تفسیر ابن عربی سوره البقره

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره البقره آیه 122-152

[سورة البقرة (2): الآيات 122 الى 124]

يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)

«وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ» لأن الابتلاء من أفضل الكرامات، و قد تلقاها للتوب صاحب السمات، و الابتلاء إشارة إلى ذبح ولده قال اللّه تعالى لخليله إبراهيم عليه السلام:

«إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً» ابتداء منه من غير طلب من إبراهيم عليه السلام ليكون معانا مسددا، و علمنا أنه ليس بظالم قطعا لأن الإمامة عهد من اللّه و قال تعالى: «إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً» و لم يقل خليفة بل ذكره بالإمامة لأن الخليفة يطلب بحكم هذا الاسم عليه من استخلفه فيعلم أنه مقهور محكوم عليه، فالخليفة له فيه تذكرة لأنه مفطور على النسيان و السهو و الغفلة، فيذكره اسم الخليفة بمن استخلفه، و الإمام ربما اشتغل بإمامته عمن جعله إماما، لأن الإمامة ليست لها قوة التذكير في الخلافة فقال تعالى في الجماعة الكمل: «جَعَلَكُمْ*

______________________________
به» أي يصدقون بكل ما يتضمنه، و به أنه من عند اللّه، و يحتمل أن يريد به أهل التوراة الذين تلوها حق تلاوتها و أهل الإنجيل و آمنوا بما وجدوا فيها من بعث محمد صلّى اللّه عليه و سلم و رسالته، و أنه هو هذا، فيكون خاصا بالمؤمنين من اليهود و النصارى، ثم قال: «وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ»* كما فصلناه في معنى الكفر و الكافر «فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ»* تقدم الكلام على هذا المعنى في‏ (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) في أول السورة (123) «يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» قد تقدم الكلام عليها و كذلك (124) «وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ» فذكر في الأولى‏ (وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) و زاد في هذا «وَ لا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ» أي فداء، فإن القبول لا يكون إلا مع الرضاء به، و الأخذ قد يكون عن رضاء و قد لا يكون، فزاد في هذه الآية و لو أخذنا الفداء لم نأخذه على جهة القبول و الرضاء و إنما هو بضاعتنا ردت إلينا، فأبان هنا بالقبول أمرا لم يذكره هناك، و قال في هذه الآية «وَ لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ»

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 194

خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ»* فوقع هذا في مسموعهم فتصرفوا في العالم بحكم الخلافة، و قال لإبراهيم عليه السلام بعد أن أسمعه خلافة آدم و من شاء اللّه من عباده‏ «إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً» لما علم أن الخلافة قد أشربها فلا يبالي بعد ذلك أن يسميه بأي اسم شاء، فقال إبراهيم لربه تعالى: «وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي» «قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» فإن الإنسان المخلوق على الصورة- لا الإنسان الحيوان- هو الذي له الإمامة في الكون، صاحب العهد فإن اللّه لا ينال عهده الظالمون و ليس عهده سوى صورته، فما أهمل من أهمل من الأناسي إلا لجهله بمنزلته و تصرفه في غير مرتبته، فلو أعطى نفسه حقها، كما أعطاها ربها خلقها، لكان إمام العالمين، فالسيد الإمام، العارف العلام، يقول: الأمام الأمام، و في يده سراجه و في رأسه تاجه، يشهد له الحق بالخلافة، و الأمن من كل عاهة و آفة، و أما إذا كانت الطرق مظلمة، لا يعرف الماشي فيها في أي مهواة يهوي، و مع هذا يسير و لا يلوي، فإذا سقط، عند ذلك يعلم أنه فرط.

______________________________
و هناك (لا تقبل منها) أي من أجلها شفاعة، و هنا و لو قبلت عناية بالشافع ما نفعت المشفوع فيه، بأن نعلم الشافع مرتبته من عنايتنا به عندنا، و نبين له قدر الجريمة التي لهذه النفس، فيرجع الشافع عن ذلك إعظاما لجناب اللّه مع أن الحق سمع شفاعته، و لكن ما نفعت المشفوع، هذا كله على تقدير الوقوع، أي لو وقعت الشفاعة من أهل العناية عندنا لكان الأمر كما ذكرناه، فزاد هنا ما لم يذكر في الأولى‏ «وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ» قد مضى تفسيره، ثم قال: (125) «وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ» الصحيح في هذه الكلمات عدم تعيينها، فنعلم قطعا أن اللّه اختبره بكلمات أنزلهن عليه‏ «فَأَتَمَّهُنَّ» فأثنى عليه بقوله: (وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى) و محن الأنبياء كثيرة، و ما كلفوه كثير، كما قيل لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم‏ (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) على غيرك و نهونه عليك، و العامل في‏ «إِذِ» إما مضمر، و إما جاعلك، أي قام بهن حق القيام من الشكر إن كان نعمة، و من الصبر إن كان غير ذلك، كذبح الولد و الرمي في النار و غير ذلك، فوفّى صلّى اللّه عليه و سلم بجميع ما خوطب به على حسب ما يعطيه ذلك الخطاب، و قد أكثر الناس في تعيين الكلمات من غير دليل قاطع، فلهذا تركت تعيين ما يمكن أن تكون، إذ لا يفيد ذلك علما، و قوله:

«قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً» يحتمل أن يكون هذا من الكلمات، لأنها ابتلاء لما يلزمه فيها من مراعاة حدود اللّه في خلقه، و إقامة العدل فيهم، و النظر في مصالحهم الدينية و الدنياوية، و المبالغة في‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 195

[سورة البقرة (2): آية 125]

وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)

«وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى» و هما الركعتان بعد الطواف لننال ما ناله إبراهيم عليه السلام من الخلة على قدر ما يعطيه حالنا، فإن من مقامه عليه السلام قوله تعالى فيه:

«وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى» و من مقامه عليه السلام أنه كان أواها حليما، فيكون هذا أيضا من قصدنا مقام إبراهيم لنتخذه مصلى، أي موضع دعاء في صلاة، أو إثر صلاة لنيل هذا المقام و الصفة، التي هي نعت إبراهيم خليل اللّه و حاله و مقامه، و من مقام إبراهيم عليه السلام‏

______________________________
التبليغ، و شروط الإمامة كثيرة، فهي من الابتلاء الشديد و يحتمل أن يكون ذلك على جهة التشريف و التكريم، لما قام بالكلمات حق القيام على التمام و الكمال كان أهلا للإمامة، فشرفه اللّه بأن قدّمه على خلقه ليأتموا به و يهتدوا بهديه، إذ قد آنس منه الرشد فيما ابتلي به، فدفع الإمامة إليه، كما أمرنا في الأيتام في دفع أموالهم لهم و استحقاقهم لها بإيناس الرشد منهم، فقال: (وَ ابْتَلُوا الْيَتامى‏ حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ) و هو أحد الشرطين‏ (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) «قالَ» إبراهيم‏ «وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي» «قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» طلب إبراهيم من ربه أن يجعل من ذريته أئمة، و هذا الطلب دليل على أنّ جعله إماما كان تشريفا و كرامة به لا ابتلاء، فترجح أحد الوجهين، و لو فهم بقرائن الأحوال أن الإمامة كانت على طريق الابتلاء ما طلب مثلها لذريته، و إن كانت ابتلاء من حيث ما يتعلق بها، و لكن إذا عرف الإمام بتعريف اللّه أنه معان معصوم كانت إمامته تشريفا بلا شك، و يبقى ما فيها من الابتلاء في حق من وليها من المؤمنين الذين جهلوا أحوالهم فيها، و أما قوله: «لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» يقول لا أعطي الإمامة للظالم بوحي منزل فيه أسميه بعينه، مثل ما سميت الرسل بأسمائهم و خصصتهم من سائر الخلق بالخطاب بالعهد و الإمامة، مثل قولنا: (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) و لإبراهيم‏ (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً) و هكذا جميع الرسل، فهذا هو العهد الذي لا يناله الظالم من عبادي، و أما من نصبه الناس إماما فأئمتهم رجلان: ظالم و عادل، فالعادل هو الذي يقوم فيهم بسنة نبيهم و هديه، و يسلك بهم أوامر الحق المشروع لهم من عندنا، و هم أئمة الهدى الذين يأمرون بالقسط من الناس، فنحن أيضا شرعنا لهم بالوحي المنزل على الرسل تولية مثل هؤلاء الإمامة، فهم ممن ينال عهدي، و طائفة

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 196

أيضا: أنه كان أمة قانتا للّه حنيفا و لم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه و هداه إلى صراط مستقيم، و من مقامه عليه السلام: أنه أوتي الحجة على قومه بتوحيد اللّه، و من مقامه عليه السلام أيضا: أنه كان مسلما، و من مقامه عليه السلام أيضا: الصلاح، و من مقام إبراهيم عليه السلام: أن اللّه آتاه أجره في الدنيا، و أنه في الآخرة لمن الصالحين. فهذا كله من مقام إبراهيم الذي أمرنا أن نتخذه مصلى فقال: «وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى» أي موضع دعاء إذا صليتم فيه أن ندعو في نيل هذه المقامات التي حصلت لإبراهيم الخليل عليه السلام.

و اعلم أن مكة خير وسيلة عبادية، و أشرف منزلة جمادية ترابية، و أنه قد طاف بهذا البيت‏

______________________________
أخرى نصبهم الناس فظلموا، و ضلوا و أضلوا، و عدلوا عن الحق، فهؤلاء هم الذين لم ينالوا عهدي بحكم تعيينهم بالأمر بالتقدم، و لكن نحن جعلناهم أئمة يدعون إلى النار بقضائنا لا بأمرنا، قال تعالى: (وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ) و في هذه الآية دليل على أن إمامة الظالم لا تصح شرعا، فإن اللّه قد نفى عنه الإمامة، و يتقوى مذهب من يقول إن الإمام إذا فسق انعزل شرعا و إن تعذر خلعه، و الكلام في هذه المسألة يطول، و الوجه عندي في هذه المسألة و اللّه أعلم، أن الظلم هنا كما فسره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لما نزل قوله تعالى: (وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) قالت الصحابة: [و أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال عليه السلام: ليس كما زعمتم، و إنما الظلم هنا ما قاله لقمان لابنه: يا بني لا تشرك باللّه إن الشرك لظلم عظيم‏] فهذا مثل ذلك، و أما المسلمون و إن جاروا و ظلموا فإن النبي عليه السلام قد أمرنا أن لا نخرج أيدينا من طاعة، فإن جاروا فلنا و عليهم، و إن عدلوا فلنا و لهم، و قال: أطيعوهم ما أقاموا الصلاة، لما تكلموا في جورهم، و قال تعالى: (وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) أي خيارا عدلا (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) فقد نص اللّه على عدالتنا بمجرد الإيمان، و إن كان قد علم أنه يقع منا الجور و الظلم و التعدي للحدود المشروعة، مع حفظ الإيمان بتحليل ما أحل اللّه، و تحريم ما حرم اللّه، فلم يخرج اللّه العصاة و الظلمة من أهل الإيمان من الإمامة، و لا سيما في قوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ) مع كونه مصطفى، و نحن نقول إن الظالم إذا حكم بأمر فسّق فيه قد انعزل شرعا عن حكم اللّه في تلك النازلة، فإنه بمعزل عن حكم اللّه فيها، و هو مأثوم، و لكن أقول إذا اتفق أن يتمكن الناس من خلع الظالم و إقامة العادل من غير ضرر فادح يصيب الناس و تهلك فيه النفوس و الأموال فلهم ذلك، و هل يجب أو لا يجب؟ فيه عندي نظر، و أنا الآن في محل التردد في ذلك لتعارض الأدلة، و ما ترجح عندي في ذلك شي‏ء، و اعلم أن‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 197

مائة ألف نبي و أربعة و عشرون ألف نبي سوى الأولياء، و ما من نبي و لا ولي إلا و له همة متعلقة بهذا البيت و هذا البلد الحرام، لأنه البيت الذي اصطفاه اللّه على سائر البيوت و له سر الأولية في المعابد، كما قال تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً» من كل مخوف إلى غير ذلك من‏

______________________________
الأئمة رجلان: إمام يقتدى به و هم الرسل، قال تعالى: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) و سيأتي في ترجمتها في موضعها ما يتعلق بها من الحكم، فإذا كانت الإمامة يراد بها الاقتداء، أن يقتدى بها، فلا تجوز الإمامة إلا لمنصوص على عصمته، و ذلك هم الرسل خاصة، و لا خلاف بين أهل الإسلام في إمامة من جهلت عصمته أو من ليس بمعصوم، إلا شرذمة قليلة لا يحكى قولهم، و الرجل الآخر، إمام لا يقتدى به، و لكن يسأل في النوازل إذا كان من أهل الذكر، فلا بد أن يكون عالما، بما يحكم به بين الناس، و لا يقتدى به في أفعاله و إن كانت أفعاله مستقيمة و لكن اقتداءك إنما هو بمن اقتدى هو به و هو الشرع لا به، فإن الكل أتباع الرسل، فيكون نصب الإمام هنا لوجود المصالح التي يقوم بها معاشهم ليأمنوا على أنفسهم و أموالهم و أزواجهم، فإن اللّه يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ثم قال: (126) «وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً» يقول: نصبنا البيت بمعنى الكعبة، مثابة للناس يحجون إليه في كل عام بجد و عزم و محبة تؤديهم إلى أن يثوبوا إلى قصده من جميع البلاد بسرعة، من الوثب، و إن تناءت بلادهم و هلكت في قصده أموالهم، فإن ذلك يهون عليهم و لا يبطئ بهم عن قصده لما جعل اللّه في نفوسهم من محبته، فهوّن عليهم الشدائد في طريقه، و هي بشارة من اللّه لعبده إذ أوجد في قلبه تهوين الشدائد، من بذل المال و تعب البدن و مفارقة الأهل و الوطن في طلب قصده و الوصول إليه، أنه مؤمن ممن اعتنى اللّه به، و إن وجد غير ذلك فليعزّ نفسه، فإن اللّه قد سلب عنه الإيمان و هذا من سر اللّه في قلوب العباد، و هو من قوله: (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ) و أية آية أعظم من هذا، و قوله:

«وَ أَمْناً» أي جعل في قلوبهم أن يشرعوا الأمان لكل من دخله و لاذ به، جعل ذلك في قلوب المشركين و غيرهم، قال اللّه تعالى: (أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً) فنسب ذلك الجعل إليه و أطبق قلوب الكفار على ذلك، ثم قال: «وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى» على الأمر إذا كسرت الخاء، و على الخبر إذا فتحتها، و قد يرد الخبر و يراد به الأمر، فمن جعله خبرا يقول: جعلنا في قلوبهم أن يتخذوه موضعا للدعاء فاتخذوه، فأخبر أنهم اتخذوه، و من جعله أمرا جعل اتخاذه مشروعا على جهة الندب لا على الوجوب، و اختلف الناس في هذه الآية في «المقام» ما المراد به؟ و في كيفية اتخاذه مصلى، و ما معنى «مصلى» فأما المقام فلا خلاف أن الحجر الذي قام‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 198

الآيات‏ «وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ» أمر إبراهيم و إسماعيل بتطهير البيت للطائفين عناية بمحمد صلّى اللّه عليه و سلم، سيد المرسلين، فأكرمهما ببناء البيت و تطهيره إنما كان لكونهما حملا النبي صلّى اللّه عليه و سلم في ظهورهما، و اختص إسماعيل دون بنيه بذلك و بالابتلاء لكونه كان من آباء النبي عليه السلام، قال «أنا ابن الذبيحين» و إنما كانت الفضيلة لهما في البيت لكونهما طهراه و بنياه عن أمر إلهي فقال تعالى: «أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ» في بيت خاص نسبة إذ كان بيت اللّه بلا واسطة منذ خلق الدنيا ما جرت عليه يد مخلوق، و الطائفون كالحافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، و البيت في الأرض كالعرش المنسوب إلى استواء الرحمن‏ «وَ الْعاكِفِينَ» الاعتكاف: الإقامة بمكان مخصوص، و في الشرع على عمل مخصوص، بحال مخصوص على نية القربة إلى اللّه جل جلاله و هو مندوب إليه شرعا واجب بالنذر. و للمعتكف أن يفعل جميع أفعال البر التي لا تخرجه عن الموضع الذي أقام فيه، فإن خرج فليس بمعتكف، و لا يثبت عندي فيه الاشتراط.

______________________________
عليه إبراهيم حين بنى البيت و دعا الناس بالحج إليه الذي هو اليوم في البيت يتبرك به لموضع أقدامه فيه أنه مقام إبراهيم، و اختلفوا فيما سوى ذلك في المذكور في هذه الآية، فأعمها قولا مناسك الحج كلها في الحل و الحرم، و أخصها ما ذكرناه، و ما بين هذين القولين أقوال كثيرة في تعيين بعض الأماكن من الحرم، و أما قوله: «مُصَلًّى» فقد يريد به مدّعى، أن يدعو الناس فيه، و قد يريد به الصلاة المعلومة في الشرع، و قد يريد الأمرين و هو الأوجه إذ لا تناقض في ذلك، و أما كيفية اتخاذه مصلى فليس بعد شرح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في ذلك شرح، و ينبغي الوقوف عنده، فإنه أعلم بمعنى ما أنزل اللّه عليه، و ذلك أنه صح عنه صلّى اللّه عليه و سلم أنه لما فرغ من الطواف صلى خلف المقام و جعل المقام الذي هو الحجر بينه و بين القبلة، و صلى و تلا «وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى» و ليس بعد هذا البيان بيان، و من خالف بعد هذا البيان فما اقتدى، ثم قال: «وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» أي أمرناهم حتما جزما، و شرك إسماعيل مع إبراهيم في ذلك العهد لما فيه من الشرف و الرفعة حيث أهلهما لتطهير بيت أضافه إليه، و جعله مقصدا لعباده إلى يوم القيامة من ملك و جن و إنس، و الإنسان مجبول أن يحب لابنه من الخير أكثر مما يحب لنفسه، فأكرم اللّه إبراهيم بأن يشرك ابنه معه في ذلك، و وجه آخر، و ذلك أن يكون لمحمد عليه السلام نصيب من هذا التشريف حيث كان انتقل إلى إسماعيل من إبراهيم، فشرف الوالد لشرف الولد، لأنه حامله في ذلك الوقت، لأنه كان يتردد في الأصلاب منحدرا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 199

 

[سورة البقرة (2): آية 126]

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (126)

دعا إبراهيم عليه السلام لمكة بالبركات، فإنه إذا بورك في الأم بورك في البنات.

______________________________
في ارتقاء و تطهير، و أحسن بيت رأيته و رويته أن يليق برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قول بعضهم: [تخيرك اللّه من آدم … فما زلت منحدرا ترتقي‏] فأمرهما اللّه أن يطهراه من الأقذار المحسوسة كما صب النبي عليه السلام الماء على بول الأعرابي، و بيّن أن المساجد لا تصلح لشي‏ء من هذا، و غير المحسوسة أيضا، و هو تطهيره من هجر القول و سوئه و جعل الأوثان فيه و الأصنام و دخول المشركين فيه، و جميع ما يقع عليه اسم تطهير شرعا و عرفا، مطلقا من غير تخصيص، فإنه سبحانه ما خصص لنا، و قوله: «لِلطَّائِفِينَ» الذين يطوفون بهذا البيت من جميع أصناف الطائفين، ثم قال: «وَ الْعاكِفِينَ» يريد المقيمين فيه من المجاورين و من أهله، و أرجو إن شاء اللّه أن يكون أجرهم أجر المعتكف الاعتكاف المشروع، و لا سيما على مذهب بعضهم حيث جوز للمعتكف في غير المسجد مباشرة النساء، و قد يستروح من هذا أنه من أراد الاعتكاف في نفس البيت لا يمنع، و أن المعتكف في الحرم أي المقيم فيه من غير طواف و لا صلاة أنه في عبادة بمجرد الإقامة، و قوله:

«وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» يريد المصلين و الساجدين في التلاوة، و الراكعين الخاضعين و إن لم يكونوا مصلين إذ الركوع الخضوع، ثم قال: (127) «وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً» لما أخبر اللّه تعالى نبيه إبراهيم أن اللّه جعل بيته أمنا لمن عاد به و جاوره، دعا إبراهيم ربه أن يجعل البيت أيضا آمنا في نفسه من تسليط الجبابرة عليه بالهدم و التخريب لغير المصلحة و عدم الاحترام، فما زال محترما عند كل جبار، و من قصده لانتهاك حرمته و هدمه فإنه لا يقدر على ذلك، كأصحاب الفيل و غيرهم، حتى يأتي وعد اللّه عند قرب الساعة فيسلط عليه الأحابشة، و أما الحجاج فما قصد إلا عبد اللّه بن الزبير بتأويل رآه، و نحن إنما تكلمنا فيمن قصده لعينه الذي دعا فيه إبراهيم، و قوله: «وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ» لما رآه واديا غير ذي زرع، فهو تجبى إليه ثمرات كل شي‏ء من أداني القرى و أقاصيها رزقا من عند اللّه لدعوة إبراهيم، و قوله: «مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» أدبا مع اللّه حيث قال له من قبل لما سأله فقال: (وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 200

[سورة البقرة (2): آية 127]

وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)

دعا إسماعيل بالقبول، فأظهر النقص ليصح كمال الخليل، إذ الواجب على كل بنيه، أن يضع من قدره عند قدر أبيه، فأظهر إسماعيل صفة الافتقار، و ظهر بها احتراما لأبيه و أدبا معه.

______________________________
لا ينال عهدي الظالمين) و مثله من يتأدب و يقف عند ما نبهه عليه ربه، و أيضا لما علم إبراهيم عليه السلام أن سبب خصب البلاد و إنزال الرزق إنما هو لأجل عناية اللّه بالصالحين من عباده و بدعائهم، إذ هم المقصودون للحق من العالم، و أن الكافر يرزق بحكم التبعية لا بحكم العناية، كما يهلك الصالح بنزول العذاب الذي أنزل من أجل المفسدين فنال الصالح بحكم التبعية لا بحكم العقوبة، فلهذا أيضا لم يذكر أرزاق الكافر، و قوله: «قالَ وَ مَنْ كَفَرَ» سؤال من إبراهيم فيكون في الكلام حذف، كأنه لما قال ذلك قال اللّه: «وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ» فتكون الفاء جواب شرط محذوف دل عليه الكلام، و قد يكون قوله: «وَ مَنْ كَفَرَ» مبتدأ و يكون القائل اللّه و من شرط و جوابه‏ «فَأُمَتِّعُهُ» يقول و الكافر أرزقه‏ «قَلِيلًا» يعني الحياة الدنيا، قال تعالى: (قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ) أي التمتع بها قليل، ثم قال: «ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ» لا ينبغي أن يجعل الاضطرار بمعنى الإكراه لأنه ما قال إلى النار، و إنما قال: «إِلى‏ عَذابِ النَّارِ» و إنما الإكراه إنما يكون في سوقهم إلى النار و دخولها ابتداء بالجبر، فإذا حطوا فيها كما قال: (وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى‏ جَهَنَّمَ) و سيأتي شرحه و معنى سوقهم‏ (وِرْداً) ما معناه، و اللّه يبقي علينا فهمه في وقت الترجمة عنه، فاعلم أن الاضطرار هو أن يقصد المضطر ما يحتاج إليه لا ما يكره عليه، فإن الإكراه ضد الاضطرار، فإن حالة الاضطرار تزيل الكراهة عند المضطر من الشي‏ء الذي كانت عنده في حال الاختيار، و اعلم أن جهنم تحتوي على عذابين حرور و زمهرير إلى غير ذلك، فإذا كان الشقي في حرور النار و مسّت منه ما آلمه و نظر إلى الزمهرير الذي في مقابلته رمى نفسه إليه مضطرا من عذاب إلى عذاب، و كذلك إذا جاع اضطر إلى دفع الجوع بما يأكله، فينظر إلى شجرة الزقوم، فيتوهم بالعادة من أكل الثمر أنه مزيل لجوعه، فيضطر إلى قطعها فإذا ازدردها قطعت أمعاءه، و ناله من العذاب فوق ما كان يجده، و هكذا في الشراب و غيره، فهذا معنى الاضطرار، و قال فيه تعالى: «وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» كلمة ذم، كما أن نعم كلمة مدح، فذم اللّه ذلك المصير الذي صار

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 201

[سورة البقرة (2): آية 128]

رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)

اعلم أن توبة اللّه مقطوع لها بالقبول، و توبة العبد في محل الإمكان، لما فيها من العلل و عدم العلم باستيفاء حدودها و شروطها و علم اللّه فيها، فالعارف يسأل ربه أن يتوب عليه، فإن الرجوع إلى اللّه بطريق العهد و هو لا يعلم ما في علم اللّه فيه خطر عظيم، فإنه إن كان قد بقي عليه شي‏ء من مخالفة فلا بد من نقض ذلك العهد.

______________________________
إليه أهل النار من البؤس، ثم قال: (128) «وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا» الآية، يحتمل رفع القواعد وجهين: الوجه الواحد «وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ» ما قعد من البيت، أي استوطئ فرفعه إبراهيم، و الوجه الآخر، أنه أخذ القواعد و هي الحجارة التي هي أصلا و أساسا للبناء عليها، و قد تكون تلك القواعد قبل ذلك له على ما روي، و قد تكون حجارة أنشأها ابتداء و اختارها للأساس، و معنى يرفعها و ذلك إذا جعلت القاعدة على المكان الذي تريد البناء عليه فقد رفعتها على ذلك المكان بلا شك، فأراد وضعها و إسماعيل، و قوله: «مِنَ الْبَيْتِ» من أجل بناء البيت، و إسماعيل يرفعه معه، ذلك لأنهما أمرا بالبناء معا، ففي أي شغل كان من البناء فقد حصل الامتثال لأمر اللّه، و قد يحتمل أن يكون قوله مبتدأ في وقت رفع القواعد يقول إسماعيل‏ «رَبَّنا» أي يدعو بهذا الدعاء، أو ما في معناه مما يتضمن طلب القبول من اللّه فيما كلفاه من العمل‏ «إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ» لدعائنا «الْعَلِيمُ» بعملنا و امتثال أمرك في ذلك (129) «رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ» يقولان في دعائهما: ربنا و اجعلنا مسلمين، يعني نفسه و ابنه، أي منقادين لأمرك متى أمرتنا بكل وجه‏ «وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» أي منقادة لأمرك أيضا، و تأدب في ذلك و لم يقل كل ذريتي، فإنه قد قيل له إن فيهم ظالمين: فقال: أمة منهم، فكان كما دعا، فجعل من ذريته رسلا و مؤمنين و صالحين إجابة لدعوتهما، ثم قال: «وَ أَرِنا مَناسِكَنا» قد تكون الرؤية بمعنى العلم، و لا يكون العلم بمعنى الرؤية، فلما كان موضوع الرؤية أعم جاء بها، لأن من المناسك ما يحتاج فيه إلى الرؤية، كالأماكن، فلا بد من تعيينها للبصر، و من المناسك ما يكون فعلا، كأكثر أفعال الحج مما يعلم و لا يرى، و هو الحكم بما يجوز من ذلك و ما لا يجوز، فلهذا أتى بقوله: «أَرِنا» و قوله: «وَ تُبْ عَلَيْنا» أما إبراهيم فمن قوله: (وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي) في طلب الإمامة و أشياء لا يعرفها، و كذلك إسماعيل، و قد تكون التوبة هنا بمعنى‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 202

[سورة البقرة (2): آية 129]

رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)

الحكمة ليست مطلوبة إلا من أجل ما تدل عليه، و اعلم أن الحكيم من العباد الذي ينزل كل شي‏ء منزلته، و لا يتعدى به مرتبته، و يعطي كل ذي حق حقه، لا يحكم في شي‏ء بغرضه و لا بهواه، و لا تؤثر فيه الأعراض الطارئة، فينظر الحكيم إلى هذه الدار التي قد أسكنه اللّه فيها إلى أجل، و ينظر إلى ما شرع اللّه له من التصرف فيها من غير زيادة و لا نقصان، فيجري على الأسلوب الذي قد أبين له، و لا يضع من يده الميزان الذي قد وضع له، في هذا الموطن، فإنه إن وضعه جهل المقادير فإما يخسر في وزنه أو يطفف، و قد ذم اللّه الحالتين، و جعل تعالى للتطفيف حالة خاصة يحمد فيها التطفيف، فيطفف هناك على علم فإنه رجحان الميزان و يكون مشكورا عند اللّه في تطفيفه، فإذا علم هذا و لم يبرح الميزان من يديه لم يخط شيئا من حكمة اللّه في خلقه و يكون بذلك إمام وقته، و من الحكمة عدم إظهار الحق لعباده، و تعريف الخلق به، في الموطن الذي يؤدي ذكره إلى أذى اللّه و رسوله، و من الحكمة أن لا يعرض الحكيم بذكر اللّه، و لا بذكر رسوله، و لا أحد ممن له قدر في الدين عند اللّه، في الأماكن التي يعرفها هذا الحكيم إذا ذكر اللّه فيها أو رسوله أو أحدا ممن اعتنى اللّه به، كالصحابة عند الشيعة، فإن ذلك داع إلى ثلب المذكور، و شتمه، و إدخال الأذى في حقه، ففي مثل هذا الموطن لا يذكره.

______________________________
الرجوع إليه في كل حال، و هذا التفسير على معنى (فتاب عليهم ليتوبوا) و أما على ظاهر اللفظ فليس فيه توبة منهم، فمعناه إذا تاب اللّه عليهم لم تقع منهم فيما بعد مخالفة، فإن توبة العبد قد يرجع عنها، و من تاب اللّه عليه فلا يرجع، و وجه آخر و هو قولهما: «وَ تُبْ عَلَيْنا» أي ارجع علينا في كل حال بالرحمة و العطف و اللطف و التوفيق و الرشد و الاستعمال في محابك و مرضاتك‏ «إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»، ثم قال: (130) «رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ» فالسؤال في أن يكون الرسول منهم‏ «يَتْلُوا عَلَيْهِمْ» ذلك الرسول‏ «آياتِكَ» ما أنزلت عليه من الصحف و الكتب‏ «وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ» أي ما في الكتاب مما خاطبتهم به، أو يأمرهم بتعليم الكتاب حتى‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 203

[سورة البقرة (2): آية 130]

وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)

إلى الهوى يرجع السفه، ودع عنك كلام من موّه. العقل عن السفاهة منزه، و ما هو بعاقل حتى يتنبه‏ «وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ» الصلاح أشرف مقام يصل إليه العبد، و يتصف به في الدنيا و الآخرة، فإن الصلاح صفة امتن اللّه بها على من وصفه بها من خاصته، و هي صفة يسأل نيلها كل نبي و رسول، و الصلاح صفة ملكية روحانية، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول فيها: إذا قال العبد في التشهد «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» أصابت كل عبد صالح للّه في السماء و الأرض.

______________________________
يعرفوا ما كتب لهم في الصحف المنزلة، «و الحكمة» أن يضعوا العبادات التي كلفتهم مواضعها، و يرتبوها كما شرعتها زمانا و حالا و مكانا و قولا و فعلا و عقدا، فإن الحكيم هو الذي يضع الأشياء مواضعها، قال: «وَ يُزَكِّيهِمْ» أي يطهرهم و يكثر الخير لهم، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها) ثم قال: «إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ» الذي لا تغالب و لا يمتنع عليك شي‏ء فإنه يقول: لا راد لأمره، ثم نعته ب «الْحَكِيمُ» تسليما له في فعله لعلمه بالأمور، فإن اقتضت حكمته سبحانه فيما دعاه به خليله أجابه، و إن لم يكن فالأمر إليه، فهو سبحانه أعلم بمصالح عباده، و لا سيما و قد تقدم له عليه السلام قوله: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) في سؤاله الأول في الإمامة لذريته، ثم قال: (131) «وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ» يقال:

رغبت عن كذا إذا زهدت فيه، و اللّه تعالى يقول: (اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً)* فقال: «وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ» عن الدين الحنيفي الذي هو الإسلام إلا سفيه في نفسه، أي سخيف ضعيف الرأي و العقل، ليس عنده رشد، و السفه في اللسان الخفة، و الضمير في نفسه يعود على من سفه نفسه في موضع رفع، و انتصب على التمييز، كقوله غبن رأيه، أي غبن رأيا، و سفه نفسا، و المعنى في ذلك واضح، و قوله: «وَ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا» و قد علمتم أنا اصطفيناه أي صفيناه من الصفوة و اجتبيناه و اخترناه للخلة و الإمامة في الدنيا «وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ» أي من الذين أدوا حقوق اللّه على التمام و الكمال من غير أن يتخللها ما يفسدها، المعنى‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 204

[سورة البقرة (2): آية 131]

إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131)

الإسلام: أن يكون العبد منقادا إلى اللّه عند كل دعاء يدعوه إليه من غير توقف. «لِرَبِّ الْعالَمِينَ» اعلم أن الربوبية نعت إضافي لا ينفرد به أحد المتضايفين عن الآخر فهي موقوفة على اثنين، فمالك بلا ملك لا يكون وجودا و تقديرا، و مليك بلا ملك لا يكون، كذلك الرب بلا مربوب، لا يصح وجودا و تقديرا.

[سورة البقرة (2): آية 132]

وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)

أي في حال حياتهم، أي اثبتوا على حالكم الذي ارتضاه الدين لكم في المستقبل، فأمرهم بالإسلام في المستقبل أي بالثبوت عليه.

______________________________
أنه في هذه الزمرة التي بهذه الصفة يحشر يوم القيامة، ثم قال: (132) «إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» العامل في‏ «إِذْ» اصطفيناه، يقول: إن اصطفاءه في وقت أن قال له أسلم لما رأى الشمس آفلة قال: (يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) «قال له ربه يا إبراهيم أسلم» بما ألقى إليه من النداء في سره، أو بملك أرسله إليه مبلغا قول ربه له أسلم، قال: «أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ) الآية، و قال فيها: (وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ) و سيأتي إن شاء اللّه الكلام عليها في موضعها و معنى‏ «أَسْلِمْ» اخضع لي منقادا، قال من غير توقف: «أَسْلَمْتُ» أي انقدت و خضعت‏ «لِرَبِّ الْعالَمِينَ» أي سيد العالم و مصلحهم و مالكهم، و قد مضى تفسيره في الفاتحة، ثم قال: (133) «وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ» الضمير في‏ «بِها» يعود على ملة إبراهيم، يقول: وصى بها إبراهيم عليه السلام أولاده، و كذلك يعقوب أيضا وصى بها أولاده، فقال لهم: «يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ» أن يا بني فحذف أن، و العامل فيها وصى لأنه في معنى القول، و لو ظهر القول هنا في موضع وصى لم يصلح أن يكون هناك حرف أن، فقولهم إن أن محذوفة لأن وصى في معنى القول، و لو كان القول لم يحسن وجودها تخبيط، و الأولى أنه هكذا نطقت العرب، فهي لغة محكية، و دعوى الحذف فيها قول بلا برهان، و قوله: «يا بَنِيَّ» إلى آخر الآية تفسير الوصية،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 205

[سورة البقرة (2): الآيات 133 الى 136]

أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى‏ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)

أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم المؤمنون به أتباع كل نبي، و كل كتاب، و كل صحيفة، جاء أو أنزل‏

______________________________
فقالا: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ» أي اختار لكم الدين الذي هو الإسلام، و هو ملة إبراهيم، فالألف و اللام للعهد، «فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» فنهاهم عن الصفة لا عن الموت، فإن الموت متحقق، يقول مت و أنت موحد، فليس الأمر بالموت، و إنما الأمر بموت على هذه الصفة، و فيه تنبيه على ملازمة هذا الدين أيام حياتهم، لأن وقت الموت مجهول، و الحيوان في كل نفس ينتظره، و لما كان الأمر هكذا، خرج الكلام بالنهي عن الموت على غير صفة الإسلام مخرج الزموا هذا الدين أيام حياتكم (134) «أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ» الآية، لما زعمت اليهود أن يعقوب أوصى بنيه عند الموت أن يموتوا على اليهودية، فقيل لهم، أ تدعون على الأنبياء اليهودية في قولكم هذا، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؟ فتكون‏ «أَمْ» على هذا متصلة، و من جعلها منقطعة جعل الهمزة للإنكار، و المعنى أي ما كنتم حاضرين يعقوب إذ حضر يعقوب الموت، و قد يمكن أن يقال فيه أيضا إن الهمزة للاستفهام، و المعنى أ كنتم شهداء؟ و استفهم بأم،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 206

من عند اللّه، في الإيمان به- لا بالعمل بالحكم-، فالشرائع كلها أنوار، و شرع محمد صلّى اللّه عليه و سلم بين هذه الأنوار كنور الشمس بين أنوار الكواكب، فإذا ظهرت الشمس خفيت أنوار

______________________________
فإنه يستفهم بها كثيرا في الكلام المستأنف على كلام سبق، فكأنه يقول: ما كنتم حاضرين، فلم يبق إلا أن تعلموا ذلك من كتابكم أن يعقوب و إبراهيم كانا على اليهودية، و أنتم تعلمون أن كتابكم ينطق بخلاف ما تزعمون، و أنه قيل لكم: (ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فما أوصى إبراهيم بنيه الذي يعقوب منهم- فإنه ولد ولده- إلا بالملة الحنيفية و هو دين الإسلام، فقولكم يناقض علمكم، و قوله: «إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي» فأتى بما فإنها تنطلق على كل شي‏ء بخلاف من، فكأنه يقول: أي شي‏ء تعبدون من بعدي؟ و أما استفهامه بنيه لعلمه بأن قلوب الخلق بيد اللّه يقلبها كيف يشاء، و لعلمه بأن أولاد الأنبياء قد يخرجون عن دين آبائهم، و قد وقع هذا كله قبل يعقوب فيمن تقدم، فأراد أن يرى ما يصرون عليه في قلوبهم بعد موته لينقلب مسرورا إن كان خيرا في جوابهم، و إن سمع منهم غير ذلك فيدعو اللّه لهم- ما دام حيا- أن يجمعهم على الإسلام، و لهذا قال‏ «مِنْ بَعْدِي» فإنهم في هذا الوقت على دين أبيهم، فقالوا: «نَعْبُدُ إِلهَكَ» أي نذل له بالطاعة لأمره و نوحده‏ «وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ» تهمموا بتقديمه لما علموا من اصطفاء اللّه له بالخلة، و لسنه، و لأن ذلك مما يسر يعقوب، و تلوه بإسماعيل، فقالوا: «وَ إِسْماعِيلَ» لأنه أسن من إسحاق، و جعلوا العم هنا أبا فإن أبا يعقوب إسحاق، و ذلك أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال: عم الرجل صنو أبيه، فإن الأخوين من أب واحد كصنوان النخل‏ «وَ إِسْحاقَ» كل ذلك عطف بيان على‏ «آبائِكَ» ثم قالوا: «إِلهاً واحِداً» لئلا يتوهم السامع الكثرة، فهو بدل من إلهك و إله آبائك، و قد قيل إن نصبه على الاختصاص، أي نريد بقولنا إلهك و إله آبائك، إلها واحدا «وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» منقادون لما يأمرنا به و ينهانا عنه، و إنما قدموا يعقوب بالذكر على آبائه لحضوره، و للحاضر مزية على الغائب عند المخاطب، و ربما ذكروه بالقصد الأول على وجه الاقتصار عليه، ثم إنهم لما ذكروه خطر لهم أن يذكروا آباءه، ينبهوه أنك كما عبدت إله آبائك كذلك نحن نعبد ما كانوا يعبدون، إذ كان شرع اسم الإسلام لإبراهيم، (135) «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ» الآية، تدل هذه الإشارة أن واحدا منهم قال: إنه ينتفع بانتسابه إلى آبائه الذين كانوا مع الأنبياء المتقدمين على دينهم، فرد اللّه ذلك بقوله: «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ» أي انقضت مدتها و ذهبت بعملها، يقال خلى الرجل إذا صار إلى مكان ليس فيه غيره، و منه الخلوة و الخلاء، لانفراد الشخص فيه، و قوله: «لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ» يؤيد من يقول إنه لا ينوب أحد عن أحد في‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 207

الكواكب و اندرجت أنوارها في نور الشمس، فكان خفاؤها نظير ما نسخ من الشرائع بشرعه صلّى اللّه عليه و سلم مع وجود أعيانها، كما يتحقق وجود أنوار الكواكب، و لهذا ألزمنا في شرعنا العام أن نؤمن بجميع الرسل، و جميع شرائعهم أنها حق، فلم ترجع بالنسخ باطلا، ذلك‏

______________________________
الأعمال البدنية، و يحتج بقوله تعالى: (وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏) و قوله: «ما كَسَبَتْ» من الخير و الشر، أي ما عملته من ذلك، و الذي أذهب إليه في هذه المسألة أن ليس للإنسان أن يطلب جزاءه إلا عن ما سعى فيه، و ليس له بطريق الجزاء إلا ما عمله، و أما عمل غيره فلا يتعدى له من حيث هو عمل، فإن العمل لا يتصف به إلا عامله و هو الصحيح، و إنما الجزاء الذي عيّن اللّه على ذلك لعامله هو رحله يتصرف فيه كيف يشاء، فيمسكه لنفسه و يهبه إن شاء لمن يريد، فالذي يوهب له ذلك الثواب فليس هو له جزاء، لأنه وصل إليه من غير عمل عمله، و لكن من باب الهدية و المنة من صاحبه، كالرجل يأخذ أجرة عمله فإن شاء أكلها، و إن شاء تصدق بها، و قد ورد في الشرع ما يؤيد قولنا، و هذا نقول به في الخير، و أما في الشر فلا، فإن الشرع منع من ذلك، قال تعالى: (وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏)* (وَ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها)، ثم قال: «وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ» أيضا و لا يسألون عما كنتم تعملون (136) «وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى‏ تَهْتَدُوا»– الآية- قولهم: «تَهْتَدُوا» أي تصيبوا طريق الحق، المعنى أي يتبين لكم الحق، إذا كنتم على اليهودية تقول اليهود، و تقول النصارى كونوا نصارى، و هما دينان مختلفان لأنه دين عن أهوائهم لا دين أنبيائهم، فقال اللّه تعالى لنبيه: «قُلْ» لهم‏ «بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» أي نتبع نحن و أنتم كلمة بيننا و بينكم سواء (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) فهذه هي ملة إبراهيم، و قد أخبرنا اللّه تعالى و هو في كتابكم أن إبراهيم ما كان يهوديا و لا نصرانيا، و لكن كان حنيفا مسلما و ما كان من المشركين، و أنتم معشر اليهود تقولون: عزير ابن اللّه و أنتم معشر النصارى تقولون: المسيح ابن اللّه، و المسيح هو اللّه، فأشركتكم، فكيف نتبعكم و أنتم ما اتبعتم ما أنزل إليكم؟ و القرآن مما أنزل إليكم فإني رسول إليكم جميعا (137) «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ» لما قالت اليهود لنا: (كُونُوا هُوداً) و قالت النصارى: (كونوا نصارى) قيل لنا: «قُولُوا» لهم‏ «آمَنَّا بِاللَّهِ» أي بوحدانيته و بوجوده‏ «وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا» و هو القرآن‏ «وَ ما أُنْزِلَ إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ» من الصحف و الوحي‏ «وَ ما أُوتِيَ مُوسى‏» و هو التوراة «وَ عِيسى‏» و هو الإنجيل‏ «وَ ما أُوتِيَ» أعطي‏ «النَّبِيُّونَ» الألف و اللام لاستغراق الجنس. «مِنْ رَبِّهِمْ» من عند ربهم من الكتب و الشرائع‏ «لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ» كما فرقتم، فآمنتم ببعضهم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 208

ظن الذين جهلوا، و الأنبياء مائة و أربعة و عشرون ألف نبي، و لم يبعث عاما سوى محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و ما سواه فبعثه خاص، فنعلم من ذلك أن المحمدي مطلق الدعاء بكل لسان، لأنه مأمور بالإيمان بالرسل و بما أنزل إليهم، فما وقف الولي المحمدي مع وحي خاص إلا في الحكم بالحلال و الحرام، و أما في الدعاء، و ما سكت عنه، و لم ينزل فيه شي‏ء في شرع محمد صلّى اللّه عليه و سلم يؤذن بتركه، فلا يتركه إذا نزل به وحي على نبي من الأنبياء عليهم السلام، رسولا كان أو غير رسول.

[سورة البقرة (2): الآيات 137 الى 138]

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138)

اعلم أن لهذه النشأة الإنسانية صورا، كانت مبثوثة في العناصر و الأفلاك، قبل أخذ الميثاق عليه، و للإنسان صورة في العدم، و هذه الصور مرئية مبصرة للّه تعالى، و هي التي يتوجه عليها خطاب اللّه إذا أراد إيجاد مجموعنا في الدنيا بكن، فنبادر و نجيب إلى الخروج، من حضرة العدم إلى حضرة الوجود، فينصبغ بالوجود و هو قوله تعالى: «صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ» أي أذلاء خاضعون.

______________________________
و كفرتم ببعضهم، و آمنتم ببعض ما في كتابكم و كفرتم ببعضه‏ «وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ»* أي منقادون مستسلمون لأوامره و ما يكون منه إلينا، فإن كنتم أنتم على الحق فقد آمنا به في هذا العموم، و ما أنتم على حق، و إنما كان هذا تنبيها من اللّه لهم ليقولوا مثل ذلك على الإجمال فيسعدوا، و لم يختلف المفسرون في الأسباط أنهم الأنبياء من أولاد يعقوب، فمن رأى أن أولاد يعقوب لم يكن منهم أنبياء إلا ما نص اللّه عليه كيوسف، كان الأسباط حفدته و يوسف من ولده، و من جعل الأسباط أولاد يعقوب، قال: إنهم أنبياء، و أن ما جرى منهم في حق أخيهم كان قبل نبوتهم، قال الربيع:

الأسباط اثنا عشر رجلا يوسف و إخوته، ولد لكل رجل أمة من الناس سموا أسباطا، قال ابن إسحاق- و هذا ابن اسحاق هو الذي قال فيه أحمد بن حنبل: يؤخذ من حديثه ما رواه من‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 209

 

[سورة البقرة (2): آية 139]

قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَ هُوَ رَبُّنا وَ رَبُّكُمْ وَ لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)

الإخلاص النية، روينا من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: (إنما الأعمال بالنيات،

______________________________
السير- قال: نكح يعقوب ابنة خاله ليا بنت ليان بن تمويل بن إلياس، فولدت له روبيل- و هو أكبر ولده- و شمعون و لاوى و يهودا- و إليه تنسب اليهود- و ريالون و يشحر و ذببه بنت يعقوب، ثم توفيت ليا، فنكح يعقوب أختها راحيل بنت ليان خاله، فولدت له يوسف و بنيامين، و ولد ليعقوب من سريتين كانتا له، الواحدة اسمها زلفى و الأخرى بلها، أربعة نفر: دان و تغثالى من زلفى، و جاد و أشر من بلها، و قد روينا من غير هذا الطريق أن زلفى ولدت له دان و يقنوان و رنوان، و ولدت له بلها جاد و أشر و أنساخر، ثم قال: (138) «فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا» الآية- فقوله: «فَقَدِ اهْتَدَوْا» مقابلا لقولهم حين قالوا لنا: (تَهْتَدُوا)* إذا كنتم هودا أو نصارى، و كان جوابنا لهم جواب إنصاف معرى من الأهواء التي دانوا هم اللّه بها، فإنه جواب عن وحي منزل‏ «وَ إِنْ تَوَلَّوْا» يقول: و إن أعرضوا عن هذا الإيمان‏ «فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ» أي في منازعة و حرب للّه و رسوله، و معناه أنك أتيتهم بكلام يشق عليهم سماعه، فأداهم ذلك إلى حرب و منازعة فلا تهتم يا محمد «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ» فهو قوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ) أي اللّه يكفيني أمرهم، و هو قوله: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ) قال اللّه تعالى: (وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما) أي نزاعا، و هو أن يقول كل واحد أو يعمل ما يشق على الآخر «وَ هُوَ السَّمِيعُ» ما يقولونه لكم‏ «الْعَلِيمُ» بهم أنهم يباهتون و يكذبون على اللّه و على أنبيائهم و كتابهم (139) «صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً» الآية، فعلة من صبغ كقعدة من قعد، و ذلك و اللّه أعلم لما كانت النصارى تصبغ من دخل في دينها في ماء يقال له المعمودية لتطهره بذلك الصبغ عن كل دين سواه، قال اللّه لنا و لهم: «صِبْغَةَ اللَّهِ» الذي هو الإيمان المطهر القلوب من الكفر و الشرك‏ «وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً» هو قوله: (وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ) فإن هذه الصبغة تسعده و تحله دار القرار، و صبغتهم ليست كذلك، لأنها من شرعهم الذي لم يأذن به اللّه، و نصب صبغة اللّه على أن يكون بدلا من قوله: (بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ) أو نصبا على الإغراء، و يكون‏ «وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ» مبتدأ فإن كان‏ «وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ» عطفا على قوله: (آمَنَّا بِاللَّهِ)* كان نصب صبغة اللّه على أن يكون مصدرا مؤكدا لقوله: (آمَنَّا بِاللَّهِ)* و هو أوجه من الأول لانتظام الكلام على نسق واحد، و قوله: «وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ» أذلاء تحت أمره و حكمه، (140) «قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 210

و إنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللّه و رسوله، فهجرته إلى اللّه و رسوله، و من كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) و النية لجميع الحركات و السكنات من المكلفين للأعمال، كالمطر لما تنبته الأرض، فالنية من حيث ذاتها واحدة، و تختلف بالمتعلق، و هو المنوي فتكون النتيجة بحسب المتعلق به لا بحسبها، فإن حظ النية إنما هو القصد للفعل أو تركه، و كون ذلك الفعل حسنا أو قبيحا، و خيرا أو شرا ما هو من أثر النية، و إنما هو أمر عارض عرض، ميّزه الشارع و عينه للمكلف، فليس للنية أثر البتة من هذا الوجه خاصة، و إنما النية سبب في ظهور الأعمال الصالحة و غير الصالحة، و ليس لها إلا الإمداد، و حقيقتها تعطي تعلقها بالمنوي، و كون ذلك المنوي حسنا أو قبيحا ليس لها، و إنما ذلك لصاحب الحكم فيه بالحسن و القبح، فالمخاطب المكلف إن نوى الخير أثمر خيرا، و إن نوى الشر أثمر شرا، و ما أتي عليه إلا من المحل من طيبه و خبثه، فالإخلاص هو النية و إن فاتتك النية فاتك الخير كله، فكثير ما بين فاعل بنية القربة إلى اللّه، و بين فاعل بغير هذه النية، و العبادة عمل و ترك، فالإخلاص مأمور به شرعا.

______________________________
فِي اللَّهِ» الآية، هذه المحاجة هو قوله: (فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ) أي في منازعة لكم في اللّه و ما أنزل إليكم، فقال اللّه لنبيه: «قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَ هُوَ رَبُّنا وَ رَبُّكُمْ» عندنا و عندكم، فقد ثبت ذلك و أجمعنا عليه نحن و أنتم أن اللّه رب الكل فما فيه محاجة، و ادعيتم أنتم الشريك معه و هو عزير و المسيح، و لم تأتوا على ذلك ببرهان و لا تجدونه، و قد يئسنا من رجوعكم إلى ديننا، و يئستم من رجوعنا إلى دينكم، كلمة إنصاف قوله: «وَ لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ» أي ما عمل كل واحد منا من شي‏ء يجده عند اللّه، لا خلاف بيننا و بينكم في ذلك، قال تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) غير أنه يظهر الحق معنا فنحن له مخلصون، و هو قوله: «وَ نَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ» أي أخلصنا له الألوهية أن يكون له فيها شريك أو معين و لم تفعلوا أنتم ذلك (141) «أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطَ» الآية، قد تكون أم هنا معادلة لهمزة تحاجوننا، يقول: أ تحاجوننا أم تقولون، فإن الهمزة التي في أ تحاجوننا يتصور فيها الاستفهام و الإنكار، و كذلك‏ «أَمْ تَقُولُونَ» فتكون متصلة، و تكون القراءة في تقولون بالتاء المنقوطة من فوق، فإن كانت القراءة بالياء فهي منقطعة، فإنه ذكر عن غائب، و القراءة على الخطاب أولى، و العطف أوجه في القراءتين، على أن يكون أي الأمرين‏ «إِنَّ إِبْراهِيمَ‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 211

[سورة البقرة (2): الآيات 140 الى 143]

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى‏ قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141) سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى‏ عَقِبَيْهِ وَ إِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (143)

«وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً» أي خيارا عدلا «لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ» فقد نص على عدالتنا بمجرد الإيمان، و إن كان قد علم أنه يقع منا الجور و الظلم و التعدي للحدود

______________________________
وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى‏» فتباهتوا في ذلك، لأن من ذكرتموهم كانوا قبل حدوث هذين الاسمين، و إن أردتم المعنى الذي هو دين اليهودية أو النصرانية و إن حدث الاسم فقد أكذبكم اللّه في كتابكم و كتابنا، فلهذا قال اللّه له: «قُلْ» لهم‏ «أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ» فلا بد أن يقولوا: اللّه أعلم، فاطلبوهم بذلك، أي متى أعلمكم اللّه أنهم كانوا كذلك، بل أنزل اللّه عليكم و علينا أنهم كانوا حنفاء مسلمين، لم يكونوا هودا و لا نصارى‏ «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ» أي قد علموا أن اللّه شهد عندهم في كتابهم بذلك و كتموه، و وجه آخر «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ» من اللّه، و هو يعلم أن اللّه يعلم سرهم و علانيتهم، و قد علم أنه أعلمهم أنهم كانوا مسلمين، فلم يؤدّوا هذه الشهادة و كتموها من اللّه، فهذا غاية الجهل باللّه‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 212

المشروعة، مع حفظ الإيمان بتحليل ما أحل اللّه و تحريم ما حرم اللّه، و هذا ما أنزله اللّه تعالى في حق هذه الأمة، فنحن نشهد على الأمم بما أوحى اللّه تعالى به إلينا من قصص أنبيائه مع أممهم، فالشهادة بالوحي أتم من الشهادة بالعين، فنأتي يوم القيامة يقدمنا القرآن، و نحن‏

______________________________
و الجحود، و يحتمل أن يكون من هنا في قوله: «مِنَ اللَّهِ» كقولنا إذا شهدنا لأحد بأمر، هذه شهادة منّي له بذلك، فيكون الكلام: و من أظلم منا لو كتمنا شهادة منا لأحد عندنا، ليعلم بذلك أهل الكتاب أن اللّه عرّض بهم في تكذيبهم بنبوة محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و بكون الأنبياء المذكورين على دين الإسلام و قوله: «وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» و عيد و قد تقدم، و كذلك (142) «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ» تقدم الترجمة عنها (143) «سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» السفهاء الضعفاء الرأي الخفاف العقول من الناس، يعني مشركي العرب و اليهود و المنافقين، و تقديمه الإخبار عن قولهم قبل قولهم ردع لكثير من شرهم، لأن الخصم إذا حكى قول خصمه قبل وقوعه منه كان أقل لشغبه، و ذلك لتوهمه بمعرفة ذلك أنه قد استعد للجواب و أعد له جوابا قاطعا، فيتبلد الخصم عند ذلك و تنكسر حدته، و قولهم‏ «ما وَلَّاهُمْ» استفهام عن السبب الموجب لتحويل القبلة، فكل فريق منهم يحزر على قدر ما يقع له، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قد صلى إلى بيت المقدس على ما قيل سبعة عشر شهرا، و أكثر الروايات على ذلك، و غاب عنهم ما في علم اللّه من انتهاء مدة الحكم في التوجه بالعبادة إلى البيت المقدس فينا و فيهم، لأن جميع الناس مخاطبون بشرع محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فشرع لنا التوجه إلى الكعبة حتى لا نبقى بلا شرع إذ لا بد أن نستقبل بالصلاة جهة ما أو جميع الجهات، فيكون ذلك مشروعا حتى يكون الاستقبال عبادة نؤجر عليها و على الصلاة، فهو خير على خير، فهذا شرع حادث اتصل بشرع انتهت مدته في علم اللّه تعالى، فأعلمنا بذلك، و مثل هذا لا يسمى نسخا، فإنه ما رفع، و إنما انقضى زمانه فانقضى هو بانقضائه، و حدث زمان فحدث شرع بحدوثه، فتخيل الضعيف الرأي أن ذلك نسخ و ليس كذلك، فإن النسخ إنما يكون فيما حكمه أن يثبت دائما فيرفع، و ما كان الأمر كذلك، فإنه ما كان في علم اللّه قط أن تستمر الصلاة إلى البيت المقدس دائما، و إن غاب ذلك عنا فنحن في هذه المسألة غير معتبرين، و إنما يعتبر ناصب الحكم و هو اللّه تعالى، و ما رأيت أحدا حقق هذه المسألة بل أطلقوا القول فيها من غير تحقيق، فقال اللّه تعالى لما قالوا ذلك: «قل» يا محمد «لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ» أي المطلوب بالعبادة إنما هو اللّه تعالى، فأية جهة شاء أن يكلف عباده عيّنها، و يجعل ذلك صراطا مستقيما لمن شرعها له، أي طريقا إلى سعادته، و أتى بمن نكرة

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 213

نقدم سائر أهل الموقف، و يقدم القراء منّا من ليس له من القرآن مثله، فأكثرنا قرآنا أسبقنا في التقدم و الرقي في المعراج المظهر للفضل بين الناس يوم القيامة، فإن للقراء منابر، لكل منبر درج على عدد آي القرآن، يصعد الناس فيه بقدر ما حفظوا منه في صدورهم، و لهم منابر أخر لها درج على عدد آي القرآن، يرقى فيها العاملون بما حققوه من القرآن، فمن‏

______________________________
و جعل الصراط مثله نكرة، يقول: أي طائفة شئت كلفت بأي عبادة شئت، فتكون صراطا له إلى سعادته مستقيما من كونه مشروعا منا، و كما كان من جعلنا الكعبة أول بيت لنا وضعناه في الأرض لعبادنا ليحفوا به كما تحف الملائكة بعرشنا، و يدخله عبادي كما تدخل الملائكة البيت المعمور، و جعلناه خير البيوت، و جعلناكم أنتم خير أمة أخرجت للناس، و جعلناكم أمة وسطا شهداء على سائر الأمم، جعلنا الأشرف من عبادي على سائر جنسهم يستقبل الأشرف من بيوتي على سائر البيوت التي نسبتها إليّ، و من تحت هذا البيت دحا اللّه الأرض على ما روي (144) «وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ» الآية، يقول: و مثل ذلك، الكاف للصفة، «جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً» أي خيارا عدلا، فالعجب من هذا كالعجب من هذا، فإن أفعال اللّه كلها عجيبة، هي نفس الحكمة تجري على غير قياس و لا مثال، هذه الآية دليل على أن المؤمن باللّه و رسوله و ما جاء من عنده محمول على العدالة، مقبول الشهادة، ليس للحاكم أن يرد شهادته، و لا يسأل عن حاله، و يحكم و لا يتوقف، هذا هو الشرع المنزل، فإن اللّه زكاه و عدله بالإيمان و جعله شاهدا مقبولا عنده، و هو الحكم العدل، و كذا فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و قد شهد عنده شخص برؤية الهلال، فقال له: أتشهد أن لا إله إلا اللّه، قال: نعم، فقبل شهادته و أمر بلالا أن ينادي في الناس بالرؤية، و أما قوله: (وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) يقول مؤمنين لم تروا منهم ما يؤدي إلى تجريحهم و ليس لكم أن تبحثوا عنهم إذ ليس في الآية ذلك و يؤيد هذا قوله في من حضره الموت في السفر (ذوا عدل منكم) يعني مؤمنين‏ (أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) أي ممن ليس بمؤمن، فإن ادعى الخصم تجريح الشاهد و أنه ذو جرحة في دينه، جرحة ترد بها شهادته، توقف الحاكم في الحكم، و قيل للخصم: أقم البينة على ما ادعيته من جرحه، فإن قامت البينة على ذلك عند الحاكم رد شهادته، و إن لم تقم عزّر الخصم لافترائه عليه، إلا أن يكون الخصم مجتهدا، فتخيل فيما ليس بجرحة أنها جرحة، فليس له تعزيره، و يحكم بشهادة الشاهد، و يكون الخصم قد أخطأ في اجتهاده، و الأوجه عندي في مسألة التجريح، أن كل جرحة لا تقدح في صدق ما يقوله لا يجرح بها في شهادته، كالتورية و غيرهم، فإنهم لا يكذبون و لو مضت في ذلك نفوسهم و أموالهم و أولادهم، و هم مع ذلك يسرقون و يفسقون بجميع أنواع الفسوق إلا الكذب، و إنما قلنا إن‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 214

عمل بمقتضى كل آية بقدر ما تعطيه في أي شي‏ء نزلت رقي إليها عملا، و ما من آية إلا و لها عمل في كل شخص لمن تدبر القرآن، و في القيامة منابر على عدد كلمات القرآن، و منابر على عدد حروفه، يرقى فيها العلماء باللّه، العاملون بما أعطاهم اللّه من العلم بذلك، فيظهرون‏

______________________________
الوسط هو العدل لأن الوسط هو الذي يكون بين طرفين، و نسبته إلى كل طرف كنسبته إلى الآخر فلا يميل إلى أحد الجانبين، و كذا ينبغي للشاهد أن يقول الحق الذي يعرفه لا على جهة الميل إلى أحد الجانبين، و كانت هذه الأمة نسبتها إلى عزمات أمر ربها فيما كلفها كنسبتها إلى رخصه، لأنها من أمر ربها، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [إن اللّه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه‏] فأتى بكاف التشبيه للتساوي بين المحبتين بميله إلى كل جانب على السواء، و لما كانت هذه الأمة ما غلت في دينها كما غلا أهل الكتاب، فلم تفرط و لا قصرت في دينها و لا فرطت كما فرط من ترك النظر في الأدلة و قادته الشبه إلى ترك أشياء مما يجب الإيمان بها و لم تفرط في ذلك كانت أمة وسطا، و كذا نسبتها إلى الرجاء و الخوف، فالوسط العام الذي تشترك فيه الأمة كلها و يقضي بعدالتها أنهم لم يفرقوا في إيمانهم بالرسل و ما جاءوا به بين واحد منهم، و نسبتهم من حيث إيمانهم إلى كل واحد منهم على السواء، ثم يعلو الوسط في الأمة خصوصا بعد خصوص بتفصيل ليس هذا موضعه إلى أن ينتهي إلى أخص وصف في نسبة ما يجري منه من خير و غير ذلك إلى الأسماء الإلهية، ثم قال:

إنه جعل هذه الأمة أمة وسطا «لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ» يوم القيامة، إذا أنكروا تبليغ أنبيائهم إليهم رسالات ربهم مع كونهم ما شاهدوهم، و لكن الغرض حصول العلم عند الشاهد فيما يشهد به، لا سبب حصوله، و قد علمنا قطعا بما أنزله علينا و أخبرنا به في كتابه أن الرسل بلغت أممها، و حكى لنا قصصهم، و هذا السبب أقوى من أن لو شاهدناهم، فتثبت الشهادة قطعا للخبر الصدق، و لهذا كانت شهادة خزيمة شهادة رجلين، يقبل وحده، و يجوز من هذه الآية أن يشهد الشاهد إذا حصل عنده العلم الذي يقطع به، أي وجه حصل و إن لم يشهد ذلك و لا حضره، بخلاف الحاكم فإنه لا يحكم بعلمه و لا يأثم، و الشاهد يأثم إن لم يشهد بعلمه، و ليس للحاكم أن يسأله كيف وصل إليه هذا العلم، إلا إذا عرف أنه لم يشهد تلك القضية المشهود فيها، فليس له أن يقبل شهادته إلا حتى يعرف السبب و يعمل بمقتضاه عند ذلك، و أما قوله تعالى: «وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» أي رقيبا عليكم في ذلك اليوم حتى تؤدوا الشهادة للأنبياء على أممهم، و منه قول عيسى عليه السلام: [و كنت عليهم شهيدا] أي رقيبا [ما دمت فيهم‏] و قوله تعالى:

[إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ‏] و قد تكون على بمعنى اللام، فإن حروف الجر تبدل بعضها من بعض، و يعرف ذلك بالمعنى، قال تعالى: [وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ‏] أي للنصب و هي‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 215

على معارج حروف القرآن و كلماته بسور تلك الحروف و الكلمات و الآيات و السور و الحروف الصغار منه، و به يتميزون عن أهل الموقف في هذه الأمة، لأن أناجيلهم في صدورهم‏ «وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى‏ عَقِبَيْهِ» فإن الدار الدنيا دار بلاء و فيها يظهر الصادق من الكاذب‏

______________________________
الأصنام التي نصبوها للعبادة فكانوا يقربون لها، فعلى هذا يخرج قوله: «وَ يَكُونَ الرَّسُولُ» لكم [شهيدا] بعلامات قد جعل اللّه في أمته، يعرف بها المؤمن منهم من غير المؤمن، فيشهد للمؤمن و يشهد على الكافر، فمن علامة المؤمنين أن لهم نورا يسعى بين أيديهم و بأيمانهم، و من ذلك أن يأتوا غرّا محجلين من آثار الوضوء، و قد يخرج على شهادته على الكفار ممن بعث إليهم فلم يؤمنوا به، فإن رسالته عامة لجميع الخلق و كافرهم أكثر من مؤمنهم، فغلّب الكثرة على القلة، فأتى بعلى دون اللام، و عطف ضمير المخاطب في عليكم على الضمير في تكونوا لما يتضمن ضمير المخاطب من المؤمنين، فإن الأنبياء كلهم يوم القيامة يشهدون على أممهم للّه بردهم دعوة الحق التي جاءوا بها إليهم، ثم قال تعالى: «وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى‏ عَقِبَيْهِ» يقول: قبلة لك، أي تتوجه إليها عند الصلاة و في الدعاء، الكعبة و بيت المقدس، إلا ابتلاء لقومك، فإنه صلّى اللّه عليه و سلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم صلى إلى البيت المقدس سبعة عشر شهرا، ثم أمر باستقبال الكعبة، كل ذلك اختبارا و محنة لقومه، و دلالة على صدقه، و أنه في كتابهم من علاماته أن يصلي إلى القبلتين، و لذا قال: [و إن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم‏] ثم قال [ليعلم الرسول و المؤمنون‏] لأنه سبحانه شرّك في الضمير بينه و بينهم تشريفا لهم، لأنهم أهل القرآن، فهم أهل اللّه و خاصته، و هذا كثير في كلام العرب معروف غير منكور، و الذي يتعلق به من التأويل في جناب الحق هو أن يتعلق العلم بالكائن كما تعلق بسيكون، فهو لتعلق العلم لا لاكتساب العلم، و منه قوله: [و لنبلونكم حتى نعلم‏] فقال: «إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ» فيما يشرع لكم على يده، أي يقتدي به من غير معارضة و لا اعتراض، «مِمَّنْ يَنْقَلِبُ» أي يرجع عنه‏ «عَلى‏ عَقِبَيْهِ» يعني إلى ضلالته التي جاء منها مقبلا على الرسول ليسمع منه، فلما تبين له الهدى انقلب على عقبيه فأضله اللّه على علم [و ما كان اللّه ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون‏] و هؤلاء الذين انقلبوا على أعقابهم في هذه المسألة و غيرها، هم الذين يكون غدا جزاؤهم عند اللّه إذا قالوا للمؤمنين: [انظرونا نقتبس من نوركم قيل لهم‏] من جانب الحق [ارجعوا وراءكم‏] كما رجعتم عند ما رأيتم نور الهدى في الدنيا على أعقابكم [فالتمسوا نورا] هنالكم و لن تجدوه، و كثرت قالة الكفار و المنافقين في رجوع النبي عليه السلام إلى استقبال‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 216

«وَ إِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ»، اعلم أن للرأفة موطنا لا تتعداه، و إن اللّه يحكم بها حيث يكون وزنها، فإن اللّه ينزل كل شي‏ء منزلته، و لا يتعدى به حقيقته، فاللّه هو الرءوف تعالى مع أنه شرع الحدود، و أمر بإقامتها، و عذب قوما بأنواع العذاب الأدنى و الأكبر.

[سورة البقرة (2): آية 144]

قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)

لا يرفع حكم أن وجه اللّه حيثما توليت، و لكن اللّه اختار لك ما لك في التوجه إليه سعادتك، و لكن في حال مخصوص و هي الصلاة، و سائر الأينيات ما جعل اللّه لك فيها هذا التقييد فجمع لك بين التقييد و الإطلاق، و المسجد الحرام موطن عبودية لأن السجود

______________________________
الكعبة في الصلاة بما لا يفيد ذكره‏ «وَ إِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ» إن هنا مخففة من الثقيلة، و لهذا دخل في خبرها اللام لأنه يقرأ بالرفع على زيادة كان، و الضمير في كانت يعود على التولية أو الجعلة، و كونها كبيرة حيث ثقلت عليهم، و قد أخبر عن الصلاة أنها كبيرة إلا على الخاشعين، أي ثقيلة شاقة، فقد انضافت إليها كبيرة أخرى، و هي التولية إلى الكعبة، فزادتهم مشقة إلى مشقتهم‏ «إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ» يقول إلا المؤمنون الذين ليس في قلوبهم مرض، فإن ذلك كله هين عليهم محبوب لهم، إذ ليس لهم غرض بتصريف مخصوص معين، بل هم مرتقبون لما يصرفهم إليه الحق و ما يصرفهم فيه، ثم قال: «وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ» أي ليخيب‏ «إِيمانَكُمْ» أي تصديقكم و صلاتكم إلى القبلة التي حولتم عنها، لما علم أن بعضهم سيقدح ذلك في نفسه، و يقول: هل له أجر في عمله الأول أم لا؟ فأخبره اللّه بأنه لا يضيع عمل عامل منهم، قال تعالى:

[إن اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا] و كيف يضيعه و هو الذي شرعه و وعد بالأجر عليه و وعده صدق‏ «إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ» عطوف عليهم، و لذلك شرع لهم و أبان طريق سعادتهم و لم يعمّ عليهم و لا لبّس، «رَحِيمٌ» بهم فيما أسبغ عليهم من النعم مع كفرهم به لعلهم يرجعون، ثم أخذ يخاطب نبيه عليه السلام فقال: (145) «قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ» الآية،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 217

هو التطأطؤ، و هو نزول من أعلى إلى أسفل، و به سمي الساجد ساجدا، لنزوله من قيامه.

[سورة البقرة (2): الآيات 145 الى 146]

وَ لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَ ما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَ ما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (146)

«الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ» فإنهم مصدقون بكتابهم و هذا النعت فيه و قد أبصروه، فيعلمون أنه عين هذا النعت و لا يعرفون الشخص الذي قام به‏

______________________________
لما كانت اليهود تقول ما بال محمد يتبع قبلتنا و لا يتبعنا في ديننا، ثقل ذلك على النبي صلّى اللّه عليه و سلم حيث نسبوه إلى اتباعهم في أمر، و خاف على الضعفاء في إيمانهم من المؤمنين أن تتعلق بقلوبهم شبهة من ذلك تقدح في إيمانهم، و كانت الكعبة قبلة إبراهيم أبيه عليه السلام، و من ملته التوجه إليها، فكان يختارها على سائر الجهات من الأماكن، فكان يستقبل السماء لكونها محل الدعاء شرعا، و يكثر تقلب وجهه فيها في عموم أوقاته عسى أن يكون ذلك التقلب شرطا في علم اللّه في صرفه إلى الكعبة، فكان يقلب وجهه في السماء حسا و وجه قلبه فيما يسمو من معالي الأمور مما يظهر به شرفه، إذ كان البيت أشرف البيوت، فقال اللّه له: «قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ» يعني في طلب استقبال الكعبة «فَلَنُوَلِّيَنَّكَ» يقال: وليته كذا إذا جعلته واليا عليه‏ «قِبْلَةً تَرْضاها» أخبر الناس باعتنائه به حين لم يعمل ذلك مع غيره، قال تعالى: [وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏] و استقبال الكعبة منها، فما كره استقبال بيت المقدس، فإنه صلّى اللّه عليه و سلم يستحيل عليه أن يكره ما شرع له و إنما كان ذلك لما ذكرناه، فأمره سبحانه و أوجب عليه ليكون الأجر أعظم بإتيان الواجب، فإنه يقول:

[ما تقرب إليّ أحد بأحب إلي من أداء ما افترضت عليه‏] فقال له: «فَوَلِّ وَجْهَكَ» في الصلاة، و نزلت و هو في صلاة الظهر في شهر رجب قبل قتال بدر بشهرين، فتحول في الصلاة بعد أن صلى منها ركعتين و استقبل الكعبة، و حول الرجال مكان النساء و النساء مكان الرجال، و سمي ذلك المسجد مسجد القبلتين، و هو مسجد بني سلمة، و قوله: «شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» أي ناحيته و مواجهته، و المسجد الحرام هنا إنما هو الكعبة خاصة، و نصبه على الظرف، و لا وجه لمن قال‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 218

هذا النعت لجواز أن يقوم ذلك النعت بأشخاص كثيرين، فدخلهم الاحتمال في الشخص لا في النعت. «وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» أنه الحق فيكتمونه عن مقلديهم، و عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنهم عرفوه أنه صاحب هذا النعت، فقوله: «وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ» هم الذين يلبسون الحق بالباطل‏ «لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» يقول: إن الحق أبلج لا لبس فيه، لقوة الدلالة عليه.

______________________________
إنه أراد المسجد لتعذر حصول العلم باستقبال البيت، و ما نحن مأمورين إلا بالاجتهاد حتى يغلب على ظننا أنا قد استقبلنا عين البيت، و إن لم يكن في نفس الأمر على ذلك، فما كلف اللّه نفسا إلا وسعها، و على البعد المفرط يلزم في الحرم كله أي في استقباله ما يلزم في البيت، فلا وجه لذلك القول، ثم قال: «وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ» من أرض اللّه و أردتم الصلاة «فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» ثم قال: «وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» يعني أهل التوراة و الإنجيل‏ «لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» يعني تحويلك إلى الكعبة و صلاتك إلى القبلتين، فإنه مذكور في كتابهم، و هو من جملة الأدلة على نبوتك، و لكنهم قوم بهت قد ختم اللّه على قلوبهم‏ «وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ» و عيد لهم، و شفاء صدر و راحة لرسوله و للمؤمنين، ثم قال: و إن كانت هذه من آياتك التي ظهرت لهم و علموا صدقها، يقول اللّه له: (146) «وَ لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ» يقول:

و لئن جئتهم بجميع الآيات كلها التي تدل على صدقك‏ «ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ» أي دينك، و منه القبلة المعروفة «وَ ما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ» أي دينهم و قبلتهم أيضا، و ذلك بشرى للنبي عليه السلام من ربه بثباته على استقبال الكعبة، إذ في الإمكان أن يصرف إلى قبلتهم مرة أخرى كما صرف أولا، ثم أخبر عنهم فقال: «وَ ما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ» يعني اليهود و النصارى لا يتبع بعضهم دين بعض و لا قبلته مع اتفاقهم على مخالفتك، ثم عرّض بهم في اتّباعهم أهواءهم، فإنهم من الظالمين من بعد ما تبين لهم الحق، و حذر أمته صلّى اللّه عليه و سلم، و الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه و سلم خطاب فرض و تقدير، و قد يفرض وقوع المحال مع العلم بأنه غير واقع، لكن يؤتى به مفروضا لما فيه من الفائدة فقال‏ «وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ» و هذه صفتهم، و هو من قولهم:

[إياك أعني فاسمعي يا جارة]، ثم قال: (147) «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ» هذا مثل قوله: (لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً) و (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ) و هو كل كلام له وجهان، وجه إلى ما قبله، و وجه إلى ما بعده، فيجوز الوقف عليه ثم يبتدئ به، فيجوز أن يكون‏ «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ» صفة للظالمين له وجه إلى ذلك، يقول: «إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ» فإنهم ظلموا بعد ما جاءهم العلم بما جئت به، و يقويه قوله: (مِنْ بَعْدِ

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 219

[سورة البقرة (2): الآيات 147 الى 148]

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (148)

«وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها» و العارف متصرف في كل وجهة لكونه يشاهد وجهه.

______________________________
ما جاءك من العلم) ثم يرجع القارئ بعد الوقوف عليه لبيان ما ذكرناه يبتدئ به فيقول: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ»* يعني أهل التوراة و الإنجيل «يعرفونه» تحويل القبلة في كتابهم، فالضمير يعود عليه هنا و أنه مذكور، و من أعاده على محمد عليه السلام فيتكلف و له موضع آخر «كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ» لا يشكون فيه، فإن إخبار اللّه لا شك فيه، و تقليده فيما أخبر به علم، و تقليد الرجل المرأة أن هذا الولد له لا يقوى هذه القوة، لإمكان الخيانة و الكذب الذي يجوز عليها، و اللّه يستحيل عليه ذلك، و إنما قرنه بمعرفة الأبناء و إن كان يتطرق إليه الشكّ لوجهين، و هما: أن مثل هذا من حصول الفراش، أو إلحاق الابن به في شرعهم هو ابنه شرعا، و لا يجوز له إنكاره، و قد كان هذا مقررا عندهم، و في الجاهلية يعرف ذلك من يعرف أنكحتهم، فبهذا القدر وقع التشبيه و إلا كان المشبه أبين من المشبه به، و المراد زيادة البيان في التشبيه، ثم استثنى العلماء من أهل الكتاب الذين كتموا الحق بعد علمهم من العلماء الذين ما كتموه و من المقلدين للكاتمين و المقرين، فأخبر عنهم بكتمانهم الحق بعد علمهم به فقال: «وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» الألف و اللام للعهد و لجنس الحق، أي كل حق يأتيهم به، أو الحق الذي تقدم ذكره من تحويل القبلة، لأنه قد تقدم الإخبار عنهم في ذلك في قوله في أول القصة: (وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) ثم قال: «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» بالنصب و الرفع، فنصبه على وجهين: الوجه الواحد على البدل من الحق المكتوم، فإنه أبين من الحق الأول بإضافته إلى الرب في قوله: (مِنْ رَبِّكَ) و الثاني أن يكون مفعولا لقوله: «وَ هُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ»، و من رفعه فعلى الابتداء «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» في كذبهم، و يكون‏ (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) تفسيرا لقول اللّه‏ (وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ) فهذا الحق ما هو ذلك الحق، مع أنه عليه السلام لا يمتري في شي‏ء مما يخبره اللّه، و لكن فيه إشارة و دليل على الأخذ بالظاهر و ترك التأويل لما يتطرق إلى الكلام من الاحتمالات في التأويل، فكأنه يقول: هو كما أخبرتك لا تأويل فيه، كما قال: (إِنْ هُوَ إِلَّا*

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 220

[سورة البقرة (2): آية 149]

وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149)

أي من كل جهة خرجت مصليا فاستقبل المسجد الحرام، و يجوز صلاة الفرض داخل الكعبة، إذ لم يرد نهي في ذلك و لا منع، و قد ورد و ثبت حيثما أدركتك الصلاة فصل،

______________________________
ذكر و قرآن مبين) أي ظاهر ما فيه لغز و لا رمز كما يكون في الشعر، فقال: (وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ) لأنه بعث بالبيان الشافي، و وضع الشعر ليس على هذا البناء و إن كان يقع فيه البيان، ثم قال: (149) «وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها» يقول: و لكل أمة من الناس وجهة هو موليها أي جهة و قبلة يولي وجهه إليها و يستقبلها، فمن جعل ضمير «هو» عائدا على اللّه يقول: أنا جعلته يولي نحوها، و هنا وجهان الواحد: أن ذلك بقضائنا و إلهامنا إياه و إرادتنا، و الوجه الآخر قوله:

(وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) فأصل نصبها قبلة كان منها على لسان الرسول الذي بعثناه لتلك الأمة، أو يعود الضمير على الذي يولي وجهه نحو تلك الجهة، ثم قال: «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ» أي اجروا مع الخيرات في الحلبة إلينا، فإن الخيرات إلينا تقصد، فإذا سابقتموها كنتم معها على طريق واحد فتوصلكم إلينا، قال النبي عليه السلام: [و الخير كله بيديك و الشر ليس إليك‏] و الخيرات كل عمل مشروع، و وجه آخر فاستبقوا بالخيرات إلينا أي سابقوا بما شرعنا لكم، اركبوها مستبقين إليّ، و وجه آخر «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ» فاستبقوا إلى الخيرات إذا رأيتموها، فبادروا مستبقين إلى الأخذ بها، و قوله: «أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً» موضع مخصوص للجمع فيه و زمان مخصوص، فإنه تعالى مع عباده أينما كانوا، قال تعالى: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً) و هذا يؤيد أن الضمير في‏ «هُوَ مُوَلِّيها» يعود على اللّه، و إنما وقع التعريف بالإتيان لأنه من الممكنات، فأخبر تعالى أنه واقع، و وجه آخر تعريف للمنكرين ذلك المحيلين له بحكم جهلهم فيما غاب عنهم‏ «إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» منه إتيانهم‏ «قَدِيرٌ» ثم عاد و قال: (150) «وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» فليس هذا بمعنى الأول من كل وجه، فإن هناك الأمر بالتولية إلى شطر المسجد الحرام من موضعه ذلك و ما فيه ذلك البيان، لأنه قد يحتمل أن يقصد من ذلك الموضع لكونه شرقا أو جنوبا، فقال له هنا: إنما يقصد لعينه من حيث خرجت، لا تراعي شرقا و لا غربا و لا جنوبا و لا شمالا، و إن كان في الأول ما يدل عليه في قوله: (وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) فإن ذكره على التعيين، و تخصيصه يعطي من البيان أكثر من‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 221

إلا الأماكن التي خصصها الدليل الشرعي في ذلك لا لأعيانها، و إنما ذلك لوصف قام بها، فيخرج بنصه ذلك القدر لذلك الوصف،

[تفسير «وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ»]

و قوله: «وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ» أي إذا خرجت من الكعبة، أو من غيرها، و أردت الصلاة فول وجهك شطرها أي لا تستقبل بوجهك في صلاتك جهة أخرى لا تكون الكعبة فيها، فقبلتك فيها ما استقبلت منها، و كذلك إذا خرجت منها ما قبلتك إلا ما يواجهك منها سواء أبصرتها أو غابت عن بصرك، و ليس في وسعك أن تستقبل ذاتها كلها بذاتك، لكبرها و صغر ذاتك، فالصلاة في داخلها كالصلاة خارجا عنها و لا فرق، فقد استقبلت منها و أنت في داخلها ما استقبلت، و لا تتعرض بالوهم لما استدبرت منها إذا كنت فيها فإن الاستدبار في حكم الصلاة ما ورد و إنما ورد الاستقبال، و ما نحن مع المكلّف إلا بحسب ما نطق به من الحكم، فلا يقتضي عندنا الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده فإنه ما تعرض في النطق لذلك، فإذا تعرض و نطق به قبلناه، و من صلى فوق البيت لم يصل الصلاة المشروعة، فإن شطر المسجد لا يواجهه و هو مأمور بالاستقبال إليه في الصلاة و هو في هذه الحالة لا فيه و لا مستقبله.

[سورة البقرة (2): آية 150]

وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِي وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)

– تفسير من باب الإشارة- «وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ» إلى الوجود أي من زمان خروجك من العدم إلى الوجود فارجع بالنظر و الاستقبال مفتقرا مضطرا إلى ما منه خرجت،

______________________________
اشتراكه في الضمير مع أمته، و لذا خصصه في الثالثة أيضا مع تشريكه في ضمير المخاطبين من المكلفين من أمته، هذا وجه، و الوجه الآخر، أن الأول قرن معه علم الذين أوتوا الكتاب أنه الحق من ربك، و ما قرن معه علمه به بأن أعلمه هو تعالى أنه الحق على الاختصاص لا بحكم التضمين كما أعلمهم، و هو عليه السلام أولى بعلم الاختصاص من أن يعلم من أنهم علموا أنه للحق، و كرره باللفظ الظاهر حتى يرتفع اللبس، و لو كان مضمرا ربما وقع الخلاف في صاحب‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 222

فإنه لا أين لك غيره، فانظر فيه تجده محيطا بك مع كونه مستقبلك‏ «وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ» من الأحوال‏ «فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» أي لا تعرضوا عنه، و وجه الشي‏ء حقيقته و ذاته، فإن الإعراض عن الحق وقوع في العدم، و هو الشر الخالص، كما أن الوجود هو الخير المحض الخالص، و الحق هو الوجود، و الخلق هو العدم، قال لبيد: ألا كل شي‏ء ما خلا اللّه باطل‏

______________________________
الضمير من هو، فقال تعالى: «وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ» فأعلمه أنه الحق من ربه، فساواهم في الطريق الموصلة إلى العلم به نصا، ثم قال‏ «وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» وعيد في كتمانهم الحق المتقدم الذكر، ثم قال ثالثا: (151) «وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» فأتى به ظاهرا كما قلنا لارتفاع الاحتمالات التي تعرض للضمائر، و هذا إنما ذكره ليبين ارتفاع الحجة عليكم من المنازعين لكم في ذلك، فكان الأول لمعنى خاص، و الثاني لمعنى آخر، و الثالث لمعنى ليس هو الأول و لا الثاني، و الاختصاص لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم بالذكر تشريف، قال: «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ» يعني أهل مكة القائلين لم ترك محمد قبلة أبيه إبراهيم، و قد قال إنه قبل اتبع ملة إبراهيم، و عدل إلى استقبال بيت المقدس، فهذه هي الحجة التي أراد اللّه حسمها عن نبيه في تحويل القبلة، و لا يلزم من رد حجة خصم في أمر ما أن يكون ذلك ردا أو حجة على خصم آخر بقول آخر، و اعتراض لذلك الآخر في مقابلة اعتراضه و حجته جواب آخر بدليل آخر إذا ذكر ذكر معه‏ «إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ» يعني عاندوا فيقولون كما بدا له و رجع إلى قبلة آبائه بعد أن كان انصرف عنها، لا نأمن عليه أن يرجع معنا إلى ديننا الذي نحن عليه، و ذلك أنه ما من حالة تكون إلا و يمكن أن يكون لها وجوه جمة من التأويلات، فما يتخصص وجه منها دون غيره إلا بقرينة حال أو دليل واضح عند من يظهر عنده ذلك، فما يعاند المعاند مع معرفته بصحة ما يعاند فيه إلا من أجل الاحتمالات التي تعطي تلك الحالة، فيجد بذلك مساغا و مدخلا إلى المعاندة لا غير، و حجة موضع الوقف و الاستئناف تنبيه، ثم قال: «فَلا تَخْشَوْهُمْ» الضمير يعود على الذين ظلموا، يقول: لا تخافوا ما يقولون و لا ما يعاندون به، و اهملوهم و اطردوهم من قلوبكم‏ «وَ اخْشَوْنِي» و اشتغلوا بالخوف مني الذي بيدي الضر و النفع، و هم لا يضرون و لا ينفعون‏ «وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ» عطف على قوله: «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ» «وَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» الترجي منهم أن يكونوا من المهتدين، و قد تقدم الكلام في‏ «لَعَلَّكُمْ» في أول السورة، و قد يكون‏ «وَ لِأُتِمَّ» معطوف على شي‏ء مقدر، يقول: و اخشوني‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 223

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في هذا القول: إنه أصدق بيت قالته العرب. و لا شك أن الباطل عبارة عن العدم؛ فلا تحجب بالجهة الكعبية، عن الجهة الإلهية القلبية.

[سورة البقرة (2): الآيات 151 الى 152]

كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَ يُزَكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ (152)

أمر اللّه عباده المؤمنين بالذكر و الشكر، فعليك بذكر اللّه في السر و العلن و في نفسك و في الملأ، فقد جعل الحق جواب الذكر من العبد الذكر من اللّه. فذكر اللّه جزاء وفاق على ذكر العبد، و ذكره تعالى في هذا الموطن هو المصلي عن سابق ذكر العبد، قال تعالى:

______________________________
لأنعم عليكم و لأتم نعمتي عليكم و لعلكم تهتدون إذا فعلتم هذه الخشية، ثم قال: (152) «كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ» الآية، يقول: و لأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا، مثل ما أنعمت عليكم بقبول دعوة أبيكم إبراهيم حين قال هو و إسماعيل: (رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ) فأرسلت فيكم منكم معشر العرب رسولا منكم‏ «يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا» يريد آيات القرآن‏ «وَ يُزَكِّيكُمْ» بأخذ الصدقة من أموالكم، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها) «وَ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ» أي يبين لكم ما أنزل إليكم في القرآن، قال تعالى: (وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) و قال تعالى: (وَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) «وَ الْحِكْمَةَ» يقول: كيف تكونون حكماء «وَ يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» يعني ما كنتم به جاهلين من يوم الجمعة و غيره، مما يقربكم العلم به إلى سعادتكم، إذ العلوم على قسمين:

علم لا يتضمن عملا، و علم يتضمن عملا، فأما العلم الذي يتضمن العمل فأفعال العبادات لا تعلم إلا من جهته، و أما العلم الذي لا يتضمن عملا كالعلم بما ينسب إلى الحق مما لا يقتضي دليل نسبته إليه، و كالعلم بالآخرة و مواطنها و ما يكون فيها مما ينفع العالم العلم به، و هذا كله لا يعلم إلا من طريق الشرع، إذ العقل لا يستقل بإدراك شي‏ء من هذا، بل ربما يحيل العقل الضعيف بعض الإطلاقات الشرعية و يتكلف فيها التأويلات البعيدة، فهذا معنى قوله:

«وَ يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ»، ثم قال: (153) «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، وَ اشْكُرُوا لِي‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 224

هو الذي يصلي عليكم أي: يؤخر ذكره عن ذكركم، فلا يذكركم حتى تذكروه، كان صلّى اللّه عليه و سلم في حال الضراء يقول: الحمد للّه على كل حال، و في حال السراء: الحمد للّه المنعم المفضل، و أي ضراء على العبد أضر من الذنب، فإنك إذا أشعرت قلبك ذكر اللّه دائما في كل حال لا بد أن يستنير قلبك بنور الذكر، و اللّه يقول في الخبر المأثور الصحيح عنه الحديث و فيه: «و أنا معه» يعني مع العبد «حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، و إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». و قال تعالى: «وَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ» و أكبر الذكر ذكر اللّه على كل حال، و الشكر من المقامات المشروطة بالنعماء و المحبة، ليس للبلاء في الشكر دخول، و لا للصبر في النعم دخول، و لما كانت الصلاة مناجاة بين اللّه و بين عبده فإذا ناجى العبد ربه فأولى ما يناجيه به من الكلام كلامه، الذي شرع له أن يناجيه به، و هو قراءة القرآن في أحوال الصلاة، من قيام و هو قراءة الفاتحة، و ما تيسر معها من كلامه، و من ركوع و هو قوله تعالى: «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ»* فهو ذاكر ربه في صلاته بكلامه المنزل، و كذلك في سجوده يقول: «سبحان ربي الأعلى» فأمرنا اللّه بذكره و شكره، و الفاتحة تجمع الذكر و الشكر، و هي التي يقرؤها المصلي في قيامه، فالشكر فيها قوله‏ «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»* و هو عين الذكر بالشكر إلى كل ذكر فيها و في سائر الصلاة، فذكر اللّه في حال الصلاة و شكره، أعظم و أفضل من ذكره سبحانه و شكره في غير الصلاة، فإن الصلاة خير موضوع العبادات، و قد أثرت هذه الصلاة في الذكر هذا الفضل و هو يعود على الذاكر، و ينبغي لكل من أراد أن يذكر

______________________________
وَ لا تَكْفُرُونِ» يقول سبحانه: «فَاذْكُرُونِي» بهذه النعم التي قررتكم عليها و أتممتها عليكم التي لا تحصى كثرة، سرا في نفوسكم و علانية في ملإ من عبادي، تعلمون به الجاهل، و تذكرون به الناسي و الغافل‏ «أَذْكُرْكُمْ» جزاء لذكركم إياي، فمن ذكرني منكم في نفسه ذكرته في نفسي، و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه يعني الملائكة، قال: و اشكروا نعمتي، و قرنها بقوله تعالى: «لِي» فقال: «وَ اشْكُرُوا لِي» و هذا شكر خاص، و هو أعلى الشكر، و حق الشكر و هو أن ترى جميع النعم منه حين تقف الناس مع الأسباب التي يرسل اللّه النعم عند وجودها، فلذلك قال: «وَ اشْكُرُوا لِي» و قد وعد بالزيادة للشاكرين، قال: «وَ لا تَكْفُرُونِ» أي و لا تستروا نعمتي، فإنه يقول لنبيه لما قال: (وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى‏) (وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 225

اللّه تعالى و يشكره باللسان و العمل أن يكون مصليا، و ذاكرا بكل ذكر نزل في القرآن لا في غيره، و ينوي بذلك الذكر و الدعاء الذي في القرآن ليخرج من العهدة، فإنه من ذكره بكلامه فقد خرج عن العهدة فيما ينسب في ذلك الذكر إلى اللّه، و ليكون في حال ذكره تاليا لكلامه، فيقول في التسبيحات ما في القرآن، و من التحميدات ما في القرآن، و من الأدعية ما في القرآن، فتقع المطابقة بين ذكر العبد بالقرآن لأنه كلام اللّه، و بين ذكر اللّه إياه في قوله: «أَذْكُرْكُمْ» فيذكر اللّه الذاكر له و ذكره كلامه فتكون المناسبة بين الذكرين، فإذا ذكره بذكر يخترعه لم تكن تلك المناسبة بين كلام اللّه في ذكره للعبد و بين ذكر العبد، فإن العبد هنا ما ذكره بما جاء في القرآن و لا نواه، و إن صادفه باللفظ و لكن هو غير مقصود «وَ اشْكُرُوا لِي» يقال شكرته و شكرت له، فشكرته نص في أنه المشكور عينه، و قوله شكرت له فيه وجهان، الوجه الواحد يكون مثل شكرته، و الوجه الثاني يكون أن يكون الشكر من أجله، فإذا كان الشكر من أجله يقول له سبحانه: اشكر من أولاك نعمة من عبادي من أجلي، ليكون شكره للسبب عين شكره للّه، فإنه شكره عن أمره و جعل المنعم هنا نائبا عن ربه، فلهذا قال سبحانه: «وَ اشْكُرُوا لِي» و لم يقل و اشكروني ليعم الحالتين، فإنكم لا تذكرونه حتى يوفقكم و يلهمكم و لذلك قال: «وَ لا تَكْفُرُونِ».

 

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=