تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سورة البينة
سورة البينة
[1]
[سورة البينة (98): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1)
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: حجبوا إما عن الدين و طريق الوصول إلى الحق كأهل الكتاب و إما عن الحق أيضا كالمشركين مُنْفَكِّينَ عما هم فيه من الضلالة حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ أي: الحجة الواضحة الموصلة إلى المطلوب و ذلك أن الفرق المختلفة المحتجبة بأهوائهم و ضلالاتهم من اليهود و النصارى و المشركين كانوا يتخاصمون و يتعاندون و يدعي كل حزب حقية ما عليه و يدعو صاحبه إليه و ينسب دينه إلى الباطل، ثم يتفقون على أنّا لا ننفك عما نحن فيه حتى يخرج النبي الموعود في الكتابين المأمور باتباعه فيهما فنتبعه و نتفق على الحق على كلمة واحدة كما عليه الآن بعينه حال هؤلاء المتعصبين من أهل المذاهب المتفرّقة و انتظارهم خروج المهدي في آخر الزمان و وعدهم على اتباعه متفقين على كلمة واحدة و لا أحسب حالهم إلا مثل حال أولئك إذا خرج، أعاذنا اللّه من ذلك، فحكى اللّه قولهم و بين أنهم ما تفرّقوا تفرّقا قويا و ما اشتدّ اختلافهم و تعاندهم إلا من بعد ما جاءتهم البينة بخروجه لأن كل فرقة، بل كل شخص، توهم أنه يوافق هواه و يصوّب رأيه لاحتجابه بدينه، فلما ظهر خلاف ذلك ازداد كفره و عناده و اشتدّت شكيمته و ضغينته.
[2- 4]
[سورة البينة (98): الآيات 2 الى 4]
رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (2) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَ ما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4)
رَسُولٌ بدل من البينة أي: الحجة القائمة الواضحة رسول مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً من ألواح العقول و النفوس السماوية لاتصاله بها بتجرده مُطَهَّرَةً من دنس الطبائع و كدر العناصر و دنس المواد و تحريف العباد فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ أي: مكتوبات ثابتة أبدية مستقيمة ناطقة بالحق و العدل لا تتغير و لا تتبدّل أبدا هي أصول الدين القيم.
[5- 8]
[سورة البينة (98): الآيات 5 الى 8]
وَ ما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)
وَ ما أُمِرُوا أي: أهل الكتابين المحجوبون بأهوائهم عن الدين بما أمروا فيهما إِلَّا لأن يخصصوا العبادة باللّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ عن شوب الباطل و الالتفات إلى الغير.
حُنَفاءَ عن كل طريق غير موصل إليه و عن كل ما سواه و يتوصلوا إليه بالعبادات البدنية و المالية، أي: ما أمروا بما أمروا إلا للالتزام بأصول ثلاثة التوحيد على الإخلاص و قطع النظر عن الغير في الطاعة و الإعراض عما سواه و القيام بالعبادات البدنية من الأعمال المزكية كالصلاة التي هي العمدة في بابها
كقوله عليه السلام: «الصلاة عماد الدين»
، و القيام بحقائق الزهد من الترك و التجريد كالزكاة التي هي أساسها و ذلك بعينه دين الكتب القيمة التي يتلوها هذا الرسول. فالملة الحقيقية الحنيفية واحدة من لدن آدم إلى يومنا هذا، و هي ملازمة التوحيد و سلوك طريق العدالة الشاملة للأصلين الآخرين فلو لم يحتجبوا بأهوائهم و لم يحرفوا كتبهم و يتعصبوا بظهور نفوسهم السبعية و لم يقفوا مع شهواتهم و لم يحتجبوا بتوهماتهم و تصوّراتهم بظواهر أوضاعهم و عاداتهم و أمانيهم و مراداتهم عن حقائق ما في كتبهم لكان دينهم هذا الدين بعينه.
فالحاصل أن المحجوبين من أيّ الفرق كانوا هم شرّ البرية في نار جهنم الآثار قعر بئر الطبيعة و الموحدين بالتوحيد العلمي العاملين على قانون العدالة في اكتساب الفضائل هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ في جنان الخلد بحسب درجاتهم من جنات الأفعال و الصفات و أعلى درجاتهم مقام كمال الصفات الذي هو الرضا ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ أي: ذلك المقام مخصوص بمن علّته الخشية الربانية عند تجليه بصفة العظمة لأنه إذا تجلى الربّ على القلب بصفة العظمة استولت الخشية على العبد و ذلك ليس هو الخوف المنافي لمقام الرضا بل هو حكم التجلي و أثره في النفس، و كما أثبت القدر المشترك للمحجوبين من النار دون النار الكبرى التي للأشقين أثبت القدر المشترك للموحدين من الجنة دون الجنة العليا التي للعارفين الأتّقين فلذلك كان أعلى درجاتها الرضا و السلام.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 450
[1] ( 1) سورة إبراهيم، الآية: 5.