تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الممتحنة
سورة الممتحنة
[1- 4]
[سورة الممتحنة (60): الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ قَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَ ما أَعْلَنْتُمْ وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَ ما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4)
عدوّ اللّه هو الذي خالف عهده و أعرض بقلبه عن جنابه، فبالضرورة يكون مشركا بمحبة الغير و عدوّا لكل موحد ينفي الغير لكون كل منهما في عدوة حينئذ و لهذا قال: عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ و أشار إلى كون الموالاة بينهما عرضيا لا ذاتيا بقوله: تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ثم بين امتناع كونه ذاتيا ببيان المنافاة الذاتية بينهما و عدم المناسبة و الجنسية من جميع الوجوه بقوله: وَ قَدْ كَفَرُوا إلى آخره، ثم أشار إلى أن وقوعها لا يكون إلا عند الجنسية و حدوث الميل إلى الشرك، فإن وقعت فلا بد منهما بقوله: وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي: طريق الوحدة. ثم أشار إلى أن العرضية لا يجوز أن يختارها أهل التحقيق لأن السبب الموجب لها أمور فانية لا يبقى نفعها إلا في الدنيا و العاقل يجب أن يختار الأمور الباقية دون الفانية بقوله: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ أي: لا نفع لمن اخترتم موالاة العدوّ الحقيقي لأجله لأن القيامة الصغرى مفرّقة بينكم تفريقا أبديا لعدم الاتصال الحقيقي الباقي بعد الموت بينكم، و هذا معنى قوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ أي: يفصل اللّه بينكم و بين أرحامكم و أولادكم، كما قال: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ (35) وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ (36)[1].
ثم علّمهم طريق التوحيد بالتأسي بالموحد الحقيقي السابق إبراهيم النبي عليه السلام و أصحابه لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ أي: لأطلبن لك الغفران بمحو صفاتك و سيئات أعمالك بالنور الإلهي وَ ما أَمْلِكُ إلا الطلب. و أما وجود ذلك فأمر متعلق بمشيئة اللّه و عنايته كما قال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ[2].
رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا بالخروج عن أفعالنا بشهود أفعالك وَ إِلَيْكَ أَنَبْنا بمحو صفاتنا بمطالعة صفاتك وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ بفناء ذواتنا و وجوداتنا في ذاتك و هو التوحيد التام.
[5- 13]
[سورة الممتحنة (60): الآيات 5 الى 13]
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَ اللَّهُ قَدِيرٌ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَ ظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَ آتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَ سْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَ لْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) وَ إِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَ لا يَسْرِقْنَ وَ لا يَزْنِينَ وَ لا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَ لا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ وَ لا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (13)
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي: إنّا لا نخافهم و لا نرى لهم تأثيرا و لا وجودا و لكنا نعوذ بعفوك من عقابك حتى لا تعاقبنا بهم و لا تبلينا بأيديهم بسبب ما فرط منا من السيئات و الظهور بالصفات وَ اغْفِرْ لَنا ذنوب تفريطاتنا بالعفو لا بالعقوبة إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ القويّ على عقابنا بهم و على دفعهم عنا و قمعهم و قهرهم الْحَكِيمُ لا يفعل أحد الأمرين و لا يختاره إلا بمقتضى الحكمة ثم كرر وجوب التأسي بإبراهيم و أصحابه و أثبته لمن كان في بداية التوحيد في مقام الرجاء و توقع الكمال عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً برفع موجب العداوة الذي هو الكفر، إذ الاحتجاب ليس أمرا فطريا بل الإيمان بمقتضى الفطرة الأصلية و التحاب و إنما حدث الكفر عند الاحتجاب بالنشأة و الانغمار في الغواشي الطبيعية وَ اللَّهُ قادر على رفعها، و إذا ارتفعت ظهرت المودّة الحقيقية بنور الوحدة الذاتية و مقتضى الأخوة الإيمانية وَ اللَّهُ غَفُورٌ يستر تلك الهيئات المظلمة الحاجبة بنور صفاته رَحِيمٌ يرحم أهل النقصان فيجبره بإفاضة كمالاته إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ لأن العدالة هي ظل المحبة و المحبة ظل الوحدة فما ظهرت العدالة في مظهر إلا و قد تعلقت محبة اللّه به أولا إذ لا ظلّ بغير الذات و اللّه تعالى أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 336
[1] ( 1) سورة عبس، الآيات: 34- 36.
[2] ( 1) سورة القصص، الآية: 56.