تفسیر ابن عربی سوره الإخلاص

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الإخلاص

(112) سورة الإخلاص مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

هذه السورة تقوم مقام أو تعدل ثلث القرآن إذا قسّم أثلاثا، و الحسيب ذو الحسب الكريم و النسب الشريف، و لا نسب أتم و أكمل في الشرف من شرف الشي‏ء بذاته لذاته،و لهذا لما قالت اليهود لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم: انسب لنا ربك؛ ما نسب الحق نفسه فيما أوحى إليه به إلا لنفسه، و تبرأ أن يكون له نسب من غيره، فأنزل عليه سورة الإخلاص نسبا له، فعدد و مجد، فكانت له عواقب الثناء بما له من التحميد، و لم يقم لليهود من أدلة النظر دليلا واحدا، فقال:

[سورة الإخلاص (112): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)

قال تعالى في أول سورة الإخلاص لنبيه عليه السلام‏ «قُلْ هُوَ اللَّهُ»

[ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» الآية:]

فابتدأ بالضمير، و لم يجر له ذكر متقدم يعود عليه في نفس القرآن، لأنه ما تمّ موجود يصح أن يضمر قبل الذكر إلا من يستحق الغيب المطلق، الذي لا يمكن أن يشهد بحال من الأحوال، فيكون ضمير الغيب له كالاسم الجامد العلم للمسمى، يدل عليه بأول وهلة، من غير أن يحتاج إلى ذكر متقدم مقرر في نفس السامع يعود عليه هذا الضمير، فلا يصح أن يقال هو إلا في اللّه خاصة، فإذا أطلق على غير اللّه فلا يطلق إلا بعد ذكر متقدم معروف بأي وجه كان مما يعرف به، و يصح الإضمار قبل الذكر في ضرورة الشعر مثل قول الشاعر [جزى ربه عني عدي بن حاتم‏] و إن كانت اليهود قد قالت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: انسب لنا ربك؛ فربما يتوهم صاحب اللسان أن هذا الضمير يعود على الرب الذي ذكرته اليهود، و لتعلم أن هذا الضمير لا يراد به الرب الذي ذكرته اليهود، لأن اللّه يتعالى أن يدرك معرفة ذاته خلقه، و لذلك قال‏ «قُلْ هُوَ اللَّهُ» فاختار الحق الاسم اللّه لنفسه، و أقامه في الكلمات مقامه، فهو الاسم الذي ينعت و لا ينعت به، فجميع الأسماء نعته، و هو لا يكون نعتا، و لهذا يتكلف فيه الاشتقاق، فهو اسم جامد علم، موضوع للذات في عالم الكلمات و الحروف،

لم يتسم به غيره جل و علا، فعصمه من الاشتراك، كما دل أن لا يكون ثمّ إله غيره، و ما ذكر في السورة كلها شيئا يدل على الخلق، بل أودع تلك السورة التبري من الخلق، فلم يجعل المعرفة به نتيجة عن الخلق، فقال تعالى‏ «وَ لَمْ يُولَدْ» و لم يجعل الخلق في وجوده نتيجة عنه كما يزعم بعضهم بأي نسبة كانت فقال تعالى‏ (لَمْ يَلِدْ) و نفى التشبيه بأحدية كل أحد بقوله‏ (وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) و أثبت له أحدية لا تكون لغيره،

و أثبت‏ له الصمدانية، و هي صفة تنزيه و تبرئة، فارتفع أن يكون الضمير يعود على الرب المذكور المضاف إلى الخلق في قولهم له صلّى اللّه عليه و سلّم: انسب لنا ربك؛ فأضافوه إليه لا إليهم، و لما نسبه صلّى اللّه عليه و سلّم بما أنزل عليه لم يضفه لا إليه و لا إليهم بل ذكره بما يستحقه جلاله، فإذا ليس الضمير في‏ «هُوَ اللَّهُ» يعود على من ذكر، فإذا عرفت ما ذكرناه عرفت أن الإضمار قبل الذكر لا يصح إلا على اللّه، و بعد الذكر تقع فيه المشاركة، قال تعالى‏ (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) فأعاد الضمير على اللّه المذكور في أول الآية،

و هنا قال تعالى‏ «قُلْ هُوَ اللَّهُ» فأثبت الوجود «أَحَدٌ» فنفى العدد و أثبت الأحدية للّه سبحانه، أي لا يشارك في هذه الصفة، صفة الأحدية، فالأحدية لا تثبت إلا للّه مطلقا، و أما ما سوى اللّه فلا أحدية له مطلقا، قال تعالى‏ (وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) أما الواحد فإنا نظرنا في القرآن، هل أطلقه الحق على غيره كما أطلق الأحدية؟ فلم أجده، و ما أنا منه على يقين، فإن كان لم يطلقه فهو أخص من الأحدية،

و يكون اسما للذات علما، لا يكون صفة كالأحدية، فإن الصفة محل الاشتراك، و لهذا أطلقت الأحدية على كل ما سوى اللّه في القرآن، و لا يعتبر كلام الناس و اصطلاحهم، و إنما ينظر ما ورد في القرآن الذي هو كلام اللّه، فإن وجد في كلام اللّه لفظ الواحد، كان حكمه حكم الأحدية، للاشتراك اللفظي فيه، و إن كان لا يوجد في كلام اللّه لفظ الواحد يطلق على الغير، فيلحقه بخصائص ما تستحقه الذات، و يكون كالاسم اللّه الذي لم يتسم به أحد سواه، و اعلم أن مشيئة اللّه تعالى و إرادته و علمه و قدرته ذاته، تعالى اللّه أن يتكثر في ذاته، بل له الوحدة المطلقة، و هو الواحد الأحد، إذ العين واحدة لا متحدة، و في العبد متحدة لا واحدة،

فالأحدية للّه، و الاتحاد للعبد لا الأحدية، فإنه لا يعقل العبد إلا بغيره لا بنفسه، فلا رائحة له في الأحدية أبدا، و الحق قد تعقل له الأحدية، و قد تعقل بالإضافة، لأن الكل له، بل هو عين الكل، لا كلية جمع، بل حقيقة أحدية تكون عنها الكثرة، و لا يصح هذا إلا في جناب الحق خاصة، فلا يصدر عن الواحد أبدا في قضية العقل إلا واحد، إلا أحدية الحق فإن الكثرة تصدر عنها، لأن أحديته خارجة عن حكم العقل و طوره، فأحدية حكم العقل هي التي لا يصدر عنها إلا واحد، و أحدية الحق لا تدخل تحت حكم، كيف يدخل تحت الحكم من خلق الحكم و الحاكم؟ لا إله إلا هو العزيز الحكيم، فليس للحق من الصفات النفسية سوى واحدة لأحديته، و هي عين ذاته، فليس له فصل مقوم يتميز به عما وقع‏ له من الاشتراك فيه مع غيره، بل له الأحدية الذاتية التي لا تعلل و لا تكون علة، فهي الوجود، فهو سبحانه من حيث نفسه له أحدية الأحد، و من حيث أسماؤه له أحدية الكثرة.

[سورة الإخلاص (112): آية 2]

اللَّهُ الصَّمَدُ (2)

[ «اللَّهُ الصَّمَدُ» الآية:]

– الوجه الأول- نفى الجسم، و لما كان الصوم صفة الصمدانية، و هو التنزه عن التغذي، و حقيقة المخلوق التغذي، قال تعالى في الحديث القدسي [كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي و أنا أجزي به‏]– الوجه الثاني- لما كان الاضطرار يردك إلى اللّه، لهذا تسمى تعالى لنا بالصمد، لأن الكون يلجأ إليه في جميع الأمور، و هي الصمدية المقيدة، و هي من صفة الكرم.

– الوجه الثالث- الصمدية المطلقة عن التقييد هي التي تستحق أن تكون صفة تنزيه، إذ لا تعلق لها بكون، فبها يتعلق المتوكلون في حال توكلهم، و الحق تعالى لا يسلم من توكل عليه و فوض أمره إليه، فإن الأسباب قد تخون من اعتمد عليها و لجأ إليها في أوقات، فإن الجاهل يصمد إلى الأسباب صمدا، و من الغيرة الإلهية ما قال لك على لسان رسوله في الشي‏ء الذي تستتر به عند الصلاة في قبلتك، أن تميل به نحو اليمين أو الشمال قليلا و لا تصمد إليه صمدا، فهذا من الغيرة الإلهية أن يصمد إلى غيره صمدا، و فيه إثبات للصمدية في الكون بوجه ما، فذلك القدر الذي أشار إليه الشارع يكون حظ المؤمن من الصمدية،

فما لا يظهر إلا بك، فأنت الصمد فيما لا يظهر إلا بك، و الجاهل يصمد إلى الأسباب صمدا، و يجعل حكم الميل إلى اليمين أو الشمال لصمدية الحق عكس القضية، و إنما شرع النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في السترة الميل إلى اليمين أو الشمال ينبه على السبب القوي باليمين، و على السبب الضعيف بالشمال الخارج، فالخارج عن اللّه بالكلية هو صاحب اليمين، و الذي لاح له بارقة من الحق ضعف اعتماده على السبب فجعله من الجانب الأضعف، إذ لا بد من إثبات السبب، و لا يصمد إلا إلى اللّه صمدا.

[سورة الإخلاص (112): آية 3]

لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ (3)

[ «لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ» الآية:]

– الوجه الأول- فنفى الوالد و الولد– الوجه الثاني- من قوله تعالى‏ «لَمْ يَلِدْ» فيه تنزيه الذات، فلا يصح أن يكون علة لمعلول، و لا شرطا لمشروط، و لا حقيقة لمحقق، و لا دليلا لمدلول، و لا سيما و قد قال سبحانه‏ «لَمْ يَلِدْ» مطلقا و ما قيد، فلو كان حقيقة لولد محققا، و لو كان دليلا لولد مدلولا، و لو كان علة لولد معلولا، و لو كان شرطا لولد مشروطا «وَ لَمْ يُولَدْ» فهو تعالى منزه عن أن يكون وجوده معلولا لعلة تتقدمه في الرتبة، أو مشروطا بشرط متقدم، أو محققا لحقيقة حاكمة، أو مدلولا لدليل يربطه به وجه الدليل، فهو تعالى عن المناسبة،

فالمناسبة بين الخلق و الحق غير معقولة و لا موجودة، فلا يكون عنه شي‏ء من حيث ذاته، و لا يكون عن شي‏ء من حيث ذاته، و كل ما دل عليه الشرع أو اتخذه العقل دليلا إنما متعلقة الألوهة لا الذات، و اللّه من كونه إلها هو الذي يستند إليه الممكن لإمكانه، فهو سبحانه المستند المجهول، الذي لا تدركه العقول، و لا تفصل إجماله الفصول، و لو وقف العاقل من المؤمنين على معنى قوله تعالى في كتابه‏ «وَ لَمْ يُولَدْ» و علم أن ما أنتجه العقل من فكره بتركيب مقدمتيه أن تلك النتيجة للعقل عليها ولادة، و أنها مولودة عنه، و هو قد نفى أن يولد، فأين الإيمان؟

و ليس المولود إلا عينه، بخلاف ما إذا أنتج العقل نسبة الأحدية له، فما معقولية الأحدية للواحد عين من نسبت إليه الأحدية، فللعقل على الأحدية ولادة، و على الاستناد إليه ولادة، و على كل لا يكون له على عينه ولادة، فأما هويته و حقيقته فما للعقل عليها ولادة، و قد نفى ذلك بقوله‏ «وَ لَمْ يُولَدْ» و من هنا تعرف أن كل عاقل له في ذات اللّه مقالة إنما عبد ما ولده عقله، فإن كان مؤمنا كان طعنا في إيمانه، و إن لم يكن مؤمنا فيكفيه أنه ليس بمؤمن، و لا سيما بعد بعثة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم العامة، و بلوغها إلى جميع الآفاق:

إنما اللّه إله واحد و دليلي قل هو اللّه أحد
فإذا ما تهت في أسمائه‏ فاعلم أن التيه من أجل العدد
يرجع الكل إليه كلما قرأ القارئ اللّه الصمد
لم يلد حقا و لم يولد و لم‏ يك كفوا للإله من أحد
فيحار العقل فيه عند ما يغلب الوهم عليه بالمدد
ثم يأتيه مشدا أزل‏ جاء في الشرع و يتلوه أبد
و بنا كان له الحكم به‏ فإذا زلنا فكون ينفرد

فالحق تعالى له الوحدة المطلقة، و هو الواحد الأحد، اللّه الصمد، لم يلد فيكون مقدمة، و لم يولد فيكون نتيجة، فإنه لو أن العقل يدرك الحق حقيقة بنظره و دليله و يعرف ذاته لكان مولدا عن عقله بنظره، فلم يولد سبحانه للعقول كما لم يولد في الوجود، و لم يلد بإيجاده الخلق لأن وجود الخلق لا مناسبة بينه و بين وجود الحق، و المناسبة تعقل بين الوالد و الولد، إذ كل مقدمة لا تنتج غير مناسبها، و لا مناسبة بين اللّه و بين خلقه إلا افتقار الخلق إليه في إيجادهم، و هو الغني عن العالمين.

لذا منع الرحمن في وحيه على‏ لسان رسول اللّه في ذاته النظر
فقال و لا تقف الذي لست عالما به فيكون الناظرون على خطر
فلم يولد الرحمن علما و لم يلد وجودا فحقق من نهاك و من أمر

فقوله تعالى‏ «لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ» تنزيه الذات، فلا تتعلق و لا يتعلق بها، و لذلك قال تعالى:

[سورة الإخلاص (112): آية 4]

وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)

 

[ «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» الآية:]

فيكون به وجود العالم نتيجة عن مقدمتين، عن الحق و الكفوء، تعالى اللّه، و بهذا وصف نفسه سبحانه في كتابه لما سئل النبي صلّى اللّه عليه و سلّم عن صفة ربه، فنزلت سورة الإخلاص تخلصت من الاشتراك مع غيره تعالى اللّه في تلك النعوت المقدسة و الأوصاف- الوجه الثاني- «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» فنفى الصاحبة كما نفى الشريك بقوله‏ (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) فنفى المماثل الذي لو ثبت صح أن يكون العالم بينهما، فما هو لنا أب و لا نحن أبناء له، بل هو الرب و نحن العبيد، فيطلبنا عبيدا و نطلبه سيدا، و ربما يتوهم من لا معرفة له بالحقائق أنه لو وجدت الكفاءة جاز وقوع الولد بوجود الصاحبة التي هي كفؤ،

فليعلم أن الكفاءة مشروعة لا معقولة، و الشرع إنما لزمها من الطرف الواحد لا من الطرفين، فمنع المرأة أن تنكح ما ليس لها بكف‏ء، و لم يمنع الرجل أن ينكح ما ليس بكف‏ء له، و لهذا له أن ينكح أمته بملك اليمين، و ليس للمرأة أن ينكحها عبدها، و الحق ليس‏ بمخلوق، و هو الوالد لو كان له ولد، و الكفاءة من جهة الصاحبة لا تلزم، فارتفع المانع لوجود الولد لعدم الكفاءة، بل لما تستحقه الذات من ارتفاع النسب و النسب، و لما تستحقه أحدية الألوهية، إذ الولد شبيه بأبيه، و بهذا يبطل مفهوم من حمل‏ (مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً) على جواز ذلك إذا كان متخذا، و كان المفهوم منه نفي الكف‏ء و المثل ما ذكرناه، و هذه السورة اختارها الحق تعالى لأنها مخصوصة به،

ليس فيها ذكر كون من الأكوان، إلا أحدية كل أحد أنها لا تشبه أحديته تعالى خاصة، فافتتح السورة بأحديته و ختمها بأحدية المخلوقين، فأعلم أن الكائنات مرتبطة به ارتباط الآخر بالأول لا ارتباط الأول بالآخر، فإن الآخر يطلب الأول و الأول لا يطلب الآخر، فهو الغني عن العالمين من ذاته، و يطلب الآخر من مسمى اللّه المنعوت بالأحدية، و هذه هي الأحدية المتأخرة التي هي مع ارتباطها بالأول لا تماثلها، لكونها تطلبه و لا يطلبها (أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) و لذلك سميت هذه السورة بسورة الإخلاص، فإنها كلها نسب اللّه و صفته،

و هي عين مجموع العالم، و إن العالم مع كونه هو الحق المبين من حيث مجموعه لا من حيث جزء جزء منه، تخلص النسب للّه من حيث ذاته، فهذا المجموع هو في الحق عين واحدة، و هو في العالم عين الحق المبين، فهذه السورة خلصت الحق من التشبيه كما خلصته من التنزيه، فإن سر الإخلاص هو سر القدر الذي أخفى اللّه علمه عن العالم، لا بل عن أكثر العالم، فميز الأشياء بحدودها، فهذا معنى سر القدر، فإنه التوقيف عينه، و به تميزت الأشياء، و به تميز الخالق من المخلوق، و المحدث من القديم، فتميز المحدث بنعت ثابت يعلم و يشهد، و ما تميز القديم من المحدث بنعت ثبوتي يعلم، بل تميز بسلب ما تميز به المحدث عنه لا غير، فهو المعلوم سبحانه المجهول، فلا يعلم إلا هو، و لا يجهل إلا هو، فسبحان من كان العلم به عين الجهل به،

و كان الجهل به عين العلم به، و أعظم من هذا التمييز لا يكون، و لا أوضح منه لمن عقل و استبصر، و لذلك لما قالت طائفة من الأمة اليهودية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [انسب لنا ربك‏] فنسبه لمجموع العالم بما نزل عليه من اللّه تعالى في ذلك، فقيل له‏ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» فنعته بالأحدية، و لكل جزء من العالم أحدية تخصه لا يشارك فيها، بها يتميز و يتعين عن كل ما سواه مع ما له من صفات الاشتراك، ثم قيل له‏ «اللَّهُ الصَّمَدُ» و هو الذي يصمد إليه في الأمور: أي يلجأ، و الأسباب الموضوعة كلها في العالم يلجأ إليها، و لهذا سميت‏ أسبابا لتوصل مسبباتها إلى الصمد الأول الذي إليه تلجأ الأسباب‏ «لَمْ يَلِدْ» إذ العقيم الذي لا يولد له،

و بهذه الصفة نعت الريح العقيم، لأنه من الرياح ما هي لواقح و منها ما هي عقيم‏ «وَ لَمْ يُولَدْ» آدم عليه السلام، فإن الولادة معلومة عند السائلين، فخوطبوا بما هو معلوم عندهم‏ «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» أراد بالكفو هنا الصاحبة، لأجل مقال من قال إن‏ (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) و (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) و الكفاءة المثل، و المرأة لا تماثل الرجل أبدا، فإن اللّه يقول‏ (وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) فليست له بكفو، فإن المنفعل ما هو كفو لفاعله، و العالم منفعل عن اللّه فما هو كفو للّه، و حواء منفعلة عن آدم، فله عليها درجة الفاعلية فليست له بكفو من هذا الوجه، و لذلك سميت هذه السورة سورة الإخلاص، أي خلص الحق للعالم من التنزيه الذي يبرهن عليه العقل، و خلصه من العالم بمجموع هذه الصفات في عين واحدة، و هي أعني هذه الصفات مفرقة في العالم لا يجمعها عين واحد، فإن آدم عليه السلام أكمل صورة ظهرت في العالم و مع هذا نقصه‏ «لَمْ يَلِدْ» فإنه أحد صمد لم يولد و لم تكن له حواء كفوا،

فخلصت هذه السورة الحق من التشبيه كما خلصته من التنزيه، فالحمد للّه العظيم جلاله لظهور جماله، القريب في دنوه، الرقيب في سموه، ذو العزة و السناء، و العظمة و الكبرياء، الذي جلت ذاته أن تشبه الذوات، و تعالت عن الحركات و السكنات، و الحيرة و الالتفات، و عن درك الإشارات و العبارات، كما جلت عن التكييف و الحدود، و عن النزول بالحركة و الصعود، و عن الاستواء المماس للمستوى عليه و القعود، و عن الهرولة لطلب المقصود، و عن التبشش المعهود، للقاء المفقود، إذا صح منه المقصود، كما جلت أن تفصّل أو تجمل، أو يقوم بها ملل، أو تتغير باختلاف الملل، أو تلتذ أو تتألم بالعمل، أو توصف بغير الأزل، كما جلت عن التحيز و الانقسام، أو يجوز عليها ما تتصف به الأجسام، أو تحيط بكنه حقيقتها الأفهام، أو تكون كما تكيّفها الأوهام،

أو تدرك على ما هي عليه في اليقظة أو المنام، أو تتقيد بالأماكن و الأيام، أو يكون استمرار وجودها بمرور الشهور عليها أو الأعوام، أو يكون لها الفوق أو التحت أو اليمين أو الشمال أو الخلف أو الأمام، أو تضبط جلالها النهى أو الأحلام، كما جلت أن تدركها العقول بأفكارها، أو أرباب المكاشفات بأذكارها، أو حقائق العارفين بأسرارها، و الوجوه بأبصارها، على ما يعطيه جلال مقدارها، لأنها جلّت عن القصر خلف حجبها و أستارها، فهي لا تدرك في‏ غير أنوارها، كما جلت أن تكون على صورة الإنسان، أو تفقد من وجود الأعيان، أو ترجع إليها حالة لم تكن عليها من خلقها الأكوان، أو تكون في تقييد ظرفية السوداء الخرساء و إن ثبت لها بها الإيمان،

أو تتحيز بكونها تتجلى في العيان، أو ينطلق عليها الماضي أو المستقبل أو الآن، كما جلت أن تقوم بها الحواس، أو يقوم بها الشك و الالتباس، أو تدرك بالمثال أو القياس، أو تتنوع كالأجناس، أو يوجد العالم طلبا للإيناس، أو يكون ثالث ثلاثة للجلّاس، كما جلت عن الصاحبة و الولد، أو يكون لها كفؤا أحد، أو يسبق وجودها عدم، أو توصف بجارحة اليد الذراع و القدم، أو يكون معها غيرها في القدم، كما جلت عن الضحك و الفرح المعهودين بتوبة العباد، و عن الغضب و التعجب المعتاد، و عن التحول في الصور، كما يكون في البشر، فسبحانه من عزيز في كبريائه، و عظيم في بهائه، ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 559

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=