تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة محمد
(47) سورة محمّد مدنيّة
[سورة محمد (47): الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (1) وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ أَصْلَحَ بالَهُمْ (2)
نسب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: هو محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم، و اسم هاشم عمرو بن عبد مناف، و اسم عبد مناف المغيرة بن قصي، و اسم قصي زيد بن كلاب بن مرة، بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، و اسم مدركة عامر بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان- و أمه صلّى اللّه عليه و سلّم هي آمنة بنت عبد مناف بن زهرة بن كلاب، اجتمعت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في كلاب بن مرة.
[سورة محمد (47): آية 3]
ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (3)
«كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ» فالعالم يقطع عمره في نظر ما ضرب اللّه له من الأمثال، و لا يستنبط مثلا من نفسه و لا سيما للّه، و ما أظن يفي عمر الإنسان بتحصيل علم ما ضرب اللّه له من الأمثال.
[سورة محمد (47): الآيات 5 الى 6]
سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ (5) وَ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (6)
«عَرَّفَها لَهُمْ» يعني بالنفس من العرف و هي الرائحة، أي طيّبها من أجلهم، فلا يستنشقون منها إلا كل طيب، و لا ينظرون منها إلا كل حسن.
[سورة محمد (47): آية 7]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (7)
ما قال تعالى «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ» إلا و لا بد من وقوع هذا النصر، و هو نصر لا عن ضعف و ذل، بل نصر اللّه ابتغاء القربة إليه و التحبب، عسى يصطفي من ينصره و يدنيه، فأعلمنا اللّه و عرفنا بمن يؤذيه و بما يؤذيه لننتصر له و ندفع عنه ذلك، فلا أرفع ممن يدفع عن اللّه أذى، فمن كان عدوا للّه فهو عدو للمؤمن، و ذلك من حيث أنه تعالى المؤمن و نحن المؤمنون، لذلك قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ» فولاية العبد ربه و ولاية الرب عبده في قوله «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ» و بين الولايتين فرق دقيق، فجعل تعالى نصره جزاء، و جعل مرتبة الإنشاء إليك، فننصره في الدنيا لينصرنا في العقبى، و قد ينصرنا هنا رحمة منه بنا لعدم صبرنا، و هو سبحانه الصبور مدهر الدهور، الذي يمهل و لا يعجل، و مع هذا طلب النصر منا في الدنيا و استعجل، و ذلك لحكمة الوفاء بالجزاء
[إشارة: إن لم تنصروه يخذلكم:]
– إشارة- إن لم تنصروه يخذلكم، و إن خذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، فنصرته من جملة ما أخذه عليكم من عهده، فيا أهل العهود، أوفوا بالعقود، ما أمركم بنصره، إلا و لكم اشتراك في أمره، فمن قال لا قدرة لي و يعني الاقتدار، فقد رد الأخبار، و كان ممن نكث، و ألحق تكليف الحق بالعبث، لما طلب النصرة من خلقه، و جعلها من واجب حقه، أثبت أن له أعداء، و أن لديه أولياء و أوداء، فالناصر محاصر و محاصر، فأنت تطلبه بالنصر، في عين ما طلبكم فيه من النصر، فما انفرد أحد بالقوة و الاقتدار، فانظر نزول الواحد القهار.
[سورة محمد (47): الآيات 8 الى 11]
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (8) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (9) أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ لِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (10) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (11)
الكافر لا مولى له و لهذا انهزم أمام خصمه، فإنه استترت عنه حياة الشهيد في سبيل اللّه، فآمن بالموت و هو الباطل، و كفر بالحياة و هي الحق، فالكافرون لا مولى لهم أي لا ناصر لهم، فإن الآخذ هو اللّه و لا مقاوم له سبحانه.
[سورة محمد (47): الآيات 12 الى 14]
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَ يَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَ النَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (12) وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (13) أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (14)
«عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ» و هو الهدى.
[سورة محمد (47): آية 15]
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَ أَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَ أَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَ أَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَ لَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (15)
[العلوم التي تعطيها أنهار الجنة:]
«فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ» يقال أسن الماء و أجن إذا تغير، و هو الماء المخزون في الصهاريج، و كل ماء مخزون يتغير بطول المكث، و هذا وصف الطهارة «وَ أَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ» بعقده أو مخضه أو ترييبه «وَ أَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ» تعطي الطرب و الالتذاذ، فإن الخمر ليست الدار الدنيا بمحل لإباحته في شرع محمد صلّى اللّه عليه و سلّم الذي مات عليه، و خص الخمر بالجنة دون الدنيا و قرن به اللذة للشاربين، و لم يقل ذلك في غيره من المشروبات، و ذلك لأنه ما في المشروبات ما يعطي الطرب و السرور التام و الابتهاج إلا شرب الخمر، فيلتذ به شاربه و تسري اللذة في أعضائه، و تحكم على قواه الظاهرة و الباطنة، و ما في المشروبات من له سلطان و تحكم على العقل سوى الخمر، لذلك حرمت في الدنيا لعظم شأنها و قوة سلطانها، و هي لذة للشاربين حيث كانت، و لهذا عزت و ما هانت، في الدنيا محرمة و في الآخرة مكرمة، هي ألذ أنهار الجنان، و لها مقام الإحسان، و عطاؤها أجزل العطا «وَ أَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى» و اعلم أن الشرب يختلف باختلاف المشروب فإن كان الشرب نوعا واحدا فإنه يختلف باختلاف أمزجة الشاربين، و هو استعدادهم، فمن الناس من يكون مشروبه عسلا بحسب الصورة التي يتجلى فيها العلم، فإن هذه الأصناف صور علوم مختلفة، و دليلنا على ما قلناه إنها علوم، رؤيا النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فإنه قال: [أريت كأني أوتيت بقدح لبن فشربت منه، حتى رأيت الري يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر، قالوا: فما أولته يا رسول اللّه؟
قال: العلم] فهذا علم تجلى في صورة لبن، كذلك تتجلى العلوم في صور المشروبات، و لما كانت الجنة دار الرؤية و التجلي، و ما ذكر اللّه فيها سوى أربعة أنهار: أنهار من ماء غير آسن، و أنهار من لبن لم يتغير طعمه، و أنهار من خمر لذة للشاربين، و أنهار من عسل مصفى، علمنا قطعا أن التجلي العلمي لا يقع إلا في أربع صور: ماء و لبن و خمر و عسل، و لكل تجل صنف مخصوص من الناس، و أحوال مخصوصة في الشخص الواحد، فنهر الماء الذي غير آسن أي غير متغير يعطي علم الحياة قال تعالى: (وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) و كذلك هذا العلم الذي يعطيه هذا الماء تحيا به القلوب، و نهر الخمر هو علم الأحوال، و هو صورة للعلم الإلهي الذوقي الذي تمجه العقول من جهة أفكارها، و لا يقبله إلا الإيمان، فأنهار الخمر تعطي معارف عنها السرور و الابتهاج و الفرح و إزالة الغموم، و التجريد من الكم و الكيف و الهياكل الظلمانية، و التنزه عن ملاحظة الأكوان الجسمية و الجسمانية، فهو سرور بالعلم بالكمال، و نهر العسل هو علم الوحي على ضروبه، و نهر اللبن هو علم الأسرار و الفطرة و اللب الذي تنتجه الرياضات و المجاهدات و التقوى، فيحصل للإنسان من العلوم في كل جنة من جنات الاختصاص و الإرث و العمل بحسب حقيقة تلك الجنة، و بحسب مأخذ النشآت منه، فإنها تختلف مآخذها و تختلف العلوم و تختلف الجنات، فتختلف الأذواق.
[سورة محمد (47): آية 16]
وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (16)
الطبع النقش الذي يكون في الختم، و الختم هو القفل.
[سورة محمد (47): آية 17]
وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ (17)
«وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا» يعني بهداهم الذي كان لهم «زادَهُمْ هُدىً» و هو الهدى الذي باعه الكفار منهم، قال تعالى في الكفار: (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى) فكان للمؤمنين نورا على نور، و كان للكافرين ظلمات بعضها فوق بعض.
[سورة محمد (47): الآيات 18 الى 19]
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (18) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَ مَثْواكُمْ (19)
[ «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ …» الآية- العلم بتوحيد اللّه تعالى:]
كل علم يوصلك إلى حيث متعلقه، و الشغف من العالم بالمتعلق لا بالعلم، و لهذا العلم بالذات الإلهية لا يصح أصلا، لأنه لا يوصلك إليها لعزتها، و إنما تصل إليها على قدرك في علمك بها، فالتوحيد هو المطلوب من كل موجود، و نهانا الشارع أن نتفكر في ذات اللّه، إذ من ليس كمثله شيء، كيف يوصل إلى معرفة ذاته؟ و ما منعنا من الكلام في توحيد اللّه، بل أمر بذلك فقال آمرا بالعلم بتوحيده «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» و هي المعرفة الواجبة بتوحيد اللّه في ألوهيته، و ذلك بأن نعلم أن النفي ورد على أعيان المخلوقات لما وصفت بالألوهية و نسبت إليها و قيل فيها آلهة، و لهذا تعجب من تعجب من المشركين لما دعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى اللّه الواحد، فأخبر اللّه عنهم أنهم قالوا: (أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) فسموها آلهة، و هي ليست بهذه الصفة، فورد حكم النفي على هذه النسبة الثابتة عندهم إليها، لا في نفس الأمر، لا على نفي الألوهية، فكأنه يقول للمشرك: هذا القول الذي قلت لا يصح، أي ما هو الأمر كما زعمت، و لا بد من إله، و قد انتفت الكثرة من الآلهة بحرف الإيجاب الذي هو قوله «إِلَّا» و أوجبوا هذه النسبة إلى المذكور بعد حرف الإيجاب و هو مسمى «اللَّهُ» فقالوا: «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» فلم تثبت نسبة الألوهة للّه بإثبات المثبت، لأنه سبحانه إله لنفسه، فأثبت المثبت بقوله «إِلَّا اللَّهُ» هذا الأمر في نفس من لم يكن يعتقد انفراده سبحانه بهذا الوصف، و من جهة أخرى فقوله تعالى: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» يقول اعلم من إخباري الموافق لنظرك ليصح لك الإيمان علما، كما صح لك العلم من غير إيمان الذي هو قبل التعريف، فمن أجل هذا الأمر- على نظر بعض الناس و رأيه فيه- نظرنا من أين نتوصل إلى معرفته؟ فنظرنا على حكم الإنصاف و ما أعطاه العقل الكامل بعد جده و اجتهاده الممكن منه، فلم نصل إلى المعرفة به سبحانه إلا بالعجز عن معرفته، لأنا طلبنا أن نعرفه طلب معرفة الأشياء كلها من جهة الحقيقة التي هي المعلومات عليها، فلما عرفنا أن ثمّ موجودا ليس له مثل، و لا يتصور في الذهن، و لا يدرك، فكيف يضبطه العقل؟
هذا ما لا يجوز، مع ثبوت العلم بوجوده، فنحن نعلم أنه موجود واحد في ألوهته، و هذا هو العلم الذي طلب منا، غير عالمين بحقيقة ذاته التي يعرف سبحانه عليها، و هو العلم بعدم العلم الذي طلب منا، لما كان تعالى لا يشبه شيئا من المخلوقات في نظر العقل، و لا يشبهه شيء منا، و في ذلك قال الصدّيق: العجز عن درك الإدراك إدراك، فجعل العلم باللّه هو لا دركه، من جهة كسب العقل كما يعلمه غيره، و لكن دركه من جوده و كرمه و وهبه، أما من جهة الدليل فلا يعرف أبدا إلا معرفة الوجود، و أنه الواحد المعبود لا غير، فالحق تعالى هو الموصوف بالوجود المطلق، لأنه سبحانه ليس معلولا لشيء و لا علة لشيء، بل هو موجود بذاته، و العلم به عبارة عن العلم بوجوده، و وجوده ليس غير ذاته، مع أنه غير معلوم الذات، لكن يعلم ما ينسب إليه من الصفات، أعني صفات المعاني،
و هي صفات الكمال، و أما العلم بحقيقة الذات فممنوع، لا تعلم بدليل و لا برهان عقلي، و لا يأخذها حد، فإنه سبحانه لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء، فكيف يعرف من يشبه الأشياء من لا يشبهه شيء و لا يشبه شيئا؟ فمعرفتك به إنما هي أنه ليس كمثله شيء، و يحذركم اللّه نفسه، و قد ورد المنع من الشرع في التفكر في ذات اللّه، فلا يعلم من اللّه إلا وجوده، و تعلم أفعاله و صفاته بضرب من الأمثلة، و لذلك فإن التوحيد الذي يؤمر به العبد أن يعلمه أو يقوله، ليس هو التوحيد الذي يوحد الحق به نفسه، فإن توحيد الأمر مركب، فإن المأمور بذلك مخلوق، و لا يصدر عن المخلوق إلا ما يناسبه، و هو مخلوق عن مخلوق، فهو أبعد في الخلق عن اللّه الذي وجد عنه هذا التوحيد، فكيف يليق بالجناب العزيز ما هو مضاف إلى الخلق؟ و إن كنا تعبدنا به شرعا، فنقرره في موضعه، و نقوله كما أمرنا به على جهة القربة إليه، مع ثبوت قدمنا فيما أشهدنا الحق من المعرفة به، من كونه لا يعرف في (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) و فيما ذكره في سورة الإخلاص، و في عموم قوله بالتسبيح الذي هو التنزيه (رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) و العزة تقتضي المنع أن يوصل إلى معرفته، فالأمر هنا الأمر بالتقليد في التوحيد، لأن الأمر لا يتعلق بمن يعطيه الدليل ذلك، إلا أن يكون متعلق الأمر الاستدلال، لا التعريف على طريق التسليم، أو الاستدلال بالتنبيه على موضع الدلالة، مثل قوله: (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ)
و كقوله: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) لذلك نقول: إن العلم باللّه له طريقان: طريق يستقل العقل بإدراكه قبل ثبوت الشرع، و هو يتعلق بأحديته في ألوهته، و أنه لا شريك له، و ما يجب أن يكون عليه الإله الواجب الوجود، و ليس له تعرض إلى العلم بذاته تعالى، و من تعرض بعقله إلى معرفة ذات اللّه فقد تعرض لأمر يعجز عنه، و يسيء الأدب فيه، و عرّض نفسه لخطر عظيم، و هذا الطريق هو الذي قال فيه الخليل إبراهيم عليه السلام لقومه (أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ؟) فنبههم على أن العلم باللّه من كونه إلها واحدا في ألوهته من مدركات العقول، فما أحالهم إلا على أمر يصح منه أن ينظر، فيعلم بنظره ما هو الأمر عليه، و الطريق الآخر طريق الشرع بعد ثبوته، فأتى بما أتى به العقل من جهة دليله، و هو إثبات أحدية خالقه و ما يجب له عزّ و جل، و المسلك الآخر من العلم باللّه العلم بما هو عليه في ذاته، فوصفه بعد أن حكم العقل بدليله بعصمته فيما ينقله عن ربه من الخبر عنه سبحانه مع (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) و أن لا يضرب له مثل، بل هو الذي يضرب الأمثال، لأنه يعلم و نحن لا نعلم، فنسب إليه تعالى أمورا لا يتمكن للعقل من حيث دليله أن ينسبها إليه، و لا يتمكن له ردها على من قام الدليل العقلي عنده على عصمته، فأورثه ذلك حيرة، فمن العقلاء من تأول تأويل تنزيه و تأييد، و عضد تأويله ب (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) و (ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) و من العقلاء من سلم علم ذلك إلى من جاء به أو إلى اللّه، و من العقلاء من أهل اللسان من شبّه، و عذر اللّه كل طائفة، و ما طلب من عباده في حقه إلا أن يعلموا أنه إله واحد، لا شريك له في ألوهته لا غير، و أن له الأسماء الحسنى بما هي عليه من المعاني في اللسان، و قرن النجاة و السعادة بمن وقف عند ما جاء من عنده عزّ و جل في كتبه و على ألسنة رسله عليهم السلام، و لا شك أن للّه عبادا عملوا على إيمانهم، و صدقوا اللّه في أحوالهم، ففتح اللّه أعين بصائرهم و تجلى لهم في سرائرهم، فعرفوه على الشهود، و كانوا في معرفتهم تلك على بصيرة و بينة بشاهد منهم، فعليك بعبادة اللّه التي جاء بها الشرع و ورد بها السمع، و لا تكفر بما أعطاك دليلك المؤدي إلى تصديقه، و من أراد أن يعرف لباب التوحيد فلينظر في الآيات الواردة في التوحيد في الكتاب العزيز الذي وحّد بها نفسه، فلا أعرف من الشيء بنفسه، فلتنظر بما وصف نفسه، و تسأل اللّه تعالى أن يفهمك ذلك، فستقف على علم إلهي لا يبلغ إليه عقل بفكره أبد الآباد، و لتعلم أن المراد بتوحيد اللّه الذي أمرنا بالعلم به أنه توحيد الألوهية له سبحانه، لا إله إلا هو، فإنه تعالى لم يقل: فاعلم أنه لا تنقسم ذاته، و لا أنه ليس بمركب، و لا أنه مركب من شيء، و لا أنه جسم، و لا أنه ليس بجسم؛ بل قال في صفته أنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) و لما لم يتعرض الحق سبحانه إلى تعريف عباده بما خاضوا فيه بعقولهم، و لا أمرهم اللّه في كتابه بالنظر الفكري، إلا ليستدلوا بذلك على أنه إله واحد أي أنها لا تدل إلا على الوحدانية في المرتبة، فلا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد، فزادوا في النظر و خرجوا عن المقصود الذي كلفوه، فأثبتوا له صفات لم يثبتها لنفسه، و نفت طائفة أخرى تلك الصفات، و لم ينفها عن نفسه و لا نص عليها في كتابه و لا على ألسنة أنبيائه، ثم اختلفوا في إطلاق الأسماء عليه، فمنهم من أطلق عليه ما لم يطلقه على نفسه و إن كان اسم تنزيه، و لكنه فضول من القائل به و الخائض فيه، ثم أخذوا يتكلمون في ذاته و قد نهاهم الشرع عن التفكر في ذاته جل و تعالى، فانضاف إلى فضولهم عصيان الشرع، بالخوض فيما نهوا عنه، فمن قائل:
هو جسم، و من قائل: ليس بجسم، و من قائل: هو جوهر، و من قائل: ليس بجوهر، و من قائل: هو في جهة، و من قائل: ليس في جهة، و ما أمر اللّه أحدا من خلقه بالخوض في ذلك جملة واحدة، لا النافي و لا المثبت، و لو سئلوا عن تحقيق معرفة ذات واحدة من العالم ما عرفوها، فالعاقل يشغل نفسه بالنظر في الأوجب عليه لا يتعداه، فإن المدة يسيرة، و الأنفاس نفائس، و ما مضى منها لا يعود، فاعلم أن اللّه إله واحد، لا إله إلا هو، مسمى بالأسماء التي يفهم منها و من معانيها أنها لا تنبغي إلا له، و لمن تكون هذه المرتبة له، و لا تتعرض يا ولي للخوض في الماهية و الكمية و الكيفية، فإن ذلك يخرجك عن الخوض فيما كلفته،
[نصيحة خالصة: الزم طريقة الإيمان بالإلهيات]
و الزم طريقة الإيمان و العمل بما فرض اللّه عليك، و اذكر ربك بالغدو و الآصال، بالذكر الذي شرعه لك من تهليل و تسبيح و تحميد، و اتق اللّه، فإذا شاء الحق أن يعرفك بما شاءه من علمه، فأحضر عقلك و لبك لقبول ما يعطيك و يهبك من العلم به، فذلك هو النافع، و هو النور الذي يحيى به قلبك، و تمشي به في عالمك، و تأمن فيه من ظلم الشبه و الشكوك، فإن ظلم الشبه و الشكوك، تطرأ في العلوم التي تنتجها الأفكارللمتكلمين في ذات اللّه و الخائضين فيه، من الأشاعرة و المعتزلة، و كذلك الفلاسفة في مقالاتهم في اللّه و فيما ينبغي أن يعتقد، و لا يزالون مختلفين، حتى يختلفوا في أصول المذهب الذي يجمعهم، و لا نرى الرسل و الأنبياء قديما و حديثا- من آدم إلى محمد و ما بينهما عليهم الصلاة و السلام- قط اختلفوا في أصول معتقدهم في جناب اللّه، بل كل واحد منهم يصدق بعضهم بعضا، و لا سمعنا عن أحد منهم أنه طرأ عليه في معتقده و علمه بربه شبهة قط، فانفصل عنها بدليل، و لو كان لنقل و دوّن و نطقت به الكتب، كما نقل سائر ما تكلم فيه من ذلك ممن تكلم فيه، و لا سيما و الأنبياء تحكمت في العامة في أنفسها و أموالها و أهليها، و حجّرت و أباحت، و لم يكن لغيرها هذه القوة من التحكم، فكانت الدواعي تتوفر على نقل ما اختلفوا فيه في جانب الحق، لأنهم ينتمون إليه و يقولون: إنه أرسلهم، و أتوا بالدلائل على ذلك من المعجزات، و لا نقل عن أحد منهم أنه طرأت عليه شبهة في علمه بربه، و لا اختلف واحد منهم على الآخر في ذلك، و الناظر بفكره في معتقده لا يبقى على حالة واحدة دائما، بل هو في كل وقت بحسب ما يعطيه دليله في زعمه في وقته، فيخرج من أمر إلى نقيضه، و ما دخل على المتكلمين و النظار ما دخل إلا من الفضول، و لهذا وقع الخلاف و لعبت بهم الأفكار و الأهواء، فلو وقفوا حتى يكون الحق هو الذي يعرفهم على لسان رسوله بما ينبغي أن يضاف إليه و يسمى به أفلحوا، و إنما الإنسان خلق عجولا، و رأى في نفسه قوة فكرية، فتصرف بها في غير محلها، فتكلم في اللّه بحسب ما أعطاه نظره، و الأمزجة مختلفة، و القوة المفكرة متولدة من المزاج، فيختلف نظرها باختلاف مزاجها، فيختلف إدراكها و حكمها فيما أدركته، فاللّه يحول بيننا و بين سلطان أفكارنا فيما لم نؤمر بالتفكر فيه، فمعرفة اللّه بطريق الخبر أعلى من المعرفة باللّه من طريق النظر، فإن طريق الخبر في معرفة اللّه إنما جاء بما ليست عليه ذاته تعالى من علم الناظر، فالمعرفة بالأدلة العقلية سلبية، و بالأدلة الخبرية ثبوتية و سلبية في ثبوت، و لا يبلغ العقل في تنزيه الحق مبلغ الشرع فيه، فأمرنا اللّه أن نعلم أنه لا إله إلا هو بقوله: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» فأمرنا أن نعلم أن اللّه واحد في ألوهيته، فهو واحد في المرتبة، و ما تعرض للذات جملة واحدة، فإن أحدية الذات تعقل، فالمعرفة به من كونه إلها، و المعرفة بما ينبغي للإله أن يكون عليه من الصفات، التي يمتاز بها عمن ليس بإله و عن المألوه، هي المأمور بها شرعا «وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» و هو هنا ما يخطر لمن نظر في توحيد اللّه من طلب ماهيته و حقيقته، و هو معرفة ذاته التي ما تعرف، و حجر التفكر فيها لعظم قدرها، و عدم المناسبة بينها و بين ما يتوهم أن يكون دليلا عليها، فلا يتصورها و هم و لا يقيدها عقل، بل لها الجلال و التعظيم،
[التوحيد الثاني و الثلاثون في القرآن و هو توحيد الذكرى:]
و اعلم أن هذا هو التوحيد الثاني و الثلاثون في القرآن، و هو توحيد الذكرى، و هو توحيد اللّه، فإن الإنسان لما جبله اللّه على الغفلات- رحمة به- فيغفل عن توحيد اللّه بما يطالعه في كل حين من مشاهدة الأسباب، التي يظهر التكوين عندها، و ليس ثمة إدراك يشهد به عين وجه الحق في الأسباب التي يكون عنها التكوين، و هو لاستيلاء الغفلة و هذا الغطاء يتخيل أن التكوين من عين الأسباب، فإذا جاءته الذكرى- على أي وجه- علم بمجيئها أنها تدل لذاتها على أنه لا إله إلا اللّه، و أن تلك الأسباب لو لا وجه الأمر الإلهي فيها، أو هي عين الأمر الإلهي، ما تكوّن عنها شيء أصلا، فلما كان هذا التوحيد بعد ستر رفعته الذكرى، أنتج له أن يسأل ستر اللّه للمؤمنين و المؤمنات، فقال تعالى: «وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ» فهي من منن اللّه على عبده، و اعلم أن التلفظ بشهادة الرسالة المقرونة بشهادة التوحيد فيه سر إلهي، و هو أن الإله الواحد الذي جاء بوصفه و نعته الشارع، ما هو التوحيد الإلهي الذي أدركه العقل، للصفات التي لا يقبلها توحيد العقل المجرد عن الشرع، فهذا المعبود ينبغي أن تقرن شهادة الرسول برسالته بشهادة توحيد مرسله، و لهذا يضاف إليه
[إشارة و تحقيق: الأكابر يلزمون في الذكر (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ):]
– إشارة و تحقيق- الأكابر يلتزمون في الذكر (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) على غير ما يعطيه النظر العقلي، أي الوجود هو اللّه، و العدم منفي الذات و العين بالنفي الذاتي، و الثابت ثابت الذات و العين بالإثبات الذاتي، و توجه النفي على النكرة و هو «إِلهَ» و توجه الإثبات على المعرفة و هو «اللَّهُ» و إنما توجه النفي على النكرة و هو «إِلهَ» لأن تحتها كل شيء، و ما من شيء إلا و له نصيب من الألوهة يدعيه، فلهذا توجه عليه النفي، لأن الإله من لا يتعين له نصيب، فله الأنصباء كلها.
[سورة محمد (47): الآيات 20 الى 21]
وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَ ذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (20) طاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (21)
هذا حكم الصدق في النطق فكيف في جميع الأحوال؟
[سورة محمد (47): آية 22]
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (22)
ما أمر اللّه تعالى بصلة الأرحام القريبة إلا ليسعدوا بذلك، و ما من شخص إلا و له رحم يصلها و لو بالسلام، كما قالوا: بلوا أرحامكم و لو بالسلام، و أفضل الصلات في الأرحام صلة الأقرب فالأقرب
[إشارة: الأقربون إلى اللّه أولى بالمعروف:]
– إشارة– جاء في الحديث الشريف: [إن الرحم شجنة من الرحمن] فنحن أرحام، فصحت القرابة، فنحن من حيث الرحم قرابة قربى، و من حيث الرتبة عبيد، فلا ننتسب إلا إليه، و لا ننتمي لسواه، و قد أمر تعالى بصلة الأرحام، و الرحمن لنا رحم نرجع إليه، فلا بد للمطيع أمره أن يصل رحمه، و ليس إلا وصلته بربه، فإن اللّه بلا شك قد وصلنا من حيث أنه رحم لنا، فهو الرزاق ذو القوة المتين، المنعم على أي حالة كنا، من طاعة أمره أو معصية و موافقة أو مخالفة، فإنه لا يقطع صلة الرحم من جانبه و إن انقطعت عنه من جانبنا لجهلنا، و أفضل الصلات في الأرحام صلة الأقرب فالأقرب، و قد قال تعالى عن نفسه: (وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) فاللّه أقرب إلى العبد من نفسه منه، فإذا وصله العبد فقد وصل الأقرب بلا شك، فقد أتى ما هو الأفضل بالوصل في الأقربين، فإن النص فيه، قال رجل في مجلس: اللّه يقول: الأقربون أولى بالمعروف؛ فقال الشيخ أبو العباس العريبي على الفور: إلى اللّه؛ و كذلك هو الأمر في نفسه، و لا أقرب من اللّه، فهو القريب سبحانه الذي لا يبعد إلا بعد تنزيه، و تنقطع الأرحام بالموت و لا ينقطع الرحم المنسوبة إلى الحق، فإنه معنا حيث كنا، و نحن ما بيننا نتصل في وقت و ننقطع في وقت، بموت أو بفقد و ارتحال، و كم من حال أغنى عن سؤال، و من جهل نفسه فهو بغيره أجهل، و من علم غيره فهو بنفسه أعلم.
[سورة محمد (47): الآيات 23 الى 24]
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ (23) أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (24)
[الفكر حال لا يعطي العصمة:]
اعلم أن الفكر حال لا يعطي العصمة، و لهذا مقامه خطر، لأن صاحبه لا يدري هل يصيب أم يخطئ؟ لأنه قابل للإصابة و الخطأ، فإن أراد صاحبه أن يفوز بالصواب فيه غالبا في العلم باللّه، فليبحث في كل آية نزلت في القرآن فيها ذكر التفكر و الاعتبار، و لا يتعدى ما جاء من ذلك في غير كتاب و لا سنة متواترة، فإن اللّه ما ذكر في القرآن أمرا يتفكر فيه و نص على إيجاده عبرة أو قرن معه التفكر، إلا و الإصابة معه و الحفظ و حصول المقصود منه الذي أراده اللّه، لا بد من ذلك، لأن الحق ما نصبه و خصه في هذا الموضع دون غيره إلا و قد مكّن العبد من الوصول إلى علم ما قصد به هناك، فإن تعديت آيات التفكر إلى آيات العقل أو آيات السمع أو آيات العلم أو آيات الإيمان و استعملت فيها الفكر لم تصب جملة واحدة، فالتزم الآيات التي نصبها الحق لقوم يتفكرون، و لا تتعدى بالأمور مراتبها، و لا تعدل بالآيات إلى غير منازلها، و اجعل بالك إذا ذكر اللّه شيئا من ذلك بأي اسم ذكره، فلا تتعدى التفكر فيه من حيث ذلك الاسم إن أردت الإصابة للمعنى المقصود للّه، مثل قوله: «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» فانظر فيه من حيث ما هو قرآن لا من حيث هو كلام اللّه، و لا من حيث ما هو فرقان، و لا من حيث ما هو ذكر، فكل اسم له حكم، و ما عيّنه الحق في الذكر إلا حتى يفهمه عباده، و يعلّمهم كيف ينزلون الأشياء منازلها.
[سورة محمد (47): الآيات 25 الى 28]
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى لَهُمْ (25) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبارَهُمْ (27) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَ كَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (28)
هذا تأثير خلق في حق، فإن الأمر دائر بين تأثير حق في خلق، و خلق في حق، فقد أسخطوا اللّه فأغضبوه، فعاد وبال ذلك الغضب على من أغضبه، فلو لا شهود ما أغضبه ما غضب، و ما أسخطه ما سخط.
[سورة محمد (47): الآيات 29 الى 30]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (29) وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (30)
ثم نزل الحق للتعليم و التعريف لنا، و هو العليم بكل شيء، بما كان و يكون، فقال تعالى:
[سورة محمد (47): آية 31]
وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (31)
«وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ»
[ «وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ …» الآية:]
مع علمه بما يكون منهم، و هو العليم سبحانه، فآنسهم تعالى بقوله «وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ» ففيه حكم إيمان يعتض به من يسمع ممن لا يعرف اللّه، قولهم: إن اللّه لا يعلم الجزئيات، و إن كانوا قصدوا بذلك التنزيه، و هذه مسئلة لا يمكن تحققها بالعقل، ما لم يكن الكشف بكيفية تعلق العلم الإلهي بالمعلومات، و أنه ليس في حق الحق ماض و لا آت، و أن آنه لم يزل و لا يزال، لا يتصف آنه بأنه لم يكن ثم كان، و لا بانقضاء بعد ما كان، فبهذا يعلم أن اللّه يعلم الجزئيات علما صحيحا، غاب عنه من قصد التنزيه بنفيه عن جناب الحق، و مع أنه سبحانه العالم بما يكون، و لكن الحال يمنع من إقامة الحجة له سبحانه علينا، فأنبأ عن حقيقة لا تردّ، تعليما لنا بما هو الأمر عليه، و أن الحكم للأحوال، فلم يبق بالابتلاء لأحد حجة على اللّه، فحسم بذلك الابتلاء احتمال قولهم:
لو حكم بعلمه فيهم، أن يقولوا: لو بلوتنا وجدتنا واقفين عند حدودك؛ و هذا يسمى علم الخبرة، و هو الاسم الخبير في قوله تعالى: (عَلِيماً خَبِيراً) فقال تعالى: «وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ» أي إذا ظهر منكم عند الابتلاء بالتكليف ما يكون منكم، من مخالفة أو طاعة، يتعلق العلم مني عند ذلك به، كان ما كان، فإن العلم لا حكم له في التقليب على الحقيقة، و إنما التقليب لموجد عين الفعل، و يتعلق العلم بذلك الانقلاب و المنقلب إليه، و لو لا الاشتراك في الصورة في قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [خلق اللّه آدم على صورته] ما حكم الحق على نفسه بما حكم لخلقه من حدوث تعلق العلم، و هذا غاية اللطف في الحكم و التنزل الإلهي، فنزل مع خلقه في العلم المستفاد، إذ كان علمهم مستفادا، كما شرّك نفسه تعالى مع خلقه في الأحكام الخمسة، فمع علمه بما يكون من خلقه قال: «حَتَّى نَعْلَمَ» و أعلم من اللّه لا يكون، و مع ذلك أنزل نفسه في هذا الإخبار منزلة من يستفيد بذلك علما، و هو سبحانه العالم بما يكون منهم في ذلك قبل كونه، فمن المنزهة في زعمهم من يقول:
إن اللّه لا يستفيد من ذلك علما، فإنه لا يعلم الأمر من حيث ما هو واقع من فلان على التعيين؛ فرد كلام اللّه و تأوله، إذ خاف من وقوع الأذى به لذلك، و من الظاهرية من التزم أنه يعلم بذلك الاختبار وقوفا عند هذا اللفظ، و من الناس من صرف ذلك إلى تعلق العلم به عند الوقوع، فالعلم قديم و التعلق حادث، و من المؤمنين من سلّم علم ذلك إلى اللّه و آمن به من غير تأويل معين، و هذا هو أسلم ما يعتقد، و هذا كله ابتلاء من اللّه لعباده الذين ادعوا الإيمان به بألسنتهم «الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ» المجاهدة مشقة و تعب، و بها سمي الجهاد جهادا، و المجاهدة حمل النفس على المشاق البدنية، المؤثرة في المزاج وهنا و ضعفا، و أعظم المشاق إتلاف المهج في سبيل اللّه، و هو الجهاد في سبيل اللّه، فابتلاهم أولا بما كلفهم، و استخدمهم بما ابتلاهم حتى يعلم المجاهدين من عباده و الصابرين، و يبلو أخبارهم بقوله: «وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ» فإذا عملوا ابتلى أعمالهم، هل عملوها لخطاب الحق أو عملوها لغير ذلك؟ فجعل الحق الابتلاء سبب حصول هذا العلم، و ما هو سبب حصول العلم، و إنما هو سبب إقامة الحجة، حتى لا تكون للمحجوج حجة يدفع بها. و اعلم أن البلاء في الدنيا نعمة معجلة من اللّه تعالى على عباده المؤمنين، و البلاء على قدر المراتب عند اللّه تعالى، و جاء في الأثر عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال: [ما ابتلى اللّه أحدا من الأنبياء بمثل ما ابتليت به].
[سورة محمد (47): الآيات 32 الى 33]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ شَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (32) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (33)
تفيد هذه الآية أن الشروع في العبادة ملزم، فإنه عهد عهده مع اللّه بلا شك، فبالأولية كان مختارا، و في التلبس مضطرا، و من أوفى بما عاهد عليه اللّه.
[سورة محمد (47): الآيات 34 الى 35]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (35)
«وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ» بإعلاء كلمة اللّه على كلمة أعدائه، و العلو نسبتان: علو مكان و علو مكانة، قال تعالى: «وَ اللَّهُ مَعَكُمْ» في علو المكانة، فهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة، ثم أتبع المعية بقوله: «وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ» لما خافت نفوس العمال منا، فالعلم يطلب المكانة، و العمل يطلب المكان، فجمع لنا بين الرفعتين بالنص، علو المكان بالعمل، و علو المكانة بالعلم، ثم قال تنزيها للاشتراك بالمعية (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) عن هذا الاشتراك المعنوي.
[سورة محمد (47): الآيات 36 الى 38]
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَ لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (36) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَ يُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (37) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَ مَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَ اللَّهُ الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (38)
«وَ اللَّهُ الْغَنِيُّ» لأنه لم يطلب تكوين الموجودات لافتقاره إليها، و إنما الأشياء في حال عدمها الإمكاني لها تطلب وجودها، و هي مفتقرة بالذات إلى اللّه الذي هو الموجد لها لفقرها الذاتي، فهي تطلب وجودها من اللّه، فقبل الحق سؤالها و أوجدها لها و لأجل سؤالها، لا من حاجة قامت به إليها، لأنها مشهودة له تعالى في حال عدمها و وجودها، و العبد ليس كذلك، فإنه فاقد لما افتقر إليه في حال عدمه، و إن كان غير فاقد له علما، إذ لو لا علمه به ما عيّن بالإيجاد شيئا عن شيء و دون شيء، غير أن العبد مركب من ذاتين من معنى و حس و هو كماله، فما لم يوجد الشيء المعلوم للحس، فما كمل إدراكه لذلك الشيء بكمال ذاته،فإن أدركه حسا بعد وجوده و قد كان أدركه علما، فكمل إدراكه للشيء بذاته، فتركيبه سبب فقره إلى هذا الذي أراد وجوده، و إمكانه سبب فقره إلى مرجحه، و أما الحق تعالى فليس بمركب، بل هو واحد، فإدراكه للأشياء على ما هي عليه من حقائقها في حال عدمها و وجودها إدراك واحد، فلهذا لم يكن في إيجاده الأشياء عن فقر كما كان هذا للعبد، و لهذا قال: «وَ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ»– راجع سورة فاطر آية 15- «وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» فأعطى اللّه في هذه الآية سبب الاستبدال، و هو التولي فقال: «وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا» عما سألتموه من الإنفاق و بخلتم «يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» أي على صفتكم، بل يعطون ما يسألون، و يعني ما وقع منهم من المخالفة لأمر اللّه، بل يكونون على أتم قدم و أقواه في طاعة اللّه
[إشارة: قريب التجلي فما لك مولّ؟:]
– إشارة- «وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» قريب التجلي فما لك مول؟ لا ترأس على من تبعك، فإنه ما تبعك و إنما تبع سر الحق الذي أودعه فيك، و كذلك أودعه في التابع، غير أنك علمته منك بإعلام الحق إياك، و ما علم التابع ما عنده، و تلك المناسبة التي جمعت بينكما، فإن رأست عليه و وطّيته، أبدلك الحق مكانه، و أبدله مكانك.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 148