تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره الطور

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الطور

سورة الطور

[1- 3]

[سورة الطور (52): الآيات 1 الى 3]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

وَ الطُّورِ (1) وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3)

وَ الطُّورِ الطور هو الجبل الذي كلم عليه موسى، و هو الدماغ الإنساني الذي هو مظهر العقل و النطق أقسم به لشرفه و كرامته و لكون الفلك الأعظم الذي هو محدد الجهات بالنسبة إلى العالم بمثابة الدماغ بالنسبة إلى الإنسان، يمكن أن يكون إشارة إليه، و أقسم به لشرفه و كونه مظهر الأمر الإلهي و محل القضاء الأزلي.

و الكتاب المسطور هو صورة الكل على ما هو عليه من النظام المعلوم المنتقش في لوح القضاء الذي هو الروح الأعظم المشار إليه هاهنا بالرقّ المنشور و تنكيرهما للتعظيم.

 

 

[4- 8]

[سورة الطور (52): الآيات 4 الى 8]

وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (7) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (8)

وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ هو قلب العالم أي: النفس الناطقة الكلية، و هو لوح القدر، و عمرانه كثرة إطافة الملكوت به‏ وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ‏ هو السماء الدنيا التي تنزل الصور و الأحكام من لوح القدر الذي هو اللوح المحفوظ إليه ثم تظهر في عالم الشهادة بحلولها في المواد و هو لوح المحو و الإثبات بمثابة محل الخيال في الإنسان‏ وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ هو الهيولى المملوءة بالصور التي يظهر عليها جميع ما أثبت في الألواح المذكورة.

إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ‏ بظهور القيامة الصغرى. و على التأويل الأول و هو تأويل الطور بالدماغ يكون الكتاب المسطور إشارة إلى المعلومات المركوزة في الروح الإنساني المسماة بالعقل القرآني، و الروح هو الرقّ المنشور و نشوره ظهوره و انبثاثه في البدن و البيت المعمور هو القلب الإنساني و السقف المرفوع هو مصعد الخيال المنتقش بالصور الجزئية و البحر المسجور هو مادة البدن المملوءة بالصور و اللّه أعلم.

 

 

[9- 12]

[سورة الطور (52): الآيات 9 الى 12]

يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (9) وَ تَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12)

يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً أي: تضطرب الروح و تجي‏ء و تذهب عند السكرات و مفارقة البدن‏ وَ تَسِيرُ الْجِبالُ‏ أي: تذهب العظام و ترم و تصير هباء منبثا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ الذين احتجبوا بالدنيا عن الآخرة فكذبوا بالجزاء الَّذِينَ‏ يخوضون في باطل الذات الحسيّة و الاعتقادات الفاسدة و الأقوال المزخرفة و يتعمقون في اللعب الذي هو الحياة الدنيا و زينتها السريعة الزوال.

 

 

[13- 16]

[سورة الطور (52): الآيات 13 الى 16]

يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى‏ نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (14) أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16)

يَوْمَ يُدَعُّونَ‏ أي: يجرّون و يسحبون بالعنف‏ إِلى‏ نارِ الحرمان و الآلام في قعر بئر الطبيعة الفاسقة المنحوسة في سلاسل التعلقات و أغلال الهيئات الجرمانية.

 

 

[17- 18]

[سورة الطور (52): الآيات 17 الى 18]

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَعِيمٍ (17) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَ وَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (18)

إِنَّ الْمُتَّقِينَ‏ الذين اتّقوا الرذائل و صفات النفوس‏ فِي جَنَّاتٍ‏ من جنات الصفات و لذّة و ذوق و تنعم فيها فاكِهِينَ‏ متلذذين‏ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ‏ من أنوار التجليات و معارف الوجدانيات و الكشفيات‏ وَ وَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ‏ جحيم الطبيعيات و الاحتجاب بالبهيميات و السبعيات من الهيئات.

 

 

[19]

[سورة الطور (52): آية 19]

كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19)

كُلُوا من أرزاق الحكم و العلوم الحقيقية التي هي قوت القلوب‏ وَ اشْرَبُوا من مياه العلوم النافعة و خمور العشق و المحبة أكلا هنيئا و شربا هَنِيئاً سائغا غير ذي غصّة بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ بسبب أعمالكم في الزهد و العبادة و المجاهدة و الرياضة.

 

 

[20- 23]

[سورة الطور (52): الآيات 20 الى 23]

مُتَّكِئِينَ عَلى‏ سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَ زَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (20) وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ ما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (21) وَ أَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَ لَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَ لا تَأْثِيمٌ (23)

مُتَّكِئِينَ عَلى‏ سُرُرٍ أي: مراتب و مقامات‏ مَصْفُوفَةٍ مترتبة كالتسليم و التوكل و الرضا أو متقابلة تتساوى في مقاماتهم كقوله: إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏[1].

وَ زَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ‏ أي: قرناهم بما في درجاتهم من الصور المقدسة و الجواهر المجردة من الروحانيات التي لا حسن وراء حسنها وَ أَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ من الواردات اللذيذة و المواجيد الذوقية و الإشراقات البهيجة وَ لَحْمٍ‏ من العلوم المقوية للقلوب و الحكم المحيية لها مِمَّا يَشْتَهُونَ‏ أي: يشتاقون إليه بمقتضى استعداداتهم و أحوالهم‏ يَتَنازَعُونَ‏ يتعاطون و يتعاورون في مباحثاتهم و محاوراتهم و مذاكراتهم‏ كَأْساً خمرا لذيذا من المعارف و العشقيات و الذوقيات‏ لا لَغْوٌ فِيها بسقط الحديث و الهذيان و الكلام بما لا طائل تحته‏ وَ لا تَأْثِيمٌ‏ و لا قول يأثم به صاحبه و ينسب إلى الإثم كالغيبة و الفواحش و الشتم و الأكاذيب.

 

 

[24]

[سورة الطور (52): آية 24]

وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24)

وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ‏ من الملكوت الروحانية أي: تخدمهم الروحانيات أو أهل الإرادة و صفاء الاستعداد من الأحداث الطالبين‏ كَأَنَّهُمْ‏ لفرط صفائهم و نوريتهم‏ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ‏ محفوظ من تغيرات هوى النفس و غبار الطبائع مخزون من ملامسة ذوي العقائد الرديئة و العادات المذمومة.

 

 

[25- 47]

[سورة الطور (52): الآيات 25 الى 47]

وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (25) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَ وَقانا عَذابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَ لا مَجْنُونٍ (29)

أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (34)

أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‏ءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَ لَكُمُ الْبَنُونَ (39)

أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (44)

فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (46) وَ إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (47)

وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ‏ عن بداياتهم و أحوال رياضاتهم في عالم النفس و مأوى الحس الذي هو الدنيا قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ‏ أي: قبل الوصول إلى فضاء القلب و روح الروح في الآخرة فِي أَهْلِنا من القوى البدنية و صفات النفس‏ مُشْفِقِينَ‏ وجلين من ذكر اللّه خائفين من العقاب‏ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بتجليات الصفات و نعم المكاشفات‏ وَ وَقانا عَذابَ‏ سموم هوى النفس و جحيم الطبيعة إِنَّا كُنَّا مِنْ‏ قبل هذا المقام‏ نَدْعُوهُ‏ نذكره و نعبده‏ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ المحسن بمن دعاه بإفاضة العلم و التحقيق‏ الرَّحِيمُ‏ لمن عبده و خافه بالهداية و التوفيق.

 

 

[48- 49]

[سورة الطور (52): الآيات 48 الى 49]

وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ إِدْبارَ النُّجُومِ (49)

وَ اصْبِرْ بمنع النفس عن الظهور بالاعتراض على الحكم‏ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا فإنّا نراك و نرقبك فاحترز عن ذنب ظهور النفس بحضورنا وَ سَبِّحْ‏ نزّه اللّه بالتجرد عن ملابس صفات النفس حامدا لربّك بإظهار كمالاتك التي هي صفاته‏ حِينَ تَقُومُ‏ في القيامة الوسطى عن نوم غفلة مقام النفس بالرجوع إلى الفطرة وَ مِنَ اللَّيْلِ‏ و من بعض أوقات الظلمة عند التلوين بظهور صفة من صفاتها فَسَبِّحْهُ‏ بالتجرد عنها و التنوّر بنور الروح‏ وَ إِدْبارَ نجوم الصفات و غيبتها بظهور نور شمس الذات و طلوع فجر بداية المشاهدة، و اللّه تعالى أعلم.

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج‏2، ص: 292


[1] ( 1) سورة الحجر، الآية: 47.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=