تفسیر ابن عربی سوره الفتح

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الفتح

(48) سورة الفتح مدنيّة

[سورة الفتح (48): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1)

[فتوح المكاشفة و فتوح الحلاوة و فتوح العبارة:]

قال تعالى لنبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» و هو فتوح المكاشفة و فتوح الحلاوة في الباطن و فتوح العبارة، فقال تعالى له: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ» في الثلاثة الأنواع من الفتوح‏ «فَتْحاً» فأكده بالمصدر «مُبِيناً» أي ظاهرا يعرفه كل من رآه بما تجلى و ما حواه، ففتوح المكاشفة ثابت بما أشهده ليلة إسرائه من الآيات، و فتوح الحلاوة ثابت له ذوقا، و فتوح العبارة ثابت للعرب بالعجز عن المعارضة، و لهذا الفتوح كان القرآن معجزة، فما أعطي أحد فتوح العبارة على كمال ما أعطيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فإنه قال: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ‏ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) أي معينا.

[سورة الفتح (48): آية 2]

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (2)

«لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ»

[ «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ …» الآية:]

فيسترك عما يستحقه صاحب الذنب من العتب و المؤاخذة، «وَ ما تَأَخَّرَ» يسترك عن عين الذنب حتى لا يجدك فيقوم بك، فإنه ليس للمغفرة متعلق إلا أن يسترك من الذنب أو يسترك من العقوبة عليه، فما تقدم لا يعاقب عليه، و ما تأخر لا يصيبه صلّى اللّه عليه و سلّم، و هذا إخبار من اللّه بعصمته صلّى اللّه عليه و سلّم، فأعلمنا بالمغفرة في الذنب المتأخر أنه معصوم بلا شك، و يؤيد عصمته أن جعله اللّه أسوة يتأسى به، فلما بشر صلّى اللّه عليه و سلّم بالمغفرة العامة- و قد ثبتت عصمته فليس له ذنب يغفر- لم يبق إضافة الذنب إليه إلا أن يكون هو المخاطب و القصد أمته، كما قيل: إياك أعني فاسمعي يا جارة، و هو صلّى اللّه عليه و سلّم معصوم من الذنوب، فهو المخاطب بالمغفرة، و المقصود من تقدم من زمان آدم إلى زمانه، و ما تأخر من الأمة من زمانه إلى يوم القيامة، فإن الكل أمته حيث قال: [كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين‏] و هو سيد النبيين و المرسلين، فإنه سيد الناس، و هم من الناس، فبشر اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم بقوله: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ» بعموم رسالته إلى الناس كافة بالنص، فبشره اللّه بالمغفرة لما تقدم من ذنوب الناس و ما تأخر منهم، فكان هو المخاطب و المقصود الناس، فيغفر اللّه للكل و يسعدهم، و هو اللائق بعموم رحمته التي وسعت كل شي‏ء، و بعموم مرتبة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم حيث بعث إلى الناس كافة، و لم يقل: أرسلناك إلى هذه الأمة خاصة، و لا إلى أهل هذا الزمان إلى يوم القيامة خاصة، لكن ثمّ مغفرة في الدنيا، و ثمّ مغفرة في القبر، و ثمّ مغفرة في الحشر، و ثمّ مغفرة في النار بخروج منها و بغير خروج، لكن يستر عن العذاب أن يصل إليه بما يجعل له من نعيم في النار مما يستعذبه، فهو عذاب بلا ألم‏ «وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ» بأن يعطيها خلقها، فأخبره بهذه الآية أن نعمته التي أعطاها محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم مخلقة، أي تامة الخلقة «وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً» و هو صراط ربه الذي هو عليه، فالشرائع كلها أنوار، و شرع محمد صلّى اللّه عليه و سلّم بين هذه الأنوار كنور الشمس بين أنوار الكواكب، فإذا ظهرت الشمس خفيت أنوار الكواكب و اندرجت أنوارها في نور الشمس، فكان خفاؤها نظير ما نسخ من الشرائع بشرعه صلّى اللّه عليه و سلّم مع وجود أعيانها، كما يتحقق وجود أنوار الكواكب، و لهذا ألزمنا في شرعنا العام أن نؤمن بجميع الرسل و جميع شرائعهم أنها حق، فلم ترجع بالنسخ باطلا، ذلك ظن الذين جهلوا، فرجعت الطرق كلها ناظرة إلى طريق النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فلو كانت الرسل في زمانه لتبعوه، كما تبعت شرائعهم شرعه، فإنه أوتي جوامع الكلم، فمن عرف نعم اللّه عليه أوجب عليه هذا العلم الشكر، فشغل نفسه بشكر اللّه تعالى كما فعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حين نزلت عليه هذه الآية، و بشر الحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بذلك فقام حتى تورمت قدماه شكرا للّه تعالى على هذه النعمة، فما فتر و لا جنح إلى الراحة، و لما قيل له في ذلك و سئل في الرفق بنفسه قال صلّى اللّه عليه و سلّم: [أ فلا أكون عبدا شكورا] و ذلك لما سمع اللّه يقول: (سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏) و أتى بفعول و هو بنية المبالغة، فكثر منه الشكر لما كثرت النعم، فطلبت كل نعمة منه الشكر للّه عليها، ورد في الحديث الثابت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في صيام يوم عرفة: [أحتسب على اللّه أن يكفر السنة التي قبله و السنة التي بعده‏] خرّجه مسلم، فمن صام هذا اليوم أخذ بحظ وافر مما أعطى اللّه نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم في قوله: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ» فلم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عمره كلّه في الحكم حكم الصائم يوم عرفة.

[سورة الفتح (48): آية 3]

وَ يَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (3)

[ «وَ يَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً» الآية:]

و العزيز من يرام فلا يستطاع الوصول إليه، فإذا كانت الرسل هي الطالبة الوصول إليه، فقد عز عن إدراكها إياه ببعثته العامة، و إعطاء اللّه إياه جوامع الكلم، و السيادة بالمقام المحمود في الدار الآخرة، و بجعل اللّه أمته خير أمة أخرجت للناس، و أمة كل نبي على قدر مقام نبيها؛ و إذا طلب الوصول إليه القائلون باكتساب النبوة عز عليهم الوصول إلى ذلك، فإن المكتسب إنما هو السلوك و الوصول إلى الباب، و أما ما وراء الباب فلا علم للواصلين إليه بمن يفتح له ذلك الباب، فمن الناس من يفتح له بالإيمان العام و هو مطالعة الحقيقة كأبي بكر، فلم ير شيئا إلا رأى اللّه قبله، و منهم من يفتح له بالإنباء العام الذي لا شرع فيه، و هذان الفتحان باقيان في هذه الأمة إلى يوم القيامة، و من الواصلين من يفتح له الباب بنبوة التشريع المقصور عليهم، و منهم من يفتح له الباب بالرسالة بما شرع، و هذان بابان أو فتحان قد منع اللّه أن يتحقق بهما أحد أو يفتح له فيهما، إلا أهل الاجتهاد، فإن اللّه أبقى عليهم من ذلك بعض شي‏ء بتقرير الشرع، فحكمه للشارع لا لهم، فكل ما خرج من وراء الباب عند فتحه ما هو مكتسب، و النبوة غير مكتسبة، فنصره اللّه النصر العزيز، فلم يصل إليه من قال باكتساب النبوة، لأن الموصوف بالعزة لا عين للعزة إلا مع وجود الطالب لمن قامت به، فيحمي مقامه و حضرته أن يصل طالب إليه.

[سورة الفتح (48): آية 4]

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَ لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (4)

[السكينة في أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم:]

السكينة هي الأمر الذي تسكن له النفس، لما وعدت به أو لما حصل في نفسه من طلب أمر ما، و سميت سكينة لأنها إذا حصلت قطعت عنه وجود الهبوب إلى غير ما سكنت إليه النفس، و منه سمي السكين سكينا، لكون صاحبه يقطع به ما يمكن قطعه به، و هذا اللفظ مشتق من السكون، و هو الثبوت، و هو ضد الحركة فإن الحركة نقلة، فالسكينة تعطي الثبوت على ما سكنت إليه النفس و لو سكنت إلى الحركة، و الطمأنينة سكينة أنزلها القرآن في قلوب المؤمنين، فكانت آيات بني إسرائيل ظاهرة، و آياتنا في قلوبنا، إذ قال اللّه تعالى في بني إسرائيل في آية طالوت‏ (وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) فكانت السكينة شهادة في غير هذه الأمة، و بها و بأمثالها كانت الأمة المحمدية خير أمة أخرجت للناس، فعلامة هذه الأمة في قلوبهم، و لم يجعل اللّه لهذه الأمة المحمدية علامة خارجة عنهم على حصولها، فليس لهم علامة في قلوبهم سوى حصولها، فهي دليل على نفسها، ما تحتاج إلى دليل من خارج كما كان في بني إسرائيل، فتنزل السكينة على المؤمنين و هم مؤمنون فتنقلهم بنزولها عن رتبة ما كانوا به مؤمنين إلى مقام معاينة ذلك، و هو تضاعف إيمانهم بالعيان، ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، و لا يكون السكون في الأشياء إلا عن هيبة و تعظيم، و قد أشهد اللّه تعالى بعض أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و سلّم السكينة في تلاوته القرآن، و كانت له فرس فجعلت تخبط، فرفع رأسه فرأى غمامة فيها سرج، كلما قرأ نزلت و دنت منه، و إذا سكت‏ ارتفعت، فلما ذكر ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [تلك السكينة نزلت للقرآن‏] فرأى هذا الصاحب ممثلا خارجا عنه ما كان فيه، فكل من تلا و سكن لما تلا بصدق بصورة ظاهر و حكمة باطن فذلك تال صاحب سكينة، فإن هو تلا و سكن ظاهرا و لم يسكن باطنا- و السكون الباطن فهم المعنى الساري في الوجود من تلك الآية المتلوة، لا يقتصر بها على ما تدل عليه في الظاهر خاصة- فمن تلا هكذا فليس بصاحب سكينة أصلا و إن كان من أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، فإن تلا و سكن باطنا و لم يسكن ظاهرا و تعدى الظاهر المشروع فذلك ليس بمؤمن، و هو أبعد الناس من اللّه، و ما شقي إلا بعدم سكون الظاهر، ففاته الإيمان به، و في قوله تعالى: «لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ» إشارة إلى الذين اشتروا الضلالة بالهدى، و اختاروا العمى على الهدى، و اشتروا الكفر بالإيمان من المؤمنين، ليزداد المؤمنون إيمانا مع إيمانهم، و يرجون تجارة لن تبور «وَ لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» لما كان الملك للّه كانت الجنود له تعالى من كونه ملكا، فإن اللّه لما سمى نفسه ملكا سمى خلقه جنودا، و كل مأخوذ به من الأسباب الكونية جند من جنود اللّه‏ «وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً».

[سورة الفتح (48): الآيات 5 الى 7]

لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ يُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ كانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (5) وَ يُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْمُشْرِكِينَ وَ الْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ لَعَنَهُمْ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً (6) وَ لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (7)

[إشارة: وَ لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏:]

– إشارة- لما كان عالم الإنسان ملكا للّه تعالى، كان الحق ملكا لهذا الملك بالتدبير فيه و التفصيل، و لهذا وصف نفسه تعالى بأن للّه جنودا، جنود السموات و الأرض و قال:

(وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) فهو تعالى حافظ هذه المدينة الإنسانية لكونها حضرته التي وسعته و هي عين مملكته، و ما وصف نفسه بالجنود و القوة إلا و قد علم أنه تعالى سبقت‏ مشيئته في خلقه أن يخلق له منازعا ينازعه في حضرته، و يثور عليه في ملكه بنفوذ مشيئته فيه و سابق علمه و كلمته التي لا تتبدل.

 

[سورة الفتح (48): الآيات 8 الى 9]

إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً (9)

[الورع في إطلاق لفظتي الرسول و الملك:]

اعلم أن من الورع أن لا تنزل إلى ما اختصت به الأنبياء و الرسل من الإطلاق، فيتورع أن يطلق على أحد ممن ليس بنبي و لا رسول اللفظ الذي اختصوا به، فيطلق على الرسل الذين ليسوا برسل اللّه لفظ الورثة و المترجمين، فيقال: وصل من السلطان الفلاني إلى السلطان الفلاني ترجمان يقول كذا و كذا، فلا يطلق على المرسل و لا على المرسل إليه اسم الملك ورعا و أدبا مع اللّه، و يطلق عليه اسم السلطان، فإن الملك من أسماء اللّه، فيجتنب هذا اللفظ أدبا و حرمة و ورعا، و لم يرد لفظ السلطان في أسماء اللّه، و يطلق على الرسول الذي جاء من عند السلطان اسم الترجمان، و لا يطلق عليه اسم الرسول، لأنه قد أطلق على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فيجعل هذا الاسم من خصائص النبوة و الرسالة الإلهية أدبا مع رسل اللّه عليهم السلام، و إن كان اللفظ قد أبيح و لم ينه عنه، و لكنه لم يوجب علينا، فكان لزوم الأدب أولى مع من عرّفنا اللّه أنه أعظم منا منزلة عنده، و هذا لا يعرفه إلا الأدباء الورعون‏

[سورة الفتح (48): آية 10]

إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10)

«إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ» فنفاه بعد ما أثبته صورة، كما فعل به في الرمي سواء، أثبته و نفاه،

[ «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» الآية:]

ثم جعل اللّه يده في المبايعة فوق أيدي المبايعين فقال: «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» فنزّل الحق يد نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم منزلة يده في المبايعة، و يد اللّه تأييده و قوته، و ما شهد الخلق المبعوث إليهم إلا الرسول، فظاهره خلق و باطنه حق، و لما كان الحق تعالى الإمام الأعلى‏ و المتبوع الأول، و الإمامة على الحقيقة هي للّه الحق تعالى جل جلاله، و الأئمة إنما هم نوابه و خلفاؤه، فهو الإمام لا هم قال: «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ» فإن التنزيه من العبد نظير التنزيه من الحق سواء، فمن نزه الحق عند أداء ما أوجب اللّه عليه من العبادات في العهد الذي أخذه عليه عقلا و شرعا، فقد وفّى بعهود اللّه التي أخذت عليه. أشرك اللّه نفسه مع عبده في هذا الحكم بما أوجب على نفسه له بما كتب على نفسه من الرحمة و الوفاء بعهده، يقال أوفى على الشي‏ء إذا أشرف عليه، و احذر أن تفي ليفي لم يزده على ميزانه شيئا، و هو قوله: (أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) و ليس سوى دخول الجنة، ورد في الحديث: [كان له عند اللّه عهدا أن يدخله الجنة] لم يقل غير ذلك‏ «وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ» و لم يطلب الموازنة، و لا ذكر هنا أنه يفي له بعهده و إنما قال:

«فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً» و ما عظمه الحق فلا أعظم منه، فاعمل على وفائك بعهدك من غير مزيد، قال صلّى اللّه عليه و سلّم في حق نفسه: [لا يكمل لعبد الإيمان حتى أكون أحب إليه من أهله و ماله و الناس أجمعين‏] و لهذا يشترط في البيعة المنشط و المكره، لأن الإنسان ما ينشط إلا إذا وافق اللّه هوى نفسه، و المكره إذا خالف أمر اللّه هوى نفسه، فيقوم به على كره لاتصافه و وفائه بحكم البيعة، فإنه ما بايع إلا اللّه، إذ كانت يد اللّه فوق أيديهم، و ما شاهدوا بالأبصار إلا يد هذا الشخص الذي بايعوه، و النفس أبدا في الغالب تحت حكم مزاجها، و القليل من الناس من يحكم نفسه على طبيعته و مزاجه، فالكامل من العباد من لم يترك للّه عليه و لا عنده حقا إلا وفاه إياه، و لذلك فإن الشروع عندنا في النافلة ملزم، فإن العبد كان مختارا و في التلبس مضطرا، فإن الشروع عهد عهده مع اللّه بلا شك.

[سورة الفتح (48): الآيات 11 الى 15]

سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَ أَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَ الْمُؤْمِنُونَ إِلى‏ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَ زُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (12) وَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (13) وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (14) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى‏ مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (15)

 

«يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ»

«يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ» قد يطلق الكلام على الترجمة في لسان المترجم و ينسب الكلام إلى المترجم عنه، و هذا الكلام هو العلم، و هو الموصوف بالتحريف و التبديل، أي في الترجمة فإنها تقبل التبديل، و المعاني تابعة للكلام، فلا يفهم من الأمر الذي حرّف به و بدّل المعنى الذي يفهم من الأصل، و لذلك ألحق التبديل و التحريف بالأصل، و إن كان لا يقبل التحريف و لا التبديل، لأنه كلام إلهي لا يحكى و لا يوصف بالوصف الذاتي، و القرآن هو كلام اللّه و إن كنا نحن الكاتبين له بأيدينا.

[سورة الفتح (48): الآيات 16 الى 27]

قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (16) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى‏ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ مَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (17) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18) وَ مَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَ كَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَ لِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَ يَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (20)

وَ أُخْرى‏ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً (21) وَ لَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (23) وَ هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَ لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (25)

إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى‏ وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً (26) لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (27)

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول اللّه و للمقصرين، قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول اللّه و للمقصرين، قال: و للمقصرين‏] لما لم يفهموا مقصود الشارع بطلب الغفر الذي هو الستر للمحلقين، و هم الذين حسروا عن رءوسهم الشعر فانكشفت رءوسهم، فطلب من اللّه سترها ثوابا لكشفها، و المقصر ليس له ذلك، و حلق الرأس أولى من تقصير الشعر، فإن الشعور بالأمر ما هو عين حصول العلم به على التمام من التفصيل، و إنما يشعر العبد أن ثمّ أمرا ما، فإذا حصّله زال الشعور و كان علما تاما بتفصيل ما شعر به، فإلقاء الشعور هو إزالة الشعور بوجود العلم، لأن الشعر ستر على الرأس.

[سورة الفتح (48): الآيات 28 الى 29]

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً (28) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى‏ عَلى‏ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً (29)

[ «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ …» الآية:]

لما كان صلّى اللّه عليه و سلّم مشكاة فلك الرحمة الذي هو الظاهر من فلك الحياة، و الكلمة التي هي أم الكتاب، و كانت نبوته ختما على النبوات، إذ النبوة إنباء بأسرار و إرث بأنوار، علم‏ بذلك كونه النازل في جميع الأقطار. و المنبأ في جميع الأخبار، و الحامل لواء الحمد الغفار و أول مشفع في دار القرار، فسمي من حيث تكرار حمده محمدا، و من حيث كونه حامل لواء الحمد أحمد، فقال تعالى: «مُحَمَّدٌ» لما جمع فيه من المحامد «رَسُولُ اللَّهِ» فإن الحق المشروع ظهر بصورة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في حياته، و لذلك كان يقال له: رسول اللّه في التعريف، ما كان يقال له: محمد فقط «وَ الَّذِينَ» آمنوا «مَعَهُ» أصحاب النبي عليه الصلاة و السلام، فازوا بالمقام العلي هنا و في دار السلام، أعلى درجات القربة، التحقق في الإيمان بالصحبة، لا يبلغ أحدنا مد أحدهم و لا نصيفه، و لا يصلح أن يكون وصيفه، نحن الإخوان فلنا الأمان، و هم الأصحاب فهم الأحباب، فمن رأى الصحبة عين الاتباع، من أهل الحقائق، ألحق اللاحق بالسابق، فغاية السابق تعجيل الرؤية، لحصول البغية، و لكن ما لها بالسعادة استقلال فيما أعطاه الدليل، و صححه السبيل، و كم شخص رآه و شقي، و الذي تمناه بعدم اتباعه ما لقي، فما أعطته رؤيته، و قد فاتته بغيته؟

فما ثمّ إلا الاقتداء، و ما يسعدك إلا الاهتداء، فتعجل النعيم الصاحب، فهو أقرب الأقارب، و قد خلع اللّه تعالى على نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم خلعه و سماه بالعبد و الرسول و النبي، فإن هذه الأسماء وصلة بين الإنسان و عبوديته من أكمل الوجوه، فإن العبد على قدر ما يخرج به عن عبوديته ينقصه من تقريبه من سيده، لأنه يزاحمه في أسمائه، و أقل المزاحمة الاسمية، فأبقى علينا اسم الولي و هو من أسمائه سبحانه، و نزع هذا الاسم من رسوله و سماه بالرسول، فإن هذا الاسم من خصائص العبودية التي لا تصح أن تكون للرب، و سبب إطلاق هذا الاسم وجود الرسالة، و الرسالة قد انقطعت، فارتفع حكم هذا الاسم بارتفاعها من حيث نسبتها إلى اللّه، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [إن الرسالة و النبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي و لا نبي‏] فكان هذا من أشد ما جرعت الأولياء مرارته، فإنه قاطع للوصلة بين الإنسان و بين عبوديته، و لما علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أن في أمته من يجرع مثل هذا الكأس، و علم ما يطرأ عليهم في نفوسهم من الألم لذلك، رحمهم فجعل لهم نصيبا، فقال للصحابة: [ليبلغ الشاهد الغائب‏] فأمرهم بالتبليغ كما أمره اللّه بالتبليغ، لينطلق عليهم أسماء الرسل التي هي مخصوصة بالعبيد، و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: [رحم اللّه امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها] يعني حرفا حرفا، و هذا لا يكون إلا لمن بلغ الوحي من قرآن أو سنة بلفظه الذي جاء به، و هذا لا يكون إلا لنقلة الوحي من المقرئين و المحدثين، ليس للفقهاء و لا لمن نقل الحديث النبوي على المعنى نصيب و لا حظ فيه، فإن الناقل على المعنى إنما نقل إلينا فهمه في ذلك الحديث النبوي، فلا يحشر يوم القيامة فيمن بلغ الوحي كما سمعه و أدى الرسالة، كما يحشر المقرئ و المحدث الناقل لفظ الرسول عينه في صف الرسل عليهم السلام، فالصحابة إذا نقلوا الوحي على لفظه فهم رسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و التابعون رسل الصحابة، و هكذا الأمر جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة، و هو خير عظيم امتن به عليهم، و مهما لم ينقله الشخص بسنده متصلا غير منقطع فليس له هذا المقام، و من هنا تعرف شرف مقام العبودية و شرف المحدثين نقلة الوحي بالرواية

[إشارة: معاذ رسول رسول اللّه، و محمد صلّى اللّه عليه و سلّم رسول اللّه:]

– إشارة- كان معاذ و غيره رسول رسول اللّه إلى من أرسل إليهم، و قيل في محمد صلّى اللّه عليه و سلّم:

رسول اللّه، و كان يأخذ عن جبريل، و لم يقل في معاذ و غيره: رسول اللّه، و قيل فيه:

رسول رسول اللّه، فلما ذا ترك ذكر الواسطة في‏ «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»؟ إنما نسب رسول الرسول إليه، لاشتراكهما في التكليف الذي أنزل عليه، و لم ينسب الرسول عليه الصلاة و السلام إلى جبريل لأنه ليس له من رسالته غير التعريف الذي أودع الرحمن لديه، فنسب الرسول إلى اللّه تعالى بغير واسطة، لعدم هذه الرابطة.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 159

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=