تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سورة الهمزة
سورة الهمزة
[1- 3]
[سورة الهمزة (104): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَ عَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (3)
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ أي: الذي تعوّد بالرذيلتين و ضري بهما، فإن هذه الصيغة للعادة. و الهمز أي: الكسر من أعراض الناس، و اللمز أي: الطعن فيهم، رذيلتان مركبتان من الجهل و الغضب و الكبر لأنهما يتضمنان الإيذاء و طلب الترفع على الناس و صاحبهما يريد أن يتفضل على الناس و لا يجد في نفسه فضيلة يترفع بها فينسب العيب و الرذيلة إليهم ليظهر فضله عليهم و لا يشعر أن ذلك عين الرذيلة و أن عدم الرذيلة ليس بفضيلة، فهو مخدوع من نفسه و شيطانه موصوف برذيلتي القوة النطقية و الغضبية.
ثم أبدل منه الوصف برذيلة القوة الشهوانية بقوله: الَّذِي جَمَعَ مالًا وَ عَدَّدَهُ و في عدّده إشارة أيضا إلى الجهل لأن الذي جعل المال عدّة للنوائب لا يعلم أن نفس ذلك المال يجرّ إليه النوائب لاقتضاء حكمة اللّه تفريقه بالنائبات فكيف يدفعها و كذا في قوله: يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ أي: لا يشعر أن المقتنيات المخلّدة لصاحبها هي العلوم و الفضائل النفسانية الباقية لا العروض و الذخائر الجسمانية الفانية و لكنه مخدوع بطول الأمل مغرور بشيطان الوهم عن بغتة الأجل، و الحاصل أن الجهل الذي هو رذيلة القوة الملكية أصل جميع الرذائل و مستلزم لها فلا جرم أنه يستحق صاحبها المغمور فيها العذاب الأبدي المستولي على القلب المبطل لجوهره.
[4- 7]
[سورة الهمزة (104): الآيات 4 الى 7]
كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَ ما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7)
كَلَّا ردع عن حسبان وقوع الممتنع لَيُنْبَذَنَ أي: ليسقطنّ عن مرتبة فطرته إلى رتبة الطبيعة الغالبة و هي الحطمة التي عادتها كسر كل ما وقع في رتبتها باستيلاء قوّتها عليه و هي النار الروحانية المنافية لجوهر القلب المؤلمة له إيلاما لا يوصف كنهه المستعلية عليه النافذة في أشرف وجهه و باطنه، و أعلاه الذي هو الفؤاد المتصل بالروح.
[8- 9]
[سورة الهمزة (104): الآيات 8 الى 9]
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ أي: مطبقة مغلقة الأبواب لاحتجاب القلب في محلها بالمواد الجسمانية و استحكام الهيئات المظلمة و اللواحق الهيولانية و الصور البهيمية و السبعية و الشيطانية فيه، و امتناع تخلصه منها إلى عالم القدس فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ من محيط فلك القمر إلى المركز و هي الطبائع العنصرية التي صار مربوطا بها بالتعلق و سلاسل الميل و المحبة، و اللّه أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 460