تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة حم عسق سورة الشورى
سورة حم عسق
[1- 3]
[سورة الشورى (42): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) عسق (2) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)
حم* عسق أي: الحق ظهر بمحمد ظهور علمه بسلامة قلبه، فالحق محمد ظاهرا و باطنا، و العلم سلامة قلبه عن النقص و الآفة أي: كماله و بروزه عن الحجاب إذ تجرّد القلب ظهور العلم كَذلِكَ مثل ذلك الظهور على مظهرك و ظهور علمه على قلبك يُوحِي إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ من الأنبياء اللَّهُ الموصوف بجميع صفاته الْعَزِيزُ المتمنع بسرادقات جلاله و ستور صفاته الْحَكِيمُ الذي يظهر كماله بحسب الاستعدادات و يهدي بالوسائط و المظاهر جميع العباد على وفق قبول الاستعداد.
[4- 7]
[سورة الشورى (42): الآيات 4 الى 7]
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَ الْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها وَ تُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ كلها مظاهر صفاته و صور مملكته و محالّ أفعاله وَ هُوَ الْعَلِيُ عن التقيّد بصورها و التعين بأعيانها الْعَظِيمُ الذي تضاءلت و تصغّرت في سلطانه و تلاشت و تفانت في عظمته تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَ لتأثرهنّ من تجليات عظمته و يتلاشين من علوّ قهره و سلطنته وَ الْمَلائِكَةُ من العقول المجرّدة و النفوس المدّبرة يُسَبِّحُونَ ذاته بتجرّد ذواتهم حامدين له بكمالات صفاتهم وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ بإفاضة الأنوار على أعيانهم و وجوداتهم بعد استفاضتهم إياها من الحضرة الأحدية أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ بستر ظلمات ذوات الكل من الملائكة و الناس بنور ذاته الرَّحِيمُ بإفاضة الكمالات بتجليات صفاته على وجوداتهم لا غيره.
[8- 12]
[سورة الشورى (42): الآيات 8 الى 12]
وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (8) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَ هُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ (10) فاطِرُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَ مِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)
وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً كلهم على الفطرة موحدين بناء على القدرة و لكن بنى أمره على الحكمة فجعل بعضهم موحدين عادلين و بعضهم مشركين ظالمين كما قال:
وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ[1] لتتميز المراتب و تتحقق السعادة و الشقاوة و تمتلئ الدنيا و الآخرة و الجنة و النار و يحصل لكل أهل و يستتب النظام و يحدث الانتظام أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا ولاية لهم في الحقيقة إذ لا قدرة و لا قوة و لا وجود فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُ دون غيره لتوليه كل شيء و سلطانه و حكمه وَ هُوَ المحيي القادر، فكيف تستقيم ولاية غيره عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ بفناء الأفعال، فلا أقابل أفعالكم بفعلي وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ بفناء صفاتي، فلا أظهر بصفة من صفاتي في مقابلة صفات نفوسكم.
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أي: كل الأشياء فانية فيه هالكة، فلا شيء يماثله في الشيئية و الوجود وَ هُوَ السَّمِيعُ الذي يسمع به كل من يسمع الْبَصِيرُ الذي يبصر به كل من يبصر جمعا و تفصيلا يفني الكل بذاته و يبدئهم بصفاته، بيده مفاتيح الأرزاق و خزائن الملك و الملكوت، يبسط و يقدّر بمقتضى علمه على من يشاء من خلقه بحسب مصالحهم في الغنى و الفقر.
[13- 14]
[سورة الشورى (42): الآيات 13 الى 14]
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَ ما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ المطلق الذي وصى جميع الأنبياء بإقامته و اجتماعهم عليه و عدم تفرّقهم فيه، و هو أصل الدين، أي: التوحيد و العدل و علم المعاد المعبّر عنه بالإيمان باللّه و اليوم الآخر دون فروع الشرائع التي اختلفوا فيها بحسب المصالح كأوضاع الطاعات و العبادات و المعاملات، كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً[2]، فالدين القيم هو المتعلق بما لا يتغير من العلوم و الأعمال، و الشريعة هي المتعلقة بما يتغير من القواعد و الأوضاع كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ المحجوبين عن الحق بالغير ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من التوحيد لكونهم أهل المقت و مظاهر الغضب و القهر، ليسوا من المحجوبين الذين اجتباهم اللّه بمحض عنايته و مجرد مشيئته و لا من المحبين الذين وفّقهم اللّه للإنابة إليه بالسلوك و الاجتهاد و السير فيه بالشوق و الافتقار، فهداهم إليه بنور وجهه و جمال ذاته، فجذب المحبوبين إليه قبل السلوك و الرياضة بسابقة الاجتباء، و خصّ المحبين بعد التوفيق بالسلوك فيه و الرياضة بالاصطفاء و طرد المحجوبين عن بابه و أبعدهم عن جنابه بسابقة كلمة القضاء عليهم بالشقاء.
[15]
[سورة الشورى (42): آية 15]
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَ اسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَ قُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَ رَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)
فَلِذلِكَ التفرّق في الدين فَادْعُ إلى التوحيد وَ اسْتَقِمْ في التحقق باللّه و التعبّد حق العبودية و أنت على التمكين و لا تظهر نفسك بصفة عند إنكارهم و استمالتهم إياك في موافقتهم وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ المتفرّقة بالتلوين فيضلك عن التوحيد.
وَ قُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ أي: اطلعت على كمالات جميع الأنبياء و جمعت في علومهم و مقاماتهم و صفاتهم و أخلاقهم، فكمل توحيدي و صرت حبيبا لكمال محبتي، و رسخت في نفسي، فتمت عدالتي و هذا معنى قوله: وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَ رَبُّكُمْ هو التثبيت في مقام التوحيد و التحقيق لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ صورة الاستقامة و التمكين في العدالة لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ كمال المحبة و الصفاء لاقتضاء مقام التوحيد النظر إليهم بالسواء اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا في القيامة الكبرى و الفناء وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ في العاقبة للجزاء.
[16]
[سورة الشورى (42): آية 16]
وَ الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ عَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (16)
وَ الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ لاحتجابهم بنفوسهم مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ بالاستسلام و الانقياد لدينه و قبول التوحيد بسلامة الفطرة حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ لكونها ناشئة من عند أنفسهم لا أصل لها عند اللّه وَ عَلَيْهِمْ غَضَبٌ لاستحقاقهم لذلك بظهور غضبهم وَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ لحرمانهم.
[17- 18]
[سورة الشورى (42): الآيات 17 الى 18]
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَ الْمِيزانَ وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَ الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (18)
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِ أي: العلم التوحيدي بالمحبة التي اقتضت استحقاقه لذلك فكان حقا له وَ الْمِيزانَ أي: العدل، و إذا حصل العلم و التوحيد في الروح و المحبة في القلب و العدل في النفس قرب الفناء في اللّه و وقوع القيامة الكبرى.
[19]
[سورة الشورى (42): آية 19]
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19)
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يلطف بهم في تدبير إيصال كمالاتهم إليه و تهيئة أسبابه و توفيقهم للأعمال المقرّبة لهم إليها يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ العلم الوافر بحسب عنايته به في هيئة استعداده له، وَ هُوَ الْقَوِيُ القاهر الْعَزِيزُ الغالب، يمنع من يشاء بمقتضى عدله و حكمته و لكل أحد نصيب من اللطف و القهر لا يخلو أحد منهما و إنما تتفاوت الأنصباء بحسب الاستعدادات و الأسباب و الأعمال و الأحوال.
[20- 22]
[سورة الشورى (42): الآيات 20 الى 22]
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَ لَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (21) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَ هُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22)
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ بقوة إرادته و شدّة طلبه لزيادة نصيب اللطف و توجهه و إقباله إلى الحق لحيازة القرب نَزِدْ لَهُ في نصيبه، فنصلح حال آخرته و دنياه لأن الدنيا تحت الآخرة و ظلها و مثالها و صورتها تتبعها وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا و أقبل بهواه إلى جهة السفل و تعلق همّه بزيادة نصيب القهر و بعد عن الحق نُؤْتِهِ مِنْها ما هو نصيبه و ما قسم له و قدر لا مزيد عليه وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ لإعراضه عنها و عقد همّه بالأدون و وقوفه معه و جعله حجابا للاشراف و إدباره عن النصيب الأوفر، فلا يتهيأ لقبوله و لا يستعد لحصوله إذ الأصل لا يتبع الفرع.
[23- 36]
[سورة الشورى (42): الآيات 23 الى 36]
ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَ يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (24) وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (25) وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ الْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (26) وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)
وَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَ هُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَ هُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (29) وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (30) وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (31) وَ مِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (32)
إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) وَ يَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35) فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى استثناء منقطع و في القربى متعلق بمقدر أي: المودة الكائنة في القربى. و معناه: نفي الأجر أصلا لأن ثمرة مودّة أهل قرابته عائدة إليهم لكونها سبب نجاتهم، إذ المودة تقتضي المناسبة الروحانية المستلزمة لاجتماعهم في الحشر، كما
قال عليه الصلاة و السلام: «المرء يحشر مع من أحبّ»
فلا تصلح أن تكون أجرا له و لا يمكن من تكدّرت روحه و بعدت عنهم مرتبته محبتهم بالحقيقة، و لا يمكن من تنوّرت روحه و عرف اللّه و أحبه من أهل التوحيد أن لا يحبهم لكونهم أهل بيت النبوّة و معادن الولاية و الفتوة محبوبين في العناية الأولى، مربوبين للمحل الأعلى فلا يحبهم إلا من يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله، و لو لم يكونوا محبوبين من اللّه في البداية لما أحبّهم رسول اللّه إذ محبته عين محبته تعالى في صورة التفصيل بعد كونه في عين الجمع و هم الأربعة المذكورون في الحديث الآتي بعد، ألا ترى أن له أولادا آخرين و ذوي قرابات في مراتبهم كثيرين لم يذكرهم و لم يحرض الأمّة على محبتهم تحريضهم على محبة هؤلاء و خص هؤلاء بالذكر.
روي أنها لما نزلت قيل: يا رسول اللّه! من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟
قال: «عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و أبناؤهما».
ثم لما كانت القرابة تقتضي المناسبة المزاجية المقتضية للجنسية الروحانية كان أولادهم السالكون لسبيلهم، التابعون لهديهم في حكمهم، و لهذا حرّض على الإحسان إليهم و محبتهم مطلقا و نهى عن ظلمهم و إيذائهم و وعد على الأول و نهى عن الثاني.
قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «حرّمت الجنة على من ظلم أهل بيتي و آذاني في عترتي و من اصطنع ضيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب و لم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غدا إذا لقيني يوم القيامة».
وقال عليه السلام: «من مات على حبّ آل محمد مات مغفورا له، ألا و من مات على حب آل محمد مات تائبا، ألا و من مات على حب آل محمد مات مؤمنا، ألا و من مات على حب آل محمد مات شهيدا مستكمل الإيمان، ألا و من مات على حب آل محمد بشّره ملك الموت بالجنة ثم منكر و نكير، ألا و من مات على حب محمد و آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا و من مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة، ألا و من مات على حب آل محمد جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا و من مات على حب آل محمد مات على السنّة و الجماعة، ألا و من مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة اللّه، ألا و من مات على بغض آل محمد مات كافرا، ألا و من مات على بغض آل محمد لم يشمّ رائحة الجنة».
وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً بمحبة آل الرسول نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً بمتابعته لهم في طريقتهم لأن تلك المحبة لا تكون إلا لصفاء الاستعداد و بقاء الفطرة، و ذلك يوجب التوفيق لحسن المتابعة و قبول الهداية إلى مقام المشاهدة، فيصير صاحبها من أهل الولاية و يحشر معهم في القيامة إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ بتنويره ظلمة صفات من أحبّ أهله شَكُورٌ لسعي من ناسبهم فيحبهم بتضعيف جزاء حسناته و إفاضة كمالاته بتجليات صفاته ليوافقهم فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ أي: لا يفتري على اللّه إلا من هو مختوم القلب مثلهم وَ يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ كلام مبتدأ، أي: و من عادة اللّه أن يمحو الباطل وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ و قضائه إن كان افتراء يمحه و يثبت نقيضه و إن كان الافتراء ما يقولون فكذلك وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى لكونه أشرف و أدوم لِلَّذِينَ آمَنُوا الإيمان اليقيني و لا يتوكلون إلا على ربّهم بفناء الأفعال أي الذين علمهم اليقين و عملهم التوكل بالانسلاخ عن أفعالهم.
[37- 50]
[سورة الشورى (42): الآيات 37 الى 50]
وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ وَ إِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَ الَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (42) وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَ تَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44) وَ تَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَ قالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (45) وَ ما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46)
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَ ما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَ إِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (48) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)
وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ التي هي وجوداتهم و هو أخسّ صفات نفوسهم التي تظهر بأفعالها في مقام المحو وَ إِذا ما غَضِبُوا في تلويناتهم هُمْ يَغْفِرُونَ أي: الأخصاء بالمغفرة دون غيرهم وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ بلسان الفطرة الصافية إذا دعاهم إلى التوحيد بتجلي نور الوحدة وَ أَقامُوا صلاة المشاهدة و لم يحتجبوا بآرائهم و عقولهم بل أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ لعلمهم أن للّه مع كل أحد شأنا و إليه نظرا و فيه سرّا ليس لغيره ذلك الشأن و النظر و السرّ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ بالتكميل وَ الَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ بالعدالة احترازا عن الذلّة و الانظلام لكونهم في مقام الاستقامة، قائمين بالحق و العدل الذي ظله في نفوسهم.
[51- 52]
[سورة الشورى (42): الآيات 51 الى 52]
وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)
وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أي: إلا بثلاثة أوجه، إما بوصوله إلى مقام الوحدة و الفناء فيه ثم التحقق بوجوده في مقام البقاء فيوحي إليه بلا واسطة كما قال اللّه تعالى:
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (8) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (10)[3]. أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ بكونه في حجاب القلب و مقام تجليات الصفات فيكلمه على سبيل المناجاة و المكالمة و المكاشفة و المحادثة دون الرؤية لاحتجابه بحجاب الصفات كما كان حال موسى عليه السلام أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا من الملائكة فيوحي إليه على سبيل الإلقاء و النفث في الروع و الإلهام أو الهتاف أو المنام كما
قال عليه السلام: «إنّ روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها»
، إِنَّهُ عَلِيٌ أن يواجه و يخاطب، بل يفنى و يتلاشى من يواجهه لعلوه من أن يبقى معه غيره و يحتمل شيء حضوره حَكِيمٌ يدبّر بالحكمة وجوه التكليم ليظهر علمه في تفاصيل المظاهر و يكمل به عباده و يهتدوا إليه و يعرفوه.
و مثل ذلك الإيحاء على الطرق الثلاثة: أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً تحيا به القلوب الميتة مِنْ عالم أَمْرِنا المنزّه عن الزمان المقدّس عن المكان ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ أي العقل الفرقاني الذي هو كمالك الخاص بك وَ لَا الْإِيمانُ أي: الخفي الذي حصل لك عند البقاء بعد الفناء حال كونك محجوبا بغواشي نشأتك و حال وصولك لفنائك و تلاشي وجودك وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً عند استقامتك نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا المخصوصين بالعناية الأزلية، إما المحبوبين و إما المحبين وَ إِنَّكَ أيّها الحبيب لَتَهْدِي بنا من تشاء إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا يبلغ كنهه و لا يدرى وصفه.
[53]
[سورة الشورى (42): آية 53]
صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)
صِراطِ اللَّهِ المخصوص به، أي: طريق التوحيدي الذاتي الشامل للتوحيد الصفاتي و الأفعالي المسمى توحيد الملك، أعني سير الذات الأحدية مع جميع الصفات الظاهرة و الباطنة بمالكية سموات الأوراح و أرض الجسم المطلق أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ بالفناء فيه، فينادي بذاته: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ[4] و يجيب هو نفسه بقوله: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ[5]، و اللّه تعالى أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 235
[1] ( 1) سورة هود، الآية: 118.
[2] ( 2) سورة المائدة، الآية: 48.
[3] ( 1) سورة النجم، الآيات: 8- 10.
[4] ( 1- 2) سورة غافر، الآية: 16.
[5] ( 1- 2) سورة غافر، الآية: 16.