تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الأنفال
(8) سورة الأنفال مدنيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة الأنفال (8): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)
[لم سميت المغانم أنفالا؟]
الأنفال هي المغانم، أما لم سميت المغانم أنفالا؟ فإنه لا شك و لا خفاء عند كل مؤمن عالم بالشرع، أن اللّه ما جعل القتال للمؤمن إلا لتكون كلمة اللّه هي العليا و كلمة الذين كفروا السفلى، لتتميز الكلمتان، و عرّفنا التراجمة عن اللّه و هم رسل اللّه، أن اللّه تعالى من وقت شرع الجهاد و القتال و السبي، أعطى المغانم للنار طعمة أطعمها إياها و أوجبها لها، و كان من طاعتها لربها أنها لا تتناول إلا ما أحل اللّه لها تناوله، و كان قد حرم اللّه عليها أكل المغنم، إذا وقع فيه غلول من المجاهدين، فكانت لا تأكل المغنم إذا غلّ فيه حتى يرد إليه ما كان أخذ منه، ليخلص العمل للمجاهد، فإذا جاء الشرع المحمدي زاد اللّه المغانم لأمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم طعمة على ما أطعمهم من غير ذلك، فكانت تلك الطعمة التي أخذناها من النار نافلة لهذه الأمة، و ما أعطاها إياهم لكونهم جاهدوا، إذ لو كان حقا لهم على الجهاد ما وقعت لأحد لم يجاهد معهم فيها الشركة، فما هي فريضة للمجاهدين،
و إنما هي طعمة أطعمها اللّه من ذكر، و جعل لنفسه نصيبا لكونه نصرهم، و لما كانت هذه الطعمة للنار و نفلها اللّه لهذه الأمة قال: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ» جاء في الخبر أن اللّه يصلح بين عباده يوم القيامة، هكذا جاء في الخبر النبوي في الرجلين، يكون لأحدهما حق على الآخر، فيوقف الظالم و المظلوم بين يدي اللّه تعالى للحكومة و الإنصاف، فيقول: ربّ خذ لي مظلمتي من هذا، فيقول له: ارفع رأسك، فيرى خيرا كثيرا، فيقول المظلوم: لمن هذا يا رب؟ فيقول: لمن أعطاني الثمن، فيقول: يا رب و من يقدر على ثمن هذا؟ فيقول له:
أنت بعفوك عن أخيك هذا، فيقول المظلوم: يا رب قد عفوت عنه، فيقول اللّه له: خذ بيد أخيك فادخلا الجنة، فيأخذ بيده فيدخلان الجنة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عند إيراده هذا الخبر «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ» فإن اللّه يصلح بين عباده يوم القيامة، فالكريم إذا كان من شأنه أن يصلح بين عباده بمثل هذا الصلح حتى يسقط المظلوم حقه و يعفو عن أخيه، فاللّه أولى بهذه الصفة من العبد في ترك المؤاخذة بحقوقه من عباده، فيعاقب من شاء بظلم الغير لا بحقه المختص به، و لهذا الأخذ بالشرك من ظلم الغير، فإن اللّه ما ينتصر لنفسه، و إنما ينتصر لغيره، و الذي شاء سبحانه ينتصر له.
[سورة الأنفال (8): الآيات 2 الى 3]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3)
«يُنْفِقُونَ» مما استخلفهم فيه أداء أمانة لمن شاء من عبيده.
[سورة الأنفال (8): آية 4]
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (4)
اعلم أن الإيمان نور شعشعاني، ظهر عن صفة مطلقة لا تقبل التقييد، فإذا خالط هذا النور بشاشة القلوب صدق المخبر بكل أمر لم يعلمه إلا من الذي أخبره به عند إخباره، و لم يتوقف في تصديقه عند سماعه الخبر منه، و لا يتردد فيما صدقه فيه إن قدح فيه نظره عند التفكر فيما كان أخبره به المخبر،
[من المؤمن؟]
و المؤمنون في الإيمان على قسمين: مؤمن عن نظر و استدلال و برهان، فهذا لا يوثق بإيمانه، و لا يخالط نوره بشاشة القلوب، فإن صاحبه لا ينظر إلا من خلف حجاب دليله، و ما من دليل لأصحاب النظر إلا و هو معرض للدخل فيه و القدح و لو بعد حين، فلا يمكن لصاحب البرهان أن يخالط الإيمان بشاشة قلبه و هذا الحجاب بينه و بينه، و المؤمن الآخر الذي كان برهانه عين حصول الإيمان في قلبه، لا لأمر آخر، و هذا هو الإيمان الذي يخالط بشاشة القلوب، فلا يتصور في صاحبه شك، لأن الشك لا يجد محلا يعمره، فإن محله الدليل و لا دليل، فما ثمّ على ما يرد الدخل و لا الشك، بل هو في مزيد، ثم إن المؤمن على نوعين: مؤمن له عين فيه نور، بذلك العين إذا اجتمع بنور الإيمان أدرك المغيبات التي متعلقها الإيمان، و مؤمن ما لعينه نور سوى نور الإيمان، فنظر إليه به و نظر إلى غيره به،
فالأول يمكن أن يقوم بعينه أمر يزيل عنه النور الذي إذا اجتمع بنور الإيمان أدرك الأمور التي ألزمه الإيمان القول بها، و هو المؤمن الذي لا دليل له و ينظر الأشياء بذاته فيدخله الشك ممن يشككه، فإن فطرته تعطي النظر في الأدلة، إلا أنه لم ينظر، فإذا نبّه تنبه، فمثل هذا إن لم يسرع إليه الذوق و إلا خيف عليه، و المؤمن الآخر هو بمنزلة الجسد الذي قد تسوت بنيته، و استوت آلات قواه و تركبت طبقات عينه، غير أنه ما نفخ فيه الروح، فلا نور لعينه، فإذا كان الإنسان بهذه المثابة من الطمس، فنفخ فيه روح الإيمان فأبصرت عينه بنور الإيمان، فلا يتمكن له إدخال الشكوك عليه جملة و رأسا، فإنه ما لعينه سوى نور الإيمان، و الضد لا يقبل الضد، فما له نور في عينه يقبل به الشك و القدح فيما يراه، و متى لم يكن الإيمان بهذه المثابة و إلا فقليل أن يجيء منه ما جاء من الأنبياء و الأولياء من الصدق بالإلهيات، فالفطر الذكية التي تقبل النظر في المعقولات من أكبر الموانع لحصول ما ينبغي أن يحصل من العلم الإلهي، و الفطر المطموسة هي القابلة التي لا نور لعينها من ذاتها إلا من نور الإيمان، فلا تعطي فطرته النظر في الأمور على اختلافها، و منزلة الأنبياء فيما يأخذونه من الغيب بطريق الإيمان من الملائكة منزلة المؤمنين مع ما يأخذونه من الأنبياء، فالأنبياء مؤمنون بما يلقي إليهم الروح، و الروح مؤمن بمن يلقي إليه من يلقي إليه، قال بعض الصحابة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: أنا مؤمن حقا، فادعى حق الإيمان، و هو من نعوت الباطن، فإنه تصديق، و التصديق محله القلب، و آثاره في الجوارح إذا كان تصديقا له أثر، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: فما حقيقة إيمانك؟
فقال: كأني انظر إلى عرش ربي بارزا، و قد كان صدّق رسول اللّه في قوله: إن عرش ربه يبرز يوم القيامة، فجعله هذا السامع مشهود الوقوع في خياله، فقال: كأني انظر إليه، أي هو عندي بمنزلة من أشاهده ببصري، فالمؤمن ينبغي أن يعامل الموطن بما يعامله صاحب العيان و إلا فليس بمؤمن حقا فإن لكل حق حقيقة و ليست الحقيقة التي لكل حق إلا إنزاله منزلة الشهود المدرك للبصر، لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم للصحابي: عرفت فالزم، ففسر الحقيقة بالنظر و الرؤية، و جعلها بكأن لأن يوم القيامة ما وقع حسا، و لكن وقع في حقه ممثلا فأدركه في التمثيل كالواقع في الحس.
[سورة الأنفال (8): الآيات 5 الى 11]
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (5) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ يَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الْباطِلَ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)
وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَ مَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (11)
«إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ» الأمنة هي السكينة لا غيرها، و قد تورث الأسباب الحسية المطهرة طهارة معنوية، و منها قوله تعالى: «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ» و سبب هذه الطهارة المعنوية كلها إنما هو نزول هذا الماء من السماء، و أعاد الضمير من «بِهِ الْأَقْدامَ» على المطر، و الرجز بالسين القذر عند القراء، و هو هنا القذر المعنوي، لأنه مضاف إلى الشيطان، فلا يدل إلا على ما يلقيه من الشبه و الجهالات و الأمور التشكيكية، ليقذر بها محل هذا القلب، فيذهب اللّه ذلك بما في الماء المنزل من الحياة العلمية بالبراهين و الكشف، فإذا زال ذلك القذر الشبهي بهذا المنزل من عند اللّه، زال الوسخ الجهلي و ارتفع الغطاء عن القلب، فنظر بعينه في ملكوت السموات و الأرض، و ذلك بما أعطاه العلم المنزل الذي طهره به في ذلك الماء، الذي جعل نزوله في الظاهر علامة على فعله في الباطن، فكان من مواطنه مقابلة الأعداء، فأداه ما عاينه و ربط قلبه به أن تثبت قدمه يوم الزحف عند لقاء الأعداء، فما ولوا مدبرين، و أنزل اللّه نصره و هو تثبيت الأقدام، فهذا ما أعطاه اللّه في الماء من القوة، حيث أنزله منزلة الملائكة بل أتم من الملائكة، و إنما قلنا بل أتم، فإن اللّه جعل الماء سبب تثبيت الأقدام فأنزله منزلة المعين على ما يريد.
[سورة الأنفال (8): آية 12]
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (12)
قال تعالى ذلك للملائكة لما علم من ضعفهم، أعلمهم أن اللّه معهم من حيث إنيته، ليتقوى جأشهم فيما يلقونه في قلوب المؤمنين المجاهدين، أن يثبتوا و يصابروا العدو و لا ينهزموا، و هذه من لمات الملائكة، فقال لهم: «فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا» أي اجعلوا في قلوبهم أن يثبتوا، ثم أعانهم فقال: «سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ» أخبرهم بذلك ليلقوا في نفوس المجاهدين هذا الكلام، فإنه من الوحي، فيجد المجاهد في نفسه ذلك الإلقاء، و هو وحي الملك في لمته، و هذه الملائكة التي تقوي قلوب المجاهدين و تثبتهم و توحي إليهم قوله: «سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ» هم الملائكة الذي يدخلون البيت المعمور الذي في السماء السابعة المخلوقون من قطرات ماء نهر الحياة، في انتفاض الروح الأمين من انغماسه، و لهذا قرن الملائكة بالمجاهدين في التثبيت مع الماء المنزل «وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ» فانظر كم بين مرتبة الماء و مرتبة هؤلاء الملائكة، و قد أبان اللّه في هذه عن مرتبة الماء من مراتب الملائكة، ليعقلها العالمون من عباد اللّه، فجعل اللّه من الماء كل شيء حي.
[سورة الأنفال (8): آية 13]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (13)
و من مشاققة اللّه الاعتراض و التعليل لأفعال اللّه في عباده، لأي شيء كان كذا؟ و لو كان كذا كان أحسن و أليق، فهي منازعة للربوبية، فالأشقياء ليس لهم عذاب إلا منهم.
[سورة الأنفال (8): آية 14]
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَ أَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (14)
المؤمن لا يولي الدبر و يتقدم و يثبت حتى يظفر أو يقتل، و لهذا ما انهزم نبي قط لقوة إيمانه بالحق، و قد توعد اللّه المؤمن إذا ولى دبره في القتال لغير قتال أو انحياز إلى فئة تعضده فقال تعالى:
[سورة الأنفال (8): آية 15]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (15)
فخاطب أهل الإيمان، و بقرائن الأحوال علمنا أنه تعالى أراد المؤمنين بالحق، و ما أرسلها اللّه مطلقة إلا ليقيم الحجة على الذين آمنوا بالباطل إذا هزمهم الكافرون بالطاغوت، لما دخلهم من الخلل في إيمانهم بالباطل، و ما عدا حال المسايفة استعداد للجهاد و القتال، ما هو عين الجهاد و لا عين القتال، فإذا وقعت المسايفة ذلك هو عين الجهاد و القتال الذي أمر اللّه عباده بالثبات فيه و الاستعانة بالصبر و الصلاة، ثم توعد من لم يثبت فقال:
[سورة الأنفال (8): آية 16]
وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (16)
من انحاز إلى فئة أو كان متحرفا لقتال، فإنه من أبطال الرجال، و من أهل المكر المشروع و الاحتيال، و الحرب خدعة، و إن أساء في الحال السمعة، فإن العاقبة تسفر عن مراده، بما قصده من جهاده «وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ» يعني إن قتل في تلك الحال «وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» و قال تعالى في تلك الحالة: (وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ) و هو حبس النفس عن الفرار في تلك الحال و الصلاة)
[جواز صلاة الفرض عند المسايفة و لو على غير طهارة]
فأمر بالصلاة و أنها من الأمور المعينة له على خذلان العدو، فجعلها من أفعال الجهاد، فوجبت الصلاة، و الفرار في تلك الحال من الكبائر، فأمره اللّه بالصبر و هو الثبات في تلك الحال و الصلاة، فوجبت عليه كما وجب الصبر، فيصليها على قدر الإمكان، أي على قدر ما يمكنه أن يفعله منها، فاللّه يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) و قال: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يوتر على الراحلة يومي إيماء مع الأمان، فأحرى إيقاع الفرض مع الخوف و وجود البشرى أنها من أسباب النصر، فيصلي على قدر استطاعته في ذلك الوقت و على تلك الحال بحيث أن لا يترك القتال و لا يتوانى فيه، فذلك استطاعة الوقت، فإن المكلّف بحكم وقته، و سواء كان على طهارة أو على غير طهارة، و المخالف لهذا ما حقق النظر في أمر اللّه، و لا ما أراده اللّه برفع الحرج عن المكلف في دين اللّه في قوله تعالى: (وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فالمجتهد لا كلام معه، فإنه يعمل بحسب ما يقتضيه دليله و يحرم عليه مخالفة دليله، و أما المقلد فالأولى به عندنا تقليد من يقول بجواز الصلاة في حال المسايفة و على غير طهارة فيها، فإن القرآن يعضده، و لا حجة للمقلد في التخلف عن تقليد من يقول بالصلاة، فإنه أبرأ لذمته و أولى في حقه، و يكون ممن ذكر اللّه على كل أحيانه اقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.
[سورة الأنفال (8): آية 17]
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)
[ «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» الآية]
جاء المدد الملكي فأقدم حيزوم لنصرة دين الحي القيوم، و لتقوية القلوب عند أهل الإيمان بالغيوب، و ما كان عند أهل الغيب إيمانا كان لأهل الشرك عيانا، و ذلك الشهود خذلهم فقال: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ» قتلهم بالملك، للأمر الذي أوحاه في السماء و أودعه حركة الفلك، فما انحجب عن المؤمن لإهانته، كما أنه ما كشفه المشرك لمكانته، لكن ليثبت ارتياعه، و يتحقق انصداعه و اندفاعه، فخذله اللّه بالكشف، و هو من النصر الإلهي الصرف، نصر به عباده المؤمنين على التعيين، فإنه أوجب سبحانه على نفسه نصرتهم، فرد عليهم لهم كرتهم، فانهزموا أجمعين، (وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)و المؤمن الإله الحق، و قد نصره الخلق، و هو القائل (وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) فأظهر آمرا و أمرا و مأمورا في هذا الخطاب التكليفي، فلما وقع الامتثال للّه، و ظهر القتل بالفعل من أعيان المحدثات،
قال: ما هم أنتم الذين قتلتموهم، بل أنا قاتلهم، فأنتم لنا بمنزلة السيف لكم، أو أي آلة كانت للقتل، فالقتل وقع في المقتول بالآلة و لم يقل فيه إنه القاتل، و قيل في الضارب به القاتل، كذلك الضارب به بالنسبة إلينا مثل السيف له عنده، فلا يقال في المكلّف إنه القاتل بل اللّه هو القاتل بالمكلّف و بالسيف، فقام له المكلّف مقام اليد الضاربة بالسيف، و في حضرة الأفعال ينسب الفعل بالعوائد إلى المخلوق و الحق مبطون فيه، و ينسب الفعل بخرق العادة إلى اللّه لا إلى المخلوق، لأنه خارج عن قدرة المخلوق، فيظهر الحق و إن كان لا يظهر إلا في الخلق، و من هنا يتبين أن ما قام فيه الإنسان عين ما قام فيه الحق، بين ظاهر و باطن، فإذا ظهر من ظهر بطن الآخر،
و ذلك قوله تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم في رميه التراب في أعين المشركين «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ» فالرمي وقع منه صلّى اللّه عليه و سلم بقول اللّه، و إيصال الرمي إلى أعين الكفار حتى ما بقيت عين لمشرك خاص إلا وقع من التراب في عينه فهذا ليس لمخلوق، فقال تعالى: «وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» إثباتا للنفي في أول الآية، فإن اللّه محا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في حكم رميه مع وجود الرمي عنه، فقال: «وَ ما رَمَيْتَ» فمحاه «إِذْ رَمَيْتَ» فأثبت السبب «وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» و ما رمى إلا بيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فقوله تعالى: «وَ ما رَمَيْتَ» نفي «إِذْ رَمَيْتَ» إثبات عين ما نفى «وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» نفى عين ما أثبته، فصار إثبات الرمي وسطا بين طرفي نفي، فالنفي الأول عين النفي الآخر، فمن المحال أن يثبت عين الوسط بين النفيين، لأنه محصور، فيحكم عليه الحصر، و لا سيما أن النفي الآخر زاد على النفي الأول بإثبات الرمي له لا للوسط، فثبت الرمي في الشهود الحسي لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم بثبوت محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فمحمد صلّى اللّه عليه و سلم رام لا رام، و هذا لا يدرك إلا بعين البصيرة، فالبصيرة بها تدرك الأمر على ما هو عليه، لأنه علم محقق، و إذا أدرك به عين نسبة ما ظهر في الحس سمي بصرا، فاختلفت الألقاب باختلاف المواطن، كما اختلف حكم عين الأداة، و إن كانت بصورة واحدة حيث كانت، تختلف باختلاف المواطن، مثل أداة ما، لا شك أنها عين واحدة، ففي موطن تكون نافية، و في موطن تكون تعجبا، و في موطن تكون مهيئة، و في موطن تكون اسما، و قد تكون مصدرية،
و تأتي للاستفهام، و تأتي زائدة، و غير ذلك من مواطنها، فهذه عين واحدة حكمت عليها المواطن بأحكام مختلفة، كذلك صور التجلي بمنزلة الأحكام لمن يعقل ما يرى، فأبان اللّه لنا فيما ذكره في هذه الآية الذي كنا نظنه حقيقة محسوسة، انما هي متخيلة، يراها رأي العين، و الأمر في نفسه على خلاف ما تشهده العين، و هذا سار في جميع القوى الجسمانية و الروحانية، و لو لا الاسم الباطن ما عرفنا أن الرامي هو اللّه في صورة محمدية، فإنه ما رمى إلا محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و ما وقع الحس إلا على رميه، و ما رمى إلا اللّه، فأين محمد صلّى اللّه عليه و سلم و سلم؟
محاه و أثبته، ثم محاه، فهو مثبت بين محوين، كما ورد في الخبر [كنت سمعه و بصره] فأين الإنسانية هنا؟ فإنه نفى عين ما أثبته لك و أثبته لنفسه، فقال: «وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» و ما رمى إلا العبد، فأعطاه اسمه و سماه به، و بقي الكلام في أنه هل حلّاه به كما سماه به أم لا؟ فإنا لا نشك أن العبد رمى، و لا نشك أن اللّه تعالى قال: «وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» و قد نفى الرمي عنه أولا، فنفى عنه اسم العبودة و سماه باسمه، إذ لا بد من مسمى، و ليس إلا وجود عين العبد، لا من حيث هو عبد، لكن من حيث هو عين، فإن العبد لا يقبل اسم السيادة، و العين كما تقبل العبودة تقبل السيادة، فانتقل عنها الاسم الذي خلقت له و خلع عليها الاسم الذي يكون عنه التكوين، و هو قوله تعالى:
«وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» و الحق لا يباهت خلقه، فما يقول إلا ما هو الأمر عليه في نفسه، فقوله: «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ» أثبت لك ما رأيت، و دل قوله: «وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» على أمر يستوي فيه البصير و الأعمى، فيد اللّه يد الأكوان، و إن اختلفت الأعيان، و هذا عهد من اللّه تعالى إلينا أن الفعل الذي يشهد به الحس أنه للعبد هو للّه تعالى لا للعبد، فإن أضفته لنفسي فإنما أضيفه بإضافة اللّه لا بإضافتي، فأنا أحكي و أترجم عن اللّه به و هو قوله: (وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ) فرد الفعل الذي أضافه إلى نفسه و هو حقه الذي له قبلي بهذه الإضافة، و لكن لا بد من ميزان إلهي نرده به إليه، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم: اعبد اللّه كأنك تراه، فإن الوزن نعت إلهي لا ينبغي لعبد من عباد اللّه أن يغفل عنه في كل فعل ظاهر في الكون من موجود ما من الموجودات، فلا يزال مراقبا له في غيره، فيحكم عليه بالميزان الموضوع عنده، و ليس إلا الشرع، و هذه الآية تشير إلى نفي الركون إلى الأسباب لا الأسباب، فإن اللّه لا يعطل حكم الحكمة في الأشياء، و الأسباب حجب إلهية موضوعة لا ترفع، فمن الحكمة إبقاء الأسباب، مع محو العبد من الركون إليها على حكم نفي أثرها في المسببات، فالأسباب ستور و حجب، و في هذه الآية علم إضافة الأفعال، هل تضاف إلى اللّه أو إلى العبد أو إلى اللّه و إلى العبد؟ فإن وجودها محقق، و نسبتها غير محققة،
و هذا موضوع اختلف الناس فيه، و الخلاف لا يرتفع من العالم بقولي، فمن الناس من نسب الأفعال إلى الخلق، و منهم من نسب الأفعال إلى اللّه، و منهم من نسب الفعل إلى اللّه بوجه و إلى العباد بوجه، فعلق المحامد و الحسن بما ينسب من الأفعال للحق، و علق المذام و القبح بما ينسب من الأفعال للعباد لحكم الاشتراك العقلي، و كمال الوجود توقف على وجودهما، قال تعالى: «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» فنفى الرمي عمن أثبته له، فأثبت بهذه الآية أعيان العالم، و الفعل كله إنما يظهر صدوره من الصورة، و هو القائل «وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» فكان الحق عين الصورة التي تشاهد الأعمال منها، و هذا مقام الحيرة، فصدّق اللّه الخواص في حيرتهم بقوله هذا لأخص خلقه علما و معرفة، فنفى عين ما أثبت فما أثبت؟ و ما نفى؟
فأين العامة من هذا الخطاب، فالعلم باللّه حيرة، و العلم بالخلق حيرة، و قد حجر النظر في ذاته و أطلقه في خلقه، فالهداة في النظر في خلقه لأنه الهادي و قد هدى، و العمى في النظر في الحق فإنه قد حجر و جعله سبيل الردى، و هذا خطاب خاطب به العقلاء، فما زادهم إلا إيمانا بالحيرة و تسليما لحكمها، و لذلك قال تعالى في هذه الآية: «وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً» فجاء بالخبرة بقوله تعالى: «وَ لِيُبْلِيَ» أي قلنا هذا اختبارا للمؤمنين في إيمانهم لنا في ذلك من تناقض الأمور، الذي يزلزل إيمان من في إيمانه نقص عما يستحقه الإيمان من مرتبة الكمال، فإن اللّه حيّر المؤمنين، و هو ابتلاؤه بما ذكر من نفي الرمي و إثباته، و جعله بلاء حسنا، أي إن نفاه العبد عنه أصاب، و إن أثبته له أصاب، و ما بقي إلا أي الإصابتين أولى بالعبد و إن كان كله حسنا؟ و هذا موضع الحيرة، و لذلك سماه بلاء أي موضع اختبار، فمن أصاب الحق و هو مراد اللّه أي الإصابتين أو أي الحكمين أراد، حكم النفي أو حكم الإثبات كان أعظم عند اللّه من الذي لا يصيب، لذلك قال: «إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ».
[سورة الأنفال (8): الآيات 18 الى 19]
ذلِكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (18) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَ إِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ إِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَ لَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَ لَوْ كَثُرَتْ وَ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)
«إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ» إن تستنصروا فقد جاءكم النصر.
[سورة الأنفال (8): الآيات 20 الى 21]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ (21)
قال اللّه تعالى ناهيا «وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا» أي فهمنا، فأكذبهم اللّه في قولهم سمعنا، فقال: (إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) فلو سمعوا استجابوا، فإن اللّه أعز و أجل من أن يقاومه مخلوق «وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ» أي لا يفهمون، فنفى اللّه عنهم الفهم عن اللّه، فهو ذم- وجه آخر- حكم اللّه عليهم بعدم السماع مع سماعهم، فمع كونهم سمعوا نفى عنهم السمع، فإنهم سمعوا حقيقة و فهموا، فإنه خاطبهم بلسانهم، ثم قال تعالى: «وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ» أي حكمهم حكم من لم يسمع عندنا، مع كونهم سمعوا، و ما قال تعالى بما ذا يحكم فيهم؟
و إن كان غالب الأمر من قرائن الأحوال العقوبة، و لكن الإمكان لا يرتفع في نفس الأمر، لما يعرف من فضل اللّه و تجاوزه عن سيئات أمثال هؤلاء، فإن كان حكمه حكم من لم يسمع، فيكون اللّه قد تفضل عليه، و إن كان حكمه حكم من علم فلم يعمل فعاقبه اللّه، فيكون اللّه قد عدل فيه، و اعلم أنه قد دل الكتاب و السنة على أن السمع و البصر قسمان: عادي و حقيقي، فالعادي سمع القلب بالأذن و إبصاره بالعين، و هو عام في المؤمن و الكافر، و الحقيقي بصر العين بالقلب و سمع الأذن به، و قد نفاه اللّه تعالى عن الكافر في غير ما آية، منها قوله تعالى: «وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ» و في قوله تعالى: (وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ) فأثبت لهم السمع و البصر العاديين و نفى عنهم الحقيقي.
[سورة الأنفال (8): الآيات 22 الى 23]
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ (23)
اعلم أن قوله تعالى «وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ» (وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ)* يقتضي نفي العلم بكذا، و نفي المشيئة عن الحق، و ما ورد الكلام إلا بنفي العلم بأمر ما و الإرادة، و ما انتفى إلا التعلق الخاص بأمر يحدث، فلا يتوجه النفي و الإثبات إلا على حادث، أي على ممكن، سواء كان ذلك الحكم موصوفا بالوجود أو العدم، فناب العلم هنا مناب التعلق حين نفيته بأداة لو «وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ» و الوجود هو الخير، فيتصفون بالوجود «وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ» إذ أوجدهم «لَتَوَلَّوْا» إلى ذواتهم «وَ هُمْ مُعْرِضُونَ» لأن استعدادهم لا يعطي القبول، فلا تقل فيمن لم يجب إنه سمع، فتخالف اللّه فيما أخبر به عنهم، و قد أخبر اللّه تعالى أن بهم صمما.
[سورة الأنفال (8): آية 24]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» أي صدقوا بما قلنا «اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ» فوحد الداعي بعد ذكر الاثنين، فإن من يطع الرسول فقد أطاع اللّه، فإن الرسول داع بأمر اللّه، فاللّه هو المجاب، و ما في القرآن دليل أدل على أن الإنسان الكامل مخلوق على الصورة الإلهية من هذه الآية، لدخول اللام في قوله «وَ لِلرَّسُولِ» و في أمره تعالى لمن أيّه به من المؤمنين بالإجابة لدعوة اللّه تعالى و لدعوة الرسول، فعلمنا أن الأمر واحد، و ما سمعنا متكلما إلا الرسول بالسماع الحسي، و سمعنا كلام الحق بالسمع المعنوي، فاللّه و الرسول اسمان للمتكلم، فإن الكلام للّه كما قال اللّه، و المتكلم المشهود عين لسان محمد صلّى اللّه عليه و سلم «لِما يُحْيِيكُمْ» فإن اللّه و رسوله ما يدعونا إلا لما يحيينا به، و الداعي في الحالتين إيانا هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فإذا دعانا بالقرآن كان مبلغا و ترجمانا، و كان الدعاء دعاء اللّه، فلتكن إجابتنا للّه و الاستماع للرسول، و إذا دعانا بغير القرآن كان الدعاء دعاء الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، فلتكن إجابتنا للرسول صلّى اللّه عليه و سلم، و لا فرق بين الدعاءين في إجابتنا و إن تميز كل دعاء عن الآخر بتميز الداعي، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول في الحديث: [لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الخبر عني فيقول: اتل عليّ به قرآنا، إنه و اللّه لمثل القرآن أو أكثر] و قوله في الحديث: (أو أكثر)فإن كلام اللّه سواء سمعناه من اللّه أو من الرسول هو كلام اللّه، فإذا قال اللّه على لسان عبده ما يبلغه الرسول- فإنه لا ينطق عن الهوى- فإنه أكثر بلا شك، لأنا ما سمعناه إلا من الرسول، و لينظر المدعو فيما دعي به، فإن وجد حياة علمية زائدة على ما عنده يحيا بها في نفس الدعاء، وجبت الإجابة لمن دعاه اللّه أو دعاه الرسول، فإنه ما أمر بالإجابة إلا إذا دعاه لما يحييه، و ما يدعوه اللّه و رسوله لشيء إلا لما يحييه، فلو لم يدر طعم الحياة الغريبة الزائدة لم يدر من دعاه، و ليس المطلوب لنا إلا حصول ما يحيا به، و لهذا سمعنا و أطعنا، فلا بد من الإحساس لهذا المدعو بهذا الأثر الذي تتعين الإجابة له به، فإذا أجاب من هذه صفته حصلت له فيما يسمعه حياة أخرى يحيا بها قلب هذا السامع، فإن اقتضى ما سمعه منه عملا و عمل به، كانت له حياة ثالثة، فانظر ما يحرم العبد إذا لم يسمع دعاء اللّه و لا دعاء الرسول، ففي الفرائض إجابة اللّه، و في السنن إجابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.
[تفسير من باب الإشارة: استجيبوا للّه و للرسول]
– تفسير من باب الإشارة- اقتصر علماء الرسوم على كلام اللّه المعين المسمى فرقانا و قرآنا و على الرسول المعين المسمى محمدا صلّى اللّه عليه و سلم، و العارفون عمموا السمع في كل كلام، فسمعوا القرآن قرآنا لا فرقانا، و عمموا الرسالة، فالألف و اللام التي في قوله: «وَ لِلرَّسُولِ» عندهم للجنس و الشمول، لا للعهد، فكل داع في العالم فهو رسول من اللّه باطنا، و يفترقون في الظاهر، فيسعد العارف بتلقي رسالة الشيطان و يعرف كيف يتلقاها، و يشقى بها آخرون، و هم القوم الذين ما لهم هذه المعرفة، و يسعد المؤمنون كلهم و العارفون معهم بتلقي رسالة الرسل صلوات اللّه و سلامه عليهم، و يكون العامل بما جاء في تلك الرسالة أسعد من المؤمن الذي يؤمن بها عقدا و قولا و يعصي فعلا و قولا، فكل متحرك في العالم منتقل فهو رسول إلهي، كان المتحرك ما كان، فإنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه سبحانه، فالعارف ينظر إلى ما جاءت به في تحركها، فيستفيد بذلك علما لم يكن عنده، و لكن يختلف الأخذ من العارفين من هؤلاء الرسل لاختلاف الرسل، فليس أخذهم من الرسل أصحاب الدلالات سلام اللّه عليهم كأخذهم من الرسل الذين هم عن الإذن من حيث لا يشعرون، و من شعر منهم و علم ما يدعو إليه كإبليس إذ قال لصاحبه: (اكفر) فيتلقاه منه العارف تلقيا إلهيا، فينظر إلى ما أمره الحق به من الستر فيستره، و يكون هذا الرسول الشيطان المطرود عن اللّه منبها عن اللّه، فيسعد هذا العارف بما يستره و هو غير مقصود الشيطان الذي أوحى إليه،فالعالم كله عند العارف رسول من اللّه إليه، و هو و رسالته- أعني العالم- في حق هذا العارف رحمة، لأن الرسل ما بعثوا إلا رحمة، و لو بعثوا بالبلاء لكان في طيه رحمة إلهية، لأن الرحمة الإلهية وسعت كل شيء، فما ثم شيء لا يكون في هذه الرحمة.
[سورة الأنفال (8): آية 25]
وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (25)
[ «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً»]
«وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً» بل تعم المحق و الظالم، و تختلف أحوالهم في القيامة، فيحشر المحق سعيدا و الظالم شقيا، كالجيش الذي يخسف به بين مكة و المدينة، و فيه من غصب على نفسه في المجيء، فقالت عائشة في ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فقال يحشرون على نياتهم و إن عمهم الخسف.
| انظر إلى الأرض و خيراتها | و ما بها الرحمن قد أظهرا | |
| لا بد أن يصبح عمرانها | كمثل ما أصبح وادي القرى | |
| عروشها خاوية حين لم | يغير الناس بها المنكرا | |
| عم بلاء اللّه سكانها | فأهلك المقبل و المدبرا | |
| بذا أتانا النص من عنده | في محكم الذكر كذا سطرا | |
| فقال فيه و اتقوا فتنة | و تمم القول به منظرا | |
| سبحان من أخبرنا أنه | كان على الأخذ بنا أقدرا | |
| هذا الذي جئت به واضح | في سورة الأنفال قد حررا | |
و هذه الفتنة العامة و العقوبة الشاملة و الحدود المتداخلة من صفة قوله: (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ)* فإن ظاهرها لا يقتضي العدل، و باطنها يقتضي الفضل الإلهي، ففي الآخرة لا تزر وازرة وزر أخرى، و هنا ليس كذلك في عموم صورة العقوبة «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» و أي عقوبة أشد من عقوبة تعم المستحق و غير المستحق، و الظالم و غير الظالم، و البريء و الفاعل، و هذا من شأن الحدود الدنيوية، لأنها دار امتزاج، و حدود الآخرة ليست كذلك، فإنها دار تمييز، فلا تصيب العقوبة إلا أهلها، و أما في الدنيا فما هي في البريء عقوبة، و إنما هي فتنة، و في الظالم عقوبة لأنها جاءت عقيب ظلمه، فكن في كل حال ذاتية حميدة مع اللّه يرضاها اللّه منك، و على عمل صالح، و لا سيما إذا كثر الفساد في العامة، فما تدري لعل اللّه يرسل عليهم عذابا فيعم الصالح و الطالح، فتكون ممن يحشر على عمل خير كما قبضت عليه، فإن الأنبياء مع طاعتهم للّه و الحضور معه لا يأمنون أن يصيب اللّه عامة عباده بشيء فيعم الصالح و الطالح، و لذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كثيرا ما يقول في دعائه: أعوذ باللّه من أن أغتال من تحتي.
[سورة الأنفال (8): الآيات 26 الى 27]
وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)
[ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ»]
ما أيّه اللّه في هذه الخيانات إلا بالمؤمنين، فإن كنت مؤمنا فأنت المخاطب «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ» و أما خيانة اللّه، فاعلم أن اللّه قد أعطاك أمانة لتردها إليه، كما أعطاك أمانة لتوصلها إلى غيرك لا تردها إليه، كالرسالة، فإن اللّه يقول: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) و قال: (ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ) و أما ما يرد إليه عزّ و جل من الأمانات، فهو كل علم آمنك عليه من العلوم التي إذا ظهرت بها في العموم ضلّ به من لا يسمعه منك بسمع الحق، فإذا حصل لك مثل هذا العلم و رأيت من كان الحق سمعه و بصره و جميع قواه، و ليس له هذا العلم، فأده إليه، فإنه ما يسمعه منك إلا بسمع الحق، فالحق على الحقيقة هو الذي سمع، فرددت الأمانة إليه تعالى، و هو الذي أعطاكها، و حصلت لهذا الشخص الذي الحق سمعه فائدة لم يكن يعلمها، و لكن حامل هذه الأمانة إن لم يكن عالما بأن هذا ممن يكون صفته أن يكون الحق سمعه، و إلا فهو ممن خان اللّه، و قد نهاه اللّه أن يخون اللّه، و كذلك من خيانة اللّه التعدي في حد من حدود اللّه، مع العلم بأنه متعد فيه، فقد خان اللّه في تصرفه باعتقاده التعدي (وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) و كذلك من خان اللّه في أهل اللّه، فقد خان اللّه، و كل أمر بيدك أمرك اللّه فيه أن ترده إليه فلم تفعل فذلك من خيانة اللّه، و اللّه يقول: (وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) «و الرسول» و أما خيانة من خان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فهي فيما أعطاك اللّه من الآداب أن تعامل به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم،
و هذه المعاملة هي عين أدائها إليه صلّى اللّه عليه و سلم، فإذا لم تتأدب معه فما أديت أمانته إليه، فقد خنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فيما أمنك اللّه عليه من ذلك، و من خيانتك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ما سألك فيه من المودة في قرابته و أهل بيته، فإنه و أهل بيته على السواء في مودتنا فيهم، فمن كره أهل بيته فقد كرهه، فإنه صلّى اللّه عليه و سلم واحد من أهل البيت، و لا يتبعض حب أهل البيت، فإن الحب ما تعلق إلا بالأهل لا بواحد بعينه، فاجعل بالك و اعرف قدر أهل البيت، فمن خان أهل البيت فقد خان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و من خان ما سنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فقد خانه صلّى اللّه عليه و سلم في سنته، و من خيانتك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم المفاضلة بين الأنبياء و الرسل سلام اللّه عليهم، مع علمنا بأن اللّه فضل بعضهم على بعض، كما قال تعالى: (وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ) و قال: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) فله سبحانه أن يفضل بين عباده بما شاء و ليس لنا ذلك، فإنا لا نعلم ذلك إلا بإعلامه، فإن ذلك راجع إلى ما في نفس الحق سبحانه منهم، و لا يعلم أحد ما في نفس الحق، و لا دخول هنا للمراتب الظاهرة و التحكم، و قد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن نفضل بين الأنبياء و أن نفضله صلّى اللّه عليه و سلم عليهم إلا بإعلامه أيضا، و عيّن يونس عليه السلام، فمن فضل من غير إعلام اللّه فقد خان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و تعدى ما حده له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم «وَ تَخُونُوا أَماناتِكُمْ» و أما خيانة الأمانات فهي كل أمانة مشروعة، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) و منها قوله صلّى اللّه عليه و سلم: [لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم] و الخيانة ظلم، فالحكمة أمانة و خيانتها أن تعطيها غير أهلها و أنت تعلم أنه غير أهلها «وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» فرفع اللّه الحرج عمن لا يعلم» إلا أنه أمره بأن يتعرض لتحصيل العلم بالأمور، فلا عذر له في التخلف عن ذلك.
[سورة الأنفال (8): آية 28]
وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَ أَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)
الفتنة الاختبار، يقال: فتنت الفضة بالنار إذا اختبرتها، فيقول تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّماأَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ» أي اختبرناكم بهما، هل تحجبكم عنا و عما حددنا لكم أن تقفوا عنده؟ فهما اختبار لإقامة الحجة في صدق الدعوى أو كذبها، يتمنى الشخص أن لو كان له مال لعمل به برا، فيكتب اللّه له أجر من عمل، فإن نيته خير من عمله، و يكتب له على أوفى حظ، و هو في ذمة الغير ليس بيده منه شيء، فإذا حصل له ما تمناه من المال أو مما تمناه مما يتمكن له به الوصول إلى عمل ذلك البر، وجب عليه أن يعمل ذلك البر الذي نواه، فإن لم يفعل لم يكتب له أجر ما نواه، و هنا الفتنة و الاختبار، و يتخيل من لا علم له بأن إضافة الأموال في قوله تعالى: «أَمْوالُكُمْ» إضافة ملك، و ما علم أن تلك الإضافة إضافة استحقاق، كسرج الدابة و باب الدار، لا إضافة ملك، فإن اللّه تعالى قال:
(وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) فما هو لنا، و جعل اللّه المال و الولد فتنة يختبر بهما عباده لأن لهما بالقلب لصوقا، و هما محبوبان طبعا، و يتوصل بهما و لا سيما بالمال إلى ما لا يتوصل بغير المال من أمور الخير و الشر، فإن غلب على العبد الطبع لم يقف في التصرف بماله عند حد، بل ينال به جميع أغراضه، و ما سمي المال مالا إلا لكون القلب مال إليه، لما فيه من بلوغ العبد إذا كان صالحا إلى جميع الخيرات التي يجدها عند ربه في المنقلب، و إذا لم يكن تام الصلاح فلما فيه من بلوغ أغراضه به، و أما الولد فلما كان لأبويه عليه ولادة أحباه، و مالا إليه ميل الفاعل إلى ما انفعل عنه، و ميل الصانع إلى مصنوعه، فميله لحب الولد ميل ذاتي، فإن كرهه فبأمر عارض لأخلاق ذميمة و صفات شريرة تقوم بالولد، فبغضه عرضي و قدم المال على الولد في الذكر لأن المال محبوب للإنسان حب الولد «وَ أَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» إذا رزأكم في شيء منهما.
[سورة الأنفال (8): آية 29]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
[ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً» الآية]
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» ما أيّه الحق إلا بالمؤمن و الناس و المؤتين، ما أيّه بأصحاب العين «إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ» و هو العمل على تقليد ما جاء به الإيمان فينتج ذلك العمل العلم باللّه، فيفرق بين الحق و الباطل عن بصيرة صحيحة لا تقليد فيها، فالمتقي يتولى اللّه تعليمه، فلا يدخل علمه شك و لا شبهة «يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً» يخاطب مؤمنا و إيمانا أي يفهمكم اللّه معاني القرآن، فتعلموا مقاصد المتكلم به، لأن فهم كلام المتكلم ما هو، بأن يعلم وجوه ما تتضمنه تلك الكلمة بطريق الحصر مما تحوي عليه مما تواطأ عليه أهل اللسان،
و إنما الفهم أن يفهم ما قصده المتكلم بذلك الكلام، هل قصد جميع الوجوه التي يتضمنها ذلك الكلام أو بعضها؟ فينبغي لك أن تفرق بين الفهم للكلام أو الفهم عن المتكلم و هو المطلوب، فكل من فهم عن المتكلم فقد فهم الكلام، و ما كل من فهم الكلام فهم عن المتكلم ما أراد به على التعيين، إما كل الوجوه أو بعضها، و قوله تعالى: «يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً» هو علم الكشف، و هو قوله تعالى: (وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) و قال صلّى اللّه عليه و سلم: [من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يكن يعلم] و هو علم مكتسب بالتقوى لا علم وهبي، فإن التقوى جعلها اللّه طريقا إلى حصول هذا العلم، و العلم الوهبي لا يحصل عن سبب بل من لدنه سبحانه، فيجعل اللّه له فرقانا من العلوم الإلهية المغيبة عن أكثر الخلق، فرقانا تفرقون به بين اللّه و بين الآلهة التي عبدها المشركون، فرقانا تفرقون به بين ما أدركتموه من اللّه بالعلم الخبري و بالعلم النظري و بالعلم الحاصل عن التقوى» فرقانا تميزون به، و من ذلك تفرقون بين ما ينبغي له و ما ينبغي لكم، فيعطى كل ذي حق حقه، فالعلم باللّه عن التقوى أعلى المراتب في الأخذ، فإن له الحكم الأعم على كل حكم و على كل حاكم بكل حكم، و من ادعى التقوى و لم يحصل له هذا الفرقان فما صدق في دعواه.
و اعلم أيدك اللّه بروح القدس أن المتقي بمجرد تقواه قد حصل في الفرقان، إذ لو لم يفرق ما اتقى، و هذا الفرقان الذي أنتجته التقوى لا يكون إلا بتعليم اللّه ليس للنظر الفكري فيه طريق غيره، فإنه ما تقدم لنبي قط قبل نبوته نظر عقلي في العلم باللّه، و لا ينبغي له ذلك، و كذلك كل ولي مصطفى لا يتقدم له نظر عقلي في العلم باللّه، و كل من تقدمه من الأولياء علم باللّه من جهة نظر فكري فهو و إن كان وليا فما هو مصطفى و لا هو ممن أورثه اللّه الكتاب الإلهي، و سبب ذلك أن النظر يقيده في اللّه بأمر ما يميزه به عن سائر الأمور، و لا يقدر على نسبة عموم الوجود للّه، فما عنده سوى تنزيه مجرد، فإذا عقد عليه فكل ما أتاه من ربه مخالف عقده، فإنه يرده و يقدح في الأدلة التي تعضد ما جاءه من عند ربه، فمن اعتنى اللّه به عصمه قبل اصطفائه من علوم النظر، و اصطنعه لنفسه و حال بينه و بين طلب العلوم النظرية، و رزقه الإيمان باللّه و بما جاء من عند اللّه على لسان رسول اللّه، هذا في هذه الأمة التي عمت دعوة رسولها، و أما في النبوة الأولى ممن كان في فترة من الرسل،
فإنه يرزق و يحبب إليه الشغل بطلب الرزق أو بالصنائع العملية أو الاشتغال بالعلوم الرياضية من حساب و هندسة و هيئة و طب و شبه ذلك، من كل علم لا يتعلق بالإله، فإن كان مصطفى و يكون نبيا في زمان النبوة في علم اللّه، فيأتيه الوحي و هو طاهر القلب من التقييد بإله محصور في إحاطة عقله، و إن لم يكن نبيا و جاء رسول إلى أمة هو منها قبل ما جاءه به نبيه، ذلك لسذاجة محله، ثم عمل على إيمانه و اتقى ربه رزقه اللّه عند ذلك فرقانا في قلبه و ليس لغيره ذلك، هكذا أجرى اللّه عادته في خلقه، و إن سعد صاحب النظر العقلي فإنه لا يكون أبدا في مرتبة الساذج الذي لم يكن عنده علم باللّه إلا من حيث إيمانه و تقواه، و هذا هو وارث الأنبياء في هذه الصفة، فهو معهم و في درجتهم هذه، و هذا الفرقان الذي تعطيه التقوى، لا بد أن يكون فرقانا خاصا، و ليس سوى الفرقان الذي يكون في عين القرآن، فإن القرآن يتضمن الفرقان بذاته، و هذا الفرقان نتيجة العامل بالقرآن العظيم، و تختلف نتائج القرآن باختلاف نعوته، فالقرآن المطلق يعطي ما لا يعطيه القرآن المقيد، و قد قيد اللّه قرآنه بالعظمة و المجد و الكريم،
و إنما نسب الجعل إلى هذا الفرقان «يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً» لأن التقوى أنتجته، فإما أن يكون جعله ظهوره لمن اتقاه مع كونه لم يزل موجود العين قبل ظهوره، أو يكون جعله خلقه فيه بعد أن لم يكن، و ما هو إلا الظهور دون الخلق، فإنه أعقبه بقوله: «وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ» أي يستر، و الستر ضد الظهور، فلا يخلو العبد في تقواه ربه، أن يجعل نفسه وقاية له عن كل مذموم، و ينسب إليه، أو يجعل ربه وقاية عن كل شدة لا يطيق حملها إلا به، و هو لا حول و لا قوة إلا باللّه، و هو قوله: (وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فيتلقى به شدائد الأمور، و من وجه آخر «وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ» أي يستر عنكم ما يسوءكم فلا ينالكم ألم من مشاهدته، فإن رؤية السوء إذا رآه من يمكن أن يكون محلا له- و إن لم يحل به- فإنه تسوءه رؤيته، و ذلك لحكم الوهم الذي عنده و الإمكان العقلي «وَ يَغْفِرْ لَكُمْ» أي و يستر من أجلكم ممن لكم به عناية في دعاء عام أو خاص معين، فالدعاء الخاص ما تعين به شخصا بعينه أو نوعا بعينه، و العام ما ترسله مطلقا على عباد اللّه ممن يمكن أن يحل بهم سوء «وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» بما أوجب على نفسه من الرحمة و بما امتن به منها على من استحق العذاب كالعصاة في الأصول و الفروع.
[سورة الأنفال (8): الآيات 30 الى 32]
وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30) وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وَ إِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (32)
«وَ إِذْ قالُوا اللَّهُمَّ» أي اللّه نقصد، و أصلها باللّه أمّنا أي اقصدنا «إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» فما قالوا هذا القول إلا لعمى قلوبهم، فإنهم يعلمون بأن ذلك ممكن، و لكن لم يوفقهم اللّه أن يقولوا: تب علينا، أو أسعدنا، و ما قالوه إلا مبالغة في التكذيب، إذ لو احتمل عندهم صدق الرسول ما قالوا مثل هذا القول، فإن النفوس جبلت على جلب المنافع لها و دفع المضار عنها.
[سورة الأنفال (8): الآيات 33 الى 34]
وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَ ما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ ما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34)
ما اتخذ اللّه وليا جاهلا، و الولاية من شرطها العلم و ليس من شرطها الإيمان، فإن الإيمان مستنده الخبر، فالموحدون بأي وجه كان أولياء اللّه تعالى، فإنهم حازوا أشرف المراتب، فإنه يدخل تحت فلك الولاية كل موحد للّه بأي طريق كان، و من كان حاله التقوى و الاتقاء كيف يفرح أو يلتذ؟ من يتقي فإن تقواه و حذره و خوفه أن لا يوفي مقام التكليف حقه، و علمه بأنه مسئول عنه، لا يتركه يفرح و لا يسر بعزة المقام، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [أنا أتقاكم للّه و أعلمكم بما أتقي] حين قالت له الصحابة في اجتهاده: قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، فكانت أحوال الأنبياء و الرسل في الدنيا البكاء و النوح، فإنه موضع تتقى فتنته.
[سورة الأنفال (8): الآيات 35 الى 37]
وَ ما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَ تَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (37)
«لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» فإن اللّه طيب لا يقبل إلا طيبا، و قد جعل اللّه العالم في الدنيا ممتزجا، مزج القبضتين في العجنة، ثم فصل الأشخاص منها، فدخل من هذه في هذه، من كل قبضة في أختها، فجهلت الأحوال، و غاية التخليص من هذه المزجة و تمييز القبضتين، حتى تنفرد هذه بعالمها و هذه بعالمها كما قال تعالى: «لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» فمن بقي فيه شيء من المزجة حتى مات عليها لم يحشر يوم القيامة من الآمنين، و لكنه منهم من يخلص من المزجة في الحساب، و منهم من لا يتخلص منها إلا في جهنم، فإذا تخلص أخرج، فهؤلاء هم أهل الشفاعة، و أما من تميز هنا في إحدى القبضتين انقلب إلى الدار الآخرة بحقيقته من قبره إلى نعيم أو إلى عذاب و جحيم، فإنه قد تخلص.
[سورة الأنفال (8): آية 38]
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَ إِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38)
الكافر هنا المشرك ليس الموحد.
[سورة الأنفال (8): الآيات 39 الى 41]
وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَ نِعْمَ النَّصِيرُ (40) وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)
«وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ»
[تقسيم الغنائم]
للّه الخمس من المغنم، و ما بقي و هو أربعة أخماس تقسم على خمسة، و جعل اللّه لنفسه نصيبا لكونه نصر المجاهدين، فله نصيب في الجهاد، و لما كان السبب لكون اللّه جعل لنفسه في المغانم نصيبا لنصرته دين اللّه اندرج في نصيب اللّه كل من نصر دين اللّه و هم الغزاة، فليس لهم إذا اعتبرت الآية إلا الخمس من المغنم، ثم تبقى أربعة أخماس، فتقسم مخمسة أيضا: واحد الخمسة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و هو قوله تعالى: «وَ لِلرَّسُولِ» و بعد الرسول إذا فقد لخليفة الزمان، و الخمس الثاني لأهل البيت قرابة الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، و هو قوله تعالى: «وَ لِذِي الْقُرْبى» و ليسوا إلا المؤمنين من القرابة، فجاء بلفظ القربى دون لفظ القرابة، فإن القرابة إذا لم يكن لهم قربى الإيمان لا حظ لهم في ذلك، و الخمس الثالث لليتامى و هو قوله تعالى: «وَ الْيَتامى» اليتيم في تدبير وليه، و الولي اللّه، لأنه ولي المؤمنين، و غير اليتيم في تدبير أبيه، فلا ينظر إليه مع وجود أبيه، و اليتيم قد علم أن أباه قد اندرج فانكسر قلبه، و لم يكن له أصل يدل عليه، فعرفه العلماء باللّه أنه ليس له إلا من كان لأبيه و هو اللّه، فيرجع إلى اللّه في أموره، فلما كان اليتيم مع اللّه في نفسه بهذه المثابة،
چجعل اللّه له حظا في المغنم، و في الحديث [أن من يمسح على رأس اليتيم كان له بكل شعرة حسنة] و ليس ذلك لغير اليتيم، و الخمس الرابع للمساكين و هو قوله تعالى: «وَ الْمَساكِينِ» حكم المسكين حكم اليتيم من عدم الناصر، و المسكين صاحب ضعفين:ضعف الأصل، و ضعف الفقر، فلا يقدر يرفع رأسه لهذا الضعف، بخلاف رب المال،فالمسكين من سكن تحت مجاري الأقدار، و نظر إلى ما يأتي به حكم اللّه في الليل و النهار، و اطمأن بما أجرى اللّه به و عليه، و علم أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه، و أنه الفعال لما يريد، و تحقق بأن قسمه من اللّه ما هو عليه في الحال، فجعل اللّه له حظا في المغنم و إن لم يكن له فيه تعمل، فخدمه غيره، و نال هو الراحة بما أوصل اللّه إليه من ذلك مما جهد فيه الغير و تعب، و الخمس الخامس لابن السبيل، و هو قوله تعالى: «وَ ابْنِ السَّبِيلِ» فهو المسافر، و المسافر لا بد له من زاد، فجعل اللّه له نصيبا من المغنم، فالحق يغذيه بما ليس له فيه تعمل، و قد يكون ابن السبيل في هذه الآية عين المجاهد، و يكون السبيل من أجل الألف و اللام اللتين للعهد و التعريف سبيل اللّه، التي قال اللّه فيها: (وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يعنى الشهداء الذين قتلوا في الجهاد، فيكون أيضا حظ المجاهد من المغنم القدر الذي عيّن اللّه لابن السبيل، و هو معروف سوى ما له في الصدقات، فإن غلب على ظن الإمام أن المذكورين في قوله تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ» الآية، و التي في سورة الحشر التي فيها ذكر الأصناف، حظهم من المغنم الخمس خاصة، يقسم فيهم هكذا، و ما بقي فلبيت مال المسلمين يتصرف فيه الإمام بما يراه، فإن شاء أعطاه المجاهدين على ما يريده من العدل و السواء في القسمة، أو بالمفاضلة، و إن غلب على ظن الإمام أن الخمس الأصلي للّه وحده و ما بقي فلمن سمى اللّه تعالى، و قد جعل اللّه للمجاهدين في سبيل اللّه نصيبا في الصدقات و ما جعل لهم في المغنم إلا ما نفله به الإمام قبل القسمة أو ما أعطاه بقوله: من قتل قتيلا فله سلبه، و قد ورد عن بعض العلماء و أظنه ابن أبي ليلى أن الحظ الذي هو الخمس في الأصل كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقبضه و يخرجه للكعبة و يقول: هذا للّه، ثم يقسم ما بقي.
[سورة الأنفال (8): آية 42]
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)
«إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا» يريد القريبة «وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى» يعني البعيدة- من باب الإشارة لا التفسير- «إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ» أي ماأنزل اللّه على عبده يوم الفرقان، ففرق بما أعلمه اللّه بين القبضتين، و هم أبناء الآخرة و أبناء الدنيا «إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا» إلى اللّه، أي أبناء الآخرة بمحصل القربة و المكانة الزلفى إلى اللّه «وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى» عن اللّه أي أبناء الدنيا «وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ» فجعل السفل لهم إذ كانت كلمة الذين كفروا السفلى، و من كان أسفل منك فأنت أعلى منه، لأنكم أهل اللّه الذين لهم السعادة، إذ كانت كلمة اللّه هي العليا.
| ألا إن أهل اللّه بالعدوة الدنيا | كما أن أهل الشرك بالعدوة القصوى | |
| فإن الذي أقصاه يمتاز بالسفلى | و إن الذي أدناه قد فاز بالعليا | |
| ألا تلحظن الركب أسفل منهم | فكل فريق من مكانته أدنى | |
[سورة الأنفال (8): الآيات 43 الى 44]
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَ لَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَ لكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (43) وَ إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)
[عين الحسّ و عين الخيال]
إن اللّه إذا قلل الكثير و هو كثير في نفس الأمر، أو كثر القليل و هو قليل في نفس الأمر، فما تراه إلا بعين الخيال لا بعين الحس، و هو البصر نفسه في الحالين، كما قال تعالى: «وَ إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ» و قال: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) و ما كانوا مثليهم في الحس، فلو لم ترهم بعين الخيال لكان ما رأيت من العدد كذبا، و لكان الذي يريه غير صادق فيما أراه إياك، و إذا كان الذي أراك ذلك أراكه بعين الخيال كانت الكثرة في القليل حقا و القلة في الكثرة حقا، لأنه حق في الخيال و ليس بحق في الحس، كما أراك اللبن في الخيال فشربته و لم يكن ذلك اللبن سوى عين العلم، فما رأيته بعين الخيال في حال يقظتك و إن كنت لا تشعر بذلك، فكذلك هو في نفس الأمر، لأن اللّه صادق فيما يعلمه، و هو في الخيال صدق كما رأيته.
[سورة الأنفال (8): الآيات 45 الى 49]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَ رِئاءَ النَّاسِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)
المنافق هو الذي أسلم تقية حتى يعصم ظاهره في الدنيا.
[سورة الأنفال (8): الآيات 50 الى 60]
وَ لَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبارَهُمْ وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (50) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (52) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَ كُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (54)
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَ هُمْ لا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (58) وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59)
وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60)
[الفرق بين العلم و المعرفة]
ما اعتنى اللّه بشيء من آلة الحرب ما اعتنى بعلم الرمي بالقوس، قال تعالى: «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ» فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي] و هو الرمي بالقوس «لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ» لا تعرفونهم، فالعلم هنا بمعنى المعرفة، و إنما جاءت هنا بلفظة العلم حتى لا يكون لإطلاق المعرفة على الحق تعالى حكم في الظاهر، فالعلم صفته و المعرفة ليست صفته، و إن كان العلم و المعرفة و الفقه كله بمعنى واحد، لكن يعقل بينهما تميز في الدلالة كما تميزوا في اللفظ، فيقال في الحق إنه عالم، و لا يقال فيه عارف و لا فقيه، و تقال هذه الثلاثة الألقاب في الإنسان، و ذكر النحاة أن العلم ينوب عن المعرفة في اللسان بالعمل، فعدوا العلم إلى مفعول واحد للنيابة، و ذهلوا عما نعلمه نحن من أن المعرفة قد تكون من أسماء العلم، لأن العلم هو الأصل، فإنه صفة الحق ليست المعرفة صفته، و لا له منها اسم عندنا في الشرع، و إن جمعها و العلم حد واحد، لكن المعرفة من أسماء العلم، و معنى أن العلم إنما هو موضوع للأحدية مثل المعرفة، و لهذا سمينا العلم معرفة، لأنا إذا قلنا علمت زيدا قائما، فلم يكن مطلوبنا زيدا لنفسه، و لا مطلوبنا القيام لعينه، و إنما مطلوبنا نسبة قيام زيد، و هو مطلوب واحد، فإنها نسبة واحدة معينة، و علمنا زيدا وحده بالمعرفة، و القيام وحده بالمعرفة، فنقول: عرفت زيدا، و عرفت القيام، و هذا القدر غاب عن النحاة، و تخيلوا أن تعلق العلم بنسبة القيام إلى زيد هو عين تعلقه بزيد و القيام، و هذا غلط، فإنه لو لم يكن زيد معلوما له و القيام أيضا معلوما له قبل ذلك، لما صح أن ينسب ما لا يعلمه إلى ما لا يعلمه، لأنه لا يدري هل تصح تلك النسبة أم لا؟.
[سورة الأنفال (8): آية 61]
وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)
«وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ» و هو الصلح «فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» و لهذا يتعين على السلطان أن يدعو عدوه الكافر إلى الإسلام قبل قتاله، فإن أجاب و إلا دعاه إلى الجزية إن كان من أهل الكتاب، فإن أجاب إلى الصلح بما شرط عليه قبل منه، يقول اللّه «وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» فيبقي على المسلمين إن كانت المنفعة للمسلمين في ذلك، فإن أبوا إلا القتال قاتلهم و أمر المسلمين بقتالهم على أن تكون كلمة اللّه هي العليا و كلمة الذين كفروا السفلى.
[سورة الأنفال (8): الآيات 62 الى 63]
وَ إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)
«وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ» يريد عليك «وَ لكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ» يريد على مودتك و إجابتك و تصديقك، فإنه تعالى لم يقل بين قلوبهم و لا بينها، فالمراد أنه سبحانه ألف بين قلوب المؤمنين و بينه تعالى، لأنهم ما اجتمعوا على محمد صلّى اللّه عليه و سلم إلا باللّه و للّه، فبه تألفوا لتألف محمد صلّى اللّه عليه و سلم به، فكان هذا مما امتن اللّه به على نبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلم.
[سورة الأنفال (8): آية 64]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)
اعلم أن النبوة في حق ذات النبي أعم و أشرف من الرسالة، فإنه يدخل فيها ما اختص به في نفسه و ما أمر بتبليغه لأمته الذي هو منه رسول.
[سورة الأنفال (8): الآيات 65 الى 66]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)
قوة المؤمن تعدل من قوى الكفار كثيرين، و لهذا شرع لهم أن لا يفروا في قتال عدوهم، و شرع اللّه لبعض المؤمنين قوة واحد لعشرة، ثم خفف عنهم مع إبقاء القوة عليهم، فشرع لهم لكل قوة مؤمن رجلين من الكفار.
[سورة الأنفال (8): آية 67]
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67)
[النبوة في حق ذات النبي أعم و أشرف من الرسالة]
«ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا» يعني فداء أسارى بدر، و أرسل تعالى الخطاب عاما في عرض الدنيا «وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».
[سورة الأنفال (8): آية 68]
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (68)
فإسباغ النعم عليهم فضلا منه منة لحكم كتاب سبق، و هذه الآية و أمثالها مثل قوله تعالى: (لَوْ أَرادَ اللَّهُ) رد على من يقول إن الإله لذاته أوجد الممكن لا لنسبة إرادة و لا سبق علم، و الصحيح ما قاله الشارع، و إن لم تكن تلك النسبة أمرا وجوديا زائدا، و السابقة عين الخاتمة، و ذلك في الحكم على المحكوم عليه، و بالمحكوم عليه تبينت الخاتمة من السابقة، فإن بينهما تميزا معقولا به يقال عن الواحدة سابقة و عن الأخرى خاتمة.- إشارة لغوية- أداة لو امتناع لامتناع، فهي دليل عدم لعدم، فإذا أدخلت عليها لا، و هي أداة نفي، عاد الأمر امتناعا لوجود، و هذا من أعجب ما يسمع، فإن الأولى أن يكون الحكم في الامتناع، و العدم أبلغ، لكون الداخل أداة نفي، و النفي عدم، فأعطى الوجود، و أزال عن أداة لو وجها واحدا من أحكامها، و هو قولهم لامتناع، و ما العجب في دخول هذه الأدوات على المحدثات، و إنما العجب في دخولها في كلام اللّه، و نفوذ حكمها و دلالتها في اللّه، هذا هو العجب العجاب، و قد ثبتت نسبة الكلام إلى اللّه، و قد ثبت أن الذي سمعناه في تركيب هذه الحروف هذا التركيب الخاص و النسبة الخاصة أنه كلام اللّه، فقد حصل فيه هذه الأدوات، فجرى عليه حكمها، فهل ذلك من جهتنا أو ما هو الأمر إلا كذلك؟
[- تحقيق- «لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ»]
– تحقيق- «لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ» الكتاب الذي سبق هو أنت، فإن للأعيان الثابتة في حال عدمها أحكاما ثابتة، مهما ظهر عين تلك العين في الوجود تبعه الحكم في الظهور، و على هذا تعلق علم الحق به، فالشيء حكم على نفسه، أعني المعلوم ما حكم غيره عليه، و إنما يظهر لك ما بطن فيك عنك.
[سورة الأنفال (8): آية 69]
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69)
[مما اختص به النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه أحلت له الغنائم]
مما اختص به النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه أحلت له الغنائم و لم تحل لأحد قبله، فأعطي ما يوافق شهوة أمته، و الشهوة نار في باطن الإنسان تطلب مشتهاها، و لا سيما في الغنائم، لأن النفوس لها التذاذ بها، لكونها حصلت لهم عن قهر منهم و غلبة و تعمل، فلا يريدون أن يفوتهم التنعم بها في مقابلة ما قاسوا من الشدة و التعب في تحصيلها، فهي أعظم مشته لهم، و قد كانت الغنائم في حق غيره من الأنبياء إذا انصرف من قتال العدو جمع المغانم كلها، فإذا لم يبق منها شيء نزلت نار من الجو فأحرقتها كلها، فإن وقع فيها غلول لم تنزل تلك النار حتى يرد و يلقى فيها ذلك الذي أخذ منها، فكان نزول النار علامة على القبول الإلهي لفعلهم،فأحلها اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم فقسمها في أصحابه، فتناولتها نار شهواتهم عناية من اللّه بهم لكرامة هذا الرسول عليه، فأكرمه بأمر لم يكرم به غيره من الرسل، و أكرم من آمن به بما لم يكرم به مؤمنا قبله بغيره.
[سورة الأنفال (8): الآيات 70 الى 71]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَ إِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)
الاسم الحكيم له وجه إلى العالم و وجه إلى المدبر، فإن للاسم الحكيم حكمين: حكما على مواضع الأمور، و حكم وضعها في مواضعها بالفعل، فكم من عالم لا يضع الشيء في موضعه، و كم واضع للأشياء في مواضعها بحكم الاتفاق لا عن علم، فالحكيم هو العالم بمواضع الأمور و وضعها في أماكنها.
[سورة الأنفال (8): آية 72]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)
المجاهدون هم أهل الجهد و المشقة و المكابدة، و المجاهدة مشقة و تعب، و بها سمي الجهاد جهادا، لأن إتلاف المهج أعظم المشاق على النفوس، و هو الجهاد في سبيل اللّه الذي وصف اللّه قتلاه بأنهم أحياء يرزقون.
[سورة الأنفال (8): آية 73]
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسادٌ كَبِيرٌ (73)
«وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ» قال تعالى في اليهود و النصارى: (وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) أي ينصر بعضهم بعضا، و ذلك من أثر الرحمة التي خلقها اللّه، فجعل منها في الدنيا رحمة واحدة بها رزق عباده، كافرهم و مؤمنهم، و عاصيهم و مطيعهم، و بها يعطف جميع الحيوان على أولاده، و بها يرحم الناس بعضهم بعضا. و يتعاطفون، كما قال اللّه: إن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، و الظالمين بعضهم أولياء بعض، و المنافقين بعضهم أولياء بعض، كل هذا ثمرة هذه الرحمة.
[سورة الأنفال (8): الآيات 74 الى 75]
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)
«وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ» فأمر بصلة الأرحام- من باب الإشارة- أمر سبحانه بصلة الأرحام، و هو تعالى أولى بهذه الصفة منا، فلا بد أن يكون للرحم وصولا، فإنها شجنة من الرحمن، و قد وصلنا اللّه بلا شك من حيث أنه رحم لنا، فهو الرزاق ذو القوة المتين، المنعم على أي حالة كنا، من طاعة أمره أو معصيته، و موافقة أو مخالفة، فإنه لا يقطع صلة الرحم من جانبه و إن انقطعت عنه من جانبنا لجهلنا، فأينما كان الخلق فالحق يصحبه من حيث اسمه الرحمن، لأن الرحم شجنة من الرحمن، و جميع الناس رحم، و القرابة قرابتان: قرابة الدين و قرابة الطين، فمن جمع بين القرابتين فهو أولى بالصلة، و إن انفرد أحدهما بالدين و الآخر بالطين فتقدم قرابة الدين على قرابة الطين، و أفضل الصلات في الأرحام صلة الأقرب فالأقرب، و تنقطع الأرحام بالموت و لا ينقطع الرحم المنسوبة إلى الحق، فإنه معنا حيثما كنا.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج2، ص: 241