تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة السجدة
سورة السجدة
[1- 4]
[سورة السجده (32): الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ (4)
الم أي: ظهور الذات الأحديّة و الصفات و الحضرات الأسمائية هو تَنْزِيلُ كتاب العقل الفرقاني المطلق على الوجود المحمدي مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ بظهوره في مظهره بصورة الرحمة التامة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باحتجابه بها في الأيام الستة الإلهية التي هي مدة دور الخفاء من لدن آدم عليه السلام إلى دور محمد عليه الصلاة و السلام ثُمَّ اسْتَوى على عرش القلب المحمدي للظهور في هذا اليوم الأخير الذي هو جمعة تلك الأيام بالتجلي بجميع صفاته، فإن استواء الشمس هو كمال ظهورها في الإشراق و نشر الشعاع، و لهذاقال عليه السلام: «بعثت في نسم الساعة»، فإن وقت بعثته طلوع صبح الساعة و وسط نهار هذا اليوم وقت ظهور المهدي عليه السلام، و لأمر ما استحبّ قراءة هذه السورة في صبح يوم الجمعة. ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ عند ظهوره مِنْ وَلِيٍّ وَ لا شَفِيعٍ لفناء الكل فيه أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ العهد الأول من ميثاق الفطرة عند ظهور الوحدة.
[5- 10]
[سورة السجده (32): الآيات 5 الى 10]
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (9)
وَ قالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (10)
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ بالإخفاء و الخلاقية من سماء ظهور الوحدة إلى أرض خفائها و غروبها في الأيام الستة ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ بالظهور في هذا اليوم السابع الذي كان مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَذلِكَ المدبّر عالِمُ الْغَيْبِ و حكمة الخفاء في الستة وَ الشَّهادَةِ أي: الظهور في هذا اليوم الْعَزِيزُ المنيع بستور الجلال في الاحتجاب الرَّحِيمُ بكشفها و إظهار الجمال الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ بأن جعله مظاهر صفاته، فإن الحسن مختصّ بالصفات و الأكوان كلها مظاهر صفاته إلا الإنسان الكامل فإنه مختصّ بجمال الذات و لهذا خصّه بالتسوية أي: التعديل بأعدل الأمزجة و أحسن التقويم ليستعدّ بذلك لقبول الروح المخصوص به تعالى وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ و بهذا النوع أنهى الخلق و ظهر الحق.
[11- 12]
[سورة السجده (32): الآيات 11 الى 12]
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَ لَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (12)
مَلَكُ الْمَوْتِ أي: النفس الإنسانية الكلية التي هي معاد النفوس الجزئية ما لم تسقط عن الفطرة بالكلية و إن احتجبت الهيئات الظلمانية و الصفات النفسانية فإنها ما لم تبلغ إلى حدّ الرين و انغلاق باب المغفرة تتوفاها النفس التي هي بمثابة القلب للعالم، و إن بلغت فرقتها ملائكة العذاب فحسب، و لما لم يبلغوا إلى هذا الحدّ و إن احتجبوا عن لقاء الربّ وصفهم مع ميلهم إلى الجهة السفلية المنكسة لرؤوسهم بسبب رسوخ هيئات الأجرام بالبصر و السمع و تمنى الرجوع إذ لو لم يبق فيهم نور الفطرة و طمسوا بالكلية لم يقولوا: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا و لم يتمنوا الرجوع، و هؤلاء هم الذين لا يتخلدون في النار بل يعدّلون بحسب رسوخ الهيئات ثم يرجعون.
[13- 14]
[سورة السجده (32): الآيات 13 الى 14]
وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَ ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14)
لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها بالتوفيق للسلوك مع المساواة في الاستعداد، و لكنه ينافي الحكمة لبقائهم حينئذ على طبيعة واحدة و بقاء سائر الطبقات الممكنة في حيز الإمكان مع عدم الظهور أبدا، و خلوّ أكثر مراتب هذا العالم عن أربابها فلا تمشي الأمور الخسيسة و الدنيئة المحتاج إليها في العالم التي تقوم بها أهل الحجاب و الذلّة و القسوة و الظلمة، البعداء عن المحبة و الرحمة و النور و العزّة، فلا ينضبط نظام العالم و لا يتم صلاح المهتدين أيضا لوجوب الاحتياج إلى سائر الطبقات، فإنّ النظام ينصلح بالمخافي و بالمظاهر فلو كانوا مظاهر كلهم أنبياء و سعداء لاختلّ بعدم النفوس الغلاظ و الشياطين الإنس القائمين بعمارة العالم.
ألا ترى إلى قوله تعالى: «إني جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم»، فوجب في الحكمة الحقّة التفاوت في الاستعداد بالقوة و الضعف و الصفاء و الكدورة و الحكم بوجود السعداء و الأشقياء في القضاء ليتجلى بجميع الصفات في جميع المراتب، و هذا معنى قوله: وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي أي: في القضاء السابق لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ الطبيعة مِنَ الْجِنَّةِ أي: النفوس الأرضية الخفيّة عن البصر وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا لاحتجابكم بالغشاوات الطبيعية و الملابس البدنية إِنَّا نَسِيناكُمْ بالخذلان عن الرحمة لعدم قبولكم إياها و إدباركم وَ ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بسبب أعمالكم، فعلى هذا التأويل المذكور تكون الخلد مجازا و عبارة عن الزمان الطويل، أو يكون الخطاب بذوقوا لمن حقّ عليهم القول في القضاء السابق من الجنّة و الناس.
[15]
[سورة السجده (32): آية 15]
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (15)
إِنَّما يُؤْمِنُ على التحقيق بآيات صفاتنا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا لسرعة قبولهم لها بصفاء فطرتهم سُجَّداً فانين فيها وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي: جرّدوا ذواتهم متّصفين بصفات ربّهم فذاك هو تسبيحهم و حمدهم له بالحقيقة وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ بظهور صفات النفس و الأنانية.
[16- 17]
[سورة السجده (32): الآيات 16 الى 17]
تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (17)
تَتَجافى جُنُوبُهُمْ بالتجرّد عن الغواشي الطبيعية و القيام عَنِ الْمَضاجِعِ البدنية و الخروج عن الجهات بمحو الهيئات يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالتوجه إلى التوحيد في مقام القلب خوفا من الاحتجاب بصفات النفس بالتلوين وَ طَمَعاً في لقاء الذات وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ من المعارف و الحقائق يُنْفِقُونَ على أهل الاستعداد فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ شريفة منهم ما أُخْفِيَ لَهُمْ من جمال الذات و لقاء نور الأنوار الذي تقرّ به أعينهم فيجدون من اللذة و السرور ما لا يبلغ كنهه و لا يمكن وصفه جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ من التجريد و المحو في الصفاء و العمل بأحكام التجليات مُؤْمِناً بالتوحيد على دين الفطرة.
[18- 20]
[سورة السجده (32): الآيات 18 الى 20]
أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20)
كَمَنْ كانَ فاسِقاً بخروجه عن ذلك الدين القيم بحكم دواعي النشأة جَنَّاتُ الْمَأْوى بحسب مقاماتهم من الجنان الثلاث كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها بالميل الفطريّ أُعِيدُوا فِيها لاستيلاء الميل السفلي و قهر الملكوت الأرضية بسبب رسوخ الهيئات الطبيعية.
[21- 22]
[سورة السجده (32): الآيات 21 الى 22]
وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)
وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى الذي هو عذاب الآثار و نيران مخالفات النفوس و الطباع في البليّات و الشدائد و الأهوال دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ الذي هو الاحتجاب بالظلمات عن أنوار الصفات و الذات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى اللّه عند تصفية فطرتهم بشدّة العذاب الأدنى قبل الرين بكثافة الحجاب.
[23- 30]
[سورة السجده (32): الآيات 23 الى 30]
وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَ جَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (23) وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَ وَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ (26) أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ (27)
وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ انْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)
وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى كتاب العقل الفرقاني فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ من لقاء موسى عند بلوغك إلى مرتبته في معراجك كما ذكر في قصة المعراج أنه لقيه في السماء الخامسة و هو عند ترقّيه عن مقام السرّ الذي هو مقام المناجاة إلى مقام الروح الذي هو الوادي المقدّس يَوْمَ الْفَتْحِ المطلق يوم القيامة الكبرى بظهور المهدي لا ينفع إيمان المحجوبين حينئذ لأنه لا يكون إلا باللسان، و لا يفنى عنهم العذاب، و اللّه تعالى أعلم.