تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الأحزاب
سورة الأحزاب
[1- 5]
[سورة الأحزاب (33): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (1) وَ اتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (2) وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (3) ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَ ما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَ ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَ مَوالِيكُمْ وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَ لكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (5)
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ بالفناء عن ذاتك بالكلية دون بقاء البقية وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ بموافقتهم في بعض الحجب لظهور الأنانية وَ الْمُنافِقِينَ بالنظر إلى الغير فتكون ذا وجهين و بالانتهاء بحكم هذا النهي وصف بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى (17)[1]، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً يعلم ذنوب الأحوال حَكِيماً في ابتلائك بالتلوينات فإنها تنفع في الدعوة و إصلاح أمر الأمة إذ لو لم يكن له تلوين لم يعرف ذلك من أمّته فلا يمكنه القيام بهدايتهم وَ اتَّبِعْ في ظهور التلوينات ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ من التأديبات و أنواع العتاب و التشديدات بحسب المقامات كما ذكر غير مرة في قوله: وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ[2] و أمثاله إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً يعلم مصادر الأعمال و أنها من- أي الصفات- تصدر من الصفات النفسانية أو الشيطانية أو الرحمانية فيهديك إليها و يزكيك منها و يعلمك سبيل التزكية و الحكمة في ذلك وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في دفع تلك التلوينات و رفع تلك الحجب و الغشاوات وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا فإنها لا ترتفع و لا تنكشف إلا بيده لا بنفسك و علمك و فعلك، أي: لا تحتجب برؤية الفناء في الفناء فإنه ليس من فعلك سواء كان في الأفعال أو الصفات أو الذات أو إزالة التلوينات فإنها كلها بفعل اللّه لا مدخل لك فيها و إلا لما كنت فانيا.
[6]
[سورة الأحزاب (33): آية 6]
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (6)
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ لأنه مبدأ وجوداتهم الحقيقية و مبدأ كمالاتهم و منشأ الفيضين الأقدس الاستعدادي أولا و المقدس الكمالي ثانيا، فهو الأب الحقيقي لهم و لذلك كانت أزواجه أمّهاتهم في التحريم و محافظة الحرمة مراعاة لجانب الحقيقة و هو الواسطة بينهم و بين الحق في مبدأ فطرتهم فهو المرجع في كمالاتهم و لا يصل إليهم فيض الحق بدونه لأنه الحجاب الأقدس و اليقين الأول، كما قال: «أول ما خلق اللّه نوري»، فلو لم يكن أحبّ إليهم من أنفسهم لكانوا محجوبين بأنفسهم عنه، فلم يكونوا ناجين، إذ نجاتهم إنما هي بالفناء فيه لأنه المظهر الأعظم.
وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ بعضهم أولى ببعض من غيرهم للاتصال الروحاني و الجسماني و الأخوة الدينية و القرابة الصورية و لا تخلو القرابة من تناسب ما في الحقيقة لاتصال الفيض الروحاني بحسب الاستعداد المزاجي، فكما تتناسب أمزجة أولي الأرحام و هياكلهم الصورية فكذلك أرواحهم و أحوالهم المعنوية إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ المحبوبين في اللّه للتناسب الروحي و التقارب الذاتي مَعْرُوفاً إحسانا بمقتضى المحبة و الاشتراك في الفضيلة زائدا عما بين الأقارب كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ أي: اللوح المحفوظ مَسْطُوراً.
[7- 20]
[سورة الأحزاب (33): الآيات 7 الى 20]
وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (7) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (8) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً (11)
وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (12) وَ إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (13) وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَ ما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (14) وَ لَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَ كانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (16)
قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (19) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَ إِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَ لَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً (20)
وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ و خصوصا الخمسة المذكورة لاختصاصهم بمزيد المرتبة و الفضيلة ميثاق التوحيد و التكميل و الهداية بالتبليغ عند الفطرة و هو الميثاق الغليظ المضاعف بالكمال و التكميل و لذلك أضافه إليهم بقوله: ميثاقهم، أي: الميثاق الذي ينبغي لهم و يختص بهم، و قدّم في الاختصاص بالذكر نبينا عليه السلام بقوله منك، لتقدّمه على الباقين في الرتبة و الشرف لِيَسْئَلَ اللّه بسبب عهدهم و ميثاقهم و بواسطة هدايتهم الصَّادِقِينَ الذين صدّقوا العهد الأول و الميثاق الفطري في قوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى[3]، عَنْ صِدْقِهِمْ بالوفاء و الوصول إلى الحق بإخراج ما في استعدادهم من الكمال بحضور الأنبياء كما قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ[4] فالسؤال إنما كان مسببا عن ميثاق الأنبياء لأنه يسألهم على ألسنتهم و هم الشاهدون لهم آخرا كما كانوا شاهدين عليهم أولا.
[21- 27]
[سورة الأحزاب (33): الآيات 21 الى 27]
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) وَ لَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ ما زادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَ تَسْلِيماً (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (24) وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (25)
وَ أَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26) وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (27)
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وجب على كل مؤمن متابعة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مطلقا حتى يتحقق رجاؤه و يتم عمله لكونه الواسطة في وصولهم و الوسيلة في سلوكهم للرابطة النفيسة بينه و بينهم بحكم الجنسية. و ذكر الرجاء اللازم للإيمان بالغيب في مقام النفس و قرن به الذكر الكثير الذي هو عمل ذلك المقام ليعلم أن من كان في بدايته يلزمه متابعته في الأعمال و الأخلاق و المجاهدة و المواساة بالنفس و المال، إذ لو لم يحكم البداية لم يفلح بالنهاية.
ثم إذا تجرّد و تزكّى عن صفات نفسه فليتابعه في موارد القلب، أي: الصدق و الإخلاص، و التسليم و التوكل، كما تابعه في منازل النفس ليحتظي ببركة متابعته بالمواهب و الأحوال و تجلّيات الصفات في مقامه كما احتظى بالمكاسب و المقامات و تجلّيات الأفعال في مقام النفس، و كذا في مقام السرّ و الروح حتى الفناء. و من صحة المتابعة تصديقه في كل ما أخبر به بحيث لا يعتوره الشك في شيء من أخباره و إلا فترت العزيمة و بطلت المتابعة، فإن الأصل و العمدة في العمل الاعتقاد الجازم، و لهذا مدحهم بقوله: وَ لَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إذ وعدهم الابتلاء و الزلزال حتى ينخلعوا عن أبدانهم و يتجرّدوا في التوجه إليه عن نفوسهم في قوله: وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ[5].
وَ ما زادَهُمْ أي: وقوع البلاء بالأحزاب إِلَّا إِيماناً وَ تَسْلِيماً لقوّة اعتقادهم في البداية و صحة متابعتهم في التسليم ففازوا بمقام الفتوة و الانخلاع بالبلاء و عن قيود النفس لسلامة الفطرة، فوصفهم بالوفاء الذي هو كمال مقام الفتوة، و سماهم رجالا على الحقيقة بقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ أي: رجال أيّ رجال، ما أعظم قدرهم لكونهم صادقين في العهد الأول الذي عاهدوا اللّه عليه في الفطرة الأولى بقوة اليقين و عدم الاضطراب عند ظهور الأحزاب، فلم يتنحوا بكثرتهم و قوّتهم عن التوحيد و شهود تجلي الأفعال فيقعوا في الارتياب و يخافوا سطوتهم و شوكتهم فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ بالوفاء بعهده و البلوغ إلى كمال فطرته وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ في سلوكه بقوة عزيمته وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا بالاحتجاب بغواشي النشأة و ارتكاب مخالفات الفطرة بمحبة النفس و البدن و لذاتهما و الميل إلى الجهة السفلية و شهواتها فيكونوا كاذبين في العهد، غادرين لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ جنات الصفات وَ يُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ الذين وافقوا المؤمنين بنور الفطرة و أحبوهم بالميل الفطريّ إلى الوحدة، و أحبوا الكافرين بسبب غواشي النشأة و الانهماك في الشهوة، فهم متذبذبون بين الجهتين لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء، و بهيئات نفوسهم المظلمة إِنْ شاءَ لرسوخها أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ لعروضها و عدم رسوخها إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً يستر هيئات النفوس بنوره رَحِيماً يفيض الكمال عند إمكان قبوله.
[28- 35]
[سورة الأحزاب (33): الآيات 28 الى 35]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (28) وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَ أَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (31) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32)
وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33) وَ اذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَ الْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (34) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ الْقانِتِينَ وَ الْقانِتاتِ وَ الصَّادِقِينَ وَ الصَّادِقاتِ وَ الصَّابِرِينَ وَ الصَّابِراتِ وَ الْخاشِعِينَ وَ الْخاشِعاتِ وَ الْمُتَصَدِّقِينَ وَ الْمُتَصَدِّقاتِ وَ الصَّائِمِينَ وَ الصَّائِماتِ وَ الْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحافِظاتِ وَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً (35)
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إلى آخره، اختبر النساء هو إحدى خصال التجريد و أقدام الفتوة التي يجب متابعته فيها، فإنه عليه السلام مع ميله إليهنّ لقوله: «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث»، إذ شوّشنّ وقته بميلهنّ إلى الحياة الدنيا و زينتها خيرهنّ و جرّد نفسه عنهنّ و حكمهنّ بين اختيار الدنيا و نفسه، فإن اخترنه لقوة إيمانهن بقينّ معه بلا تفريق لجمعيته و تشويش لوقته بطلب الزينة و الميل إليها، بل على التجرد و التوجه إلى الحق كقوى نفسه، و إن اخترن الدنيا و زينتها متعهنّ و سرّحهنّ و فرّغ قلبه عنهنّ بمثابة إماتة القوى المستولية.
[36]
[سورة الأحزاب (33): آية 36]
وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (36)
وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ الآية، من جملة الخصال التي تجب طاعته و متابعته فيها و هو مقام الرضا و الفناء في الإرادة لكونه عليه السلام إذا فنى بذاته و صفاته في ذات اللّه و صفاته تعالى أعطى صفات الحق بدل صفاته عند تحققه بالحق في مقام البقاء بالوجود الموهوب و كان حكمه و إرادته حكم اللّه و إرادته تعالى كسائر صفاته. ألا ترى إلى قوله تعالى:
وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4)[6] فمن لوازم متابعته الفناء في إرادة الحق، فإرادته إرادة الحق فيجب الفناء في إرادته و ترك الاختيار مع اختياره و إلا لكان عصيانا و ضَلالًا مُبِيناً لكونه مخالفة صريحة للحق.
[37- 40]
[سورة الأحزاب (33): الآيات 37 الى 40]
وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (37) ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَ كَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (39) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (40)
وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ إلى قوله: وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ أحد التأديبات الإلهية النازلة في تلوينه عند ظهور نفسه للتثبيت و تلك التلوينات هي موارد التأديبات، و لهذا كان خلقه القرآن.
[41- 42]
[سورة الأحزاب (33): الآيات 41 الى 42]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً (42)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ باللسان في مقام النفس، و الحضور في مقام القلب، و المناجاة في مقام السرّ، و المشاهدة في مقام الروح، و المواصلة في مقام الخفاء، و الفناء في مقام الذات، وَ سَبِّحُوهُ بالتجريد عن الأفعال و الصفات و الذات بُكْرَةً وقت طلوع فجر نور القلب و إدبار ظلمة النفس و ليل غروب شمس الروح بالفناء في الذات، أي: دائما من ذلك الوقت إلى الفناء السرمدي.
[43]
[سورة الأحزاب (33): آية 43]
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (43)
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ بحسب تسبيحكم بتجليات الأفعال و الصفات دون الذات لاحتراقهم هناك بالسبحات، كما
قال جبريل عليه السلام: «لو دنوت أنملة لاحترقت».
لِيُخْرِجَكُمْ بالإمداد الملكوتي و التجلي الأسمائيّ من ظلمة أفعال النفوس إلى نور تجلّيات أفعاله في مقام التوكل، و من ظلمة صفات النفوس إلى نور تجليات صفاته و من ظلمة الأنانية إلى نور الذات وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً يرحمهم بما يستدعيه حالهم و يقتضيه استعدادهم من الكمالات.
[44]
[سورة الأحزاب (33): آية 44]
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَ أَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (44)
تَحِيَّتُهُمْ أي: تحية اللّه إياهم وقت اللقاء بالفناء فيه تكميلهم و تسليمهم عن النقص بجبر كسرهم بأفعاله و صفاته و ذاته، أو تحيته لهم بإفاضة هذه الكمالات وقت لقائهم إياه بالمحو و الفناء هي سلامتهم عن آفات صفاتهم و أفعالهم و ذواتهم أو بسلامتهم، لأن التحية بالتجليات و السلامة عن الآفات تكونان معا و الأول يناسب إطلاق اسم السلام على اللّه تعالى.
وَ أَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً بإثابة هذه الجنات عن أعمالهم في التسبيحات و المذاكرات.
[45- 47]
[سورة الأحزاب (33): الآيات 45 الى 47]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (45) وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً (46) وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً (47)
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً للحق في الإرسال إلى الخلق غير محتجب بالكثرة عن الوحدة مطلقا على أحوالهم و كمالاتهم بنور الحق وَ مُبَشِّراً للمستعدّين السالمين فيه بالفوز بالوصول وَ نَذِيراً للمحجوبين و الواقفين مع الغير بالعقاب و الحرمان و الحجاب وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ كل مستعدّ بحسب حاله و مقامه بِإِذْنِهِ و ما يسر اللّه بحسب استعداده وَ سِراجاً مُنِيراً بنور الحق النفوس المظلمة بغشاوات الجهل و هيئات البدن و الطبع وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ المستبصرين بنور الفطرة بِأَنَّ لَهُمْ بحسب صفاء استعداداتهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا بإفاضة الكمالات بعد هبة الاستعدادات كَبِيراً من جنات الصفات.
[48- 55]
[سورة الأحزاب (33): الآيات 48 الى 55]
وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ دَعْ أَذاهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (48) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَ سَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (49) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَ بَناتِ عَمِّكَ وَ بَناتِ عَمَّاتِكَ وَ بَناتِ خالِكَ وَ بَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (50) تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَ مَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَ لا يَحْزَنَّ وَ يَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً (51) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَ لا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (52)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَ لكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَ لا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَ إِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (54) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَ لا أَبْنائِهِنَّ وَ لا إِخْوانِهِنَّ وَ لا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَ لا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَ لا نِسائِهِنَّ وَ لا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَ اتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (55)
وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ في التلوينات كما ذكر في أول السورة فيتكدّر نور سراجك وَ دَعْ أَذاهُمْ بنفسك لتنجو من آفة التلوين و رؤية فعل الغير فإنهم لا يفعلون ما يفعلون بالاستقلال بأنفسهم وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ برؤية أفعالهم و أفعالك منه وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يفعل بك و بهم ما يشاء، فإن آذاهم على مظهرك فهو القادر على ذلك مع براءتك عن ذنب التلوين كما فعل عند التمكين و إلا فهو أعلم بشأنه.
[56- 65]
[سورة الأحزاب (33): الآيات 56 الى 65]
إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (57) وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (58) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَ بَناتِكَ وَ نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (59) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً (60)
مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (62) يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (64) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (65)
إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ بالأمداد و التأييدات و الإفاضة للكمالات فالمصلي في الحقيقة هو اللّه تعالى جمعا و تفصيلا بواسطة و غير واسطة، و من ذلك تعلم صلاة المؤمنين عليه و تسليمهم له فإنها من حيز التفصيل و حقيقة صلاتهم عليه قبولهم لهدايته و كماله و محبتهم لذاته و صفاته فإنها إمداد له منهم و تكميل و تعميم للفيض إذ لو لم يمكن قبولهم لكمالاته لما ظهرت، و لم يوصف بالهداية و التكميل فالإمداد أعمّ من أن يكون من فوق بالتأثير أو من تحت بالتأثر، و ذلك كقبول المحبة. و الصفاء هو حقيقة الدعاء في صلاتهم بقولهم: اللهمّ صلّ على محمد. و تسليمهم جعلهم إياه بريئا من النقص و الآفة في تكميل نفوسهم و التأثير فيها و هو معنى دعائهم له بالتسليم لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ لأن النبي في غاية القرب منه بحيث يتحقق به بفناء آنيته و لم تبق اثنينية هناك لخلوص محبته، فالمؤذي له يكون مؤذيا للّه، و المؤذي للّه هو الظاهر بآنية نفسه لعداوة اللّه له فهو في غاية البعد الذي هو حقيقة اللعن في الدارين ظاهرا و باطنا و هو مقابل لحضرة العزّة فيكون في غاية الهوان في عذاب الاحتجاب وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً لمن استعدّ لها لَعَنَ الْكافِرِينَ لبعدهم عنه بالاحتجاب.
[66- 69]
[سورة الأحزاب (33): الآيات 66 الى 69]
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولا (66) وَ قالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (67) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (69)
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ بتغيير صورهم في أنواع العذاب و براز الحجاب.
[70- 71]
[سورة الأحزاب (33): الآيات 70 الى 71]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)
اتَّقُوا اللَّهَ بالاجتناب عن الرذائل و السداد في القول الذي هو الصدق و الصواب، و الصدق هو مادة كل سعادة و أصل كل كمال لأنه من صفاء القلب و صفاؤه يستدعي قبول جميع الكمالات و أنوار التجليات، و هو و إن كان داخلا في التقوى المأمور بها لأنه اجتناب من رذيلة الكذب مندرج تحت التزكية التي عبر عنها بالتقوى لكنه أفرد بالذكر للفضيلة كأنه جنس برأسه كما خص جبريل و ميكائيل من الملائكة.
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ بإفاضة الكمالات و الفضائل، أي: زكّوا أنفسكم لقبول التحلية من اللّه بفيض الكمالات عليكم وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذنوب صفاتكم بتجليات صفاته وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ في التزكية و محو الصفات فَقَدْ فازَ بالتحلية و الاتصاف بالصفات الإلهية و هو الفوز العظيم.
[72]
[سورة الأحزاب (33): آية 72]
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ بإيداع حقيقة الهوية عندها و احتجابها بالتعينات بها فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها بأن تظهر عليهنّ مع عظم إجرامها لعدم استعدادها لقبولها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها لعظمها عن أقدارها و ضعفها عن حملها و قبولها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ لقوة استعداده و اقتداره على حملها فانتحلها لنفسه بإضافتها إليه إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً بمنعه حق اللّه حين ظهر بنفسه و انتحلها جَهُولًا لا يعرفها لاحتجابه بأنانيته عنها.
[73]
[سورة الأحزاب (33): آية 73]
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْمُشْرِكِينَ وَ الْمُشْرِكاتِ وَ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (73)
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ الذين ظلموا بمنع ظهور نور استعدادهم بظلمة الهيئات البدنية و الصفات النفسانية و وضعوه في غير موضعه فجهلوا حقه وَ الْمُشْرِكِينَ وَ الْمُشْرِكاتِ الذين جهلوا لاحتجابهم بالأنائية و الوقوف مع الغير بغلبة الرين و كثافة الحجب الخلقية فعظم ظلمهم لانطفاء نورهم بالكلية و امتناع وفائهم بالأمانة الإلهية.
وَ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ الذين تابوا عن الظلم بالاجتناب عن الصفات النفسانية المانعة عن الأداء و عدلوا بإبراز ما أخفوه من حق اللّه عند الوفاء و عن الجهل بحقه إذ عرفوه و أدّوا أمانته إليه بالفناء وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً ستر ذنوب ظلمهم و جهلهم عن التزكية و التصفية و التجريد و المحو و الطمس بأنوار تجلياته رَحِيماً رحمهم بالوجود الحقاني عند البقاء بأفعاله و صفاته و ذاته أو عرضنا الأمانة الإلهية بالتجلي عليها و إيداع ما تطيق حملها فيها من الصفات بجعلها مظاهر لها.
أو: فأبين أن يحملنها بخيانتها و إمساكها عندها و الامتناع عن أدائها، و أشفقن من حملها عندها فأدّينها بإظهار ما أودع فيها من الكمالات و حملها الإنسان بإخفائها بالشيطنة و ظهور الأنانية و الامتناع عن أدائها بإظهار ما أودع فيه من الكمال و إمساكها بظهور النفس بالمظلمة و المنع عن الترقي في مقام المعرفة، و اللّه أعلم.
[1] ( 1) سورة النجم، الآية: 17.
[2] ( 2) سورة الإسراء، الآية: 74.
[3] ( 1) سورة الأعراف، الآية: 172.
[4] ( 2) سورة الأحزاب، الآية: 23.
[5] ( 1) سورة البقرة، الآية: 214.
[6] ( 1) سورة النجم، الآيات: 3- 4.