تفسیر ابن عربی سوره الأحزاب

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الأحزاب

(33) سورة الأحزاب مدنيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[سورة الأحزاب (33): الآيات 1 الى 4]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (1) وَ اتَّبِعْ ما يُوحى‏ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (2) وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلاً (3) ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَ ما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَ ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)

«وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ» أي يبينه لتمشي عليه فإنه الكفيل.

[سورة الأحزاب (33): آية 5]

ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَ مَوالِيكُمْ وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَ لكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (5)

لا يقال ابن إلا لبنوة الصلب و إن جازت بنوة التبني و لكن قول اللّه أولى، جاء في الخبر النبوي [من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة اللّه‏] فبنوة التبنّي بالاصطفاء و المرتبة و اللفظ، و لفظة الابن هي المنهي عنها.

[سورة الأحزاب (33): آية 6]

النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى‏ أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (6)

[إشارة: الأب في الولادة الدينية]

«النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ»– إشارة- فإنه صلّى اللّه عليه و سلم الأب في الولادة الدينية، فلذلك كان أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و أزواجه في هذه الولادة المعنوية النفوس الطاهرات الصالحات لأن تكون موردا لأسراره، و هم الرجال العلماء، و المؤمنون ليسوا رجالا بهذا الاعتبار لأنهم أطفال في الرضاع،

فأعط الطين حقه و إن جاهدك على أن تشرك باللّه ما ليس لك به علم فلا تطعه، و صاحبه في الدنيا معروفا، و انفر إلى رحمك الديني الذي هو أولى بك من نفسك، قال تعالى في الرحم الديني: «النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ‏ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ» و قال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)– إشارة ثانية- الحق أولى بعباده المضافين إليه المميزين من غيرهم، و هم الذين لم يزالوا عباده في حالة الاضطرار و الاختيار، من نفوسهم، و ما هو مع من لم يضف إليه بهذه المثابة، فلكل عالم حظ معلوم من اللّه لا يتعدى قسمه.

[سورة الأحزاب (33): آية 7]

وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (7)

و كان هذا الميثاق قبل وجود جسد آدم و هو الميثاق الأول فإن الرسل خلفاء اللّه في الأرض، فلا بد لهم من ميثاق خاص في التبليغ، حتى يمتاز التابع من المتبوع، و الميثاق الثاني لما وجد آدم و قبض الحق على ظهره و استخرج منه بنيه كأمثال الذر و أشهدهم على أنفسهم.

[سورة الأحزاب (33): آية 8]

لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (8)

[ «لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ» الآية]

«لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ»– الوجه الأول- ليسأل الصادقين فيما صدقوا فيه، هل صدقوا فيما أمروا به و أبيح لهم؟ أو هل صدقوا في إتيان ما حرم عليهم إتيانه مع كونهم صادقين؟ فيقال لهم: فيما صدقتم؟ فإن النمامين صادقون، و المغتابين صادقون، و قد ذمّهم اللّه و توعد على ذلك مع كونه صادقا، فيسأل الصادق عن صدقه و لا يسأل ذو الحق إذا قام به، فالغيبة و النميمة و أشباههما صدق لا حق إذ الحق ما وجب، و الصدق ما أخبر به على الوجه الذي هو عليه،

و قد يجب فيكون حقا و قد لا يجب و يكون صدقا لا حقا، فلهذا يسأل الصادق عن صدقه إن كان وجب عليه نجا، و إن كان لم يجب عليه بل منع من ذلك هلك فيه، فمن علم الفرق بين الحق و الصدق تعيّن عليه أن يتكلم في الاستحقاق، فإن اللّه يسأل الصادقين عن صدقهم فيما صدقوا- الوجه الثاني- سؤال الصادقين عن صدقهم من حيث إضافة الصدق إليهم، لأنه قال‏ «عَنْ صِدْقِهِمْ» و ما قال عن الصدق،

فإن أضاف الصادق إذا سئل صدقه إلى ربه لا إلى نفسه، و كان صادقا في هذه الإضافة أنها وجدت منه في حين صدقه في ذلك الأمر في الدنيا، ارتفع عنه الاعتراض،فإن الصادق هو اللّه، و هو قوله المشروع: [لا حول و لا قوة إلا باللّه‏] فإذا كانت القوة به- و هي الصدق- فإضافتها إلى العبد إنما هو من حيث إيجادها فيه و قيامها به، و إن قال عند سؤال الحق إياه عن صدقه:

إنه لما صدق في فعله أو قوله في الدنيا، لم يحضر في صدقه أن ذلك باللّه كان منه، كان صادقا في الجواب عند السؤال، و نفعه ذلك عند اللّه في ذلك الموطن و حشر مع الصادقين، و صدق في صدقه، لهذا قال تعالى: «لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ» فإذا ثبت لهم جازاهم به و هو قوله تعالى: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ»– إشارة- من لا قدم له عند الحق لا صدق له، و من لا صدق له سقط حظه من الحق، و الصدق مسئول عنه، فكيف غير الصدق؟!.

[سورة الأحزاب (33): الآيات 9 الى 13]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً (11) وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (12) وَ إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (13)

حقيقة العورة الميل، فقالوا: «إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ» أي مائلة تريد السقوط لما استنفروا، فأكذبهم اللّه عند نبيه بقوله: «وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً» يعني بهذا القول مما

[إشارة: «يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ»]

دعوتهم إليه- إشارة- «يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ» «أَهْلَ يَثْرِبَ» هم المحمديون من العارفين، و لكن من باب الإشارة لا من باب النص و التفسير، «لا مُقامَ لَكُمْ» لا نهاية لما تطلبون‏ «فَارْجِعُوا» بالعجز عن الوصول أصلا، لتحقق المعرفة بالجناب الأعز، و هو قول الصديق الأكبر: العجز عن درك الإدراك إدراك؛ فما رأى شيئا عند ذلك إلا و رأى اللّه قبله، فرجوعهم سفر لاقتناص علوم لم ينالوها في العروج، فما لهم غاية يقفون عندها، فهم يظهرون في كل مرتبة بما تقتضيه تلك المرتبة، و إذا تكمل العبد كانت المراتب عنده على السواء، و متى نسبت الشخص إلى مقام بعينه فقد رجحته في ذلك المقام، و إذا كان حكمه في كل مقام حكمه في الباقي كان ذلك عظيما.

نفي المقام هو المكان و إنه‏ لليثربي بسورة الأحزاب‏
من كان فيه يكون مجهولا لذا ما ناله أحد بغير حجاب‏
رب المكان هو الذي يدعى إذا دعي الرجال بسيد الأحباب‏
و له الوسيلة لا تكون لغيره‏ و هو المقدّم من أولي الألباب‏
و هو الإمام و ما له من تابع‏ و هو المصرف حاجب الحجاب‏

اعلم أن عبور المقامات و الأحوال هو من خصائص المحمديين، و لا يكون إلا لأهل الأدب، جلساء الحق على بساط الهيبة مع الأنس الدائم، لأصحابه الاعتدال و الثبات و السكون، غير أن لهم سرعة الحركات في الباطن في كل نفس، فترى الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مرّ السحاب، إن تجلّى لهم الحق في صورة محدودة أطرقوا، فرأوه في إطراقهم مقلبا أحوالهم على غير الصورة التي تجلى لهم فيها فأورثهم الإطراق، فهم بين تقييد و إطلاق، لا مقام يحكم عليهم، فإنه ما ثمّ، فهم أصحاب مكان في بساط النشأة، و هم أصحاب مكانة في عدم القرار، فهم من حيث مكانتهم و من حيث مكانهم ثابتون، فهم بالذات في مكانهم و هم بالأسماء في مكانتهم، و المكان ثبوت في المكانة، فمن الأسماء لهم المقام المحمود، و المكانة الزلفى في اليوم المشهود، و الزور و الوفود، و من الذات لهم المكان المحدود و المعنى المقصود و الثبات على الشهود و حالة الوجود، و رؤيته في كل موجود، في سكون و خمود، و الأمر الحقيقي للمكانة فإنه لا يصح الثبوت على أمر واحد في الوجود، فالمكان ثبوت في المكانة كما نقول في التمكين: إنه تمكين في التلوين، لا أن التلوين يضاد التمكين.- نصيحة- لا راحة مع الخلق، فارجع إلى الحق فهو أولى بك، إن عاشرتهم على ما هم عليه بعدت منه، فإنهم على ما لا يرضاه، و إن لم تعاشرهم وقعوا فيك، فلا راحة.

 

[سورة الأحزاب (33): الآيات 14 الى 21]

وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَ ما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (14) وَ لَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَ كانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً (18)

أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى‏ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (19) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَ إِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَ لَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً (20) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)

[ «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» الآية]

«لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» لمن سمع القول فاتبع أحسنه، و بهذه الآية ثبتت و تأيّدت عصمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فإنه لو لم يكن معصوما ما صح التأسي به، فنحن نتأسّى برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في جميع حركاته و سكناته و أفعاله و أحواله و أقواله، ما لم ينه عن شي‏ء من ذلك على التعيين في كتاب أو سنّة، فإن اللّه جعله أسوة يتأسى به، فلو لم يقمه اللّه في مقام العصمة للزمنا التأسي به فيما يقع منه من الذنوب إن لم ينص عليها، كما نصّ‏ على نكاح الهبة أن ذلك خالص له مشروع، و هو حرام علينا، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [خذوا عني مناسككم‏] فإن اللّه تعالى يقول: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» و قال:

[من رغب عن سنتي فليس مني‏] فأبان بفعله صلّى اللّه عليه و سلم عن مراد اللّه منا في العبادات، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [العلماء ورثة الأنبياء] فاعلم أن الورث على نوعين: معنوي و محسوس، فالمحسوس منه ما يتعلق بالألفاظ و الأفعال و ما يظهر من الأحوال، فأما الأفعال فإن ينظر الوارث إلى ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يفعله مما أبيح للوارث أن يفعله اقتداء به- لا مما هو مختص به عليه السلام مخلص له في نفسه و مع ربه- و في عشرته لأهله و ولده و قرابته و أصحابه و جميع العالم،

و يتبع الوارث ذلك كله في الأخبار المروية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، الموضحة لما كان عليه في أفعاله من صحيحها و سقيمها، فيأتيها كلها على حدّ ما وردت لا يزيد عليها و لا ينقص منها، و إن اختلفت فيها الروايات فليعمل بكل رواية، وقتا بهذه و وقتا بهذه و لو مرة واحدة، و يدوم على الرواية التي ثبتت، و لا يخلّ بما روي من ذلك و إن لم يثبت من جهة الطريق فلا يبالي، إلا أن يتعلق بتحليل أو تحريم فيغلب الحرمة في حق نفسه فهو أولى به، فإنه من أولي العزم، و ما عدا التحليل أو التحريم فليفعل بكل رواية، و إذا أفتى- إن كان من أهل الفتيا- و تتعارض الأدلة السمعية بالحكم من كل وجه، و يجهل التاريخ و لا يقدر على الجمع، فيفتي بما هو أقرب لرفع الحرج، و يعمل هو في حق نفسه بالأشد فإنه في حقه الأسدّ،

و هذا من الورث اللفظي فإنه المفتى به، فيصلي صلاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في ليله و نهاره، و على كيفيتها في أحوالها و كمياتها في أعدادها، و يصوم كذلك، و يعامل أهله من مزاح و جدّ كذلك، و يكون على أخلاقه في مأكله و مشربه و ما يأكل و ما يشرب، كأحمد بن حنبل فإنه كان بهذه المثابة، روينا عنه أنه ما أكل البطيخ حتى مات، و كان يقال له في ذلك فيقول:

ما بلغني كيف كان يأكله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و كلّ ما كان من فعل لم يجد فيه حديثا يبين فيه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فعله بكيفية خاصة، و إن كان من الكميات بكمية خاصة و لكن ورد فيه حديث فاعمل به، كصومه صلّى اللّه عليه و سلم، كان يصوم حتى نقول: إنه لا يفطر، و يفطر حتى نقول: إنه لا يصوم، و لم يوقت الراوي فيه توقيتا، فصم أنت كذلك و أفطر كذلك، و أكثر من صوم شعبان و لا تتمّ صوم شهر قط بوجه من الوجوه إلا شهر رمضان، و كل صوم أو فعل مأمور به و إن لم يرو فيه فعله فاعمل به لأمره، و هذا معنى قول اللّه: (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فلتتبعه في كل شي‏ء لأن اللّه يقول: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» ما لم يخصص شيئا من ذلك بنهي عن فعله، و قال صلّى اللّه عليه و سلم:

[صلوا كما رأيتموني أصلي‏] و قال في الحج [خذوا عني مناسككم‏] و إن حججت فإن قدرت على الهدي فادخل به محرما بالحج أو العمرة، و إن حججت مرة أخرى فادخل أيضا إن قدرت على الهدي محرما بالحج، و إن لم تجد هديا فاحذر أن تدخل محرما بالحج، و لكن ادخل متمتعا بعمرة مفردة، فإذا طفت و سعيت فحل من إحرامك الحل كله، ثم بعد ذلك أحرم بالحج و انسك نسيكة كما أمرت، و اعزم على أن لا تخلّ بشي‏ء من أفعاله و ما ظهر من أحواله مما أبيح لك من ذلك، و التزم آدابه كلها جهد الاستطاعة، لا تترك شيئا من ذلك إذا ورد مما أنت مستطيع عليه، فإن اللّه ما كلفك إلا وسعك، فابذله و لا تترك منه شيئا، فإن النتيجة لذلك عظيمة لا يقدر قدرها، و هي محبة اللّه إياك، و قد علمت حكم الحب من المحب- الحديث- و أما الورث المعنوي فما يتعلق بباطن الأحوال من تطهير النفس من مذام الأخلاق و تحليتها بمكارم الأخلاق، و ما كان عليه صلّى اللّه عليه و سلم من ذكر ربه على كل أحيانه، و ليس إلا الحضور و المراقبة لآثاره سبحانه في قلبك و في العالم، فلا يقع في عينك و لا يحصل في سمعك و لا يتعلق بشي‏ء قوة من قواك، إلا و لك في ذلك نظر و اعتبار إلهي، تعلم موقع الحكمة الإلهية في ذلك، فهكذا كان حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فيما روت عنه عائشة، و كذلك إن كنت من أهل الاجتهاد في الاستنباط للأحكام الشرعية،

فأنت وارث نبوة شرعية، فإنه تعالى قد شرع لك في تقرير ما أدى إليه اجتهادك و دليلك من الحكم، أن تشرعه لنفسك و تفتي به غيرك إذا سئلت، و إن لم تسأل فلا، فإن ذلك أيضا من الشرع الذي أذن اللّه لك فيه، ما هو من الشرع الذي لم يأذن به اللّه، و من الورث المعنوي ما يفتح عليك به من الفهم في الكتاب و في حركات العالم كله، فالرسول صلّى اللّه عليه و سلم ما بعثه اللّه تعالى إلا ليتمم مكارم الأخلاق، فأحواله كلها مكارم أخلاق، فهو مبين لها بالحال و هو أتم و أعدل و أمضى في الحكم من القول:.

[سورة الأحزاب (33): الآيات 22 الى 23]

وَ لَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ ما زادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَ تَسْلِيماً (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)

«وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» في أخذ الميثاق الذي أخذ عليهم، فوفوا به، و قيل فيهم: صدقوا، لأنهم غالبوا فيه و في الوفاء به الدعاوى المركوزة في النفوس، التي أخرجت بعض من أخذ عليه الميثاق أو أكثره عن الوفاء بما عاهد عليه اللّه، فليس الرجل إلا من صدق مع اللّه في الوفاء بما أخذ عليه، و الصدق سيف اللّه في الأرض، ما قام بأحد و لا اتصف به إلا نصره‏

[ «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ» الآية]

اللّه، لأن الصدق نعته، و الصادق اسمه، فقوله تعالى: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ» أي من و فى بعهده، و هو العهد الخالص في أخذ الميثاق، فإن النحب العهد «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ» لأن العبد ما دام في الحياة الدنيا لا يأمن التبديل، فإن اللّه يفعل ما يريد، فلا يأمن مكر اللّه لعلمه باللّه‏ «وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» فلله رجال بهذه المثابة جعلنا اللّه منهم، فما أعظم بشارتها من آية، و لا بلغ إلينا تعيين أحد من أهل هذه الصفة إلا طلحة بن عبيد اللّه من العشرة، صح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: [هذا ممن قضى نحبه‏] و هو في الحياة الدنيا فأمن من التبديل.

[سورة الأحزاب (33): آية 24]

لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (24)

«لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ» بعد أن يسأل الصادقين عن صدقهم، فإذا ثبت لهم جازاهم به، و جزاؤهم به هو صدق اللّه فيما وعدهم به، فجزاء الصدق الصدق الإلهي، و جزاء ما صدق فيه من العمل و القول بحسب ما يعطيه ذلك العمل أو القول، فهذا معنى الجزاء.

[سورة الأحزاب (33): الآيات 25 الى 26]

وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (25) وَ أَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26)

إذا كانت اليد بالنواصي أنزلت العصم من الصياصي، و لم تغنها ما عندها من الصياصى.

[سورة الأحزاب (33): الآيات 27 الى 29]

وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً (27) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (28) وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29)

لما جرى من نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ما جرى، أداه ذلك إلى الانفراد مع اللّه و هجرهن، فآلى من نسائه شهرا، فلما فرغ الشهر ناجاه الحق بآية التخيير، فخيّر نساءه، فإنه كان المطلوب بذلك التوقيت ما فتح له به، فإن الحق يجري مع العبد في فتحه على حسب قصده و السبب الذي أداه إلى الانفراد به.

[سورة الأحزاب (33): آية 30]

يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30)

«يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ» و ذلك لمكانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و لفعل الفاحشة.

[سورة الأحزاب (33): آية 31]

وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَ أَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (31)

القنوت هو الطاعة للّه و رسوله، و الأجر هنا للعمل الصالح الذي عملته، و كان مضاعفا للعمل الصالح و مكانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، في مقابلة قوله تعالى في حقهن: «يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ».

 

[سورة الأحزاب (33): آية 32]

يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32)

كلام المرأة يثير الشهوة بالطبع، و لا سيما إن كان في كلامها خضوع و انكسار، و في خيال السامع أنها أنثى و في قلبه مرض، و اللّه قد نهاهن عن الخضوع في القول، ففي هذه الآية إباحة كلام النساء الرجال على وصف خاص.

 

[سورة الأحزاب (33): آية 32]

يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32)

كلام المرأة يثير الشهوة بالطبع، و لا سيما إن كان في كلامها خضوع و انكسار، و في خيال السامع أنها أنثى و في قلبه مرض، و اللّه قد نهاهن عن الخضوع في القول، ففي هذه الآية إباحة كلام النساء الرجال على وصف خاص.

[سورة الأحزاب (33): آية 33]

وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33)

[ «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ …» الآية]

«يا نِساءَ النَّبِيِّ» أعلمهن أن ذلك كله مما ورد في هذه الآية و ما قبلها بكونهن أزواجه صلّى اللّه عليه و سلم حتى لا ينسبن إلى قبيح، فيعود ذلك العار على بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم‏ «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ» الرجس هو القذر عند العرب، هكذا حكى الفراء، و المعني به هنا الفحش‏ «وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» من دنس الأقوال المنسوبة إلى الفحش، فطهر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه و سلم و أهل بيته تطهيرا ليذهب عنهم الرجس و هو كل ما يشينهم، فلا يضاف إليهم إلا مطهر، مثل سلمان الفارسي الذي قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [سلمان منا أهل البيت‏] و شهد اللّه لهم بالتطهير و ذهاب الرجس عنهم،

و إذا كان لا يضاف إليهم إلا مطهر مقدس، و حصلت لهم العناية الإلهية بمجرد الإضافة، فما ظنك بأهل البيت في نفوسهم؟ فهم المطهرون بل هم عين الطهارة، فهذه الآية تدل على أن اللّه قد شرك أهل البيت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ) و أي وسخ و قذر أقذر من الذنوب و أوسخ، فلا رجس أرجس من المعاصي، و قد طهر اللّه أهل البيت تطهيرا، و هو خبر و الخبر لا يدخله النسخ، و خبر اللّه صدق و قد سبقت به الإرادة الإلهية، فكل ما ينسب إلى أهل البيت مما يقدح فيما أخبر اللّه به عنهم من التطهير و ذهاب الرجس،

فإنما ينسب إليهم من حيث اعتقاد الذي ينسبه، لأنه رجس بالنسبة إليه، و ذلك الفعل عينه ارتفع حكم الرجس عنه في حق أهل البيت، فطهر اللّه سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه و سلم بالمغفرة من الذنوب و دخل الشرفاء أولاد فاطمة كلهم و من هو من أهل البيت مثل سلمان الفارسي إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران، فهم المطهرون اختصاصا من اللّه و عناية بهم، لشرف محمد صلّى اللّه عليه و سلم و عناية اللّه به، و لا يظهر حكم هذا الشرف لأهل البيت إلا في الدار الآخرة، فإنهم يحشرون مغفورا لهم، و أما في الدنيا فمن أتى منهم حدا أقيم عليه،

و ينبغي لكل مسلم مؤمن باللّه و بما أنزله أن يصدق اللّه تعالى في قوله: «لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» فأخبر اللّه تعالى أنه طهرهم و أذهب عنهم الرجس، و خبره صدق، و هذا يدل على عصمة أهل البيت في حركاتهم، و حفظ اللّه لهم في ذلك، و ليس ذلك لغيرهم، فيعتقد في جميع ما يصدر من أهل البيت أن اللّه قد عفا عنهم فيه،

فلا ينبغي لمسلم أن يلحق المذمة بهم، و لا ما يشنأ أعراض من قد شهد اللّه بتطهيره و ذهاب الرجس عنه، لا بعمل عملوه و لا بخير قدموه، بل سابق عناية من اللّه بهم، فبالنسبة لحقوقنا و ما لنا أن نطالبهم به، فنحن مخيرون إن شئنا أخذنا و إن شئنا تركنا، و الترك أفضل عموما، فكيف في أهل البيت؟ فإذا نزلنا عن طلب حقوقنا و عفونا عنهم في ذلك، أي فيما أصابوا منا كانت لنا بذلك عند اللّه اليد العظمى و المكانة الزلفى، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم ما طلب منّا عن أمر اللّه إلا المودة في القربى، و فيه سر صلة الرحم، و من لم يقبل سؤال نبيه فيما سأل فيه مما هو قادر عليه بأي وجه يلقاه غدا أو يرجو شفاعته؟

و هو ما أسعف نبيه صلّى اللّه عليه و سلم فيما طلب منه من المودة في قرابته، فكيف بأهل بيته؟ فهم أخصّ قرابته، و أرجو أن يكون عقب علي بن أبي طالب و سلمان تلحقهم العناية كما ألحقت أولاد الحسن و الحسين و عقبهم و موالي أهل البيت لقوله صلّى اللّه عليه و سلم:

[مولى القوم منهم‏] فإن رحمة اللّه واسعة و اعلم أن الشياطين ألقت إلى أهل البدع و الأهواء أصلا صحيحا لا يشكون فيه، ثم طرأت عليهم التلبيسات من عدم الفهم حتى ضلوا، و أكثر ما ظهر ذلك في الشيعة و لا سيما الإمامية منهم، فدخلت عليهم شياطين الجن أولا بحب أهل البيت و استفراغ الحب فيهم، و رأوا أن ذلك من أسنى القربات إلى اللّه، و كذلك هو، لو وقفوا و لا يزيدون عليه، إلا أنهم تعدوا من حب أهل البيت إلى طريقين: منهم من تعدّى إلى بغض الصحابة و سبهم حيث لم يقدموهم، و تخيلوا أن أهل البيت أولى بهذه المناصب‏ الدنيوية، فكان منهم ما قد عرف و استفاض، و طائفة زادت إلى سب الصحابة القدح في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و في جبريل عليه السلام و في اللّه جل جلاله، حيث لم ينصوا على رتبتهم و تقديمهم في الخلافة، حتى أنشد بعضهم [ما كان من بعث الأمين أمينا] و هذا كله واقع من أصل صحيح، و هو حبّ أهل البيت،

أنتج في نظرهم فاسدا فضلوا و أضلوا، فانظر ما أدى إليه الغلو في الدين، أخرجهم عن الحدّ فانعكس أمرهم إلى الضد- إشارة- إذا كانت عناية اللّه بأهل البيت النبوي المحمدي كما ذكر اللّه في كتابه لنا، فما ظنك بأهل القرآن الذين هم أهل اللّه و خاصته؟

و أقل الأهلية في ذلك حمل حروفه محفوظة في الصدور، فإن تخلّق بما حمل و تحقق به و كان من صفاته فبخ على بخ، و من عناية اللّه تعالى بسلمان الفارسي أن قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [سلمان منّا أهل البيت‏] و إذا كانت منزلة مخلوق عند اللّه بهذه المثابة بأن يشرف المضاف إليهم بشرفهم، و شرفهم ليس لأنفسهم،

و إنما اللّه تعالى هو الذي اجتباهم و كساهم حلة الشرف، كيف يا ولي بمن أضيف إلى من له الحمد و المجد و الشرف لنفسه و ذاته؟ فهو المجيد سبحانه و تعالى، فالمضاف إليه من عباده الذين هم عباده، و هم الذين لا سلطان لمخلوق عليهم في الآخرة، و ما تجد في القرآن عبادا مضافين إليه سبحانه إلا السعداء خاصة، و جاء اللفظ في غيرهم بالعباد، فما ظنك بالمعصومين المحفوظين منهم القائمين بحدود سيدهم الواقفين عند مراسمه؟ فشرفهم أعلى و أتم.

[سورة الأحزاب (33): آية 34]

وَ اذْكُرْنَ ما يُتْلى‏ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَ الْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (34)

من أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، و كان اللّه به لطيفا خبيرا، لطيفا من حيث أنه علّمه من حيث لم يعلم فعلم، و ما علم أن اللّه هو المعلم، ثم اختبره فكان خبيرا، و كان اللّه على كل شي‏ء قديرا، فمن سأل الحكمة، فقد سأل النعمة، و من أعطي الحكمة، فقد أوتي الرحمة، فإن سرمد العذاب بعد ذلك هذا المالك، فما هو ممّن عمت وجوده الرحمة، و لا كان من أهل الحكمة، فإن قال بالرجوع إليها، و حكم بذلك عليهم و عليها، فذلك الحكيم العليم، المسمى بالرءوف الرحيم، و هو الشديد العقاب، لأنه لشدته في ذلك أعقب أهل النار حسن المآب.

 

[سورة الأحزاب (33): آية 35]

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ الْقانِتِينَ وَ الْقانِتاتِ وَ الصَّادِقِينَ وَ الصَّادِقاتِ وَ الصَّابِرِينَ وَ الصَّابِراتِ وَ الْخاشِعِينَ وَ الْخاشِعاتِ وَ الْمُتَصَدِّقِينَ وَ الْمُتَصَدِّقاتِ وَ الصَّائِمِينَ وَ الصَّائِماتِ وَ الْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحافِظاتِ وَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً (35)

 

[ «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ …» الآية طبقات الأولياء]

نعت اللّه أقواما من النساء و الرجال بصفات و منزلة، فما نعتهم اللّه بهذه النعوت سدى، و المتصفون بهذه الأوصاف قد طالبهم الحق بما تقتضيه هذه الصفات، و ما تثمر لهم من المنازل عند اللّه، فقال تعالى: «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ» و هؤلاء تولاهم اللّه بالإسلام و هو انقياد خاص لما جاء من عند اللّه لا غير، فإذا وفّى العبد الإسلام بجميع لوازمه و شروطه و قواعده فهو مسلم، و إن انتقص شيئا من ذلك فليس بمسلم فيما أخلّ به من الشروط، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده‏] و اليد هنا بمعنى القدرة، أي سلم المسلمون مما هو قادر على أن يفعل بهم مما لا يقتضيه الإسلام، من التعدي لحدود اللّه فيهم،

فأتى بالأعم، و ذكر اللسان لأنه قد يؤذي بالذكر من لا يقدر على إيصال الأذى إليه بالفعل، و هو البهتان هنا خاصة لا الغيبة، فإنه قال: المسلمون و لو قال: الناس لدخلت الغيبة و غير ذلك من سوء القول، فلم يثبت الشارع الإسلام إلا لمن سلم المسلمون، و هم أمثاله في السلامة، فالمسلمون هم المعتبر في هذا الحديث، و هم المقصود، فإن المسلمين لا يسلمون من لسان من يقع فيهم إلا حتى يكونوا أبرياء مما نسب إليهم، و لذلك فسرناه بالبهتان، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال: [إذا قلت في أخيك ما ليس فيه فذلك البهتان، و في رواية فقد بهته‏] فخاب سهمك الذي رميته به، فإنه ما وجد منفذا، فإنك نسبت إليه ما ليس هو عليه، فسماهم اللّه مسلمين،

فمن وقع فيمن هذه صفته فليس بمسلم، لأن ذلك الوصف الذي وصف المسلم به و رماه به و لم يكن المسلم محلا له عاد على قائله، فلم يكن الرامي له بمسلم، فإنه ما سلم مما قال إذ عاد عليه سهم كلامه الذي رماه به، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [من قال لأخيه كافر فقد باء به أحدهما] و قال تعالى في حق قوم قيل لهم: (آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ‏ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ) قال اللّه فيهم‏ (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ) فأعاد الصفة عليهم لما لم يكن المسلمون المؤمنون أهل سفه، فليس المسلم إلا من سلم من جميع العيوب الأصلية و الطارئة، فلا يقول في أحد شرا و لا يؤثر فيه إذا قدر عليه شرا أصلا، و ليس إقامة الحدود بشر فإنه خير فلا يخرجه ذلك عن الإسلام، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم اشترط سلامة المسلمين، و من آذاك ابتداء عن قصد منه فليس بمسلم، فإنك ما سلمت منه، و النبي صلّى اللّه عليه و سلم يقول: [من سلم المسلمون‏] فلا يقدح القصاص في الإسلام، فإنك ما آذيت مسلما من حيث آذاك،

فإن المسلم لا يؤذي المسلم، بل أسقط القصاص في الدنيا القصاص في الآخرة، فقد أنعم عليه بضرب من النعم، فإن عفا و أصلح و لم يؤاخذه و تجاوز عن سيئته فذلك المقام العالي و أجره على اللّه، بشرط ترك المطالبة في الآخرة، و حق اللّه ثابت قبله لأنه تعدى حده، فقدح في إسلامه قدر ما تعدى، فإن قيل: إن عصى المسلم ربه في غير المسلم هل يكون مسلما بذلك أم لا؟ قلنا: لا يكون مسلما، فإن اللّه يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ)و المسلم لا يكون ملعونا، فلقائل أن يقول: هنا بالمجموع كانت اللعنة، و نحن إنما قلنا: من آذى اللّه وحده، قلنا: كل من آذى اللّه وحده في زعمه فقد آذى المسلمين، فإن المسلم يتأذى إذا سمع في اللّه من القول ما لا يليق به، فهو مؤاخذ من جهة ما تأذى به المسلمون، من قولهم‏ في اللّه ما لا يليق به،

فإن قيل: فإن لم يعرف ذلك المسلمون منه حتى يتأذوا من ذلك، قلنا: حكم ذلك حكم الغيبة، فإنه لو عرف من اغتيب تأذى، و هو مؤاخذ بالغيبة فهو مؤاخذ بإيذائه اللّه و إن لم يعرف بذلك مسلم، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [لا أحد أصبر على أذى من اللّه‏]، فالمسلم من كان بهذه المثابة، و هو السعيد المطلق و قليل ما هم: «وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ» المؤمنون و المؤمنات تولاهم اللّه بالإيمان الذي هو القول و العمل و الاعتقاد، و حقيقته الاعتقاد شرعا و لغة، و هو في القول و العمل شرعا لا لغة، فالمؤمن من كان قوله و فعله مطابقا لما يعتقده في ذلك الفعل، فأولئك من الذين أعد اللّه لهم مغفرة و أجرا عظيما، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [المؤمن من أمنه الناس على أموالهم‏] و قال صلّى اللّه عليه و سلم: [المؤمن من أمن جاره بوائقه‏] و لم يخصّ مؤمنا و لا مسلما،

بل قال: الناس و الجار من غير تقييد، فإن المسلم قيّده بسلامة المسلمين، ففرق بين المسلم‏ و المؤمن بما قيده به و بما أطلقه، فعلمنا أن للإيمان خصوص وصف، و هو التصديق تقليدا من غير دليل، ليفرق بين الإيمان و العلم، و المؤمن الذي اعتبره الشرع من أهل هذه الآية له علامتان في نفسه إذا وجدهما كان من المؤمنين، العلامة الواحدة أن يصير الغيب له كالشهادة، من عدم الريب فيما يظهر على المشاهد لذلك الأمر الذي وقع به الإيمان، من الآثار في نفس المؤمن كما يقع في نفس المشاهد له،

فيعلم أنه مؤمن بالغيب، و العلامة الثانية أن يسري الأمان منه في نفس العالم كله، فيأمنوه على القطع على أموالهم و أنفسهم و أهليهم، من غير أن يتخلل ذلك الأمان تهمة في أنفسهم من هذا الشخص، و انفعلت لأمانته النفوس، فذلك هو المشهود له بأنه من المؤمنين، و مهما لم يجد هاتين العلامتين فلا يغالط نفسه و لا يدخلها مع المؤمنين، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ) فمن ادعى الإيمان و زعم أن له نفسا يملكها فليس بمؤمن‏ «وَ الْقانِتِينَ وَ الْقانِتاتِ» هم الذين تولاهم اللّه بالقنوت، و هو الطاعة للّه في كل ما أمر به و نهى عنه، و هذا لا يكون إلا بعد نزول الشرائع، قال تعالى: (وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) أي طائعين فأمر بطاعته، و الساجدون للّه على قسمين:

منهم من يسجد طوعا، و منهم من يسجد كرها، فالقانت يسجد طوعا، و تصحيح طاعتهم للّه و قنوتهم أن يكون الحق لهم بهذه الموازنة، كما قال: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [و من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا] فالحق مع العبد على قدر ما هو العبد مع الحق، و من شرط القانت أن يطيع اللّه من حيث ما هو عبد اللّه، لا من حيث ما وعده اللّه به من الأجر و الثواب لمن أطاعه، و أما الأجر الذي يحصل للقانت، فذلك من حيث العمل الذي يطلبه لا من حيث الحال الذي أوجب له القنوت، قال اللّه تعالى في القانتات من نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم:

(وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ) فالأجر هنا للعمل الصالح الذي عملته، و كان مضاعفا في مقابلة قوله تعالى في حقهن: (يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ) لمكانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و لفعل الفاحشة، كذلك ضوعف الأجر للعمل الصالح و مكانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و بقي القنوت معرى عن الأجر، فإنه أعظم من الأجر فإنه ليس بتكليف، و إنما الحقيقة تطلبه، و هو حال يستصحب العبد في الدنيا و الآخرة، و القنوت مع العبودية في دار التكليف لا مع الأجر، ذلك هو القنوت المطلوب، و الحق إنما ينظر للعبد في طاعته بعين باعثه على تلك الطاعة، و لهذا قال تعالى آمرا: (وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) و لم يسم أجرا، و لا جعل القنوت إلا من أجله لا من أجل أمر آخر «وَ الصَّادِقِينَ وَ الصَّادِقاتِ» هم الذين تولاهم اللّه بالصدق في أقوالهم و أفعالهم فقال تعالى:

(رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) فهذا من صدق أحوالهم، و الصدق في القول معلوم و هو ما يخبر به، و صدق الحال ما يفي به في المستأنف، و هو أقصى الغاية في الوفاء لأنه شديد على النفس فلا يقع الوفاء به في الحال و القول إلا من الأشداء الأقوياء، و لا سيما في القول، فإنك لو حكيت كلاما عن أحد كان بالفاء فجعلت بدله واوا لم تكن من هذه الطائفة، فانظر ما أغمض هذا المقام و ما أقواه، فإن نقلت الخبر على المعنى تعرّف السامع أنك نقلت على المعنى، فتكون صادقا من حيث إخبارك عن المعنى عند السامع،

و لا تسمى صادقا من حيث نقلك لما نقلته، فإنك ما نقلت عين لفظ من نقلت عنه، و لا تسمى كاذبا فإنك قد عرفت السامع أنك نقلت المعنى، فأنت مخبر للسامع عن فهمك لا عمن تحكي عنه، فأنت صادق عنده في نقلك عن فهمك، لا عن الرسول أو من تخبر عنه أن ذلك مراده بما قال، فالصدق في المقال عسير جدا، قليل من الناس من يفي به، إلا من أخبر السامع أنه ينقل على المعنى فيخرج من العهدة، فالصدق في الحال أهون منه إلا أنه شديد على النفوس، فإنه يراعي جانب الوفاء لما عاهد من عاهد عليه، و قد قرن اللّه الجزاء بالصدق و السؤال عنه فقال: (ليجزي الصادقين بصدقهم) و لكن بعد أن يسأل الصادقين عن صدقهم، و جزاؤهم به هو صدق اللّه فيما وعدهم به‏ «وَ الصَّابِرِينَ وَ الصَّابِراتِ» هؤلاء تولاهم اللّه بالصبر، و هم الذين حبسوا نفوسهم مع اللّه على طاعته من غير توقيت،

فجعل اللّه جزاءهم على ذلك من غير توقيت، فقال تعالى: (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) فما وقّت لهم فإنهم لم يوقتوا، فعم صبرهم جميع المواطن التي يطلبها الصبر، فكما حبسوا نفوسهم على الفعل بما أمروا به، حبسوها أيضا على ترك ما نهوا عن فعله، فلم يوقتوا فلم يوقّت لهم الأجر، و هم الذين أيضا حبسوا نفوسهم عند وقوع البلايا و الرزايا بهم عن سؤال ما سوى اللّه في رفعها عنهم، بدعاء الغير أو شفاعة أو طب، إن كان من البلاء الموقوف إزالته على الطب، و لا يقدح في صبرهم شكواهم إلى اللّه في رفع ذلك البلاء عنهم، أ لا ترى إلى أيوب عليه السلام سأل ربه رفع البلاء عنه بقوله: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) و مع هذا أثنى عليه بالصبر و شهد له به، فلو كان الدعاء إلى اللّه في رفع الضرر و رفع البلاء يناقض الصبر المشروع المطلوب لم يثن اللّه به على أيوب بالصبر و قد أثنى عليه به، بل من سوء الأدب مع اللّه أن لا يسأل العبد رفع البلاء عنه،

لأن فيه رائحة من مقاومة القهر الإلهي بما يجده من الصبر و قوته، و هذا لا يناقض الرضا بالقضاء، فإن البلاء إنما هو عين المقضي لا القضاء، فيرضى بالقضاء و يسأل اللّه في رفع المقضي عنه، فيكون راضيا صابرا «وَ الْخاشِعِينَ وَ الْخاشِعاتِ» قوم تولاهم اللّه بالخشوع من ذل العبودية القائم بهم، لتجلي سلطان الربوبية على قلوبهم في الدار الدنيا، فينظرون إلى الحق سبحانه من طرف خفي، يوجده اللّه لهم في قلوبهم في هذه الحالة، خفي عن إدراك كل مدرك إياه، بل لا يشهد ذلك النظر منهم إلا اللّه، فمن كانت حالته هذه في الدار الدنيا من رجل أو امرأة فهو الخاشع و هي الخاشعة، فيشبه القنوت من وجه إلا أن القنوت يشترط فيه الأمر الإلهي، و الخشوع لا يشترط فيه إلا التجلي الذاتي، و كلتا الصفتين تطلبهما العبودية،

فلا يتحقق بهما إلا عبد خالص العبودية و العبودة، و له حال ظاهر في الجوارح التي لها الحركات، و حال باطن في القلوب، فيورث في الظاهر سكونا و يؤثر في الباطن ثبوتا، و القنوت يورث في الظاهر بحسب ما ترد به الأوامر من حركة و سكون، فإن كان القانت خاشعا فحركته في سكون و لا بد إن ورد الأمر بالتحرك، و يورث القنوت في الباطن انتقالات أدق من الأنفاس، متوالية مع الأوامر الإلهية الواردة عليه في عالم باطنه، فالخاشع في قنوته في الباطن ثبوته على قبول تلك الأوامر الواردة عليه من غير أن يتخللها ما يخرجها عن أن تكون مشهودة لهذا الخاشع،

فالخاشع و القانت خشوعه و قنوته أخوان متفقان في الموفقين من عباد اللّه‏ «وَ الْمُتَصَدِّقِينَ وَ الْمُتَصَدِّقاتِ» و هم الذين تولاهم اللّه بجوده ليجودوا بما استخلفهم اللّه فيه مما افتقر إليه خلق اللّه، فأحوج اللّه الخلق إليهم لغناهم باللّه، فالكلمة الطيبة صدقة، و لما كان حالهم التعمل في الإعطاء لا العمل، دل على أنهم متكسبون في ذلك، لنظرهم أن ذلك ليس لهم و إنما هو للّه،

فلا يدعون فيما ليس لهم، فلا منة لهم في الذي يوصلونه إلى الناس أو إلى خلق اللّه من جميع الحيوانات، و كل متغذ عليهم لكونهم مؤدين أمانة كانت بأيديهم أوصلوها إلى مستحقيها، فلا يرون أن لهم فضلا عليهم فيما أخرجوه، و هذه الحالة لا يمدحون بها إلا مع الدوام و الدءوب عليها في كل حال‏ «وَ الصَّائِمِينَ وَ الصَّائِماتِ» قوم تولاهم اللّه بالإمساك الذي يورثهم الرفعة عند اللّه تعالى عن كل شي‏ء أمرهم الحق أن يمسكوا عنه أنفسهم و جوارحهم، فمنه ما هو واجب و مندوب، و الصوم المعهود داخل فيه، و المقام الأكمل لمن تحقق بهذا الإمساك، فأورثه الرفعة عند اللّه، فإن الصوم هو الرفعة،

قال الشاعر: إذا صام النهار و هجر؛ أي ارتفع النهار «وَ الْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحافِظاتِ» و هو خصوص من عموم حفظ حدود اللّه، و لهذا قال فيهم: «أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً» أي سترا، لأن الفرج عورة تطلب الستر، فهو إنباء عن حقيقة و الحافظون فروجهم على طبقتين: منهم من يحفظ فرجه عما أمر بحفظه منه و لا يحفظه مما رغب في استعماله، لأمور إلهية و حكم ربانية أظهرها إبقاء النوع على طريق القربة، و منهم من يحفظ فرجه إبقاء على نفسه لغلبة عقله على طبعه، و غيبته عما سنه أهل السنن من الترغيب في ذلك، فإن انفتح له عين و انفرج له طريق إلى ما تعطيه حقيقة الوضع المرغب في النكاح فذلك صاحب فرج فلم يحفظه الحفظ الذي أشرنا إليه، و أما صاحب الشرع الحافظ به فلا بد له من الفتح، و لكن إذا اقترنت مع الحفظ الهمة «وَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ» و هم الذين تولاهم اللّه بإلهام الذكر ليذكروه فيذكرهم،

قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) و قال: [من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه‏] و الذكر أعلى المقامات كلها، و لما كان الذاكرون أعلى الطوائف لأن اللّه جليسهم، لهذا ختم اللّه بجلسائه و بذكرهم صفات المقربين من أهل اللّه، ذكرانهم و إناثهم، فالذاكر هو الرجل الذي له الدرجة على غيره من أهل المقامات، فإن اللّه تعالى مع الذاكرين له بمعية اختصاص، و ما ثمّ إلا مزيد علم، به يظهر الفضل، فكل ذاكر لا يزيد علما في ذكره بمذكوره فليس بذاكر، و إن ذكر بلسانه، لأن الذاكر هو الذي يعمه الذكر كله، فذلك هو جليس الحق،

فلا بد من حصول الفائدة، لأن العالم الكريم الذي لا يتصور فيه بخل لا بد أن يهب جليسه أمرا لم يكن عنده، إذ ليس هنالك بخل ينافي الجود، فلم يبق إلا المحل القابل، و لا يجالس إلا ذو محل قابل، فذلك هو جليس الحق، و هم على الحقيقة جلساء اللّه من حيث الاسم الذي يذكرونه به، و هذه مسئلة لا يعرفها كثير من الناس، و ما ذكر اللّه بعد الذاكرات شيئا، فالذاكرون اللّه كثيرا و الذاكرات آخر الطوائف، ليس بعدهم أحد له نعت يذكر، فختم بهم جلساءه، و قوله تعالى: «كَثِيراً» أي في كل حال، هذا معنى الكثير، فإنه من الناس من يكون له هذه الحالة في أوقات ما، ثم ينحجب، و من ذلك أن كل صفة علوية إلهية لا تنبغي إلا للّه و يكون‏ مظهرها في المخلوقين (مثل الغنى و العزة و الجبروت)،

فإن العلماء باللّه يذلون تحت سلطانها و لا تحجبهم المظاهر عنها و لا يعرف ذلك إلا العلماء باللّه، و أعلى الذكر أن نذكره بكلامه من حيث علمه بذلك لا من حيث علمنا، فيكون هو الذي يذكر نفسه لا نحن‏ «أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً» هؤلاء أعد اللّه لهم المغفرة و الأجر العظيم قبل وقوع الذنب المقدر عليهم عناية منه، فدلّ ذلك على أنهم من العباد الذين لا تضرهم الذنوب التي وقعت منهم بالقدر المحتوم، لا انتهاكا للحرمة الإلهية، و قد ورد في الصحيح في الخبر الإلهي [اعمل ما شئت فقد غفرت لك‏].

[سورة الأحزاب (33): آية 36]

وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (36)

[لم لم يقل اللّه تعالى: و من يعص الرسول فقد عصى اللّه؟]

و لم يقل تعالى: و من يعص الرسول فقد عصى اللّه، كما أنزله في الطاعة، لأن طاعة المخلوق للّه ذاتية و عصيانه بالواسطة، فلو أنزل الرسول هنا كما أنزله في الطاعة لم يكن إلها، و هو إله، فلا يعصى إلا بحجاب، و ليس الحجاب سوى عين الرسول، و نحن اليوم أبعد في المعصية للرسول من أصحابه إلى من دونهم إلينا، فنحن ما عصينا إلا أولي الأمر منا في وقتنا، و هم العلماء منا بما أمر اللّه به و نهى عنه، فنحن أقل مؤاخذة و أعظم أجرا، لأن للواحد منا أجر خمسين ممن يعمل بعمل الصحابة، يقول صلّى اللّه عليه و سلم: [للواحد منهم أجر خمسين يعملون مثل عملكم‏] «فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً» الضلال هو الحيرة و قال تعالى: «مُبِيناً» لأنهم أوقعوا أنفسهم في الحيرة لكونهم عبدوا ما نحتوا بأيديهم، و علموا أنه لا يسمع و لا يبصر و لا يغني عنهم من اللّه شيئا، فهي شهادة من اللّه بقصور نظرهم و عقولهم.

[سورة الأحزاب (33): آية 37]

وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (37)

[ابتلى اللّه تعالى نبيه بنكاح زوجة من تبناه‏]

ابتلى اللّه نبيه صلّى اللّه عليه و سلم بنكاح زوجة من تبناه، و كان لو فعله عند العرب مما يقدح في مقامه، و هو رسول اللّه، و ما بعثه اللّه تعالى إلا ليتمم مكارم الأخلاق، فأحواله كلها مكارم أخلاق، فهو مبين لها بالحال، و الرجل الكامل واقف مع ما تمسك عليه المروءة العرفية حتى يأتي أمر اللّه الحتم، فإنه بحسب ما يؤمر، فإن كان عرضا نظر إلى قرائن الأحوال، فإن كانت قرينة الحال تخيره بقي على الأمر العرفي الذي يشهد له بمكارم الأخلاق، و لذلك قال: (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ) فهو واقف مع حكم اللّه، و كانت خشيته صلّى اللّه عليه و سلم حتى لا ترد دعوة الحق، فأبان اللّه لهم عن العلة في ذلك، و هو رفع الحرج عن المؤمنين في مثل هذا الفعل، و كل معلل علّه الحق فإنه واقع، كما أنه كل ترج من اللّه واقع.

[سورة الأحزاب (33): آية 38]

ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (38)

الكامل له الوجود و الجلال و الهيبة، لأن موطن الحكم عند المتحقق الكامل لا ينبغي أن يلحظ فيه الإرادة العاصية، و إنما ينبغي أن يلحظ فيه الإرادة الآمرة، و مرتبة الآمر من كونه آمرا لا من كونه مريدا، فالنبي واقف مع حكم اللّه‏ «وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً» و هكذا المؤمن الكامل الإيمان ما هو مع الناس، و إنما هو مع ما يحكم اللّه به على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلم الذي بالإيمان به ثبت الإيمان له.

[سورة الأحزاب (33): الآيات 39 الى 40]

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ حَسِيباً (39) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً (40)

لما ادّعي في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه أبو زيد بن حارثة، نفى اللّه تعالى عنه أن يكون أبا لأحد من رجالنا، لرفع المناسبة و تمييزا للمرتبة، ففصل بينه و بينهم بالرسالة و الختم، أ لا تراه صلّى اللّه عليه و سلم ما عاش له ولد ذكر من ظهره تشريفا له، لكونه سبق في علم اللّه أنه خاتم النبيين.- أولاده صلّى اللّه عليه و سلم: الذكور منهم: القاسم، و به كان يكنّى، ثم الطيب، ثم الطاهر، و عبد اللّه، و جميع أولاده عليهم السلام من خديجة رضي اللّه عنها، غير سيدنا ابراهيم عليه السلام فأمه مارية القبطية، سريته صلّى اللّه عليه و سلم‏ «وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ» فثبت بهذه الآية أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلم آخر الأنبياء،

قال صلّى اللّه عليه و سلم: [كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين‏] فبطن كونه خاتم النبيين في هذا الحديث، و كان من ظهوره نبيا و آدم بين الماء و الطين أن استفتح به مراتب البشر، فقال [أول ما خلق اللّه نور نبيك يا جابر] و ختم اللّه به النبيين بعد بعثته صلّى اللّه عليه و سلم ببشريته، فظهر كونه خاتم النبيين بقوله: [إنّ الرسالة و النبوة قد انقطعت فلا نبي بعدي و لا رسول‏] يعني أن الرسالة- و هي البعثة إلى الناس بالتشريع لهم- و النبوة قد انقطعت، أي ما بقي من يشرع له من عند اللّه حكم يكون عليه ليس هو شرعنا الذي جئنا به، فلا رسول بعدي يأتي بشرع يخالف شرعي إلى الناس، و لا نبي فلا نبوة تشريع بعده و لا نبي يكون على شرع ينفرد به عند ربه يكون عليه،

فصرح أنه خاتم نبوة التشريع، و لو أراد غير ما ذكرناه لكان معارضا لقوله: [إن عيسى عليه السلام ينزل فينا حكما مقسطا يؤمنا بنا] أي بالشرع الذي نحن عليه، و لا نشك فيه أنه رسول و نبي، فعلمنا أنه صلّى اللّه عليه و سلم أراد أنه لا شرع بعده ينسخ شرعه، و دخل بهذا القول كل إنسان في العالم من زمان بعثته إلى يوم القيامة، فإن كان عيسى عليه السلام بعده، و هو من أولي العزم و الرسل و خواص الأنبياء و لكن زال حكمه عن هذا المقام لحكم الزمان عليه الذي هو لغيره، فينزل فينا وليا وارثا خاتما ذا نبوة مطلقة، يشركه فيها الأولياء المحمديون، قد حيل بينه و بين نبوة التشريع و الرسالة، و لا ولي بعده أي عيسى عليه السلام بنبوة مطلقة، كما أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلم خاتم النبوة نبوة التشريع خاصة.

[سورة الأحزاب (33): آية 41]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41)

أي في كل حال.

فالحمد للّه الذي قد وقى‏ من شر ما يمكن أن يحذرا
لو لا كتاب سابق فيكمو نبذتمو لفعلكم بالعرا
ما شرع الرحمن أذكاره‏ إلا لكي تعصمكم كالعرى‏
لأنها أعصم ما يتقى‏ لما به الرحمن قد قدّرا
تعوذوا منه به أسوة بسيد يعلم ما قررا

[الذكر بالاسم المفرد: اللّه اللّه‏]

و اعلم أن كلام اللّه لا يضاهيه شي‏ء من كل كلام مقرب إلى اللّه، فينبغي للذاكر إذا ذكر اللّه متى ذكره أن يحضر في ذكره ذلك ذكرا من الأذكار الواردة في القرآن، فيذكر اللّه به ليكون قارئا في الذكر، و إذا كان قارئا فيكون حاكيا للذكر الذي ذكر اللّه به نفسه، فلا يحمد اللّه و لا يسبحه و لا يهلله إلا بما ورد في القرآن عن استحضار منه لذلك- بحث في الذكر بالاسم المفرد- ما أمر اللّه بالكثرة من شي‏ء إلا من الذكر، فقال: «اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً» و قال: (وَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ) و ما أتى الذكر قط إلا بالاسم اللّه خاصة معرى عن التقييد، فقال‏ «اذْكُرُوا اللَّهَ» و ما قال: بكذا و قال: (وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) و ما قال: بكذا، و مثل ذلك من الآيات التي أمر فيها بالذكر،

و قال تعالى: في الحديث القدسي [من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» فقوله تعالى: «اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً» هو تكرار هذا الاسم و لم يذكر إلا الاسم اللّه خاصة، و قد قال صلّى اللّه عليه و سلم: [لا تقوم الساعة حتى لا يبقى على وجه الأرض من يقول اللّه اللّه‏] فأتى به مرتين و لم يكتف بواحدة، و أثبت بذلك أنه ذكر على الانفراد، و لم ينعته بشي‏ء، و سكّن الهاء من الاسم، و هو صلّى اللّه عليه و سلم مأمور أن يبيّن للناس ما نزّل إليهم، فلو لا أن قول الإنسان اللّه اللّه له حفظ العالم الذي يكون فيه هذا الذكر، لم يقرن بزواله زوال الكون الذي زال منه، و هو الدنيا،

و قال تعالى: (وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) فلهذا الذكر المفرد إنتاج أمر عظيم في قلب الذاكر به لا ينتجه غيره و ما قيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الاسم اللّه في هذا الحديث بأمر زائد على هذا اللفظ، لأنه ذكر الخاصة من عباد اللّه الذين يحفظ اللّه بهم عالم الدنيا، و كل دار يكونون فيها؛ فإذا لم يبق منهم أحد لم يبق للدنيا سبب حافظ يحفظها اللّه من أجله، فتزول و تخرب و كم من قائل اللّه باق في ذلك الوقت، و لكن ما هو ذاكر باستحضار، فلا يعتبر اللفظ دون استحضار، و قد قال بعض العلماء بالرسوم: إنه لم ير هذا الذكر لارتفاع الفائدة عنده فيه، إذ كل مبتدأ لا بد له من خبر،

فيقال له: لا يلزم ذلك في اللفظ، بل له خبر ظاهر لا في اللفظ، كإضافة إلى تنزيه أو ثناء بفعل، و معلوم أنه إذا ذكر أمر ما، و كرر على طريق التأكيد له، أنه يعطي من الفائدة ما لا يعطيه من ليس له هذا الحكم، فمن هذه الآية و أمثالها و من الحديث الذي ذكرناه، رجّح أهل اللّه ذكر لفظة اللّه اللّه، و ذكر لفظه (هو) على الأذكار التي تعطي النعت، و وجدوا لها فوائد؛ و اعلم أن الذكر ليس بأن تذكر اسمه، بل لتذكر اسمه من حيث ما هو مدح له و حمد، إذ الفائدة ترتفع بذكر الاسم من حيث دلالته على العين، و ما قصد أهل اللّه بذكرهم اللّه اللّه نفس دلالة اللفظ على العين، و إنما قصدوا هذا الاسم أو الهو، من حيث أنهم علموا أن المسمى بهذا الاسم أو هذا الضمير هو من لا تقيده الأكوان و من له الوجود التام، فإحضار هذا في نفس الذاكر عند ذكر الاسم بذلك وقعت الفائدة، فإنه ذكر غير مقيد، فإذا قيده بلا إله إلا اللّه لم ينتج له إلا ما تعطيه هذه الدلالة، و إذا قيده بسبحان اللّه لم يتمكن أن يحضر إلا مع حقيقة ما يعطيه التسبيح، و كذلك اللّه أكبر، و لا حول و لا قوة إلا باللّه، و كل ذكر مقيد لا ينتج إلا ما تقيد به، لا يمكن أن يجني منه ثمرة عامة، فإن حالة الذاكر تقيده، و قد عرفنا اللّه أنه ما يعطيه إلا بحسب حاله في قوله: [إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي‏]- الحديث- فلهذا رجحت الطائفة ذكر لفظة اللّه وحدها أو ضميرها من غير تقييد، فما قصدوا لفظة دون استحضار ما يستحقه المسمى، و بهذا يكون ذكر الحق عبده باسم عام لجميع الفضائل اللائقة به، التي تكون في مقابلة ذكر العبد ربه بالاسم اللّه، فالذكر من العبد باستحضار و الذكر من الحق بحضور، لأنا مشهودون له معلومون، و هو لنا معلوم لا مشهود، فلهذا كان لنا الاستحضار و له الحضور- شروط الذكر- قوله تعالى:

 

[شروط الذكر]

اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً. ما قيّد حال طهارة من حال، فكما قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: [إني كرهت أن أذكر اللّه إلا على طهر، أو قال: على طهارة] فقد قال صلّى اللّه عليه و سلم: [الحمد للّه على كل حال‏] و قالت عائشة رضي اللّه عنها: [كان النبي صلّى اللّه عليه و سلم يذكر اللّه على جميع أحواله لا تمنعه إلا الجنابة] لذلك فإن الذكر في طريق اللّه لا يختص بالقول فقط، بل تصرف العبد إذا رزق التوفيق في جميع حركاته، لا يتحرك إلا في طاعة اللّه تعالى من واجب أو مندوب إليه، و يسمى ذلك ذكرا للّه، أي لذكره في ذلك الفعل أنه للّه بطريق القربة سمي ذكرا، لذلك قالت عائشة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [إنه كان يذكر اللّه على كل أحيانه‏] فعمّت جميع أحواله‏ في يقظة و نوم و حركة و سكون، تريد أنه ما تصرف و لا كان على حال من الأحوال إلا في أمر مقرب إلى اللّه فجميع الطاعات كلها من فعل و ترك إذا فعلت أو تركت لأجل اللّه، فذلك من ذكر اللّه أي اللّه ذكر فيها و من أجله فعلت أو تركت على حكم ما شرع فيها،

[إشارة للعارفين: الغيرة]

و هذا هو ذكر الموفقين من العلماء باللّه- إشارة للعارفين- يغار أكثر أهل الطريق و لا سيما أهل الورع منهم أن يذكر اللّه بين العامة، فيذكرونه بقلوب غافلة عن الحضور عما يجب للّه من التعظيم، و قد أخطئوا في ذلك، فإن القلب و إن غفل عن الذكر الذي هو حضوره مع المذكور، فإن الإنسان من كونه سميعا قد سمع ذكر اللّه من لسان هذا الذاكر، فخطر بالقلب و وعى ما جاء به هذا الذاكر، و لم يجى‏ء إلا بذكر اللسان الذي وقع بالسمع، فجرد له هذا القلب ما يناسبه من الذاكرين منه و هو اللسان، فذكر اللّه بلسانه موافقة لذكر ذلك المذكّر له، و القلب مشغول في شأنه الذي كان فيه، مع أنه لم يشتغل عن تحريك اللسان بالذكر، فلم يشغله شأن عن شأن، فما ذكر أحد اللّه عن غفلة قط، و ما بقي إلا حضور باستفراغ له أو حضور بغير استفراغ، بل بمشاركة، و لكن زمان أمره اللسان بالذكر ما هو زمان اشتغاله بغيره، فما ذكره غافل قط أي عن غفلة في حال أمر القلب اللسان بالذكر إلا في حال ذكر اللسان، ثم إن اللسان قد وفّى حقه في العلانية من الذكر، فإنه من الأشياء المسبحة للّه، فمن غار على اللّه لم يعرفه، و إنما يغار له لا عليه.

[سورة الأحزاب (33): آية 42]

وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً (42)

«وَ سَبِّحُوهُ» أي صلوا له، و لهذا قال: «بُكْرَةً وَ أَصِيلًا» يعني صلاة الغداة و العشي، فأمرنا هنا بالصلاة بكرة و أصيلا، فإن في ذلك غذاء العقول و الأرواح، كما أن غذاء الجسم في هذه الأوقات في قوله: (لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا) و رزق كل مخلوق بحسب ما تطلبه حقيقته، فالأرواح غذاؤها التسبيح، فقيل لها: سبحه أي صل له في هذه الأوقات و اذكره على كل حال، فقيد التسبيح و ما قيد الذكر، فعلمنا أن التسبيح ذكر خاص مربوط بهذه الأوقات.

[سورة الأحزاب (33): آية 43]

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (43)

مسمى الصلاة يضاف إلى ثلاثة و إلى رابع ثلاثة بمعنيين، بمعنى شامل و بمعنى غير شامل، فتضاف الصلاة إلى الحق بالمعنى الشامل، و المعنى الشامل هو الرحمة، فإن اللّه وصف نفسه بالرحيم و وصف عباده بها فقال: (أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم:

[ «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ …» الآية]

[إنما يرحم اللّه من عباده الرحماء] قال تعالى: «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ» أي يرحمكم بأن يخرجكم من الظلمات إلى النور، يقول من الضلالة إلى الهدى، و من الشقاوة إلى السعادة، و تضاف إلى الملائكة بمعنى الرحمة و الاستغفار و الدعاء للمؤمنين، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ» فصلاة الملائكة ما ذكرناها، قال اللّه عزّ و جل في حق الملائكة (وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) و يقولون: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ‏ وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ) اللهم استجب فينا صالح دعاء الملائكة، و تضاف الصلاة إلى البشر بمعنى الرحمة و الدعاء و الأفعال المخصوصة المعلومة شرعا،

فجمع البشر هذه المراتب المسماة صلاة، قال تعالى آمرا لنا: (وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ) و تضاف الصلاة إلى كل ما سوى اللّه من جميع المخلوقات ملك و إنسان و حيوان و نبات و معدن بحسب ما فرضت عليه و عيّنت له، قال تعالى: (أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ) فأضاف الصلاة إلى الكل و التسبيح، أما قوله تعالى هنا: «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ» فتفسيره من وجوه- الوجه الأول- «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ» الصلاة المنسوبة إلى الحق هي رحمته بعباده، فأخبر أنه يصلي علينا، و المفهوم من هذا أمران:

الأمر الواحد أنه يصلي علينا فينبغي لنا أن نذكره بالمدح و الثناء و نصلي له بكرة و أصيلا، و الأمر الآخر أنكم إذا صليتم و ذكرتم اللّه فإنه يصلي عليكم، فإنه لما أمرنا بالذكر و الصلاة قال: «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ» فصلاتنا و ذكرنا له سبحانه بين صلاتين من اللّه تعالى، صلى علينا فصلينا فصلى علينا، فمن صلاته الأولى علينا صلينا له، و من صلاته الثانية علينا كانت السعادة لنا بأن جنينا ثمرة صلاتنا له و ذكرنا، لذلك جاءت إقامة الصلاة المفروضة بالفعل الماضي [قد قامت الصلاة] أراد قيام صلاة اللّه على العبد ليقوم العبد إلى الصلاة، فيقيم بقيامه نشأتها- الوجه الثاني- «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ» أي يؤخر ذكره عن ذكركم‏ حتى تذكروه،

قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) و قال صلّى اللّه عليه و سلم مخبرا عن ربه: [من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه‏] فهو المصلي عن سابق ذكر العبد، و لا تذكرونه حتى يوفقكم و يلهمكم ذكره، فيذكركم بذكره إياكم، فتذكرونه به أو بكم، فيذكركم بكم و به- الوجه الثالث- لما وصل الرسول صلّى اللّه عليه و سلم في عروجه إلى المقام الذي لا يتعداه البراق و ليس في قوته أن يتعداه، تدلى إلى الرسول صلّى اللّه عليه و سلم الرفرف، فنزل عن البراق و استوى على الرفرف، و صعد به الرفرف و فارقه جبريل، فسأله الصحبة فقال: إنه لا يطيق ذلك؛ و قال له: (وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) و لما وصل المعراج الرفرفي بالرسول صلّى اللّه عليه و سلم إلى مقامه الذي لا يتعداه الرفرف، زجّ به في النور زجة غمره النور من جميع نواحيه، و لم ير معه أحدا يأنس به و لا يركن إليه، و قد أعطته المعرفة أنه لا يصح الأنس إلا بالمناسب، و لا مناسبة بين اللّه و عبده، فأعطته صلّى اللّه عليه و سلم هذه المعرفة الوحشة لانفراده بنفسه، و هذا مما يدلك أن الإسراء كان بجسمه صلّى اللّه عليه و سلم، لأن الأرواح لا تتصف بالوحشة و لا الاستيحاش، فلما علم اللّه منه ذلك و كيف لا يعلمه و هو الذي خلقه في نفسه؟!

و طلب عليه السلام الدنو بقوة المقام الذي هو فيه، فنودي بصوت يشبه صوت أبي بكر، تأنيسا له إذ كان أنيسه في المعهود، فحنّ لذلك و أنس به، و تعجب من ذلك اللسان في ذلك الموطن، و كيف جاءه من العلو و قد تركه بالأرض؟ و قيل له في ذلك النداء: [يا محمد قف، إن ربك يصلي‏] فأخذه لهذا الخطاب انزعاج و تعجب، كيف تنسب الصلاة إلى اللّه تعالى فتلا عليه في ذلك المقام‏ «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» فعلم ما المراد بنسبة الصلاة إلى اللّه، فسكن روعه مع كونه سبحانه لا يشغله شأن عن شأن، و لكن قد وصف نفسه بأنه لا يفعل أمرا حتى يفرغ من أمر آخر فقال:

(سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ) فمن هذه الحقيقة قيل له: [قف إن ربك يصلي‏] أي لا يجمع بين شغلين، يريد بذلك العناية بمحمد صلّى اللّه عليه و سلم، حيث يقيمه في مقام التفرغ له، فهو تنبيه على العناية به، و اللّه أجل و أعلى في نفوس العارفين به من ذلك، فإن الذي ينال الإنسان من المتفرغ إليه أعظم و أمكن من الذي يناله ممن ليس له حال التفرغ إليه، لأن تلك الأمور تجذبه عنه، فهذا في حال النبي عليه السلام و تشريفه، فكان معه في هذا المقام بمنزلة ملك استدعى بعض عبيده ليقربه و يشرفه، فلما دخل حضرته و قعد في منزلته طلب أن ينظر إلى‏ الملك في الأمر الذي وجه إليه فيه،

فقيل له: تربص قليلا فإن الملك في خلوته يعزل لك خلعة تشريف يخلعها عليك، فما كان شغله عنه إلا به، و لذلك فسّر له صلاة اللّه بقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ» فشرف بأن قيل له: إنما غاب عنك من أجلك و في حقك- الوجه الرابع- «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ» عموما و قال: (إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) خصوصا بخصوص صلاة، و قد جاء بالملائكة في قوله: «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ» بعد ما ذكرنا و فصل بنا بين صلاته و بين الملائكة، بقوله‏ «عَلَيْكُمْ» ثم قال: «لِيُخْرِجَكُمْ» فأفرد الخروج إليه، و ما جاء بضمير جامع يجمع بين اللّه و بين الملائكة في الصلاة على المؤمنين كما فعل في قوله: (يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) فعمنا كلنا و النبي صلّى اللّه عليه و سلم من جملتنا بقوله: «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ» و أفرد نفسه في ذلك ثم قال:

«وَ مَلائِكَتُهُ» فأفرد الملائكة بالصلاة على العباد و فيهم النبي صلّى اللّه عليه و سلم، فلجميع الخلق توحيد الصلاة من اللّه و توحيد الصلاة من الملائكة، و خصّ النبي صلّى اللّه عليه و سلم وحده فيما أخبرنا به، و أما قوله‏ «وَ مَلائِكَتُهُ» أي أيضا يصلون عليكم بما قد شرع لها من ذلك و هو قوله‏ (رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً) الآية فصلاة الملائكة علينا كصلاتنا على الجنازة سواء لمن عقل، فهي شفاعة،

ثم قال: «لِيُخْرِجَكُمْ» بلام السبب‏ «مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» ابتداء منه و منّة، و بدعاء الملائكة و هو قولهم: (وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ) فإن السيئات ظلمات، فمنهم من يخرج من ظلمات الجهل إلى نور العلم، و من ظلمات المخالفة إلى نور الموافقة، و من ظلمات الضلال إلى نور الهدى، و من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، و من ظلمات الشقاء و التعب إلى نور السعادة و الراحة، فكما أن الصلاة الإلهية و هي عموم رحمته بمخلوقاته، كذلك صلاة الملائكة تامة الخلقة، فإنها دعت للذين تابوا و قالت أيضا (وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ) فعمت، فما بقي أمر إلا دخل في صلاة الملائكة من طائع و عاص على أنواع الطاعات و المعاصي، ثم قال: «وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ» أي المصدقين‏ «رَحِيماً» أي رحمهم لما صدقوا به من وجوده الذي هو أعم من التصديق بالتوحيد، فإنه يندرج بعد الإيمان بالوجود الإلهي كل ما يجب به الإيمان على طبقاته ثم قال:

[سورة الأحزاب (33): آية 44]

تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَ أَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (44)

«تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ» أي إذا وقع اللقاء بشر بالسلامة أنه لا يشقى بعد اللقاء أبدا.، فلله رجال يلقونه في الحياة الدنيا و يبشرون بالسلام، و ثمّ من يلقاه إذا مات، و ثمّ من يلقاه عند البعث، و ثمّ من يلقاه في تفاصيل مواقف القيامة على كثرتها، و منهم من يلقاه بعد دخول النار و بعد عذابه فيها، و متى وقع اللقاء حيّاه اللّه بالسلام فلا يشقى بعد ذلك اللقاء، فلهذا جعل السلام عند اللقاء، و لم يعين وقتا مخصوصا لتفاوت الطبقات في لقائه، فآخر لاق يلقاه المؤمن بوجوده خاصة، فإنه قال: (بِالْمُؤْمِنِينَ) و لم يقيد فلا نقيد، ثم قال: «وَ أَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً» كل أجر على قدر ما عنده من الإيمان، و أقلهم أجرا، المؤمن بوجود اللّه إلها إلى ما هو أعظم في الإيمان، فصلاة اللّه رحمته بخلقه، و صلاة الحق كائنة على كل موجود و هي عموم رحمته بمخلوقاته.

[سورة الأحزاب (33): الآيات 45 الى 46]

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (45) وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً (46)

[الرسول صلّى اللّه عليه و سلم سراج منير]

من شرط من يدعى الإجابة إلى ذلك، و جعله بإلى في قوله‏ «إِلَى اللَّهِ» و هو حرف غاية، و هو انتهاء المطلوب، فتضمنت حرف إلى أن المدعو لا بد أن يكون له سعي من نفسه إلى اللّه، فقال تعالى‏ «بِإِذْنِهِ» أي بأمره، لم يكن ذلك من نفسك و لا من عقلك و نظرك، فافتقر المدعو إلى نور يكشف به ما يصده عن مطلوبه، و يحرمه الوصول إليه لما دعاه، مثل الشبه المضلة للإنسان في نظره إذا أراد القرب من اللّه بالعلم من حيث عقله، فجعل الحق شرعه سراجا منيرا، يتبين لذلك المدعو بالسراج الطريق الموصلة إلى من دعاه إليه؛ و جعل الرسول صلّى اللّه عليه و سلم‏ «سِراجاً مُنِيراً» أي يظهر به للمدعو ما يمنعه من الوصول فيجتنبه على بصيرة، و لما كان السراج مفتقرا إلى الإمداد بالدهن لبقاء الضوء، كان الرسول سراجا منيرا للإمداد الإلهي الذي هو الوحي، و جعله منيرا أي ذا نور لما فيه من الاستعداد لقبول هذا الإمداد، فهو صلّى اللّه عليه و سلم سراج منير، لأن اللّه يمده بنور الوحي الإلهي في دعائه إلى اللّه عباده، فهو نور ممدود بإمداد إلهي لا بإمداد عقلي، و هذا إجابة اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه و سلم في دعائه بقوله لربه: [و اجعلني نورا].

 

[سورة الأحزاب (33): الآيات 47 الى 50]

وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً (47) وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ دَعْ أَذاهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلاً (48) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَ سَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (49) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَ بَناتِ عَمِّكَ وَ بَناتِ عَمَّاتِكَ وَ بَناتِ خالِكَ وَ بَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (50)

[نكاح الهبة خاص برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم‏]

هذه الآية نص على نكاح الهبة أن ذلك خالص لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و هو له مشروع و هو حرام علينا، فهذا مما اختص به محمد صلّى اللّه عليه و سلم، لأنه لما لم يكن في الأنكحة أفضل من نكاح الهبة، لأنه لا عن عوض كالاسم الواهب الذي يعطي لينعم، اختص به لفضله أفضل الخلق و هو محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فنكاح الهبة خاص لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم حرام على الأمة بلا خلاف.

[سورة الأحزاب (33): آية 51]

تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَ مَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَ لا يَحْزَنَّ وَ يَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً (51)

زوجات النبي اللاتي كان يساوي بينهن في القسمة أربع: عائشة و حفصة و أم سلمة و زينت بنت جحش.

[سورة الأحزاب (33): آية 52]

لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَ لا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رَقِيباً (52)

نزلت هذه الآية جبرا لأزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و إيثارا لهن و مراعاتهن بعد أن خيّرهن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فاختاروه، و كانت هذه الآية. من أشق آية نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لقوله صلّى اللّه عليه و سلم: [حبب إليّ من دنياكم ثلاث: النساء و الطيب، و جعلت قرة عيني في الصلاة] فأبقى عليه تعالى رحمة به لما جعل في قلبه من حب النساء ملك اليمين، و قوله تعالى:

«وَ لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ» تقوية للحكم بتحريم ذلك عليه، قالت عائشة [ما كان اللّه ليعذب قلب نبيه صلّى اللّه عليه و سلم، و اللّه ما مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم حتى أحلّ له النساء] «إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ» جواريه صلّى اللّه عليه و سلم: مارية بنت شمعون القبطية، ولدت له سيدنا إبراهيم عليه السلام، و ريحانة بنت زيد من بني قريظة من بني النضير.

 

[ «وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رَقِيباً» الآية]

«وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رَقِيباً»– الوجه الأول- هو معنى قوله تعالى‏ (وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما) أي العالم الأعلى و الأسفل، فلا يزال الحق مراقبا لعالم الأجسام و الجواهر العلوية و السفلية، كلما انعدم منها عرض به وجوده خلق في ذلك الزمان عرضا مثله أو ضده يحفظه به من العدم في كل زمان، فهو خلّاق على الدوام، و العالم مفتقر إليه تعالى على الدوام افتقارا ذاتيا، من عالم الأعراض و الجواهر، و هذه مراقبة الحق خلقه لحفظ الوجود عليه، و هذه هي الشئون التي عبر عنها في كتابه أنه كل يوم في شأن، و لا يشغله شأن عن شأن- الوجه الثاني- و مراقبة أخرى للحق في عباده، و هي نظره إليهم فيما كلفهم من أوامره و نواهيه و رسم لهم من حدوده، و هذه مراقبة كبرياء و وعيد، فمنهم من وكل به من يحصي عليهم جميع ما يفعلونه، مثل قوله: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) و مثل قوله: (كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) و قوله: (سَنَكْتُبُ ما قالُوا) (وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ) (وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)* فهو سبحانه لا يغفل عن حالات عبده في حركاته و سكناته، و لا يشغله عن مراقبته شي‏ء،

و ليس في الحضرات من يعطي التنبيه على أن الحق معنا بذاته في قوله: (وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) إلا هذا الاسم الرقيب و هذه الحضرة، لأنه على الحقيقة من الرقبى، و الرقبى أن تملك رقبة الشي‏ء بخلاف العمرى، فإذا ملكت رقبة الشي‏ء تبعته صفاته كلها و ما ينسب إليه، و الرقيب اسم فاعل‏ «عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ»* و هو المرقب عليه، فإنه المشهود لكل شي‏ء، فيرقب العبد في جميع حركاته و سكناته، و يرقبه العبد في جميع آثاره في قلبه و خواطره و حركاته و حركات ما خرج عنه من العالم، فأسعد العبيد من يراقب سيده مراقبة سيده إياه، فيراقب الحق مراقبة عبده لمن يراقب، فيكون معه بحيث يرى منه، و من ملك المراقبة كان له التصرف كيف شاء في المراقب، فإن اللّه مع عبده حيث كان، فالعبد و إن كان مقيدا بالشرع، فإن الشرع قد جعله مسرّح العين في تصرفه، و يحمده الميزان و يذمه، و المراقب معه أينما كان من محمود و مذموم.

[سورة الأحزاب (33): آية 53]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى‏ طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَ لكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَ لا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَ إِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (53)

«وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ» و ذلك ليس من صفات الخلق، من لا يكون إلا ما يريد لا يستحي من العبيد، فإن استحى في حال ما، فلطلب الاسم المسمى.

[سورة الأحزاب (33): الآيات 54 الى 55]

إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً (54) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَ لا أَبْنائِهِنَّ وَ لا إِخْوانِهِنَّ وَ لا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَ لا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَ لا نِسائِهِنَّ وَ لا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَ اتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيداً (55)

و هو رؤية عباده في حركاتهم و تصرفاتهم، فشهوده لكل شي‏ء هو إحسانه، فإنه بشهوده يحفظه من الهلاك.

[سورة الأحزاب (33): آية 56]

إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (56)

[تميز النبي صلّى اللّه عليه و سلم بمرتبة لم تعط لأحد سواه‏]

قال اللّه تعالى: «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ» فعمنا كلنا و النبي صلّى اللّه عليه و سلم من جملتنا، و أفرد نفسه في ذلك كما أفرد ملائكته بالصلاة على العباد و فيهم النبي، فلجميع الخلق توحيد الصلاة من اللّه و توحيد الصلاة من الملائكة، و خصّ النبي صلّى اللّه عليه و سلم وحده فيما أخبرنا به بقوله:

«إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» فهي خصوص صلاة فإن الضمير في قوله:

«يُصَلُّونَ» يجمع الحق و الملائكة، فتميز النبي صلّى اللّه عليه و سلم على سائر البشر بمرتبة لم يعطها أحد سواه، بأن جمع له بصلاة جامعة اشترك فيها اللّه و ملائكته، و معلوم أن الصلاة في الجمعية ما هي الصلاة في حال الإفراد فإن الحالتين متميزتان، ففاز النبي صلّى اللّه عليه و سلم بهذه الصلاة، فثبت شرفه صلّى اللّه عليه و سلم على سائر البشر في هذه المرتبة، فإنه شرف محقق الوجود بالتعريف، و إن ساواه أحد ممن لم نعرّف به فذلك شرف إمكاني، فتعين فضله بالتعيين على من لم يتعين، و إن كان قد صلى عليه مثل هذا في نفس الأمر و لم نخبر، فثبت له الفضل بكل حال، و يتضح في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» أنه لو لم يكن من شرف الملائكة على سائر المخلوقات إلا جمع الضمير في‏ «يُصَلُّونَ» بينهم و بين اللّه لكفاهم، و ما احتيج بعد ذلك إلى دليل آخر، و نصب الملائكة بالعطف حتى يتحقق أن الضمير جامع للمذكورين قبل، و لا يتمكن للملائكة أن تلحق صلاة اللّه على عبده، فإنها لا تتعدى مرتبتها، فيكون الحق ينزل في هذه الصلاة إلى صلاة الملائكة لأجل الضمير الجامع، فتكون صلاة اللّه على‏ النبي من مقام صلاة الملائكة على النبي، ثم أمرنا تعالى أن نصلي عليه صلّى اللّه عليه و سلم فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» فأمرنا أن نصلي عليه بمثل هذه الصلاة الجامعة بصلاتنا عليه، و الصلاة على النبي في الصلاة و غيرها دعاء من العبد المصلي لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم بظهر الغيب، و قد علّمنا كيف نصلي عليه أي كيف ندعو له، و قد أمرنا أن ندعو له بالوسيلة و المقام المحمود، و قد ورد في الصحيح عنه صلّى اللّه عليه و سلم [أنه من دعا بظهر الغيب قال له الملك و لك بمثله و في رواية و لك بمثليه‏] فشرع ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و أمر بها ليعود هذا الخير من الملك على المصلي عليه من أمته صلّى اللّه عليه و سلم، و أمر بالسلام عليه بقوله: «وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» فأكده بالمصدر، فقد يحتمل أن يريد بذلك السلام المذكور في التشهد،

و يحتمل أن يريد به السلام من الصلاة، أي إذا فرغتم من الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و سلم فسلموا من صلاتكم تسليما، فالصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و سلم في التشهد فرض، و التعوذ من الأربع المأمور بها في التشهد واجب، و هي أن يتعوذ من عذاب القبر و من عذاب جهنم و من فتنة المحيا و فتنة الممات و من فتنة المسيح الدجال، و لو لم يأمر النبي صلّى اللّه عليه و سلم بالتعوذ منها لكان الاقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أولى، إذ كان التعوذ منها من فعله، فكيف و قد انضاف إلى فعله أمره أمته بذلك؟

و أما التسليم من الصلاة فهو واجب، و الثابت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه كان يسلم تسليمتين، سأل المؤمنون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عن كيفية الصلاة التي أمرهم اللّه أن يصلوها عليه، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [قولوا: اللهم صل على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل ابراهيم‏] أي مثل صلاتك على إبراهيم و على آل ابراهيم، و يظهر من هذا الحديث فضل إبراهيم عليه السلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، إذ طلب أن يصلي عليه مثل الصلاة على إبراهيم،

فاعلم أن اللّه أمرنا بالصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و لم يأمرنا بالصلاة على آله في القرآن، و جاء الإعلام في تعليم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إيانا الصلاة عليه بزيادة الصلاة على الآل، فما طلب صلّى اللّه عليه و سلم الصلاة من اللّه عليه مثل صلاته على ابراهيم من حيث أعيانهما، فإن العناية الإلهية برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أتم، إذ قد خصّ بأمور لم يخصّ بها نبي قبله لا إبراهيم و لا غيره، و ذلك من صلاته تعالى عليه، فكيف يطلب الصلاة من اللّه عليه مثل صلاته على إبراهيم من حيث عينه؟ إنما المراد من ذلك أن الصلاة على الشخص قد تصلى عليه من حيث عينه‏ و من حيث ما يضاف إليه غيره، فكأن الصلاة عليه من حيث ما يضاف إليه غيره هي الصلاة من حيث المجموع، إذ للمجموع حكم ليس للواحد إذا انفرد.

و اعلم أن آل الرجل في لغة العرب هم خاصته الأقربون، و خاصة الأنبياء و آلهم هم الصالحون، العلماء باللّه المؤمنون به، و قد علمنا أن إبراهيم كان من آله أنبياء و رسل اللّه، و مرتبة النبوة و الرسالة قد ارتفعت في الشاهد في الدنيا، فلا يكون بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في أمته نبي يشرع اللّه له بخلاف شرع محمد صلّى اللّه عليه و سلم و لا رسول، و ما منع المرتبة و لا حجرها من حيث لا تشريع و لا سيما و قد قال صلّى اللّه عليه و سلم فيمن حفظ القرآن، إن النبوة قد أدرجت بين جنبيه أو كما قال صلّى اللّه عليه و سلم، و قال في المبشرات إنها جزء من أجزاء النبوة، فوصف بعض أمته بأنهم قد حصل لهم المقام و إن لم يكونوا على شرع يخالف شرعه،

و قد علمنا- بما قال لنا صلّى اللّه عليه و سلم- أنّ عيسى عليه السلام ينزل فينا حكما مقسطا عدلا فيكسر الصليب و يقتل الخنزير، و لا نشك قطعا أنه رسول اللّه و نبيه، و هو ينزل بعده، فله عليه السلام مرتبة النبوة بلا شك عند اللّه، و ما له مرتبة التشريع عند نزوله، فعلمنا بقوله صلّى اللّه عليه و سلم إنه [لا نبي بعدي و لا رسول‏] و أن النبوة قد انقطعت و الرسالة، إنما يريد بهما التشريع، فلما كانت النبوة أشرف مرتبة و أكملها، ينتهي إليها من اصطفاه اللّه من عباده، علمنا أن التشريع في النبوة أمر عارض بكون عيسى عليه السلام ينزل فينا حكما من غير تشريع، و هو نبي بلا شك، فخفيت مرتبة النبوة في الخلق بانقطاع التشريع، و معلوم أن آل إبراهيم من النبيين و الرسل الذين كانوا بعده، مثل إسحاق و يعقوب و يوسف و من انتسل منهم من الأنبياء و الرسل بالشرائع الظاهرة الدالة على أن لهم مرتبة النبوة عند اللّه،

أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن يلحق أمته- و هم آله العلماء الصالحون منهم- بمرتبة النبوة عند اللّه و إن لم يشرعوا، و لكن أبقى لهم من شرعه ضربا من التشريع، فقال: [قولوا: اللهم صل على محمد و على آل محمد] أي صل عليه من حيث ما له آل [كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم‏] أي من حيث أنك أعطيت آل إبراهيم النبوة تشريفا لإبراهيم، فظهرت نبوتهم بالتشريع، و قد قضيت أن لا شرع بعدي، فصلّ عليّ و على آلي بأن تجعل لهم مرتبة النبوة عندك، و إن لم يشرعوا، فكان من كمال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن ألحق آله بالأنبياء في المرتبة،

و زاد على إبراهيم بأن شرعه لا ينسخ، و بعض شرائع إبراهيم و من بعده نسخت الشرائع بعضها بعضا، و ما علّمنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الصلاة عليه على هذه الصورة إلا بوحي من اللّه، و بما أراه اللّه، و أن الدعوة في ذلك مجابة، فقطعنا أن في هذه الأمة من لحقت درجته درجة الأنبياء في النبوة عند اللّه لا في التشريع، و لهذا بيّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و أكد بقوله: [فلا رسول بعدي و لا نبي‏] فأكد بالرسالة من أجل التشريع، فأكرم اللّه رسوله صلّى اللّه عليه و سلم بأن جعل آله شهداء على أمم الأنبياء، كما جعل الأنبياء شهداء على أممهم، ثم أنه خصّ هذه الأمة أعني علماءها، بأن شرع لهم الاجتهاد في الأحكام، و قرر حكم ما أداه إليه اجتهادهم، و تعبدهم به و تعبد من قلدهم به، كما كان حكم الشرائع للأنبياء و مقلديهم، و لم يكن مثل هذا لأمة نبي ما لم يكن بوحي منزل، فجعل اللّه وحي علماء هذه الأمة في اجتهادهم،

كما قال لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ) فالمجتهد ما حكم إلا بما أراه اللّه في اجتهاده، فهذه نفحات من نفحات التشريع ما هو عين التشريع، فلآل محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و هم المؤمنون من أمته العلماء، مرتبة النبوة عند اللّه، تظهر في الآخرة، و ما لها حكم في الدنيا إلا هذا القدر من الاجتهاد المشروع، فلم يجتهدوا في الدين و الأحكام إلا بأمر مشروع عند اللّه، فإن اتفق أن يكون أحد من أهل البيت بهذه المثابة من العلم و الاجتهاد و لهم هذه المرتبة كالحسن و الحسين و جعفر و غيرهم من أهل البيت، فقد جمعوا بين الأهل و الآل، فلا تتخيل أن آل محمد صلّى اللّه عليه و سلم هم أهل بيته خاصة، ليس هذا عند العرب، فإن الآل لا يضاف بهذه الصفة إلا للكبير القدر في الدنيا و الآخرة،

فلهذا قيل لنا قولوا: [اللهم صل على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم‏] أي من حيث ما ذكرناه لا من حيث أعيانهما خاصة دون المجموع، فهي صلاة من حيث المجموع، و ذكرناه لأنه تقدم بالزمان على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قد ثبت أنه سيد الناس يوم القيامة، و من كان بهذه المثابة عند اللّه، كيف تحمل الصلاة عليه كالصلاة على إبراهيم من حيث أعيانهما؟

فلم يبق إلا ما ذكرناه، روي عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: [علماء هذه الأمة كأنبياء سائر الأمم‏] و في رواية [أنبياء بني إسرائيل‏] و إن كان إسناد هذا الحديث ليس بالقائم، و لكن أوردناه تأنيسا للسامعين أن علماء هذه الأمة قد التحقت بالأنبياء في الرتبة، و تلخيص ما ذكرناه هو أن يقول المصلي [اللهم صل على محمد] بأن تجعل آله من أمته [كما صليت على إبراهيم‏] بأن جعلت آله أنبياء و رسلا في المرتبة عندك، [و على آل محمد كما صليت على آل إبراهيم‏] بما أعطيتهم من التشريع و الوحي، فأعطاهم الحديث فمنهم المحدثون، و شرع لهم الاجتهاد و قرره حكما شرعيا،فاشبهت الأنبياء في ذلك- و هذا التفسير عن واقعة إلهية، يقول رضي اللّه عنه (أي الشيخ الأكبر).

و هذه مسئلة عظيمة جليلة القدر، لم نر أحدا ممن تقدمنا تعرض لها و لا قال فيها مثل ما وقع لنا في هذه الواقعة، إلا إن كان و ما وصل إلينا، فإن اللّه في عباده أخفياء لا يعرفهم سواه- وجه آخر- لكي ننال ما ناله إبراهيم عليه السلام من الخلة على قدر ما يعطيه حالنا، قال لنا: [قولوا: اللهم صل على محمد و على آل محمد] و المؤمنون آله [كما صليت على إبراهيم‏] و ما اختص به إلا الخلة، فلما دعونا بها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أجاب اللّه دعاءنا فيه لنتخذ عنده يدا بذلك، فصلى اللّه عنه علينا عشرا، فقام تعالى عن نبيه صلّى اللّه عليه و سلم بالمكافأة، عناية منه به عليه السلام و تشريفا لنا، حيث لم تكمل المكافأة في ذلك لملك و لا غيره، فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلم عن ذلك لما حصلت الإجابة من اللّه فيما دعوناه فيه لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم:

[لو كنت متخذ خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، و لكن صاحبكم‏] يعني نفسه [خليل اللّه‏] و لو صحت له هذه الخلة من قبل دعاء أمته له بذلك لكان غير مفيد صلاتنا عليه، أي دعاءنا له بذلك، و حكم الخلة ما ظهر هنا، و إنما يظهر ذلك في الآخرة، ففي الآخرة تنال الخلة لظهور حكمها هناك، و أما الذي يظهر منها هنا لوامع تبدو و تؤذن بأنه قد أهّل لها و اعتنى به- تحقيق- من غيرة اللّه أن تكون لمخلوق على مخلوق منة لتكون المنة للّه، فما خلق مخلوقا إلا و جعل لمخلوق عليه يدا بوجه ما، فإن أراد الفخر مخلوق على مخلوق لما كان منه إليه، نكس رأسه ما كان من مخلوق آخر إليه، و الأنبياء و الرسل و الكمل من العلماء باللّه لا يخطر لهم ذلك، لمعرفتهم بحقائق الأمور و ما ربط اللّه به العالم، و ما يستحقه جلاله مما ينبغي أن يفرد به و لا يشارك فيه، فنصب الأسباب و أوقف الأمور بعضها على بعض لما تقتضيه الحكمة،

فقال لرسوله صلّى اللّه عليه و سلم‏ (وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) فهذا فخر و يد و منة، يتعرض فيها علة و مرض، و لكن عصم اللّه نبيه من ذلك، فجعل سبحانه في مقابلة هذه العلة دواء كما هي أيضا دواء لما هو لها دواء، فقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ» فإن افتخرنا بالصلاة عليه على طريق المنة، وجدناه قد صلى علينا حين أمر بذلك، و ان تصوّر في الجواز العقلي أن يمتن بصلاته علينا، منعته من ذلك صلاتنا عليه أن يذكر هذا، مع كونه السيد الأعظم، و لكن لم يترك له سبحانه المنة على خلقه، ليكون هو سبحانه المنعم الممتن على عباده بجميع ما هم فيه، و ما يكون منهم في حق اللّه من الوفاء

 

[إشارة: مراتب الرجال في التسليم من الصلاة]

بعهوده- إشارة- من قوله تعالى: «وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» يريد به السلام من الصلاة. اعلم أن المسلّم من صلاته رجلان، لهما طريقان، فإن كانا في شخص واحد فقد جمعت له الحقيقتان، فالعالي من سلّم لكونه انفصل عن أمر ما إلى أمر ما، إلى اسم ما، عن اسم آخر، فيكون سلام توديع و إقبال، إما من جليل إلى جلال، أو من جميل إلى جمال، و الدون من سلّم على الرحمن و على الأكوان، فسلامه على الرحمن لانفصاله، و سلامه على الأكوان لرجوعه إليهم و اتصاله، و لهذا لا يسلم المصلي على يساره إلا إذا جاوره مثله، فيظهر فيه ظلّه، و من خرج عن هاتين الحقيقتين لم يصح سلامه، و لا قبل كلامه، فإنه لم يكن عند الحق فينفصل عنه بسلام، و لم يغب عن الكون فيسلّم عليه عند الإلمام، و هذه صلاة العوام، بريئة من الكمال و التمام، ليس لها انتظام و لا التحام.

[سورة الأحزاب (33): آية 57]

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (57)

«إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ» بالتكلم فيه بما لا ينبغي، فوصف اللّه نفسه بأنه يؤذى، و لم يؤاخذ عن أذاه في الوقت من آذاه، فأمهلهم و لم يؤاخذهم، و جعل له ذلك الأذى الاسم الصبور، فوصف نفسه بالصبور، و ذكر لنا من يؤذيه و بما ذا يؤذيه، و طلب من عباده رفع الأذى مع قدرته على أن لا يخلق فيهم ما خلق، مع بقاء اسم الصبور عليه، ليعلمنا أنا إذا شكونا إليه ما نزل بنا من البلاء، أن تلك الشكوى إليه لا تقدح في نسبة الصبر إلينا، فنحن مع هذه الشكوى إليه في رفع البلاء عنا صابرون، كما هو صابر مع تعريفنا و إعلامه إيانا بمن يؤذيه و بما يؤذيه، لننتصر له و ندفع عنه ذلك و هو الصبور، فمن كان عدوا للّه فهو عدو للمؤمن،

و قد ورد في الخبر [ليس من أحد أصبر على أذى من اللّه‏] لكونه قادرا على الأخذ و ما يأخذ، و يمهل باسمه الحليم، و قد كذّب و شتم ورد في الصحيح [شتمني ابن آدم و لم يكن ينبغي له ذلك، و كذبني ابن آدم و لم يكن ينبغي له‏] (الحديث) فقوله و لم يكن ينبغي له ذلك لما له عليه تعالى من فضل إخراجه من الشر الذي هو العدم إلى الخير الذي بيده تعالى و هو الوجود، فكان التعريف بذلك ليرجع المكذب عن تكذيبه، و الشاتم عن شتمه، فإن الدنيا موطن الرجوع و القبول منه، و الآخرة و إن كانت موطن الرجوع و لكن ليست بموطن قبول،

و اتصف الحق بالصبر على أذى العبد، و عرّف أهل الاعتناء من المؤمنين بذلك‏ – صورة الشاكي- ليدفعوا عنه ذلك الأذى، فيكون لهم من اللّه أعظم الجزاء، فلا أرفع ممن يدفع عن اللّه أذى‏ «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ» أي أبعدهم، و اللعنة البعد، و سببه وقوع الأذى منهم، فوجبت عليهم اللعنة «وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً» لو كان الأمر كما يتوهمه من لا علم له من عدم مبالاة الحق بأهل الشقاء، ما وقع الأخذ بالجرائم، و لا وصف اللّه نفسه بالغضب، و لا كان البطش الشديد، فهذا كله من المبالاة و التهمم بالمأخوذ، إذ لو لم يكن له قدر ما عذب و لا استعدّ له، و قد قال في أهل الشقاء: «وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً».

[سورة الأحزاب (33): آية 58]

وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (58)

البهت أعظم من الجور.

[سورة الأحزاب (33): آية 59]

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَ بَناتِكَ وَ نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (59)

العورة في المرأة السوأتان فقط، كما قال تعالى: (وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) فسوّى بين آدم و حواء في ستر السوأتين و هما العورتان، و إن أمرت المرأة بالستر فهو مذهبنا، لا من كونها عورة و إنما ذلك حكم مشروع ورد بالستر، و لا يلزم أن يستر الشي‏ء لكونه عورة. أزواج النبي صلّى اللّه عليه و سلم: منهن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، ماتت قبل الهجرة، و عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما، و منهن حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما، و منهن أم سلمة و اسمها هند بنت أمية بن المغيرة ابن عبد اللّه ابن مخزوم، و هي آخر من مات من أزواجه بعده، و منهن سودة بنت زمعة ابن عبد شمس بن عبد ودّ بن نضر بن مالك بن جابر بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر، و منهم أم حبيبة و اسمها رملة بنت أبي سفيان بن الحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب، و منهن زينت بنت جحش بن رباب بن أسد بن خزيمة، و أمها عمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بنت عبد المطلب، و هي أول من مات من أزواجه بعده، و هي أول من‏ حملت جنازتها على نعش، و منهن زينب بنت خزيمة و هي أم المساكين، و هي من عبد مناف ابن هلال بن عامر بن صعصعة، توفيت في حياته عليه السلام، و منهن ميمونة بنت الحارث ابن حرب بن بحر بن الحرص بن رومية بن عبد اللّه بن هلال بن عامر بن صعصعة، و هي التي وهبت نفسها للنبي صلّى اللّه عليه و سلم، و قيل الواهبة نفسها خولة بنت حكيم السلمي، و قيل:

أم شريك، و قيل: زينب بنت جحش، و منهن جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن الحارث بن عابد بن مالك بن المصطلق بن خزاعة، سباها النبي صلّى اللّه عليه و سلم في غزوة المريسيع و تزوج بها، و منهن صفية بنت حييّ بن أخطب، من بني النضير، سباها يوم خيبر فهؤلاء إحدى عشر امرأة دخل بهن صلّى اللّه عليه و سلم بلا خلاف، و مات صلّى اللّه عليه و سلم عن تسع منهن: ميمونة، و سودة، و صفية، و جويرية، و أم حبيبة، و عائشة، و حفصة، و أم سلمة، و زينب بنت جحش، و مات في حياته منهن: خديجة بنت خويلد، و زينب بنت خزيمة أم المساكين.

بناته صلّى اللّه عليه و سلم: أكبرهن رقية ثم زينب ثم أم كلثوم، ثم فاطمة.

 

[سورة الأحزاب (33): الآيات 60 الى 67]

لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (62) يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (64)

خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولا (66) وَ قالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (67)

سيد القوم هو رئيسهم الذي له الرئاسة عليهم.

 

[سورة الأحزاب (33): الآيات 68 الى 69]

رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى‏ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (69)

كانت براءة موسى بفرار الحجر بثوب موسى عليه السلام حتى بدت لقومه سوأته، ليعلموا كذبهم فيما نسبوه إليه، أ ترى فرار الحجر هل كان عن غير أمر اللّه إياه بذلك؟

بل كان بوحي من اللّه‏ «فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ» لهذه البراءة «وَجِيهاً».

[سورة الأحزاب (33): آية 70]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70)

يا رب و هل لمخلوق حول أو قوة إلا بك؟ و أي قول لنا إلا ما تقولنا؟ فاجعل نطقنا ذكرك، و قولنا تلاوة كتابك، و هنا أمر اللّه عباده المؤمنين أن يقولوا عند الشهود بنور الإيمان: لا فاعل إلا اللّه؛ فقالوا قولا سديدا، فإذا قالوه أصلح لهم أعمالهم و غفر لهم ذنوبهم، فقال تعالى:.

[سورة الأحزاب (33): آية 71]

يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)

فالسعيد من حال اللّه بينه و بين ربوبيته، و أقامه عبدا في جميع أحيانه، يخاف و يرجو إيمانا، و لا يخاف و لا يرجى عيانا.

إنما العبد من يخاف و يرجو ليس بالعبد من يخاف و يرجى‏

[سورة الأحزاب (33): آية 72]

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)

 

[ «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ …» الآية]

«إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ، و أي أمانة أعظم من النيابة عن الحق في عباده، فلا يصرفهم إلا بالحق، فلا بد من الحضور الدائم و من مراقبة التصريف‏ «عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ» كان عرض الأمانة على السموات و الأرض و الجبال بوحي يناسبها، مثل قوله تعالى:

(و أوحى في كل سماء أمرها) «فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها» لأنها كانت عرضا لا أمرا، فلهذا أبت السموات و الأرض القبول، لعلمها أنها تقع في الخطر، فلا تدري ما يؤول إليها أمرها في ذلك، و أبين أن يحملنها من أجل الذم الذي كان من اللّه لمن حملها، و هو أن اللّه وصف حاملها بالظلم و الجهل ببنية المبالغة، فإن حاملها ظلوم لنفسه، جهول بقدر الأمانة «وَ أَشْفَقْنَ مِنْها» أي خفن أن لا يقمن بحقها، فاستبرأن لأنفسهن، فهل ترى إباية السموات و الأرض و الجبال عن حمل الأمانة و إشفاقهن منها، عن غير علم بقدر الأمانة و ما يؤول إليه أمر من حملها فلم يحفظ حق اللّه فيها؟

و علمهم بالفرق بين العرض و الأمر، فلما كان عرض تخيير احتاطوا لأنفسهم و طلبوا السلامة، و لما أمرهم الحق تعالى بالإتيان فقال للسماوات و الأرض‏ (ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) طاعة لأمر اللّه، و حذرا أن يؤتى بهما على كره، أ ترى إباية من ذكر اللّه لجهلها؟ لا و اللّه، بل الحمل للأمانة كان لمجرد الجهل من الحامل، و هل نعت اللّه بالجهل على المبالغة فيه و الظلم لنفسه فيها لغيره إلا الحامل لها و هو الإنسان، فعلمت الأرض و من ذكر قدر الأمانة و أن حاملها على خطر، فإنه ليس على يقين من اللّه أن يوفقه لأدائها إلى أهلها،

و علمت مراد اللّه بالعرض أنه يريد ميزان العقل، فكان عقل الأرض و الجبال و السماء أوفر من عقل الإنسان، حيث لم يدخلوا أنفسهم فيما لم يوجب اللّه عليهم، فإن طلب حمل الأمانة كان عرضا لا أمرا، و جعل بعض علماء الرسوم هذه الإباية و الإشفاق حالا لا حقيقة، و كذلك قوله عنهما (قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) قول حال لا خطاب، و هذا كله ليس بصحيح، و لا مراد في هذه الآيات، بل الأمر على ظاهره كما ورد، و هكذا يدركه أهل الكشف‏ «وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ» عرضا أيضا لما وجد في نفسه من قوة الصورة التي خلق عليها، لأنه لما خلق اللّه آدم على صورته أطلق عليه جميع أسمائه الحسنى، و بقوتها حمل الأمانة المعروضة، و ما أعطته هذه الحقيقة أن يردها كما أبت السموات و الأرض و الجبال حملها «إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا»– الوجه الأول- «إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً» لو لم يحملها «جَهُولًا» لأن العلم باللّه عين الجهل به، فالعجز عن درك الإدراك إدراك‏

– الوجه الثاني- «إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً» لنفسه حيث عرّض بنفسه إلى أمر عظيم إذا كان عارفا بقدر الأمانة، و إذا لم يوفق لأدائها كان ظالما لنفسه و لغيره‏ «جَهُولًا» و ذلك لجهل الإنسان ذلك من نفسه و بقدر ما تحمل و حمل، و إن كان عالما بقدرها فما هو عالم بما في علم اللّه فيه من التوفيق إلى أدائها، بل هو جهول كما شهد اللّه فيه، لأنه جهل هل يؤدي الأمانة إلى أهلها أم لا؟ فكان قبول الإنسان الأمانة اختيارا لا جبرا، فخان فيها لأنه وكل إلى نفسه و خذل، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [من طلب الإمارة وكل إليها، و من أعطيها من غير طلب بعث اللّه أو وكل اللّه به ملكا يسدده‏] فقال لنا تعالى لما حملنا الأمانة (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها) فما حملها أحد من خلق اللّه إلا الإنسان، و لا يخلو إما أن يحملها عرضا أو جبرا، فإن حملها عرضا فقد خاطر بنفسه، و إن حملها جبرا فهو مؤد لها على كل حال،

و من ذلك نعلم أن من العالم ما هو مجبور فيما كلّف حمله، و هو المعبر عنه بفرائض الأعيان و فرائض الكفاية، ما لم يقم به واحد فيسقط الفرض عن الباقي، و من العالم ما لم يجبر في الحمل و إنما عرض عليه، فإن قبله فما قبله إلا لجهله بقدر ما حمل من ذلك، كالإنسان لما عرضت عليه الأمانة و حملها، كان لذلك ظلوما لنفسه جهولا بقدرها، و السموات و الأرض و الجبال لما عرضت عليهن أبين أن يحملنها و أشفقن منها، لمعرفتهن بقدر ما حملوا، فلم يظلموا أنفسهم، فما وصف أحد من المخلوقات بظلمه لنفسه إلا الإنسان، فكان خلق السموات و الأرض أكبر من خلق الناس في المنزلة،

فإنهن كن أعلم بقدر الأمانة من الإنسان فبهذا كن أيضا أكبر من خلق الناس في المنزلة من العلم، فإنهن ما وصفن بالجهل كما وصف الإنسان، فإن اللّه لما عرض عليه الأمانة و قبلها كان بحكم الأصل ظلوما جهولا، فإنه خوطب بحملها عرضا لا أمرا، فإن حملها جبرا أعين عليها، فكان الإنسان ظلوما لنفسه جهولا، يعني بقدر الأمانة، فهي ثقيلة في المعنى و إن كانت خفيفة في التحمل، فكانت السموات و الأرض و الجبال في هذه المسألة أعلم من الإنسان، و لم تكن في الحقيقة أعلم، و إنما الإنسان لما كان مخلوقا على الصورة الإلهية، و كان مجموع العالم، اغتر بنفسه و بما أعطاه اللّه من القوة بما ذكرناه، فهان عليه حملها، ثم إنه رأى الحق قد أهّله للخلافة من غير عرض عليه مقامها، فتحقق أن الأهلية فيه موجودة، و لم تقو السموات على الانفراد و لا الأرض على الانفراد و لا الجبال على الانفراد قوة جمعية الإنسان،

فلهذا أبين أن يحملنها و أشفقن منها،و ما علم الإنسان ما يطرأ عليه من العوارض في حملها، فسمي بذلك العارض خائنا، فإنه مجبول على الطمع و الكسل، و ما قبلها إلا من كونه عجولا، فلو فسح الحق له في الزمان حتى يفكر في نفسه، و ينظر في ذاته و في عوارضه، لبان له قدر ما عرض عليه، فكان يأبى كما أبته السماء و غيرها ممن عرضت عليه، و من الأمانة التي حملها الإنسان الصفات الإلهية، و هي على قسمين: صفة إلهية تقتضي التنزيه، كالكبير و العلي، و صفة إلهية تقتضي التشبيه، كالمتكبر و المتعالي، و ما وصف الحق به نفسه مما يتصف به العبد، فمن جعل ذلك نزولا من الحق إلينا جعل الأصل للعبد، و من جعل ذلك للحق صفة إلهية لا تعقل نسبتها إليه لجهلنا به،

كان العبد في اتصافه بها يوصف بصفة ربانية في حال عبوديته، فيكون جميع صفات العبد التي يقول فيها لا تقتضي التنزيه، هي صفات الحق تعالى لا غيرها، غير أنها لما تلبس بها العبد انطلق عليها لسان استحقاق للعبد، و الأمر على خلاف ذلك، و هذا هو الذي يرتضيه المحققون، و هو قريب إلى الأفهام إذا وقع الإنصاف، و ذلك أن العبد ما استنبطه و لا وصف الحق به ابتداء من نفسه، و إنما الحق وصف بذلك نفسه على ما بلّغت رسله و ما كشفه لأوليائه،

و نحن ما كنا نعلم هذه الصفات إلا لنا لا له بحكم الدليل العقلي، فلما جاءت الشرائع بذلك، و قد كان هو و لم نكن نحن، علمنا أن هذه الصفات هي له بحكم الأصل، ثم سرى حكمها فينا منه، فهي له حقيقة و هي لنا مستعارة، إذ كان و لا نحن، فالإنسان ظلوم بما غصب من هذه الصفات من حيث جعلها لنفسه حقيقة، جهول بمن هي له و بأنها غصب في يده، فمن أراد أن يزول عنه وصف الظلم و الجهالة فليرد الأمانة إلى أهلها، و الأمر المغصوب إلى صاحبه، و الأمر في ذلك هين جدا، و العامة تظن أن ذلك صعب و ليس كذلك.

[سورة الأحزاب (33): آية 73]

لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْمُشْرِكِينَ وَ الْمُشْرِكاتِ وَ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (73)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏3، ص: 421

 

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=