تفسیر ابن عربی سوره نوح

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة نوح

(71) سورة نوح مكية

[سورة نوح (71): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (1)

نوح عليه السلام هو أول الرسل قال تعالى‏ «إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ» فنوح أول رسول أرسل، و من كان قبله إنما كانوا أنبياء، كل واحد على شريعة من ربه، فمن شاء دخل في شرعه معه، و من شاء لم يدخل، فمن دخل ثم رجع كان كافرا، و من لم يدخل فليس بكافر، و من أدخل نفسه في الفضول و كذب الأنبياء كان كافرا، و من لم يفعل و بقي على البراءة لم يكن كافرا، فأول شخص استفتحت به الرسالة نوح عليه السلام.

[سورة نوح (71): الآيات 2 الى 6]

قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4) قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (6)

[خطأ من قال: إن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب:]

مما دعاهم إليه من توحيد اللّه، و هذه الآية تبين خطأ من قال: إن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، و إذا خرج من اللسان لم يتعد الآذان؛ فهذا غاية الغلط، فإنه ما من رسول دعا قومه إلا بلسان صدق، من قلب معصوم و لسان محفوظ، كثير الشفقة على رعيته، راغب في استجابتهم لما دعاهم إليه، و قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلّم‏ (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) فلو أثر كلام أحد في أحد لصدقه في كلامه لأسلم كل من شافهه النبي عليه السلام بالخطاب، بل كذّب و ردّ الكلام في وجهه و قوتل، فإن لم يكن عناية بالسامع- بأن يجعل في قلبه صفة القبول حتى يلقى بها النور الإلهي من سراج النبوة- ما استنار القلب و لا آمن.

 

[سورة نوح (71): الآيات 7 الى 14]

وَ إِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (11)

وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (12) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (13) وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (14)

الأطوار جمع طور و هو كل من مال لاستدارة كون، و منه سمي الطور طورا لانحنائه، و جبل الخلق على الحركة، فانتقل في الأطوار، و حكمت عليه بمرورها الأعصار، فإن للّه في خلقه أسرارا، فلما خلق اللّه عزّ و جل الخلق خلق الإنسان أطوارا، فمنا العالم و الجاهل، و منا المنصف و المعاند، و منا القاهر و منا المقهور، و منا الحاكم و منا المحكوم، و منا المتحكم و منا المتحكم فيه، و منا الرئيس و المرءوس، و منا الأمير و المأمور، و منا الملك و السوقة، و منا الحاسد و المحسود، و كل هذا من تصاريف الأقدار، و ما أودع اللّه في حركات الأكوار، مما يجي‏ء به الليل و النهار، من تنوع الأطوار، بين محو و إثبات، لظهور آيات بعد آيات، فسبحان من خلقنا أطوارا، و جعل لنا على علم الغيب و الشهادة دليلا ليلا و نهارا، فمحا آية الليل لدلالتها على الغيب، و جعل آية النهار مبصرة لدلالتها على عالم الشهادة فقال تعالى:

 

[سورة نوح (71): الآيات 15 الى 16]

أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (15) وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (16)

«وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً» فهو مجلى لنور الشمس، «وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً» و السراج نور ممدود بالدهن الذي يعطيه بقاء الإضاءة عليه، و لهذا جعل الشمس يضي‏ء به العالم، و تبصر به الأشياء التي كان يسترها الظلام، فحدث الليل و النهار بحدوث كوكب‏ الشمس و الأرض، فالليل ظلمة الأرض الحجابية عن انبساط نور الشمس، و الكواكب عندنا كلها مستنيرة لا تستمد من الشمس، و القمر على أصله لا نور له البتة، قد محا اللّه نوره، و ذلك النور الذي ينسب إليه هو ما يتعلق به البصر من الشمس في مرآة القمر، على حسب مواجهة الأبصار منه، فالقمر مجلى الشمس و ليس فيه من نور الشمس لا قليل و لا كثير.

[سورة نوح (71): آية 17]

وَ اللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (17)

ليس في الأرض إلا خزائن المعادن و النبات، لا غير، فإن الحيوان من حيث نموه نبات.

قال تعالى‏ «وَ اللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ» فنسب الحق الإنبات إليه و إلى الأرض، فنبتم‏ «نَباتاً» مصدر نبت و ما قال: إنباتا؛ كذلك قال تعالى في الأجسام الإنسانية، فأخبرنا أنا من جملة نبات الأرض، فجاء في ذكرهم بالإنبات أنه أنبتهم، و لم يؤكده بالمصدر، فإن مصدر أنبت إنما هو إنبات، و جاء بمصدر آخر ليعرف بأنهم نبتوا حين أنبتهم، فأضاف النبات إلى الشي‏ء الذي ينمو لأن الغذاء سبب في وجود النبات و به ينمو، فعبر عن نموه و ظهور الزيادة فيه بقوله‏ «نَباتاً» أي جعل غذاءكم منها، أي مما تنبته فتنبتون به، أي تنمي أجسامكم و تزيد، و من وجه آخر أوقع الحق الاشتراك بينه و بينهم في الخلق أنه لو لا استعدادهم للإنبات ما نبتوا، لأن نباتا مصدر نبت لا مصدر أنبت، فإن مصدر أنبت هو إنبات،

فانظروا ما أعجب مساق القرآن و إبراز الحقائق، إذ لا ينفذ الاقتدار الإلهي إلا فيمن هو على استعداد النفوذ فيه، و لا يكون ذلك إلا في الممكنات، إذ لا نفوذ له في الواجب الوجود، و لا في المحال، و هنا نسب الحق ظهور النبات إلى النبات، و في النبات سر برزخي لا يكون في غيره، فإنه عالم وسط بين المعدن و الحيوان، فله حكم البرازخ، لأنه يعطيك العلم بذاته و بغيره، و غير البرزخ يعطيك العلم بذاته لا غير، لأن البرزخ مرآة للطرفين، فمن أبصره أبصر فيه الطرفين، لا بد من ذلك‏

[فائدة: فعل الأزمان في الأجسام:]

– فائدة- يقول بعض العلماء بما تفعله الأزمان في الأجسام الطبيعية: تعرضوا لهواء الربيع، فإنه يفعل بأبدانكم كما يفعل في أشجاركم، و تحفظوا من هواء الخريف، فإنه يفعل بأبدانكم كما يفعل في أشجاركم، فقد نص اللّه تعالى على أننا من جملة نبات الأرض فقال‏ «وَ اللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً» أراد فنبتم نباتا.

 

[سورة نوح (71): آية 18]

ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (18)

«ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها» بالموت‏ «وَ يُخْرِجُكُمْ» منها «إِخْراجاً» بالبعث، و الفرق بين نشأة الدنيا الظاهرة و بين نشأة الآخرة الظاهرة، أن الأولى أنبتنا فيها من الأرض، فنبتنا نباتا، كما ينبت النبات على التدريج و قبول الزيادة في الجرم طولا و عرضا، و نشأة الآخرة إخراج من الأرض على الصورة التي يشاء الحق أن يخرجنا عليها، و لذلك علّق المشيئة بنشر الصورة التي أعادها في الأرض، الموصوفة بأنها تنبت، فتنبت على غير مثال، لأنه ليس في الصور صورة تشبهها، فكذلك نشأة الآخرة، يظهرها اللّه على غير مثال صورة تقدمت تشبهها.

[سورة نوح (71): آية 19]

وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (19)

بسط اللّه الأرض ليستقر عليها من خلقت له مكانا.

[سورة نوح (71): الآيات 20 الى 22]

لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (20) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَ اتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (21) وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (22)

روينا أن اللّه حين أنزل على نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم هذه الآية لم يعرف هذا اللحن الحاضرون، و لا عرفوا معناه، فبينما هم كذلك إذ أتى أعرابي قد أقبل غريبا، فدخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فسلم عليه و قال: يا محمد إني رجل من كبّار قومي؛ بضم الكاف و تشديد الباء، فعلم الحاضرون أن هذه اللفظة نزلت بلحن ذلك العربي و أصحابه، فعلموا معناها.

 

[سورة نوح (71): الآيات 23 الى 26]

وَ قالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً (23) وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (24) مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً (25) وَ قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (26)

و ذلك لغلبة الغيرة على نوح عليه السلام، و استعجاله، لكون الإنسان خلق عجولا.

[سورة نوح (71): الآيات 27 الى 28]

إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً (28)

[لِمَ يقدم العبد نفسه في الدعاء على والديه؟]

لا أحد أعظم من الوالدين و أكبر بعد الرسل حقا منهما على المؤمن، و مع هذا أمر الداعي أن يقدم في الدعاء نفسه على والديه، و ذلك أولا مراعاة لحقها، فهي أقرب جار إليه، و السر الآخر أنّ الداعي لغيره يحصل في نفسه افتقار غيره إليه،

و يذهل عن افتقاره، فربما يدخله زهو و عجب بنفسه لذاك، و هو داء عظيم، فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أن يبدأ لنفسه بالدعاء، فتحصل له صفة الافتقار في حق نفسه، فتزيل عنه صفة الافتقار صفة العجب و المنة على الغير، و في إثر ذلك يدعو للغير على افتقار و طهارة، فلهذا ينبغي للعبد أن يبدأ بنفسه في الدعاء، ثم يدعو لغيره، فإنه أقرب إلى الإجابة، لأنه أخلص في الاضطرار و العبودية، قال الخليل عليه السلام في دعائه‏ (وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ) فقدم نفسه‏ (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي)

و قال نوح عليه السلام‏ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ» فبدأ بنفسه‏ «وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ» و هو عليه السلام من الكمل، و لم يقل كما قالت الملائكة «وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ» فكأنه أبقى شيئا، فإنه ما طلب المغفرة إلا للمؤمن، و لم يذكر اتباع سبيل اللّه، لأن المؤمن قد يكون مخالفا أمر اللّه و نهيه، و اللّه يقول للمسرفين على أنفسهم‏ (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) «وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً»:

دعا قومه نوح ليغفر ربهم‏ لهم فأجابوه لما كان قد دعا
أجابوا بأحوال فغطوا ثيابهم‏ لسر بستر و السميع الذي وعى‏
و لو أنهم نادوا ليكشف عنهمو غطاء العمى ما ارتد شخص و لا سعى‏
و هذي إشارات لأمة أحمد و ليست لنوح و الحديث هما معا
رعى اللّه شخصا لم يزل ذا مهابة كريما إماما حرمة الحق قد رعى‏
لو أن إله الخلق ينزل وحيه‏ على جبل راس به لتصدعا
و أثبت منه قلب شخص علمته‏ و لما أتاه وحيه ما تزعزعا
و إن كان من قوم إذا ليلهم دجا تراهم لديه ساجدين و ركعا
و تبصرهم عند المناجاة حسّرا حيارى سكارى خاضعين و خشّعا

 

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 392

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=