تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره يوسف

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة يوسف

سورة يوسف‏

[1- 5]

[سورة يوسف (12): الآيات 1 الى 5]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (3) إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4)

قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى‏ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)

الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ‏ مرّ ذكره‏ أَحْسَنَ الْقَصَصِ‏ لكون لفظه و تركيبه إعجازا، و ظاهر معناه مطابقا للواقع و باطنه دالا على صورة السلوك و بيان حال السالك كالقصص الموضوعة لذلك و أشدّ طباقا، و أحسن وفاقا منها يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً إلى آخره، هذه من المنامات التي ذكرنا في سورة (هود) أنها تحتاج إلى تعبير لانتقال المتخيلة من النفوس الشريفة التي عرض على النفس من الغيب سجودها له إلى الكواكب و الشمس و القمر و ما كانت في نفس الأمر إلا أبويه و إخوته‏ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى‏ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً هذا من الإلهامات المجملة، فإنه قد يلوح صورة الغيب من المجردات الروحانية على الوجه الكلي العالي عن الزمان في الروح و يصل أثره إلى القلب و لا يتشخص في النفس مفصلا حتى يقع العلم به كما هو فيقع في النفس منه خوف و احتراز، إن كان مكروها، و فرح و سرور إن كان مرغوبا. و يسمى هذا النوع من الإلهام: إنذارات و بشارات، فخاف عليه السلام من وقوع ما وقع قبل وقوعه، فنهاه عن إخبارهم برؤياه احترازا. و يجوز أن يكون احترازه كان من جهة دلالة الرؤيا على شرفه و كرامته و زيادة قدره على إخوته، فخاف من حسدهم عليه عند شعورهم بذلك.

 

 

 

[6]

[سورة يوسف (12): آية 6]

وَ كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى‏ آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى‏ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

وَ كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ‏ أي: مثل ذلك الاصطفاء بإراءة هذه الرؤيا العظيمة الشأن، يصطفيك للنبوّة إذ الرؤيا الصادقة، خصوصا مثل هذه من مقدّمات النبوة، فعلم من رؤياه أنه من المحبوبين الذين يسبق كشوفهم سلوكهم‏ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ‏ بالنبوّة و الملك.

 

 

 

[7- 32]

[سورة يوسف (12): الآيات 7 الى 32]

لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‏ أَبِينا مِنَّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (9) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَ أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (10) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى‏ يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (11)

أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (12) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (13) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (15) وَ جاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (16)

قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَ تَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ (17) وَ جاؤُ عَلى‏ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى‏ ما تَصِفُونَ (18) وَ جاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى‏ دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى‏ هذا غُلامٌ وَ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (19) وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) وَ قالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى‏ أَمْرِهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21)

وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَ قالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَ اسْتَبَقَا الْبابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَ أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (25) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (26)

وَ إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأى‏ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (29) وَ قالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَ قالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)

قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)

لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ‏ أي: آيات معظمات لمن يسأل عن قصتهم و يعرفها تدلهم أولا على أن الاصطفاء المحض أمر مخصوص بمشيئة اللّه تعالى لا يتعلق بسعي ساع و لا إرادة مريد، فيعلمون مراتب الاستعدادات في الأزل. و ثانيا: على أنّ من أراد اللّه به خيرا لم يكن لأحد دفعه و من عصمه اللّه لم يكن لأحد رميه بسوء و لا قصده بشرّ، فيقوى يقينهم و توكلهم و يشهدون تجليات أفعاله و صفاته. و ثالثا: على أنّ كيد الشيطان و إغواءه أمر لا يأمن منه أحد حتى الأنبياء، فيكونون منه على حذر، و أقوى من ذلك كله أنها تطلعهم من طريق الفهم الذي هو الانتقال الذهني على أحوالهم في البداية و النهاية و ما بينهما و كيفية سلوكهم إلى اللّه فتثير شوقهم و إرادتهم و تشحذ بصيرتهم و تقوّي عزيمتهم و ذلك أن مثل يوسف مثل القلب المستعدّ الذي هو في غاية الحسن، المحبوب، الموموق إلى أبيه يعقوب العقل، المحسود من إخوته من العلات، أي: الحواس الخمس الظاهرة و الخمس الباطنة و الغضب و الشهوة بنى النفس إلا الذاكرة، فإنها لا تحسده و لا تقصده بسوء، فبقيت إحدى عشرة على عددهم. و أما حسدهم عليه و قصدهم بالسوء فهو أنها تنجذب بطبائعها إلى لذاتها و مشتهياتها و تمنع استعمال العقل القوة الفكرية في تحصيل كمالات القلب من العلوم و الأخلاق، و تكره ذلك و لا تريد إلا استعماله إياها في تحصيل اللذات البدنية و مشتهيات تلك القوى الحيوانية.

و لا شك أن الفكر نظره إلى القلب أكثر، و ميله إلى تحصيل السعادات القلبية من العلوم و الفضائل أشدّ و أوفر، و ذلك معنى قولهم: لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‏ أَبِينا مِنَّا و أخوه هو:

القوّة العاقلة العملية من أمّ يوسف القلب التي هي راحيل النفس اللوامة التي تزوّجها يعقوب القلب بعد وفاة ليا النفس الأمّارة، و إنما قالوا ليوسف و أخوه لأن العقل كما يقتضي تكميل القلب بالعلوم و المعارف يقتضي تكميل هذه القوة باستنباط أنواع الفضائل من الأخلاق الجميلة و الأعمال الشريفة و نسبتهم إياه إلى الضلال الذي هو البعد عن الصواب بقولهم: إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ قصورها عن النظر العقلي و بعد طريقه عن طريقتها في تحصيل الملاذ البدنية و إلقاؤهم إياه في غيابة الجبّ استيلاؤها على القلب و جذبها إياه إلى الجهة السفلية بحدوث محبّة البدن و موافقاته له حتى ألقي في قعر جبّ الطبيعة البدنية، إلا أنه ألبس قميصا من الجنة أتى به جبريل إبراهيم عليهما السلام يوم جرّد و ألقي في النار، فألبسه إياه و ورثه إسحاق و ورثه منه يعقوب فعلقه في تميمة على عنقه، فأتاه جبريل عليه السلام في البئر فأخرجه و ألبسه إياه، و إلا لغمره الماء و ظهرت عورته، كما قيل. و هو إشارة إلى صفة الاستعداد الأصلي و النور الفطريّ و ذلك هو الذي منع إبراهيم عن النار و حماه بإذن اللّه حتى صارت عليه بردا و سلاما.

و استنزالها العقل إلى الفكر في باب المعاش و تحصيل أسبابه و التوجه نحوه هو معنى قولهم:

يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ‏ أي: في ترتيب المعاش و تهيئة أسبابه على حسب المراد. و مراودتها للعقل عن القلب بالتسويلات الشيطانية و التعزيرات النفسانية مع كراهية العقل لذلك هو معنى قولهم عند مراودة يعقوب عنه: أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ‏ و افتراؤهم على الذئب هو أنّ القوة الغضبية إذا ظهرت و استشاطت حجبت القلب بالكلية عن أفعاله الخاصة به. و الظاهر من حالها أنها أقوى إضرارا به و إبطالا لفعله و حجبا له الذي هو معنى الأكل مع أن القوة الشهوانية و الحواس و سائر القوى أشدّ نكاية في القلب و أضرّ به في نفس الأمر و أجذب له إلى الجهة السفلية و أشدّ إباء و امتناعا من قبول السياسات العقلية و طاعة الأوامر و النواهي الشرعية و إذعان القلب بالموافقة في طلب الكمالات الروحية منها، و ظهور ذلك الأثر من القوة الغضبية مع كونه بخلاف ذلك في الحقيقة هو الدم الكذب على قميصه و ابيضاض عين يعقوب في فراقه عبارة عن كلال البصيرة و فقدان نور العقل عند كون يوسف القلب في غيابة جبّ الطبيعة، و بعض السيّارة الذي أخرجه من البئر هو القوّة الفكرية و شراؤه من عزيز مصر.

بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ تسليمهم له إلى عزيز الروح الذي هو من مصر مدينة القدس بما يحصل للقوة الفكرية من المعاني و المعارف الفائضة عليها من الروح عند استنارتها بنوره و قربها منه، فإن القوة الفكرية لما كانت قوة جسمانية، و القلب ليس بجسماني، لم تصل إلى مقامه إلا عند كونه مغشى بغشاوات النفس في مقام الصدر أي: الوجه الذي يلي النفس منه. و أما إذا تجرّد في مقام الفؤاد أو وصل إلى مقام الروح الذي سموه السرّ فتتركه عند عزيز الروح و تسلمه إليه و تفارقه على الدريهمات التي تحصل لها بقربه من المعاني المذكورة.

و امرأة العزيز المسماة زليخاء التي أوصى إليها به بقوله: أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً هي النفس اللوّامة التي استنارت بنور الروح و وصل أثره إليها و لم تتمكن في ذلك و لم تبلغ إلى درجة النفس المطمئنة و تمكين اللّه إياه في الأرض إقداره بعد التزكية و التنوّر بنور الروح على مقاومة النفس و القوى و تسليطه على أرض البدن باستعمال آلاته في تحصيل الكمالات و سياستها بالرياضات حتى يخرج ما في استعداده من الكمال إلى الفعل كما قال:

وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ‏ أي: و لنعلمه فعلنا ما فعلنا به من الإنجاء و التمكين‏ وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى‏ أَمْرِهِ‏ بالتأييد و التوفيق و النصر حتى يبلغ غاية كمال أشدّه من مقامه الذي يقتضيه استعداده فيؤتيه العلم و الحكمة كما قال: وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً و الأشدّ هو نهاية الوصول إلى الفطرة الأولى بالتجرّد عن غواشي الخلقة الذي نسميه مقام الفتوة وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ أن الأمر بيد اللّه في ذلك، فيضيفون إلى السعي و الاجتهاد و التربية، و لا يعلمون أنّ السعي و الاجتهاد و التربية و الرياضة أيضا من عند اللّه جعلها اللّه أسبابا و وسائط لما قدّره و لذلك لم يعزلها و قال بعد قوله: آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً.

وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ‏ في الطلب و الإرادة و الاجتهاد و الرياضة، و مراودة زليخاء إياه عن نفسه و تغليقها الأبواب عليه إشارة إلى ظهور النفس اللوّامة بصفتها. فإنّ التلوين في مقام القلب يكون بظهور النفس كما أن التلوين في مقام الروح يكون بوجود القلب و جذبها للقلب إلى نفسها بالتسويل و الاستيلاء عليه و تزيين صفاتها و لذاتها، و سدّها طرق مخرجه إلى الروح بحجبها مسالك الفكر و منافذ النور بصفاتها الحاجبة و همه بها ميل القلب إليها لعدم التمكين و الاستقامة و رؤيته لبرهان ربه إدراك ذلك التلوين بنور البصيرة و نظر العقل كما قيل في القصة: تراءى له أبوه، فمنعه أو صوّت به، و قيل: ضرب بكفه في نحره فخرجت شهوته من أنامله و ذهبت، كل ذلك إشارة إلى منع العقل إياه عن مخالطة النفس بالبرهان و نور البصيرة و الهداية و تأثيره فيه بالقدرة و الأيد النوريّ الموجب لذهاب شهوتها و ظلمتها النافذ فيها إلى أطرافها المزيل عنها بالهيئة النورية الهيئة الظلمانية، و قدّ قميصه من دبر إشارة إلى خرقها لباس الصفة النورية التي له من قبل الأخلاق الحسنة و الأعمال الصالحة بتأثيرها في القلب بصفتها، فإنها صفة يكسبها القلب بالجهة التي تلي النفس المسماة بالصدر و هو الدبر لا محالة.

و قوله: أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ‏ إشارة إلى ظهور نور الروح عند إقبال القلب إليه بواسطة تذكر البرهان العقلي و ورود الوارد القدسي عليه، و استتباعه للنفس و هي تنازعه بالجذب إلى جهتها و استيلائه على القلب ثم على النفس بواسطته. و قولها: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً تلويح إلى أن النفس تسوّل أغراضها في صور المصالح العقلية و تزينها بحيث تشتبه مفاسدها بالمصالح العقلية التي يجب على العقل مراعاتها و القيام بها و موافقتها فيها و مخالفته إياها فيها إرادة السوء بها و مقابحها بالمحاسن التي تتعلق بالمعاش كمماكرة النساء بالرجال و ميل القلب إلى الجهة العلوية يكذب قولها و دعواها، و الشاهد الذي شهد من أهلها قيل كان ابن عمّ لها، أي: الفكر الذي يعلم أنّ الفساد الواقع من جهة الأخلاق و الأعمال لا يكون إلا من قبل النفس و استيلائها، إذ لو كان من جهة القلب و ميله إلى النفس لوقع في الاعتقاد و العزيمة لا في مجرّد العمل. و قيل كان ابن خالتها، أي: الطبيعة الجسمانية التي تدل على الميل السفلي في النفس الجاذب للقلب من جهة الصدر المباشر للعمليات إلى أرض البدن و موافقاته و اطلاع الروح بنور الهداية، على أن الخلل وقع في العمل لا في العقد و العزيمة و ذلك لا يكون إلا من قبل الداعية النفسانية، و هو معنى قوله: فَلَمَّا رَأى‏ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ‏.

و قوله: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ‏ إشارة إلى إشراق نور الروح على‏ القلب و انجذابه إلى جانبه للنازل النوريّ و الخاطر الروحي الذي يصرفه عن جهة النفس و يأمره بالإعراض عن عملها و يذكره لئلا يحدث الميل مرة أخرى. و تأثير ذلك الوارد و الخاطر في النفس بالتنوير و التصفية فإن تنوّرها بنور الروح المنعكس إليها من القلب استغفارها عن الهيئة المظلمة التي غلبت بها على القلب، و لما بلغ القلب هذا المنزل من الاتصال بالروح و الاستشراق من نوره و تنوّرت النفس بشعاع نور القلب و تصفت عن كدوراتها عشقته للاستنارة بنوره، و التشكّل بهيئته، و التقرّب إليه، و إرادة الوصول إلى مقامه لا لجذبه إلى نفسه و قضاء وطرها منه باستخدامها إياه في تحصيل اللذات الطبيعية و استنزالها إياه عن مقامه و مرتبته إلى مرتبتها ليتشكل بهيئتها و يشاركها في أفعالها و لذاتها، كما كانت عند كونها أمّارة فتتأثر قواها حينئذ حتى القوى الطبيعية بتأثرها، و ذلك معنى قول نسوة المدينة:

امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا و كلما استولى القلب عليها بهيئته النورية و حسنه الذاتي الفطري و الصفاتي الكسبيّ من الترقي إلى مجاورة الروح و بلوغه منزل السرّ، استنارت جميع القوى البدنية بنوره لاستتباعه للنفس و استتباعها إياه، فشغلت عن أفعالها و تحيرت و وقفت عن تصرفاتها في الغذاء و ذهلت عن سكاكين آلاتها التي كانت تدبر بها أمر التلذذ و التغذي و التفكه، و جرحت قدرتها التي تستعمل بها الآلات في تصرفاتها و بقيت مبهوتة في متكآتها التي هي محالها في أعضاء البدن التي هيأتها لها النفس في قراها و هو معنى قوله:

فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ‏ و قولها:

اخْرُجْ عَلَيْهِنَ‏ استجلاؤها لنوره بالإرادة و اقتضاؤها طلوعه عليها بحصول استعداد التنوّر لها. و لما انخرطت النفس في سلك إرادة القلب، و قلّت منازعتها إياه في عزيمة السلوك، و تمرّنت لمطاوعته حان وقت الرياضة بالدخول في الخلوة لتجرّد القلب حينئذ عن علائقه و موانعه و تجريده عزمه بانتفاء التردد إذ بتردّد العزم بانجذابه إلى جهة النفس تارة و إلى جهة الروح أخرى لا تمكن الرياضة و لا السلوك و لا تصح الخلوة لفقدان الجمعية التي هي من شرطها و هذه الرياضة ليست رياضة النفس بالتطويع فإنها لا تحتاج إلى الخلوة بل إلى ترك ارتكاب المخالفات و الإقدام على كسرها و قهرها بالمقاومات من أنواع الزهد و العبادة إنما هي رياضة القلب بالتنزّه عن صفاته و علومه و كمالاته و كشوفه في سلوك طريق الفناء و طلب الشهود و اللقاء و ذلك بعد العصمة من استيلاء النفس عليه كما قالت: وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ‏ طلب العصمة من نفسه و استزادها وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ‏ من إيفاء حظي ليمنعنّ من اللذات البدنية و روح الهوى و المدركات الحسيّة بالخلوة و الانقطاع عنها وَ لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ‏ لفقدان كرامته و عزّته عندنا و اختذالنا عنه و اعتزاله عن رئاسة الأعوان و الخدم في البدن. و لما حببت إليه الخلوة كما حببت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عند التحنث في حراء.

 

 

 

[33- 34]

[سورة يوسف (12): الآيات 33 الى 34]

قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (33) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)

قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‏ و إنما قال: مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‏، و دعا ربّه أن يصرف عنه كيدهنّ بقوله: وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ‏ لأنّ في طباعها الميل إلى الجهة السفلية و جذب القلب إليها و داعية استنزاله إليها بحيث لا يزول أبدا، و تنوّرها بنوره و طاعتها له أمر عارضي لا يدوم و القلب يمدّها في أعمالها دائما فإنه ذو طبيعتين و ذو وجهين ينزع بإحداهما إلى الروح و بالأخرى إلى النفس، و يقبل بوجه إلى هذه و بوجه إلى هذه، فلا شي‏ء أقرب إليه من الصبوة إليها بجهالته لو لم يعصمه اللّه بتغليب الجهة العليا و إمداده بأنوار الملأ الأعلى كما قال النبي عليه السلام: «اللهمّ ثبّت قلبي على دينك»، قيل له: أو تقول ذلك و أنت نبيّ يوحى إليك؟ قال صلى اللّه عليه و سلم: «و ما يؤمنني إنّ مثل القلب كمثل ريشة في فلاة تقلبها الرياح كيف شاءت».

و ذلك الدعاء هو صورة افتقار القلب الواجب عليه أبدا فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَ‏ أي: أيّده بالتأييد القدسيّ و قوّاه بالإلقاء السبوحيّ فصرف وجهه عن جناب الرجس إلى جناب القدس، و دفع عنه بذلك كيدهنّ‏ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ‏ لمناجاة القلب في مقام السرّ الْعَلِيمُ‏ بما ينبغي أن يفعل به عند افتقاره إليه.

 

 

 

[35- 57]

[سورة يوسف (12): الآيات 35 الى 57]

ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَ دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَ قالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (37) وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (38) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (39)

ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (41) وَ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) وَ قالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى‏ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (43) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (44)

وَ قالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ (49)

وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (52) وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)

قالَ اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ (57)

ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ‏ أي: ظهر لعزيز الروح و نسوة النفس و القوى و أعوان الروح من العقل و الفكر و غيرهما رأي متفق عليه من جميعها و هو ليسجننه، أي: ليتركنه في الخلوة التي هي أحب إليه. أما الروح فلقهره إياه بنور الشهود و منعه عن تصرفاته و صفاته، و أما النفس و سائر القوى فلامتناعها عن استجذابه إليها من بعد ما رأوا آيات العصمة و صدق العزيمة و عدم الميل إليها و بهره عليها بنوره و إخلاصه في الافتقار إلى اللّه و إلا لما خلته و شأنه في الخلوة، و أما الوهم فلانهزامه عن نوره و فراره من ظله عند التصلب في الدين و التعوّد بالحق.

و أما العقل فلتنوّره بنور الهداية، و أما الفكر فلحصول سلطانه في الخلوة، و الفتيان اللذان دخلا معه السجن أحدهما قوّة المحبة الروحية اللازمة له و هو شرابيّ الملك الذي يسقيه خمر العشق كما قيل في القصة: إنه كان شرابيه، و الثاني: هوى النفس التي لا تفارقه أيضا بحال، فإنّ الهوى حياة النفس الفائضة إليها منه لاستبقائها و هو خبّاز الملك الذي يدبر الأقوات في المدينة كما قيل و هما يلازمانه في الخلوة دون غيرهما.

و منام الشرابيّ في قوله: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً اهتداء قوة المحبة إلى عصر خمر العشق من كرم معرفة القلب في نوم الغفلة عن الشهود الحقيقي و منام الخبّاز في قوله: إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ‏ توجه الهوى بكليته إلى تحصيل لذات طير القوى النفسانية و حظوظها و شهواتها، و شبّهت بالطير في جذب ما تجذبه من الحظوظ لسرعة حركتها نحوه.

و قوله: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ‏ إلخ، إشارة إلى منعه إياهما عن حظوظهما إلا بعد تبيينه لهما ما يؤول إليه أمرهما من شأنهما الذي يجب لهما القيام به بالسياسة و التسديد و التقويم و الإصلاح و إظهار التوحيد لهما بقوله: إِنِّي تَرَكْتُ‏ إلى آخره، بعثه إياهما على القيام بالأمر الإلهيّ الضروري و ترك الفضول و الامتناع عن تفرّق الوجهة و تشتت الهمّ، فإنّ خاصية الهوى التفرقة و التوزع و تعبد الشهوات المختلفة للقوى المتنازعة، و خاصية المحبة في البداية و قبل الوصول إلى النهاية التعلق بحسن الصفات و التعبد لها دون جمال الذات، فدعاهما إلى التوحيد بقوله: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ‏ أي: المشركين، العابدين لأوثان صفات النفس بل لوجود القلب و صفاته‏ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ أي: و هم عن البقاء في العالم الروحاني محجوبون، و بقوله: ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ.

و بقوله: أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ أي: إذا كان لكل منكما أرباب كثيرة كما قال تعالى: فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ‏[1] يأمره هذا بأمر و هذا بأمر متمانعون في ذلك، عاجزون إمّا للمحبة فكالصفات و الأسماء، و إما للهوى فكالقوى النفسانية كان خيرا له أم ربّ واحد لا يأمره إلا بأمر واحد، كما قال: وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ[2]، قهار، قويّ، يقهر كل أحد، لا يمانعه في أمره شي‏ء، و لا يمتنع عليه. و أجبرهما بالسياسة على اتحاد الوجهة، فإنّ القلب إذا غلبت عليه الوحدة امتنعت محبته عن حب الصفات و انصرفت إلى الذات، و إذا تمرّن في التوحيد انقمع هواه عن تعبد الحظوظ و الشهوات و التفرّق في تحصيل اللذات و اقتصر على الحقوق و الضرورات بأمر الحق لا بطاعة الشيطان.

و قوله: أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً تعيين لشأن الأول بعد السياسة بالمنع عن الشرك و هو تسليط حب اللذات على الروح‏ وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ‏ بيان لما يؤول إليه أمر الثاني. و صلبه: منعه عن أفعاله بنفسه و قمعه عن مقتضاه و تثبيته و تقريره على جذع القوة الطبيعية النباتية بحيث لا تصرّف للمتخيلة فيه و لا له فيها و لا في سائر القوى الحيوانية و ذلك هو إماتة الهوى، فتأكل بعد الإماتة و الصلب طير قوى النفس من رأسه بأمر الحق و هو الوقوف مع الحقوق‏ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ‏ أي: ثبت و استقرّ أمركما على هذا و ذلك وقت وصوله و تقرّبه من اللّه و أوان ظهور مقام الولاية بالفناء في اللّه.

و إذا تمكنت القوّتان فيما عينه لهما من الأمر تم أمره بالوصول إلى مقام الشهود الذاتي و انقضت خلوته، فإنّ طول مدة السجن هو امتداد سلوكه في اللّه، فإذا تمّ له الفناء استوى أمر القوتين لكونهما باللّه حينئذ لا بنفسهما و انتهى زمان الخلوة بابتداء زمان البقاء بالوجود الحقانيّ، و لكن‏ لم يتم بعد لوجود البقية المشار إليها بقوله:اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ‏ أي: اطلب الوجود في مقام الروح بالمحبة و الاستقرار فيه، فإنّ المحبة إذا أسكرت الروح بخمر العشق ارتقى الروح إلى مقام الوحدة و القلب إلى مقام الروح، و يسمى الروح في ذلك المقام خفيا و القلب سرا، و هو ليس بالفناء لكونهما موجودين حينئذ مغمورين بنور الحق.

و من الوقوف في هذا المقام ينشأ الطغيان و الأنانية فلهذا قال: فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ‏ أي: أنسى شيطان الوهم يوسف القلب ذكر اللّه تعالى بالفناء فيه لوجود البقية و طلبه مقام الروح و إلا ذهل عن ذكر نفسه و وجوده و للاحتجاب بهذا المقام و هذه البقية لبث‏ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ‏ و إليه‏ أشار النبي صلى اللّه عليه و سلم بقوله: «رحم اللّه أخي يوسف، لو لم يقل اذكرني عند ربّك لما بقي في السجن بضع سنين»، أو أنسى شيطان الوهم المقهور الممنوع المحجوب عن جناب الحق رسول المحبة المقرب عند ارتفاع درجته و استيلائه و استعلاء سلطانه،

و التحيّر في الجمال الإلهي، و السكر الغالب ذكر يوسف القلب في حضرة الشهود لأن المحب المشاهد للجمال حيران ذاهل عن الخلق كله و تفاصيل وجوده بل نفسه مستغرق في عين الجمع حتى يتم فناؤه و ينقضي سكره ثم يرجع إلى الصحو فيذكر التفصيل ثم لما انتهى فناؤه بالانغماس في بحر الهوية و الانطماس في الذات الأحدية و انقضى زمان السجن أحياه اللّه تعالى بحياته و وهب له وجودا من ذاته و صفاته فأراه صورة التبديل في صفات النفس مدّة اعتزاله عنها بالخلوة و السلوك في اللّه بصورة أكل البقرات العجاف السمان، و في صفات الطبيعة البدنية بصورة استيلاء السنبلات اليابسة على الخضر و الملك الذي قال: إِنِّي أَرى‏ قيل: هو ريان بن الوليد الذي ملك قطفير على مصر و ولّاه عليها لا العزيز المسمّى قطفير،

و إن كان العزيز بلسان العرب هو الملك فعلى هذا يكون الملك إشارة إلى العقل الفعال ملك ملوك الأرواح المسمّى روح القدس، فإن اللّه تعالى لا يحيي أهل الولاية عند الفناء التامّ الذي هو بداية النبوّة إلا بواسطة نفخه و وحيه و بالاتصال به تظهر التفاصيل في عين الجمع و لهذا قالوا لما دخل عليه كلمه بالعبرانية فأجابه بها و كان عارفا بسبعين لسانا فكلمه بها، فتكلم معه بكلمها و الملأ الذين قالوا: أَضْغاثُ أَحْلامٍ‏ هي القوى الشريفة من العقل و الفكر المحجوب بالوهم و الوهم نفسه المحجوبة عن سرّ الرياضة و التبديل، كما ترى المحجوبين بها الواقفين معها يعدّون أحوال أهل الرياضات من الخرافات و رسول المحبة الذي ادّكر بعد أمة إنما يذكر بواسطة ظهور ملك روح القدس و إيحائه و إراءته تفاصيل وجوده بالرجوع إلى الكثرة بعد الوحدة و إلا لكان فيه حالة الفناء ذاهبا في عين الجمع لا يرى فيها وجود القلب و لا غيره، فكيف يذكره إنما يدّكره بظهوره بنور الحق بعد عدمه.

و العام الذي‏ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ‏ هو وقت تمتيعه للنفس عند الاطمئنان التام و الأمن الكلي. و قول نسوة القوى‏ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ.

و قول امرأة العزير: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُ‏ إشارة إلى تنوّر النفس و القوى بنور الحق و اتصافها بصفة الاتصاف و الصدق و حصول ملكة العدالة بنور الوحدة و ظهور المحبة حال الفرق بعد الجمع و كمال طمأنينة النفس لإقرارها بفضيلة القلب و صدقه و ذنبها و براءته فإنّ من كمال اطمئنان النفس اعترافها بالذنب و استغفارها عما فرط منها حالة كونها أمارة و تمسكها بالرحمة الإلهية و العصمة الربانية و استخلاص الملك إياه لنفسه استخلافه للقلب على الملك بعد الكمال التامّ، كما جاء في القصة: أجلسه على سريره و توّجه بتاجه و ختمه بخاتمه و قلّده بسيفه و عزل قطفير ثم توفى قطفير و زوّجه الملك امرأته زليخا و اعتزل عن الملك و جعله في يده و تخلّى بعبادة ربه. كل ذلك إشارة إلى مقام خلافة الحق كما قال لداود: إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ‏[3].

و توفّي العزيز إشارة إلى وصول القلب إلى مقامه و ذهاب الروح في شهوده للوحدة. و تزوّجه بامرأة العزيز إشارة إلى تمتيع القلب النفس بعد الاطمئنان بالحظوظ فإن النفس الشريفة المتنوّرة تقوى بالحظوظ على محافظة شرائط الاستقامة و تقنين قوانين العدالة و استنباط أصول العلم و العمل و هما الولدان اللذان جاء في القصة أنها ولدتهما منه افراثيم و ميشا.

و روي أنه لما دخل عليها قال لها: أليس هذا خيرا مما طلبت؟ فوجدها عذراء و هو إشارة إلى حسن حالها في الاطمئنان مع التمتيع و مراعاة العدالة، و كونها عذراء إشارة إلى أنّ الروح لا يخالط النفس لتقدّسه دائما و امتناع مباشرته إياها، فإن مطالبه كلية لا تدرك جزئياتها بخلاف القلب و إنما كانت امرأته لتسلطه عليها و وصول أثر أمره و سلطانه إليها بواسطة القلب و محكوميتها له في الحقيقة و سؤال التولية على خزائن الأرض و وصف نفسه بالحفظ و العلم هو أن القلب يدرك الجزئيات المادية و يحفظها دون الروح فيقتضي باستعداده قبول ذلك المعنى من الواهب الذي هو ملك روح القدس و تمكينه في الأرض يتبوّأ منها حيث يشاء استخلافه بالبقاء بعد الفناء عند الوصول إلى مقام التمكين و هو أجر المحسن أي العابد لربّه في مقام الشهود لرجوعه إلى التفصيل من عين الجمع‏ وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ أي: الحظ المعنوي بلذّة شهود الجمال و مطالعة أنوار سبحات الوجه الباقي‏ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا الإيمان العيني‏ وَ كانُوا يَتَّقُونَ‏ بقية الأنانية.

 

 

 

[58- 67]

[سورة يوسف (12): الآيات 58 الى 67]

وَ جاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَ لَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَ أَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَ لا تَقْرَبُونِ (60) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَ إِنَّا لَفاعِلُونَ (61) وَ قالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى‏ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)

فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى‏ أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (63) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى‏ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَ لَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَ نَمِيرُ أَهْلَنا وَ نَحْفَظُ أَخانا وَ نَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى‏ ما نَقُولُ وَكِيلٌ (66) وَ قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)

و لما رجع إلى مقام التفصيل و جلس على سرير الملك للخلافة. جاءه أخوته القوى الحيوانية بعد طول مفارقته إياهم في سجن الرياضة و الخلوة بمصر الحضرة القدسية و الاستغراق في عين الجمع‏ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ‏ متقربين إليه بوسيلة التأدّب بآداب الروحانيين لاطمئنان النفس و تنوّرها و تنوّر تلك القوى بها و تدرّبها بهيئات الفضائل و الأخلاق ممتارين لأقوات العلوم النافعة من الأخلاق و الشرائع‏ فَعَرَفَهُمْ‏ مع حسن حالهم و صلاحهم بالذكاء و الصفاء و فقرهم و احتياجهم إلى ما يطلبون منه من المعاني‏ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ‏ لارتقائه عن رتبتهم بالتجرّد و اتصافه بما لا يمكنهم إدراكه من الأوصاف و لهذا استحضر القوّة العاقلة العملية بقوله: ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ‏ إذ المعاني الكلية المتعلقة بالأعمال لا يدركها إلا تلك القوة. و اعلم أنّ المحبوبين يسبق كشوفهم اجتهادهم فيعلمون قواهم الشرائع و الأحكام و يسوسونها بعد الوصول و إن اطمأنت نفوسهم قبله.

و أما جهازهم الذي جهزهم به فهو الكيل اليسير من الجزئيات التي يمكنهم إدراكها و العمل بها، و قال: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ‏ من المعاني الكلية الحاصلة عِنْدِي وَ لا تَقْرَبُونِ‏ لبعد رتبتكم عن رتبتي إلا بواسطته. و لما كانت العاقلة العملية إذا لم تفارق مقام العقل المحض إلى مقام الصدر لم يمكنها مرافقة القوى الحسيّة و إلقاؤها المعاني الجزئية الباعثة إياها على العمل و تحريك القوة النزوعية الشوقية نحو المصالح العقلية قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ‏ أي: بتصفية الاستعداد لقبول فيضه و قوله‏ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ‏ إشارة إلى أمر القلب فتيانه القوى النباتية عند تمتيع النفس حالة الاطمئنان بإيراد موادّ قواهم التي يتقوون بها و يقتدرون على كسب كمالاتهم إذ هي بضاعتهم التي يمكنهم بها الامتيار، و رحالهم آلات إدراكاتهم و مكاسبهم‏ لَعَلَّهُمْ‏ يعرفون قواهم و قدرهم على الاكتساب‏ إِذَا انْقَلَبُوا إِلى‏ أَهْلِهِمْ‏ من سائر القوى الحيوانية كالغضبية و الشهوانية و أمثالهما لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ إلى مقام الاسترباح و الامتيار من قوت المعاني و العلوم النافعة بتلك البضاعة فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى‏ أَبِيهِمْ‏ بتصفية الاستعداد و التمرّن بهيئات الفضائل اقتضوه إرسال القوة العاقلة العملية معهم لإمدادهم في فضائل الأخلاق بالمعاني دائما، أي: استمدّوا من فيضه‏ نَكْتَلْ‏ أي: نستفد منه و إنا لا نستنزله إلى تحصيل مطالبنا فنهلكه كما فعلنا حالة الجاهلية بأخيه بل نحفظه بالتعهد له و مراعاته في طريق الكمال. و أخذ العهد منهم في إرساله معهم و استيثاقه عبارة عن تقديم الاعتقاد الصحيح الإيماني على العمل و إلزامهم ذلك العقد أولا و إلا لم يستقم حالهم في العمل و لم ينجع.

لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ أي: لا تسلكوا طريق فضيلة واحدة كالسخاوة مثلا دون الشجاعة أو لا تسيروا على وصف واحد من أوصاف اللّه تعالى فإن حضرة الوحدة هي منشأ جميع الفضائل و الذات الأحدية مبدأ جميع الصفات، فاسلكوا طرق جميع الفضائل المتفرّقة حتى تتصفوا بالعدالة فتتطرّقوا إلى الحضرة الواحدية، و سيروا على جميع الصفات حتى يكشف لكم عن الذات.

و قد ورد في الحديث: إن اللّه تعالى يتجلى على أهل المذاهب يوم القيامة في صورة معتقدهم فيعرفونه ثم يتحوّل إلى صورة أخرى فينكرونه‏ وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ أي: لا أدفع عنكم شيئا إن منعكم توفيقه و حجبكم ببعض الحجب عن كمالاتكم فإن العقل ليس إليه إلا إفاضة العلم لا إجادة الاستعداد و رفع الحجاب.

 

 

 

[68- 76]

[سورة يوسف (12): الآيات 68 الى 76]

وَ لَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68) وَ لَمَّا دَخَلُوا عَلى‏ يُوسُفَ آوى‏ إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (70) قالُوا وَ أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ (71) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)

قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَ ما كُنَّا سارِقِينَ (73) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (74) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)

وَ لَمَّا دَخَلُوا أي: امتثلوا أمر العقل بسلوك طرق جميع الفضائل لم يغن عنهم من جهة اللّه‏ مِنْ شَيْ‏ءٍ أي: لم يدفع عنهم الاحتجاب بحجاب الجلال و الحرمان عن لذة الوصال لأن العقل لا يهتدي إلا إلى الفطرة و لا يهدي إلا إلى المعرفة. و أما التنوّر بنور الجمال، و التلذذ بلذة الشوق بطلب الوصال، و ذوق العشق بكمال الجلال و الجمال، بل جلال الجمال و جمال الجلال فأمر لا يتيسر إلا بنور الهداية الحقانية إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ‏ هي تكميلهم بالفضيلة وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ‏ لتعليم اللّه إياه لا ذو عيان و شهود وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ ذلك فيحسبون الكمال ما عند العقل من العلم أو ناس الحواس لا يعلمون علم العقل الكلي‏ آوى‏ إِلَيْهِ أَخاهُ‏ للتناسب بينهما في التجرّد جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ‏ مشربته التي يكيل بها على الناس، أي: قوة إدراكه للعلوم ليستفيد بها علوم الشرائع و يستنبط قوانين العدالة، فإن العاقلة العملية تقوى على إدراك المعقولات عند التجرّد عن ملابس الوهم و الخيال كما تقوى النظرية و هي القوة المدبرة لأمر المعاش المشوبة بالوهم في أول الحال.

و نسبته إلى السرقة لتعوّده بإدراك الجزئيات في محل الوهم من المعاني المتعلقة بالمواد و بعده عن إدراك الكليات، فلما تقوّى عليها بالأوي إلى أخيه و استفادته منه تلك القوة بالتجرّد فكأنه قد سرق و لم يسرق. و المؤذن الذي نسبهم إلى السرقة هو الوهم لوجدان الموهم تغير حال الجميع عما كانت عليه، و عدم مطاوعتها له و توهمه لذلك نقصا فيهم.

و الحمل الموعود لمن يجيئ بالصواع، و هو التكليف الشرعي الذي يحصل بواسطة العقل العملي عند استفادته علم ذلك من القلب، و الصواع هو القوة الاستعدادية التي يحصل بها علمه. و الفاقد لها المفتش لمتاعهم، المستخرج إياها من رحل أخيه هو الفكر الذي بعثه القلب لهذا الشأن.

و لما كان دين روح القدس تحقق المعارف و الحقائق النظرية مما لا يتعلق بالعمل‏ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ‏ بالبعث على العمليات و الاستعمال على الفضائل‏ فِي دِينِ الْمَلِكِ‏ لأن دينه العلم و علمه التعقل‏ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ أي: وقت تنوّر النفس بنور القلب المستفاد منه و تفسح الصدر القابل للعمليات و ذلك هو رفع الدرجات، لأن النفس حينئذ ترتفع إلى درجة القلب و القلب إلى درجة الروح في مقام الشهود وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ‏ كالقوى‏ عَلِيمٌ‏ كالعقل العملي و فوقه القلب و فوقه العقل النظري و فوقه الروح و فوقه روح القدس و اللّه تعالى فوق الكل، علّام الغيوب كلها.

 

 

 

[77- 82]

[سورة يوسف (12): الآيات 77 الى 82]

قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (77) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (79) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلى‏ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَ ما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (81)وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَ إِنَّا لَصادِقُونَ (82)

و معنى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ‏ أن القلب استعدّ لهذا المعنى من قبل دون القوى، فبقوا منكرين لهما، متهمين إياهما عند أبيهما لتحصيل مطالبهما و طلب لذة وراء ما يطلبونها. و قيل: كان لإبراهيم صلوات اللّه عليه و سلامه منطقة يتوارثها أكابر أولاده، فورثها من إسحاق عمة يوسف لكونها كبرى من أولاده، و قد حضنته بعد وفاة أمّه راحيل، فلما شبّ أراد يعقوب انتزاعه منها، فلم تصبر عنه، فحزمت المنطقة تحت ثيابه عليه السلام ثم قالت: إني فقدت المنطقة، فلما وجدت عليه سلّم لها و تركه يعقوب عندها حتى ماتت.

و هي إشارة إلى مقام الفتوّة التي ورثها من إبراهيم الروح قبل مقام الولاية وقت شبابه. و قد حزمتها عليه النفس المطمئنة التي حضنتها وقت وفاة راحيل اللوّامة. و إرادة انتزاع يعقوب إياه منها إشارة إلى أن العقل يريد الترقي إلى كسب المعارف و الحقائق، و إذا وجده موصوفا بالفضائل في مقام الفتوّة رضي به، و تركه عند النفس المطمئنة سالكا في طريق الفضائل حتى توفيت بالفناء في اللّه في مقام الولاية و اللّه أعلم.

و إسرار يوسف في نفسه كلمته علمه بقصورهم عن إدراك مقامه و نقصانهم عن كماله، و هي قوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً و الذي اقترح أن يأخذه يوسف القلب مكان أخيه العقل العملي هو الوهم لمداخلته في المعقولات، و شوقه إلى الترقي إلى أفق العقل، و حكمه فيها لا على ما ينبغي و ميلهم إلى سياسته إياهم دون العقل العملي للتناسب الذي بينهم في التعلق بالمادة و نزوعه إلى تحصيل مآربهم من اللذات البدنية.

و لما وجد القلب متاعه من إدراك المعاني المعقولة عند العقل العملي دون الوهم‏ قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إن أخذنا الوهم مكانه و آويناه إلينا و ألقينا إليه ما ألقينا إلى أخينا كنا مرتكبين الظلم العظيم لوضعنا الشي‏ء في غير محله- و يأسهم منه شعورهم بعدم تكفيل الوهم إياهم و تمتيعهم بدواعيه و حكمه- و كبيرهم الذي ذكرهم موثق أبيهم الذي هو الاعتقاد الإيماني، و تفريطهم في يوسف عند حكومة الوهم هو الفكر، و لهذا قال المفسرون: هو الذي كان أحسنهم رأيا في يوسف و منعهم عن قتله.

و قوله: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي‏ أي: لا أتحرك إلا بحكم العقل دون الوهم إلى أن أموت، و أمرهم بالرجوع إلى أبيهم سياسته إياهم بامتثال الأوامر العقلية وَ ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا أي: إنّا لا نعلم كون ذلك المتاع عند العاقلة العملية إلا نقصا و سرقة لعدم شعورنا به و بكونه كمالا وَ ما كُنَّا حافظين للمعنى العقلي العيني لأنّا لا ندرك إلا ما في عالم الشهادة، و كذا أهل قريتنا التي هي مدينة البدن من القوى النباتية وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها من القوى الحيوانية، فاسألهم ليخبروك بسرقة ابنك.

 

 

 

[83- 100]

[سورة يوسف (12): الآيات 83 الى 100]

قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَ تَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا أَسَفى‏ عَلى‏ يُوسُفَ وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (85) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (86) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (87)

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (89) قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (91) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)

اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى‏ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى‏ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (96) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (97)

قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى‏ يُوسُفَ آوى‏ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَ قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)

قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً أي: زيّنت طبائعكم الجسمانية لكم أمر التلذذ باللذات البدنية و الشهوات الحسيّة فحسبتموها كمالا، و تتبّع المعقولات و التزام الشرائع و التآمر بالفضائل نقصا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ‏ أي: فأمركم صبر جميل في العمل بالشرائع و الفضائل دائما و الوقوف مع حكم الشرع و العقل، أو صبر جميل على الاستمتاع على وجه الشرع أجمل بكم من الإباحة و الاسترسال بحكم الطبيعة، أو فأمري صبر جميل في بقاء يوسف القلب و إخوته‏ على استشراق الأنوار القدسية و استنزال الأحكام الشرعية و استخراج قواعدها التي لا مدخل لي فيها، فلا بدّ لي من فراقهم إلى أوان فراغهم إلى رعاية مصالح الجانبين و الوفاء بكلا الأمرين، أي: المعاش و المعاد، فإنّ العقل كما يقتضي طلب الكمال و إصلاح المعاد، يقتضي صلاح البدن و ترتيب المعاش و تعديل المزاج بالغذاء و تربية القوى باللذات، أو فأمري صبر جميل على ذلك‏ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً من جهة الأفق الأعلى و الترقي عن طوري إلى ما يقتضيه نظري و رأيي من مراعاة الطرفين و مقامي و مرتبتي من اختيار التوسط بين المنزلتين‏ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ‏ بالحقائق‏ الْحَكِيمُ‏ بتدبير العوالم، فلا يتركهم مراعين للجهة العلوية، ذاهلين عن الجهة السفلية، فيخرّب مدينة البدن و يهلك أهلها، و ذلك قبل التمتيع التام الذي أشرنا إليه إذ هو مقام الاجتهاد بعد الكشف و السلوك في طريق الاستقامة بعد التوحيد وَ تَوَلَّى عَنْهُمْ‏ أي: أعرض عن جانبهم و ذهل عن حالهم، لحنينه إلى يوسف القلب و انجذابه إلى جهته.

وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ‏ أولا بوقوعه في غياهب الحبّ و كلال قوة بصيرته لفرط التأسف على فراقه ثم بترقيه عن طوره و فنائه في التوحيد و تخلفه عنه و عدم إدراكه لمقامه و كماله، فبقي بصره حسيرا غير بصير بحال يوسف‏ فَهُوَ كَظِيمٌ‏ مملوء من فراقه.

و قولهم: تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ‏ إشارة إلى شدّة حنينه و نزوعه و انجذابه إلى جهة القلب في تلك الحالة دونهم لشدة المناسبة بينهما في التجرّد و الميل إلى العالم العلوي. و قوله:

وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ إشارة إلى علم العقل برجوع القلب إلى عالم الخلق و وقوفه مع العادة بعد الذهاب إلى الجهة الحقانية و انخلاعه عن حكم العادة عن قريب، كما سئل أحدهم: ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية. و لهذا العلم قال: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ‏ و ذلك عند فراغه عن السلوك بالكلية و وصول أثر ذلك الفراغ إلى العقل بقربه إلى رتبته في التنزل و التدلي فيأمر القوى باستنزاله إلى مقامهم بطلب الحظوظ في صورة الجمعية البدنية و تدبير معاشهم و مصالحهم الجزئية، و ذلك هو الروح الذي نهاهم عن اليأس منه، إذ المؤمن يجد هذا الروح و الرضوان في الحياة الثانية التي هي باللّه فيحيا به و يتمتع بحضوره بجميع أنواع النعيم و لذات جنّات الأفعال و الصفات و الذات بالنفس و القلب و الروح دون الكافر كما قال: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ‏.

و قولهم: مَسَّنا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ إشارة إلى عسرهم و سوء حالهم، و ضيقهم في الوقوف مع الحقوق‏ وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ إلى ضعفهم لقلّة مواد قواهم و قصور غذائهم عن بلوغ مرادهم.

و قولهم: فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ‏ استعطافهم إياه بطلب الحظوظ. و قوله:هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ‏ إشارة إلى تنزل القلب إلى مقامهم في محل الصدر ليعرفوه فيتذكروا حالهم في البداية و ما فعلوا به في زمان الجهل و الغواية. و قولهم: أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ‏ تعجب منهم عن حاله بتلك الهيئة النورانية و الأبهة السلطانية و بعدها عن حال بدايته.

و قوله: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إلى آخره، إشارة إلى علّة ذلك و سبب كمالهم. و قولهم:تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا إشارة إلى تهدي القوى عند الاستقامة إلى كماله و نقصها.

و قوله: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ‏ لكونها مجبولة على أفعالها الطبيعية. و قوله: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ‏ إشارة إلى براءتها من الذنب عند التنوّر بنور الفضيلة و التأمر بأمره عند الكمال.

و القميص هو الهيئة النورانية التي اتصف بها القلب عند الوصول إلى الوحدة في عين الجمع و الاتصاف بصفات اللّه تعالى. و قيل: هو القميص الإرثي الذي كان في تعويذه حين ألقي في البئر، و هو إشارة إلى نور الفطرة الأصلية. كما أن الأول إشارة إلى نور الكمال الحاصل له بعد الوصول، و الأول أولى بتبصير عين العقل فإنّ العقل لما لم تكتحل بصيرته بنور الهداية الحقانية عمي عن إدراك الصفات الإلهية. وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ‏ أي: ارجعوا إليّ عن آخركم في مقام الاعتدال و مراعاة التوسط في الأفعال، فإن القلب متوسط بين جهتي العلو و السفالة، و انضموا إليّ، و ائتمروا بأمري، و اقربوا مني و لا تبعدوا عن مقامي في طلب اللذات البدنية بمقتضى طباعكم. و ريحه الذي وجده من بعيد هو وصول أثر رجوع القلب إلى عالم العقل و المعقول، و إقباله إليه من محض التوحيد بتجهيز القوى الحيوانية بجهاز الحظوظ على حكم العدالة و قانون الشرع و العقل، فقد قيل: إنه جهّز العير بأجمل ما يكون، و وجهها إلى كنعان. و ضلاله القديم هو: تعشّقه بالقلب أزلا و ذهوله عن جهتهم.

و قوله: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ إشارة إلى سابق علمه برجوع القلب إلى مقام العقل. و استغفاره لهم: تقريره إياهم على حكم الفضائل العقلية بالاستقامة بعد صفائهم و ذكائهم و قبولهم للهيئات النورانية بعد خلع الظلمانية. و دخولهم على يوسف هو وصولهم إلى مقام الصدر حال الاستقامة. و دخولهم مصر كون الكل في حضرة الجمعية الإلهية الواحدية مع تفاضل مراتبهم في عين جمع الوحدة. و رفع أبويه على العرش عبارة عن ارتفاع مرتبتي العقل و النفس عن مراتب سائر القوى و زيادة قربهما إليه و قوّة سلطنتهما عليها.

و خرورهم له سجدا عبارة عن انقياد الكل و طاعتهم له بالأمر الوحداني بلا فعل حركة بأنفسهم بحيث لا يتحرك منها شعر و لا ينبض لها عرق إلا باللّه. و تأويل رؤياه صورة ما تقرّر في استعداده الأول من قبول هذا الكمال.

قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا أخرجها من القوة إلى الفعل‏ وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي‏ بالبقاء بعد الفناء إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ‏ سجن الخلوة التي كنت فيها محجوبا عن شهود الكثرة في عين الوحدة و مطالعة الجمال في صفات الجلال‏ وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ‏ بدو خارج مصر الحضرة الإلهية مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ‏ شيطان الوهم‏ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي‏ بتحريضه إياهم على إلقائي في قعر بئر الطبيعة، بانهماكهم و تهالكهم على اللذات البدنية إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ‏ يلطف بأحبابه بتوفيقهم للكمال و تدبير أمورهم بحسب مشيئته الأزلية و عنايته القديمة إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ‏ بما في الاستعدادات‏ الْحَكِيمُ‏ بترتيب أسباب الكمال و توفيق المستعدّ للوصول إليه.

 

 

 

[101- 108]

[سورة يوسف (12): الآيات 101 الى 108]

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَ ما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (104) وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (105)

وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ (106) أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (107) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي وَ سُبْحانَ اللَّهِ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ‏ أي: من توحيد الملك الذي هو توحيد الأفعال‏ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ‏ أي: معاني المغيبات و ما يرجع إليه صورة الغيب، و هو من باب توحيد الصفات. فاطِرَ سموات الصفات في مقام القلب و أرض توحيد الأفعال في مقام النفس‏ أَنْتَ وَلِيِّي‏ بتوحيد الذات في دنيا الملك و آخرة الملكوت‏ تَوَفَّنِي مُسْلِماً أفنني عني في حالة كوني منقادا لأمرك لا طاغيا ببقاء الإنية وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏ الثابتين في مقام الاستقامة بعد الفناء في التوحيد.

وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ‏ الإيمان العلمي‏ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‏ بإثبات موجود غيره أو الإيمان العيني إلا و هم مشركون باحتجابهم بأنانيتهم‏ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ‏ حجاب يحجب استعدادهم عن قبول الكمال من هيئة راسخة ظلمانية أَوْ تَأْتِيَهُمُ‏ القيامة الصغرى‏ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ بنور الكشف و التوحيد، فلا يرتفع حجابهم فيبقون في الاحتجاب أبدا.

قُلْ هذِهِ‏ السبيل التي أسلكها، و هي سبيل توحيد الذات‏ سَبِيلِي‏ المخصوص بي، ليس عليه إلا أنا وحدي‏ أَدْعُوا إِلَى‏ الذات الأحدية الموصوفة بكل الصفات في عين الجمع‏ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي‏ في هذه السبيل و كل من يدعو إلى هذه السبيل فهو من أتباعي، إذ الأنبياء قبلي كلهم كانوا داعين إلى المبدأ و المعاد و إلى الذات الواحدية الموصوفة ببعض الصفات إلا إبراهيم عليه السلام فإنه قطب التوحيد، و لهذا كان صلى اللّه عليه و سلم من أتباعه باعتبار الجمع دون التفصيل،إذ لا متمم لتفاصيل الصفات إلا هو عليه الصلاة و السلام و إلا لكان غيره خاتما السبيل الحق كما ختم لأن كل أحد لا يمكنه الدعوة إلا إلى المقام الذي بلغ إليه من الكمال‏ وَ سُبْحانَ اللَّهِ‏ أنزهه من أن يكون غيره على سبيله، بل هو السالك سبيله و الداعي إلى ذاته‏ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ المثبتين للغير في مقام التوحيد الذاتي، المحتجبين عنه بالأنائية، بل أنا به، فإن عنى فهو الداعي إلى سبيله.

 

 

 

[109]

[سورة يوسف (12): آية 109]

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ (109)

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ‏ أي: من كان فيه بقيّة من الرجولية من أهل قرى الصفات و المقامات لا من مصر الذات، فإن البقاء الحاصل لأهل التمكين لا يكون إلا بقدر الفناء. و الرجوع إلى الخلق لا يكون إلا على حسب العروج. فالفناء التام و العروج الكامل لا يكون إلا للقطب الذي هو صاحب الاستعداد الكامل الذي لا رتبة إلا قد يبلغها و يلزم أن يكون الرجوع التامّ الشامل لجميع تفاصيل الصفات عند البقاء له و هو الخاتم و لهذا

قال عليه الصلاة و السلام: «كان بنيان النبوّة تم و رصف و بقي منه موضع لبنة واحدة، فكنت أنا تلك اللبنة».

و إلى هذا المعنى‏ أشار بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» .

 أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏ أرض استعدادهم‏ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ‏ نهاية أمر الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏ و غاية كمالهم، فيبلغوا منتهى إقدامهم و يحصلوا كمالاتهم بحسب استعداداتهم، فإنّ لكل أحد خاصية و استعداده الخاص يقتضي سعادة خاصة هي عاقبته، و من الاطلاع على خواص النفوس و غايات إقدامهم في السير يحصل للنفس هيئة اجتماعية من تلك الكمالات هي كمال الأمّة المحمدية على حسب اختلاف استعداداتهم و هي الدار الآخرة التي هي خير للذين اتّقوا صفات نفوسهم التي هي حجب الاستعدادات‏ أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ أنّ هذا المقام خير مما أنتم عليه من الدار الفانية و تمتعاتها، فإنها لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏[4].

 

 

 

[110]

[سورة يوسف (12): آية 110]

حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَ لا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)

حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ‏ أي: ساروا و اتّقوا و تراخى فتحهم و نصرهم في الكشوف على كفرة قوى النفس حتى إذا استيأس الرسل الذين هم أشراف القوم من بلوغ الكمال‏ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كذّبتهم ظنونهم في استعدادهم للكمال أو رجائهم‏ جاءَهُمْ نَصْرُنا بالتأييد و التوفيق من إمداد أنوار الملكوت و الجبروت‏ فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ من أهل العناية من الرسل و أتباعهم‏ وَ لا يُرَدُّ قهرنا بالحجب و التعذيب‏ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ‏ بإظهار صفات نفوسهم على قلوبهم فيكسبونها الهيئات الغاسقة الحاجبة المؤذية.

 

 

 

[111]

[سورة يوسف (12): آية 111]

لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى‏ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)

لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ أي: ما يعبر بها عن ظاهرها إلى باطنها، كما عبرنا في قصة يوسف عليه السلام لأولي العقول المجرّدة عن قشور الوهميات الخالصة عن غشاوات الحسيّات‏ ما كانَ‏ هذا القرآن‏ حَدِيثاً يُفْتَرى‏ من عند النفس‏ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي‏ كان ثابتا قبله في اللوح‏ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ أجمل في عالم القضاء و هداية إلى التوحيد وَ رَحْمَةً بالتجليات الصفاتية من وراء أستار آياته‏ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ بالغيب لصفاء الاستعداد.


[1] ( 1) سورة الزمر، الآية: 29.

[2] ( 2) سورة القمر، الآية: 50.

[3] ( 1) سورة ص، الآية: 26.

[4] ( 1) سورة العنكبوت، الآية: 64.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=