تفسیر ابن عربی سوره العصر

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة العصر

(103) سورة العصر مكيّة

[سورة العصر (103): الآيات 1 الى 3]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

وَ الْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ (3)

[ «… وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ» الآية]

فينبغي للمؤمن أن يقبل من أخيه النصح و الوصية، فإن المؤمنين أهل إنصاف، مطلبهم واحد، مأمورون بذلك بقوله تعالى: «وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ» و قد أمرنا بالتعاون على البر و التقوى، و نهانا عن التعاون على الإثم و العدوان، بقوله‏ «وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ» لذلك عليك بالنصيحة على الإطلاق، فإنها الدين، خرج مسلم في الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال [الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول اللّه؟ قال: للّه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم‏] و اعلم أن النصاح الخيط، و المنصحة الإبرة، و الناصح الخائط.

و الخائط هو الذي يؤلف أجزاء الثوب حتى يصير قميصا أو ما كان، فينتفع به بتأليفه إياها، و ما ألفه إلا بنصحه. و الناصح في دين اللّه، هو الذي يؤلف بين عباد اللّه و بين ما فيه سعادتهم عند اللّه، و يؤلف بين اللّه و بين خلقه، و هو قوله: النصيحة للّه، و فيه تنبيه في الشفاعة عند اللّه إذا رأى العبد الناصح أن اللّه يريد مؤاخذة العبد على جريمته، فيقول للّه: يا رب إنك ندبت إلى العفو عن عبادك، و جعلت ذلك من مكارم الأخلاق، و هو أولى من جزاء المسي‏ء بما يسوءه؛ و ذكرت للعبد أن أجر العافين عن الناس فيما أساءوا إليهم فيه، مما توجهت عليهم به الحقوق، على اللّه؛ فأنت أحق بهذه الصفة لما أنت عليه من الجود، و الكرم، و الامتنان، و لا مكره لك؛ فأنت أهل العفو و التكرم و التجاوز عن هذا العبد المسي‏ء المتعدي حدودك عن إساءته، و إسبال ذيل الكرم عليه؛ و أما النصيحة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، ففي زمانه إذا رأى منه الصاحب أمرا قد قرر خلافه- و الإنسان صاحب غفلات- فينبّه الصاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على ذلك، مثل سهوه صلّى اللّه عليه و سلّم في الصلاة، و لهذا أمر اللّه عزّ و جل نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم‏ بمشاورة أصحابه فيما لم يوح إليه فيه،

فإذا شاورهم تعين عليهم أن ينصحوه فيما شاورهم فيه على قدر علمهم، و ما يقتضيه نظرهم في ذلك أنه مصلحة، كنزوله يوم بدر على غير ماء، فنصحوه و أمروه أن يكون الماء في حيّزه صلّى اللّه عليه و سلّم ففعل، و نصحه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في قتل أسارى بدر حين أشار بذلك، و كحديث تأبير النخل. و أما بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لم تبق له نصيحة، و لكن إذا كانت هذه اللام لام الأجلية بقيت النصيحة،

و أما النصيحة لأئمة المسلمين و هم ولاة الأمور منا، القائمون بمصالح عباد اللّه الدينية، و الحكام و أهل الفتاوى في الدين من العلماء يدخلون في أئمة المسلمين أيضا، فإن كان الحاكم عالما كان، و إن لم يكن من العلماء بالمسألة سأل من يعلم عن الحكم فيها، فيتعين على المفتي أن ينصح و يفتيه بما يراه أنه حق عنده، و يذكر له دليله على ما أفتاه به، فيخلصه عند اللّه، فهذه النصيحة لأئمة المسلمين، و لما لم تفرض العصمة لأئمة المسلمين، و علم أنهم قد يخطئون و يتبعون أهواءهم، تعين على أهل الدين من العلماء بالدين أن ينصحوا أئمة المسلمين،

و يردوهم عن اتباع أهوائهم في الناس، فيؤلفون بين ما هو الدين عليه و بينهم، فيعود على الناس نفع ذلك؛ و أما النصيحة لعامتهم فمعلومة، و هي أن يشير عليهم بما لهم فيه المصلحة التي لا تضرهم في دينهم و لا دنياهم، فإن كان و لا بد من ضرر يقوم من ذلك إما في الدين أو في الدنيا، فيرجحوا في النصيحة ضرر الدنيا على ضرر الدين، فيشيرون عليهم بما يسلم لهم فيه دينهم؛ و مهما قدروا على دفع الضرر في الدين و الدنيا معا بوجه من الوجوه و عرفوه تعين عليهم في الدين أن ينصحوه في ذلك و يبينوه، و المستفتي بالخيار في ذلك، بحسب ما يوفقه اللّه إليه، فالنصيحة تعم إذ هي عين الدين، و هي صفة الناصح،

فتسري منفعتها في جميع العالم كله من الناصح الذي يستبرئ لدينه، و يطلب معالي الأمور، فيرى حيوانا قد أضر به العطش، و قد حاد ذلك الحيوان عن طريق الماء، فيتعين عليه أن يرده إلى طريق الماء و يسقيه إن قدر على ذلك، و كذلك لو رأى من ليس على ملة الإسلام يفعل فعلا من سفساف الأخلاق تعين على الناصح أن يرده عن ذلك مهما قدر إلى مكارم الأخلاق، و إن لم يقدر عليه تعين عليه أن يبين له عيب ذلك، فربما انتفع بتلك النصيحة الشخص، بما له في ذلك من الثناء الحسن، و ينتفع بتلك النصيحة من اندفع عنه ضرر هذا الذي أراد أن يضره، و إن لم يكن مسلما، و يحتاج الناصح إلى علم كثير من علم الشريعة،لأنه العلم العام الذي يعم جميع أحوال الناس، و علم زمانه و مكانه، و ما ثمّ إلا الحال و الزمان و المكان، و بقي للناصح علم الترجيح إذا تقابلت هذه الأمور، فيكون ما يصلح الزمان يفسد الحال أو المكان؛ و كذلك كل واحد منها،

فينظر في الترجيح فيفعل بحسب ما يترجح عنده، و ذلك على قدر إيمانه، فإن الناصح في دين اللّه يحتاج إلى علم كثير، و عقل و فكر صحيح، و روية حسنة، و اعتدال مزاج و تؤدة، و إن لم تكن فيه هذه الخصال كان الخطأ أسرع إليه من الإصابة. و ما في مكارم الأخلاق أدق و لا أخفى و لا أعظم من النصيحة، و كل إنسان يقبل النصح من غيره لا من نفسه، و المؤمن مرآة أخيه، لأن النفس عمياء عن عيوبها، بصيرة بعيوب غيرها، و لذلك يحتاج المؤمن إلى الإخوان لتبيين آفات نفسه، فلسان حال الأخ في عقد الأخوة، كل واحد منا بصير في عيوب أخيه لعماه عن عيوب نفسه، و استيلاء رمسه، فأخوك من صدقك لا من صدّقك، و من جرحك لا من مدحك، و إليه ننظر قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [من أرضى الناس بسخط اللّه صار مادحه منهم ذاما، و من أرضى اللّه بسخط الناس أرضى اللّه عنه الناس و يهبه العين الصحيحة] يرى الطالب معاديه بالعرف العام وليا، و المسي‏ء إليه محسنا، إذ هو إنما يعادي عدوه، فهو وليه من حيث لا يدري، قال الشاعر:

ذهب الرجال المقتدى بفعالهم‏ و المنكرون لكل أمر منكر
و بقيت في خلف يزكي بعضهم‏ بعضا ليدفع معور عن معور

فمادحك إنما يتولى عدوك، فاحذره و لا تأنس إليه، فتميل في كل أحوالك إليه، و اعلم أنه من التزم النصح قل أولياؤه، فإن الغالب على الناس اتباع الأهواء، و لذلك يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [ما ترك الحق لعمر من صديق‏] و كذلك قال أويس القرني: إن الموت و ذكره لم يتركا لمؤمن فرحا، و إن علم المؤمن بحقوق اللّه لم يترك في ماله فضة و لا ذهبا، و إن قيامه للّه بالحق لم يترك له صديقا و لنا في ذلك:

لما لزمت النصح و التحقيقا لم يتركا لي في الوجود صديقا

أما من استشهد بقول القائل:

و عين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا

فذلك مقام من أحبك لنفسه، و أما من أحبك لك فلا سبيل، و لما كان حب اللّه إيانا لنا لا لنفسه نبهنا على معايبنا، و أظهر لنا نقائصنا، و دلنا على مكارم الأخلاق، و محامد الأفعال، و أوضح لنا مناهجها، و رفع لنا معارجها، و لما أحببناه لأنفسنا و لم يتمكن في الحقيقة أن نحبه له تعالى عن ذلك، رضينا بما يصدر منه مما لا يوافق أغراضنا، و تمجه نفوسنا، و تكرهه طباعنا، و السعيد هو الذي رضي بذلك منه تعالى، و من سواه يضجر و يسخط، فنسأل اللّه تعالى العفو و العافية في ذلك لنا و للمسلمين:

قسما بسورة العصر إن الإنسان في خسر
غير من أوصوا نفوسهمو بينهم بالحق و الصبر
فهمو القوم الذين نجوا من عذاب اللّه في القبر
ثم في يوم النشور إذا جمعوا للعرض في الحشر

 

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 543

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=