تفسیر ابن عربی سوره الجاثية

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الجاثية

(45) سورة الجاثية مكيّة

[سورة الجاثية (45): الآيات 1 الى 5]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ ما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4)

وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)

 

[العاقل يهوله المعتاد و غير المعتاد من الآيات:]

خرق العوائد في العموم و هي في الخصوص عوائد، فلذلك تهول عند العامة، و العاقل يهوله المعتاد و غير المعتاد، و لذلك قال تعالى في المعتاد «آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» فإن كل ما في الكون آية عليه، و هي أكثر الآيات الدالة على اللّه لقوم يعقلون، و ما سميت العقول عقولا إلا لقصورها على من عقلته من العقال، فالعقل قيّد موجده، و الشرع و الكشف أرسله، و هو الحق، فالسعيد من عقله الشرع لا من عقله غير الشرع، فإن العامة ليست الآيات عندهم إلا التي هي عندهم غير معتادة، فتلك تنبههم إلى تعظيم اللّه، و الخاصة عندهم الآيات هي المعتادة و غير المعتادة، فالعالم كله عندهم آيات بينات.

[سورة الجاثية (45): الآيات 6 الى 13]

تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَ آياتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى‏ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (8) وَ إِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَ لا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (10)

هذا هُدىً وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)

«وَ سَخَّرَ لَكُمْ» أي من أجلكم‏ «ما فِي السَّماواتِ» من ملك و كوكب سابح في فلك‏ «وَ ما فِي الْأَرْضِ» و ما فيهما من الخلق فدخل الحيوان في ذلك‏ «جَمِيعاً مِنْهُ» لما كان المقصود من العالم الإنسان الكامل، كان من العالم أيضا الإنسان الحيوان المشبه بالكامل في النشأة الطبيعية، فقال تعالى: «وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ» أي من أجل الإنسان الكامل الخليفة في الأرض، فشغل الملأ الأعلى به سماء و أرضا، و أمر سبحانه و تعالى من في السموات و الأرض بالنظر فيما يستحقه هذا الخليفة النائب، فسخر له جميع من في السموات و الأرض، حتى المقول عليه الإنسان من حيث تماميته لا من حيث كماليته،

فهذا النوع المشارك له في الاسم إذا لم يكمل هو من جملة المسخرين لمن كمل، فلا أفقر من الإنسان الكامل إلى العالم، لأنه يشهده مسخّرا له، فعلم أنه لو لا ما هو عليه من الحاجة إلى ما سخّروا فيه من أجله ما سخروا، فيعرف نفسه أنه أحوج إلى العالم من العالم إليه، و من هنا يعلم أن اللّه خلق الخلق للخلق لا لنفسه، فإن المنافع إنما تعود من الخلق على الخلق، و اللّه هو النافع الموجد للمنافع، و أما خلقنا له فهو خلقنا لنعبده، فمعناه لنعلم أنا عبيد له، فإنا في حال عدمنا لا نعلم ذلك، لأنه ما ثمّ وجود يعلم‏ «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» ليعلموا ما مراد اللّه من ذلك،

و اعلم أن الوضع و التركيب ليس العلم به من حظ الفكر، بل هو موقوف على خبر الفاعل لها و المنشئ لصورها، و متعلق علم العقل من طريق الفكر إمكان ذلك خاصة لا ترتيبه، فإن العقول عاجزة و قاصرة عن معرفة ما خلق اللّه من أجرام العالم و أرواحه و لطائفه و كثائفه-

[نصيحة: وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ‏]

– نصيحة- لا يغرنك يا ولي قوله تعالى‏ «وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ» فإنه لم يقل إنه فعل ذلك ليسعدكم و لا أيضا ليشقيكم، فبقيت على قدم الحذر و الغرور واقفا، فتحفظ فإنها آية فتنة يضل بها من يشاء و يهدي بها من يشاء، فإن الحقائق التي أنشئت عليها علوا و سفلا ليست برفعة إلهية، و إنما هي رفعة تعطيها الحقائق، لا تعصم من نار و لا تدخل نعيما، و لا يدخل بها أهل الجنة في جنتهم و لا أهل النار في نارهم، فلا فائدة فيها و لا سلطان لها على السعادة، و بها زلّت أقدام من خرجوا عن الشريعة.

 

[سورة الجاثية (45): الآيات 14 الى 18]

قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى‏ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) وَ لَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (16) وَ آتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى‏ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18)

 

[الشرع:]

الشرع لا يتوقف، على منافر أو موافق إذا تصرف، له الحكم فيما ساء و سر، و نفع و ضر، منزلته الحكم في الأعيان لا في الأكوان، الصلاة خمس، ما بين جهر و همس، بني الإسلام على خمس، لإزالة اللبس، فالتوحيد إمام فله الإمام، و الصلاة نور و الصبر ضياء و الصدقة برهان و الحج إعلام بالمناسك الكرام، و حرمات في حلال و حرام، الشرع زائل، و الطبع ليس براحل، محل الشرع الدار الدنيا و محل الطبع الآخرة و الأولى، يرتفع الحكم التكليفي في الآخرة، و لا يرتفع الطبع في الحافرة، للشرع منازل الأحكام، و للطبع البقاء و الدوام، جاءت الشرائع بحشر الأجساد، و ثبتت بخرق المعتاد، أينما كانت الأجساد، فلا بد من كون و فساد، و بهذا ورد الشرع و جاء السمع، و قبله الطبع و وافق عليه الجمع و الإيمان به واجب، و أن اللّه خلقهم من طين لازب.

[سورة الجاثية (45): آية 19]

إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19)

«إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» بل كل نفس بما كسبت رهينة.

[إشارة: الولاية سارية في الوجود]

– إشارة– الولاية سارية في الوجود، فاللّه ولي المؤمنين من كونه مؤمنا، فمن أين هو ولي المتقين و لا يتصف‏ بالتقوى؟ أو يتصف بالتقوى من حيث أنه أخذ الجن و الإنس وقاية يتقي بها نسبة الصفات المذمومة عرفا و شرعا إليه، فتنسب إلى الجن و الإنس، و هما الوقاية التي اتقى بها هذه النسبة، فهو ولي المتقين من كونه متقيا، و إذا كان وليهم- و ما ثمّ إلا متق- فهي بشرى من اللّه للكل بعموم الرحمة، و النصرة على الغضب، لأنه الولي الناصر، لذلك قال تعالى:

[سورة الجاثية (45): الآيات 20 الى 21]

هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (21)

«أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ» فإنهم و إن عمتهم الرحمة لا يستوون فيها «ساءَ ما يَحْكُمُونَ» أي ساء من يحكم بذلك.

[سورة الجاثية (45): الآيات 22 الى 23]

وَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ لِتُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (22) أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى‏ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى‏ بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (23)

«أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ»

[الهوى:]

ليس الهوى سوى إرادة العبد إذا خالفت الميزان المشروع الذي وضعه اللّه له في الدنيا، فلو لا الهوى ما عبد اللّه في غيره، و إن الهوى أعظم إله متخذ عبد، فإنه لنفسه حكم، و هو الواضع كل ما عبد، فلو لا قوة سلطانه في الإنسان، ما أثّر مثل هذا الأثر فيمن هو على علم بأنه ليس بإله، و لما كان الإله له القوة في المألوه، و إله هذا هواه، حكم عليه و أضله عن سبيل اللّه، و اعلم أن الآلهة المتخذة من دون اللّه آلهة طائفتان: منها من ادعت ما ادعي فيها، مع علمهم في أنفسهم أنهم ليسوا كما ادعوا، و إنما أحبوا الرئاسة و قصدوا إضلال العباد، كفرعون و أمثاله و هم في الشقاء إلا إن تابوا، و أما الطائفة الأخرى فادعيت فيها الألوهة و لم تدعها لنفسها، كالأحجار و النبات و الحيوان و بعض الأناسي و الأملاك و الكواكب و الأنوار و الجن، و جميع من عبد و اتخذ إلها من غير دعوى منه، فهؤلاء كلهم سعداء، و الذين اتخذوهم إذا ماتوا على ذلك أشقياء، فإنه لما اتخذ هذا المشرك هواه إلها حكم عليه و أضله عن سبيل اللّه، و أما قوله:

[ «وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ» الآية]

«وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ»

– الوجه الأول- يعني من أنه أضله اللّه على علم‏

، لا أن الضال على علم، فإن الضال هو الحائر الذي لا يعرف في أي جهة مطلوبه، فمتعلق‏ «عَلى‏ عِلْمٍ» أضله، و هو العامل فيه، و هو فعل اللّه تعالى‏

– الوجه الثاني- «وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ» هو التارك ما أمره اللّه به عمدا

، مثل من يقول إن الحركات و السكنات كلها بيد اللّه، و ما جعل في نفسي أداء ما أمرني بأدائه، فهو على بصيرة تشقيه و تحول بينه و بين سعادته، فتضره في الآخرة و إن التذ بها في الدنيا، فهي مجاهرة بحق لا تنفع، و لو كان عن ذوق، منعته هيبة الجلال و عظيم المقام و سلطان الحال أن يترك أداء حق اللّه على صحو، فمثل هذا العلم لا ينفع- الوجه الثالث- هذه الآية تدل على أن نور العلم غير نور الإيمان، فقوله تعالى:

«وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ» فذلك نور العلم به لا نور الإيمان.

[سورة الجاثية (45): آية 24]

وَ قالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (24)

«وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا» أي نحيا فيها ثم نموت، فجهلوا في قولهم هذا، ثم قالوا «وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ» فصدقوا، فإن الدهر هو اللّه، و جهلوا في اعتقادهم، لأنهم ما أرادوا إلا الزمان بقولهم الدهر، فأصابوا في إطلاق الاسم و أخطئوا في المعنى، و هم ما أرادوا إلا المهلك، فوافقوا الاسم المشروع، و لم يقولوا الزمان، أو ربما لو قالوا الزمان لسمى اللّه نفسه بالزمان كما سمى نفسه بالدهر، فإنه قد ثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال: [لا تسبوا الدهر فإنه اللّه هو الدهر] فجعل الدهر هوية اللّه، و ما أوحى اللّه بذلك إلى نبيه و لا جاء به سدى، بل جاء به رحمة لعباده، فإن الدهر عند القائلين به ما هو محسوس عندهم، و إنما هو أمر متوهم، صورته في العالم وجود الليل و النهار، عن حركة كوكب‏ الشمس في فلكها، فلم يصح مع هذا شرك عام و لا تعطيل عام،

و إنما هو أسماء سموها، أطلقوها على أعيان محسوسة و موهومة عن غير أمر اللّه، فأخذوا بعدم التوقيف، و الدهر عبارة عما لا يتناهى وجوده عند هذا الاسم، أطلقوه على ما أطلقوه، فالدهر حقيقة معقولة لكل داهر، و هو قولهم: لا أفعل ذلك دهر الداهرين، و هو عين أبد الآبدين، فللدهر الأزل و الأبد، أي له هذان الحكمان، لكن معقولية حكمه عند الأكثر في الأبد، فإنهم أتبعوه الأبد، فلذلك يقول القائل: دهر الداهرين، و قد يقول: أبد الآبدين، فلا يعرفونه إلا بطرف الأبد لا بطرف الأزل، و من جعله اللّه فله حكم الأزل و الأبد، و ما ثمّ إن عقلت ما يعقل بالوهم و لا يعقل بالعقل، و لا بالحس إلا الوجود الحق، الذي نستند إليه في وجودنا، فلهذه النسبة تسمى لنا بالدهر، حتى لا يكون الحكم إلا له، لما يتوهم من حكم الزمان، إذ لا حاكم إلا اللّه،

و ما تسمى بالطبيعة لأن الطبيعة ليست بغير لمن وجد عنها عينا، فهي عين كل موجود طبيعي، و بهذا يخالف حكم الدهر حكم الطبيعة، فإن الدهر ما هو عين الكوائن و الطبيعة عين الكوائن الطبيعية، فتسمى تعالى بالدهر تنزيها و ما تسمى بالطبيعة، قال صلّى اللّه عليه و سلّم لما سمع من يسب الدهر لكونه لم يعطه أغراضه: [لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر] لأنه المانع وجود ما لكم في وجوده غرض، و لهذا سمي المانع، فليس في أمان و لا من أهل الإيمان، من اعتقد أن الدهر الذي ذكره الشرع هو الزمان.

[سورة الجاثية (45): الآيات 25 الى 28]

وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (26) وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) وَ تَرى‏ كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى‏ إِلى‏ كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28)

كل أمة تدعى إلى كتابها لتقرأه حيث هو، فاجعل كتابك في عليين.

 

[سورة الجاثية (45): آية 29]

هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)

فنسب النطق إلى الكتاب، و قبلنا ذلك بالإيمان، فإنه مما لا ينسب إليه الكلام في العرف.

[سورة الجاثية (45): الآيات 30 الى 36]

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَ كُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (31) وَ إِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ السَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَ ما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (33) وَ قِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَ مَأْواكُمُ النَّارُ وَ ما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (34)

ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَ غَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَ رَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (36)

أي للّه الثناء التام بما هو له و منه، فلا حامد و لا محمود إلا هو، و له عواقب كل مثن في العالم و كل مثنى عليه، ورد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أنه كان يقول في قيامه من الركوع:

[اللهم ربنا لك الحمد مل‏ء السموات و مل‏ء الأرض و مل‏ء ما بينهما و مل‏ء ما شئت من شي‏ء بعد] «رَبِّ السَّماواتِ وَ رَبِّ الْأَرْضِ» أي العالم العلوي و السفلي و ما بينهما «رَبِّ الْعالَمِينَ» كل ما سوى اللّه تعالى، و هو رب العالمين من حيث ثبوته في ربوبيته بما يستحقه الرب من النعوت المقدسة، و هو سيد العالم و مربيهم و مغذيهم و مصلحهم، و لما كان الحمد العاقب فعواقب الثناء ترجع إلى اللّه.

 

[سورة الجاثية (45): آية 37]

وَ لَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)

[الملأ الأعلى و الملأ الأسفل:]

اعلم أن العالم محصور في علو و سفل، و العلو و السفل له أمر إضافي نسبي، فالعالي منه يسمى سماء و الأسفل منه يسمى أرضا، و لا يكون له هاتان النسبتان إلا بأمر وسط يكون بينهما، و يكون ذلك الأمر في نفسه ذا جهات، فما أظلّه فهو سماء، و ما أقله فهو أرض له، و إن شئت قلت في الملأ الأعلى و الملأ الأسفل: إنه كل ما تكون من الطبيعة فهو الملأ الأسفل، و كل ما تولد من النور فهو الملأ الأعلى، و أكمل العالم من جمع بينهما، و هو البرزخ الذي بجهاته ميزهما، أو بجمعيته ميزهما بالعلو و السفل، و الحق تعالى بالنظر إلى نفسه لا يتصف بشي‏ء مما يتصف به وجود العالم، فإن اللّه لما نسب الكبرياء الذي له ما جعل محله إلا السموات و الأرض، فقال: «وَ لَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» ما قال في نفسه، فالمحل هو الموصوف بالكبرياء الذي للّه، فالعالم إذا نظر إلى نفسه صغيرا، و رأى موجده منزها عما يليق به، سمى ربه كبيرا و ذا كبرياء، لما كبر عنده بما له فيه من التأثير و القهر، فلو لم يكن العالم مؤثرا فيه للّه تعالى ما علم أنه صغير، و لا أن ربه كبير، و أمثال ذلك من الصفات، لما رأى العبد أنه قامت به الحاجة و الفقر إلى غيره، احتاج أن يعتقد و يعلم أن الذي استند إليه في فقره له الغنى، فهو الغني سبحانه في نفس عبده، و هو بالنظر إلى ذاته معرى عن النظر إلى العالم لا يتصف بالغنى، لأنه ما ثمّ عن من،

و كذلك إذا نظر العبد إلى ذله، علم أنه لا يذل لنفسه، و إنما يذل تحت سلطان غيره، فسماه عزيزا، لأنه عزّ الحق في نفس هذا العبد لذله، فالعبد هو محل الكبرياء و الغنى و العظمة و العزة التي للّه، فوصف العبد ربه بما قام به، فأوجب المعنى حكمه لغير من قام به، فالحق منزه عن قيام الكبرياء به بحيث أن يكون محلا له، بل الكبرياء محله الذي عينه الحق له، و هو السموات و الأرض‏ «وَ هُوَ» أي هوية الحق‏ «الْعَزِيزُ» أي المنيع لذاته أن تكون محلا لما هي السموات و الأرض له محل، و ليس إلا الكبرياء، فما كبر إلا في نفس العالم، و هو أجل من أن يقوم به أمر ليس هو، بل هو الواحد من جميع الوجوه‏ «الْحَكِيمُ» بما رتبه في الخلق، و من جملة ما رتبه بعلمه و حكمته أن جعل السموات و الأرض محلا لكبريائه، فكأنه يقول: و له الكبرياء الذي خلقه في نفس السموات و الأرض، حتى يكبروا إلههم به، و كذلك وقع،فكبروه في نفوسهم، فقالوا: إنه ذو الجلال، أي صاحب الجلال الذي نجده في نفوسنا له، و الإكرام بنا.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 126

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=