تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سورة الإخلاص
سورة الإخلاص
[1]
[سورة الإخلاص (112): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ قل، أمر من عين الجمع وارد على مظهر التفصيل هو عبارة عن الحقيقة الأحدية الصرفة أي: الذات من حيث هي بلا اعتبار صفة لا يعرفها إلا هو، و اللّه بدل منه و هو اسم الذات مع جميع الصفات دال بالإبدال على أن صفاته تعالى ليست بزائدة على ذاته بل هي عين الذات لا فرق إلا بالاعتبار العقلي و لهذا سميت سورة (الإخلاص) لأن الإخلاص تمحيص الحقيقة الأحدية عن شائبة الكثرة، كما
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه»
، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف و شهادة كل موصوف أنه غير الصفة، و إياه عنى من قال: صفاته تعالى لا هو و لا غيره، أي: لا هو باعتبار العقل و لا غيره بحسب الحقيقة. و أحد: خبر المبتدأ، و الفرق بين الأحد و الواحد أن الأحد هو الذات وحدها بلا اعتبار كثرة فيها أي: الحقيقة المحضة التي هي منبع العين الكافوري بل العين الكافوري نفسه و هو الوجود من حيث هو وجود بلا قيد عموم و خصوص و شرط عروض و لا عروض، و الواحد هو الذات مع اعتبار كثرة الصفات و هي الحضرة الأسمائية لكون الاسم هو الذات مع الصفة فعبر عن الحقيقة المحضة الغير المعلومة إلا له ب «هو»، و أبدل عنها الذات مع جميع الصفات دلالة على أنها عين الذات وحدها في الحقيقة و أخبر عنها بالأحدية ليدلّ على أن الكثرة الاعتبارية ليست بشيء في الحقيقة و ما أبطلت أحديته و ما أثرت في وحدته، بل الحضرة الواحدية هي بعينها الحضرة الأحدية بحسب الحقيقة كتوهم القطرات في البحر مثلا.
[2- 4]
[سورة الإخلاص (112): الآيات 2 الى 4]
اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ (3) وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)
اللَّهُ الصَّمَدُ أي: الذات في الحضرة الواحدية بحسب اعتبار الأسماء هو السند المطلق لكل الأشياء لافتقار كل ممكن إليه و كونه به فهو الغني المطلق المحتاج إليه كل شيء كما قال: وَ اللَّهُ الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ[1]. و لما كان كل ما سواه موجودا بوجوده ليس بشيء في نفسه لأن الإمكان اللازم للماهية لا يقتضي الوجود فلا يجانسه و لا يماثله شيء في الوجود.
لَمْ يَلِدْ إذ معلولاته ليست موجودة معه بل به فهي به هي و بنفسها ليست شيئا وَ لَمْ يُولَدْ لصمديته المطلقة، فلم يكن محتاجا في الوجود إلى شيء و لما كانت هويته الأحدية غير قابلة للكثرة و الانقسام و لم يمكن مقارنة الوحدة الذاتية لغيرها إذ ما عدا الوجود المطلق ليس إلا العدم المحض فلا يكافئه أحد. وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ إذ لا يكافئ العدم الصرف الوجود المحض، و لهذا سميت سورة الأساس، إذ أساس الدين على التوحيد بل أساس الوجود.
و عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «أسست السموات السبع و الأرضون السبع على قل هو اللّه أحد»
و هو معنى صمديته.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 470
[1] ( 1) سورة محمد، الآية: 38.