في قعر بئر الطبيعة الظلمانية، فوقهم مراتب من الطبائع و تحتهم مراتب أخرى و هم في غمرات منها وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا عبادة الغير وَ أَنابُوا إِلَى اللَّهِ‏ بالتوحيد المحض‏ لَهُمُ الْبُشْرى‏ باللقاء فَبَشِّرْ عِبادِ المخصوصين بعنايتي.

 

 

[18]

[سورة الزمر (39): آية 18]

الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (18)

الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ‏ كالعزائم و الرخص و الواجب و المندوب في قول الحق و الغير فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏ كالعزائم دون الرخص و الواجب دون المندوب و القول حق في الكل لا غير أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ‏ إليه بنور الهداية الأصلية وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ المميزون بين الأقوال بألبابهم المجرّدة فيتلقون المعاني المحققة دون غيرها.

 

 

[19- 21]

[سورة الزمر (39): الآيات 19 الى 21]

أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (20) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِأُولِي الْأَلْبابِ (21)

أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ‏ أي: أ أنت مالك أمرهم فمن سبق الحكم بشقاوته فأنت تنقذه، أي: لا يمكن إنقاذه أصلا لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا أفعالهم و صفاتهم و ذواتهم في التجريد و التفريد من أهل التوحيد لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ‏ أي: مقامات و أحوال بعضها فوق بعض كالتوكل بفناء الأفعال فوقه، الرضاء بفناء الصفات فوقه الفناء في الذات‏ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أنهار علوم المكاشفات‏ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ الروح ماء العلم‏ فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ‏ الحكم في أراضي النفوس بحسب استعداداتها ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ‏ زرع الأعمال و الأخلاق‏ مُخْتَلِفاً أصنافه بحسب اختلاف القوى و الأعضاء ثُمَّ يَهِيجُ‏ فينقطع عن أصله بأنوار التجليات‏ فَتَراهُ مُصْفَرًّا لاضمحلاله و تلاشيه بفناء أصوله، القائم هو بها من القوى و النفوس و القلوب‏ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً بذهابه و انكساره و انقشاعه عند ظهور صفاته تعالى و استقرارها بالتمكين.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِأُولِي‏ الحقائق المجردة من قشر الأنانية.

 

 

[22- 28]

[سورة الزمر (39): الآيات 22 الى 28]

أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى‏ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (23) أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ قِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (25) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (26)

وَ لَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)

أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ‏ بنوره حال البقاء بعد الفناء و نقى قلبه بالوجود الموهوب الحقاني فيسع صدره الحق و الخلق من غير احتجاب بأحدهما عن الآخر فيشاهد التفصيل في عين الوحدة و التوحيد في عين الكثرة، و الإسلام هو الفناء في اللّه و تسليم الوجه إليه، أي: شرح صدره في البقاء لإسلامه وجهه حال الفناء فَهُوَ عَلى‏ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ‏ يرى ربّه‏ فَوَيْلٌ‏ للذين قست قلوبهم من قبول ذكر اللّه لشدّة ميلها إلى اللذات البدنية و إعراضها عن الكمالات القدسية أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ عن طريق الحق‏ مُتَشابِهاً في الحق و الصدق‏ مَثانِيَ‏ لتنزلها عليك في مقام القلب قبل الفناء و بعده فتكون مكرّرة باعتبار الحق و الخلق،فتارة يتلوها الحق و تارة يتلوها الخلق‏ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ أهل الخشية من العلماء باللّه لانفعالها بالهيئات النورانية الواردة على القلب النازل أثرها إلى البدن‏ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ‏ و أعضاؤهم بالانقياد و السكينة و الطمأنينة إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ‏ بالأنوار اليقينية يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ من أهل عنايته‏ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ‏ يحجبه عن النور فلا يفهم كلامه و لا يرى معناه‏ فَما لَهُ مِنْ هادٍ أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ‏ مع كونه أشرف الأعضاء لكون سائر جوارحه مقيدة بهيئات لا يتأتى له التحرّز بها و لا يتهيأ، مغلّلة بأغلال لا يتيسر له بها الحركة في الدفع و لا يتسنى كمن أمن العذاب.

 

 

[29]

[سورة الزمر (39): آية 29]

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَ رَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (29)

مَثَلًا في التوحيد و الشرك‏ رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ‏ سيّئوا الأخلاق لا يتسالمون في شي‏ء يوجهه هذا في حاجة و يمنعه هذا و يجذبه أحدهما إلى جهة و الآخر إلى ما يقابلها، فيتنازعون و يتجاذبون و هذا صفة من تستولي عليه صفات نفسه المتجاذبة لاحتجابه بالكثرة المتخالفة فهو في عين التفرقة همّه شعاع و قلبه أوزاع‏ وَ رَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ‏ لا يبعثه إلا إلى جهته، و هذا مثل الموحد الذي تسالمت له مشايعة السرّ إلى جناب الربّ ليس له إلا همّ واحد و مقصد واحد في عين الجمعية مجموع ناعم البال خافض العيش و الحال.

 

 

[30]

[سورة الزمر (39): آية 30]

إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)

إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ معناه: كل شي‏ء هالك إلا وجهه، أي: فان في اللّه، و هم في شهودك هالكون معدومون بذواتهم.

 

 

[31- 35]

[سورة الزمر (39): الآيات 31 الى 35]

ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (32) وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَ يَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (35)

ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ الكبرى‏ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ‏ لاختلافكم في الحقيقة و الطريقة لكونهم محجوبين بالنفس و صفاتها، سائرين بها طالبين لشهواتها و لذاتها، و كونك دائما بالحق سائرا به طالبا لوجهه و رضاه‏ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا من صفات نفوسهم و هيئات رذائلهم‏ وَ يَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ‏ من تجليات صفاته و جنات جماله، فيمحو ظلمات وجوداتهم بنور وجهه.

 

 

[36- 43]

[سورة الزمر (39): الآيات 36 الى 43]

أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَ يُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (36) وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (37) وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (40)

إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى‏ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى‏ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى‏ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَ وَ لَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَ لا يَعْقِلُونَ (43)

أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ‏ المتوكل عليه في توحيد الأفعال و هو منبع القوى و القدر وَ يُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ‏ لاحتجابهم بالكثرة عنه، فينسبون التأثير و القدرة إلى ما هو ميت بالذات لا حول له و لا قوة، فأنت أحق بأن يكفيك ربّك شرّهم‏ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ‏ يحجبه عنه‏ فَما لَهُ مِنْ هادٍ إذ لا معقب لحكمه و لا رادّ لقضائه.

 

 

[44- 52]

[سورة الزمر (39): الآيات 44 الى 52]

قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ إِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) وَ لَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (48)

فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى‏ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى‏ عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَ ما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) أَ وَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)

قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لتوقفها على إرضائه للمشفوع له بتهيئته لقبولها، و إذن الشفيع بتمكينه منها و التهيؤ من فيضه الأقدس، فالقبول و التأثير من جهته له الملك مطلقا إليه الرجوع دائما ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ‏ مما يشاهدون من هيئات أعمالهم و صور أخلاقهم التي ذهلوا عنها لاشتغالهم بالشواغل الحسيّة، و أحصاه اللّه بإثباته في كتبهم بل في الكتب‏ الأربعة من نفوسهم و السماء الدنيا و اللوح المحفوظ و أمّ الكتاب.

 

 

[53]

[سورة الزمر (39): آية 53]

قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)

لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ‏ فإن القنوط علامة زوال الاستعداد و السقوط عن الفطرة بالاحتجاب، و انقطاع الوصلة من الحق و البعد، إذ لو بقيت فيه مسكة من النور الأصلي لأدرك أثر رحمته الواسعة السابقة على غضبه بالذات فرجا وصول ذلك الأثر إليه، و إن أسرف في الميل إلى الجهة السفلية و فرط في جنب الحضرة الإلهية لاتصاله بعالم النور بتلك البقية.

و إنما اليأس لا يكون إلا مع الاحتجاب الكلي و اسوداد الوجه بالإعراض عن العالم العلويّ، و التغشي بالغطاء الخلقي المادّي.

إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً بشرط بقاء نور التوحيد في القلب و هو مستفاد من اختصاص العباد لإفاضتهم إلى نفسه في قوله: يا عِبادِيَ‏[1]، و لهذا قيل: يغفر جميعها للأمة المحمدية الموحدين دون سائر الأمم، كما قال لأمّة نوح عليه السلام: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ‏[2] أي: بعضها. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ لهيئات الرذائل من الإفراط و التفريط الرَّحِيمُ‏ بإفاضة الفضائل.

 

 

[54- 59]

[سورة الزمر (39): الآيات 54 الى 59]

وَ أَنِيبُوا إِلى‏ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى‏ عَلى‏ ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58)

بَلى‏ قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَ اسْتَكْبَرْتَ وَ كُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (59)

وَ أَنِيبُوا إِلى‏ رَبِّكُمْ‏ بالتنّصل عن هيئات السوء وَ أَسْلِمُوا لَهُ‏ وجوهكم بالتجرّد عن ذنوب الأفعال و الصفات من قبل انسداد باب المغفرة بوقوع العذاب الذي تستحقونه بالموت فلا يمكنكم الإنابة و التسليم لفقدان الآلات و انسداد الأبواب‏ يا حَسْرَتى‏ عَلى‏ ما فَرَّطْتُ‏ بترك السعي في طلب الكمال و التقصير في الطاعة حين كنت في جوار اللّه، قريبا منه، لصفاء استعدادي و تمكّني من السلوك فيه بوجود الآلات البدنية المعدّة لي.

 

 

[60]

[سورة الزمر (39): آية 60]

وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60)

وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ الكبرى‏ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ‏ من المحجوبين الذين يسوّونه بالمخلوقات، إذ يجسمونه و يجوّزون عليه ما يمتنع عليه من الصفات لاحتجابهم بالموادّ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ بارتكاب الهيئات الظلمانية و رسوخ الرذائل النفسانية في ذواتهم‏ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ‏ الطبيعة الهيولانية مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ‏ الذين احتجبوا بصفات نفوسهم المستولية عليهم.

 

 

[61]

[سورة الزمر (39): آية 61]

وَ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)

وَ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا الرذائل بتجرّدهم عن تلك الصفات‏ بِمَفازَتِهِمْ‏ و أسباب فلاحهم من هيئات الحسنات و صور الفضائل و الكمالات‏ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ لتجرّدهم عن الهيئات المؤلمة المنافية وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ بفوات كمالاتهم التي اقتضتها استعداداتهم.

 

 

[62]

[سورة الزمر (39): آية 62]

اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَكِيلٌ (62)

لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ هو وحده يملك خزائن غيوبها و أبواب خيرها و بركتها، يفتح لمن يشاء بأسمائه الحسنى، إذ كل اسم من أسمائه مفتاح لخزانة من خزائن جوده لا ينفتح بابها إلا به، فيفيض عليه ما فيها من فيض رحمته العامة و الخاصة و نعمته الظاهرة و الباطنة.

 

 

[63]

[سورة الزمر (39): آية 63]

لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (63)

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ‏ أي: حجبوا عن أنوار صفاته و أفعاله بظلمات طباعهم و نفوسهم‏ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ‏ الذين لا نصيب لهم من تلك الخزائن لإطفائهم النور الأصلي القابل لها، و تضييعهم الاستعداد الفطري، و الاسم الذي يفتح به مقاليدها.

 

 

[64- 67]

[سورة الزمر (39): الآيات 64 الى 67]

قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (64) وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)

قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ بالجهل، فأحتجب عن فيض رحمته و نور كماله، فأكون‏ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ بل خصص العبادة باللّه موحدا فانيا فيه عن رؤية الغير إن كنت تعبد شيئا وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏ به له، وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏ أي: ما عرفوه حق معرفته إذ قدروه‏ في أنفسهم و صوّروه و كل ما يتصوّرونه فهو مجعول مثلهم‏ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ‏ أي:

تحت تصرّفه و قبضة قدرته و قهر ملكوته‏ وَ السَّماواتُ‏ في طيّ قهره و يمين قوته يصرفها كيف يشاء و يفعل بها ما يشاء، يطويها و يفنيها عن شهود الشاهد يوم القيامة الكبرى، و الفناء في التوحيد لفناء الكل حينئذ في شهود التوحيد، و كل تصرّف تراه بيمينه و كل صفة تراها صفته، و يرى عالم القدرة بيمينه، بل كل شي‏ء عينه فلا يرى غيره بل يرى وجهه، فلا عين و لا أثر لغيره‏ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ بإثبات الغير و تأثيره و قدرته.

 

 

[68]

[سورة الزمر (39): آية 68]

وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى‏ فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (68)

وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ عند الإماتة بسريان روح الحق و ظهوره في الكل و شهود ذاته بذاته و فناء الكل فيه‏ فَصَعِقَ‏ أي: هلك‏ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ‏ حال الفناء في التوحيد و ظهور الهوية بالنفخة الروحية إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ‏ من أهل البقاء بعد الفناء الذين أحياهم اللّه بعد الفناء بالوجود الحقاني فلا يموتون في القيامة كرّة أخرى لكون حياتهم به و فنائهم عن أنفسهم من قبل‏ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى‏ عند البقاء بعد الفناء و الرجوع إلى التفصيل بعد الجمع‏ فَإِذا هُمْ قِيامٌ‏ بالحق‏ يَنْظُرُونَ‏ بعينه.

 

 

[69- 70]

[سورة الزمر (39): الآيات 69 الى 70]

وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَ وُضِعَ الْكِتابُ وَ جِي‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (70)

وَ أَشْرَقَتِ‏ أرض النفس حينئذ بِنُورِ رَبِّها و اتّصفت بالعدالة التي هي ظلّ شمس الوحدة و الأرض كلها في زمن المهدي عليه السلام بنور العدل و الحق‏ وَ وُضِعَ الْكِتابُ‏ أي:

عرض كتاب الأعمال على أهلها ليقرأ كل واحد عمله في صحيفته التي هي نفسه المنتقشة فيها صور أعماله المنطبع منها تلك الصور في بدنه‏ وَ جِي‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ من السابقين المطلعين على أحوالهم الذين قال فيهم: يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ‏[3] أي: أحضروا للشهادة عليهم لاطلاعهم على أعمالهم‏ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِ‏ حيث وزن أعمالهم بميزان العدل و وفّى جزاء أعمالهم لا ينقص منها شي‏ء وَ هُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ‏ لثبوت صور أفعالهم عنده.

 

 

[71- 72]

[سورة الزمر (39): الآيات 71 الى 72]

وَ سِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى‏ وَ لكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72)

وَ سِيقَ‏ المحجوبون‏ إِلى‏ جَهَنَّمَ‏ بسائق العمل و قائد الهوى النفسيّ و الميل السفليّ‏ فُتِحَتْ أَبْوابُها لشدّة شوقها إليهم و قبولها لهم لما بينهما من المناسبة وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها من مالك و الزبانية، أي: الطبيعة الجسمانية و الملكوت الأرضية الموكلة بالنفوس السفلية.

 

 

[73]

[سورة الزمر (39): آية 73]

وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (73)

وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا الرذائل و صفات النفوس‏ إِلَى الْجَنَّةِ بسائق العمل و قائد المحبة وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها قبل مجيئهم لأن أبواب الرحمة و فيض الحق مفتوحة دائما و التخلف من جهة القبول لا من جهة الفيض بخلاف أبواب جهنم، فإنها مطبقة تنفتح بهم و بمجيئهم إليها لكون المواد غير مستعدّة لقبول النفوس إلّا بآثارها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها من رضوان و الأرواح القدسية و الملكوت السماوية سَلامٌ عَلَيْكُمْ‏ أي: تحيتهم الصفات الإلهية و الأسماء العليّة بإفاضة الكمال عليهم و تبرئتهم من الآفة و النقص‏ طِبْتُمْ‏ عن خبائث الأوصاف النفسانية و الهيئات الهيولانية، فادخلوا جنة الفردوس الروحانية مقدّرين الخلود لنزاهة ذواتكم عن التغيرات الجسمانية.

 

 

[74- 75]

[سورة الزمر (39): الآيات 74 الى 75]

وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (74) وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (75)

وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ‏ بالاتّصاف بكمالاته و الوصول إلى نعيم تجليات صفاته‏ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ‏ بإيصالنا إلى ما وعدنا في العهد الأول و أودع فينا و أنبأنا عنه على ألسنة رسله‏ وَ أَوْرَثَنَا جنّة الصفات‏ نَتَبَوَّأُ منها حَيْثُ نَشاءُ بحسب شرفنا و مقتضى حالنا فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ‏ الذين عملوا بما علموا فأورثوا جنّة القلب و النفس من الأنوار و الآثار وَ تَرَى‏ ملائكة القوى الروحانية في جنّة الصفات‏ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ‏ عرش القلب‏ يُسَبِّحُونَ‏ بتجرّدهم عن اللواحق المادية، حامدين ربّهم بالكمالات الروحانية وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِ‏ بتسالمهم و اتحادهم في التوجه نحو الكمال بنور العدل و التوحيد و اختصاص كل بما حكم بالحق في تسبيحه من غير تخاصم و تنازع‏ وَ قِيلَ‏ على لسان الأحدية الْحَمْدُ المطلق في الحضرة الواحدية للذات الإلهية الموصوفة بجميع صفاتها رَبِّ الْعالَمِينَ‏ مربيهم على حسب استعدادات الأشياء و أحوالها.

أو ملائكة النفوس و الأرواح السماوية حافين في جنة الفردوس من حول عرش الفلك الأعظم، يسبّحون بحمد ربّهم باتصاف ذواتهم المجرّدة بالكمالات الربانية. و قضى بينهم‏ بالحق باختصاص كل بما حكم به الحق من الأفعال و الكمالات.

و قيل على لسان الكل:الكمال المطلق للّه ربّ العالمين، و إن حملت القيامة على الصغرى فمعناه: و أرض البدن جميعا قبضته، يتصرّف فيها بقدرته و يقبضها عن الحركة و يمسكها عن الانبساط بالحياة وقت الموت و سموات الأرواح و قواها مطويات بيمينه و نفخ في الصور عند النفس الآخر فصعق من في السموات من القوى الروحانية و من في الأرض من القوى النفسانية الطبيعية إلا من شاء اللّه من الحقيقة الروحانية و اللطيفة الإنسانية التي لا تموت، ثم نفخ فيه أخرى في النشأة الثانية بنور الحياة و الاعتدال و وضع الكتاب، أي: لوح النفس المنتقش فيه صور أعماله فتنتشر بظهور تلك النفوس عليه و جي‏ء بالنبيين و الشهداء من الذين اطلعوا على استعدادهم و أحوالهم بأن يحشروا معهم فيجازوا على حسب أعمالهم، و قضي بينهم بالعدل و هم لا يظلمون. و باقي التأويلات بحالها إلى آخر السورة و اللّه تعالى أعلم.

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج‏2، ص: 209


[1] ( 1) سورة الزمر، الآية: 53.

[2] ( 2) سورة نوح، الآية: 71.

[3] ( 1) سورة الأعراف، الآية: 46.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=