تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة ص
سورة ص
[1- 17]
[سورة ص (38): الآيات 1 الى 17]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ص وَ الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ (3) وَ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَ قالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4)
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5) وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (6) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (7) أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9)
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (10) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عادٌ وَ فِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (12) وَ ثَمُودُ وَ قَوْمُ لُوطٍ وَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (14)
وَ ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (15) وَ قالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (16) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)
ص أقسم بالصورة المحمدية، و الكمال التامّ المذكور بالشرف و الشهرة، بأنه أتمّ الكمالات، و هو العقل القرآني الجامع لجميع الحكم و الحقائق من الاستعداد التامّ المناسب لتلك الصورة الشريفة، كما روي عن ابن عباس: « (ص) جبل بمكة، كان عليه عرش الرحمن عاما»، دلّ عليه قوله: فِي عِزَّةٍ وَ شِقاقٍ و حذف جواب القسم في مثل ذلك غير عزيز، و هو أنه لحق يجب أن يتّبع و يذعن له و يقبل بخضوع و ذلّة بَلِ الَّذِينَ حجبوا عن الحق بأنانيتهم و ضادّوه في استكبار و عناد و لجّ و خلاف لظهور أنفسهم بباطلها في مقابلة الحق، و قوله:
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ معناه: داوم استقامتك في التوحيد، و عارض أذاهم بالصبر في التمكين، و لا تظهر نفسك في مقابلة أذاهم بالتلوين، فإنك قائم باللّه متحقق بالحق فلا تتحرك إلا به وَ اذْكُرْ حال أخيك عَبْدَنا المخصوص بعنايتنا القديمة داوُدَ ذَا الْأَيْدِ أي: القوّة و التمكين و الاضطلاع في الدين، كيف زلّ عن مقام استقامته في التلوين فلا يكن حالك في ظهور النفس حاله. ثم وصف قوّة حال داود عليه السلام و كماله بقوله: إِنَّهُ أَوَّابٌ رجّاع إلى الحق عن صفاته و أفعاله بالفناء فيه.
[18- 19]
[سورة ص (38): الآيات 18 الى 19]
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ (18) وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19)
إِنَّا سَخَّرْنَا جبال الأعضاء معه يُسَبِّحْنَ بالانقياد و التمرّن في الطاعة أوقات العبادة وقت عشيّ الاستتار و احتجاب نور شمس الروح بظهور النفس و إشراق التجلي و سلطان نور شمس الروح على النفس لا يتفاوت حاله في العبادة بالفترة و العزيمة في الوقتين لكمال تمرين نفسه و بدنه في الطاعة، و طير القوى بأجمعها مَحْشُورَةً مجموعة، متسالمة بهيئة العدالة و الانخراط في سلك الوحدة في تسبيحاتها المخصوصة بكل واحدة منها كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ رجّاع لتسبيحه بتسبيحه.
[20- 26]
[سورة ص (38): الآيات 20 الى 26]
وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ (20) وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ وَ اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (22) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ (23) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ (24)
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ (25) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (26)
وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ قوّيناه بالتأييد و إيتاء العزّة و الهيبة، و إعطاء العز و القدرة لائتلاف نفسه بأنوار تجليات القهر و العظمة و الكبرياء و العزّة و اتصافه بصفاتنا الباهرة، فيها به كل أحد و يجله و يذعن لسلطنته و يبجله وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ لاتصافه بعلمنا وَ فَصْلَ الْخِطابِ و الفصاحة المبينة للأحكام، أي: الحكمة النظرية و العملية و المعرفة و الشريعة. و فصل الخطاب: هو المفصول، المبين من الكلام المتعلق بالأحكام، ثم بين تلوينه و ظهور نفسه في زلته، و تبيينه الحق بالعتاب على خطيئته و تأديبه إياه و تداركه بتوبته بقوله: وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ وَ ظَنَ أي: تيقن داوُدُ أَنَّما ابتليناه بامرأة أوريا فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ بالتنصل عن ذنبه بالافتقار و الالتجاء إليه في المجاهدة و كسر النفس و قمعها بالمخالفة وَ خَرَّ بمحو صفات النفس راكِعاً فانيا في صفات الحق وَ أَنابَ إلى اللّه بالفناء في ذاته فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ التلوين بستر صفاته بنور صفاتنا وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى بالوجود الحقانيّ الموهوب حال البقاء بعد الفناء وَ حُسْنَ مَآبٍ لاتّصافه حينئذ بصفاتنا لا بأنانيته ليلتحق بنا و يحكم بأحكامنا في محل الخلافة الإلهية، كما قال: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بالحكم بِالْحَقِ لا بنفسك ليكون عدلا لا جورا وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى بظهور النفس فتجور ضّالا عن سبيل الحق إلى سبيل الشيطان.
[27- 30]
[سورة ص (38): الآيات 27 الى 30]
وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29) وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)
وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما خلقا باطِلًا لا حق فيها، بل حقا محتجبا بصورها لا وجود لها بنفسها فتكون باطلا محضا.
ذلِكَ ظَنُ المحجوبين عن الحق بمظاهر الكون فَوَيْلٌ لهم من نار الحرمان و الاحتجاب و التقلّب في نيران الطبيعة و الأنانية بأشدّ العذاب.
بل لم نجعل الَّذِينَ آمَنُوا بشهود جماله في مظاهر الأكوان وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الأعمال المقصودة بذاتها، المتعلقة بصلاح العالم، الصادرة عن أسمائه كَالْمُفْسِدِينَ المحجوبين الفاعلين بأنفسهم و صفاتهم الأفعال البهيمية و السبعية و الشيطانية في أرض الطبيعة أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ المجرّدين عن صفاتهم كَالْفُجَّارِ المتلبسين بالغواشي النفسانية و الشيطانية في أعمالهم لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ بالنظر العقلي ما داموا في مقام النفس، فينخلعوا عن صفاتهم في متابعة صفاته وَ لِيَتَذَكَّرَ حال العهد الأول و التوحيد الفطري عند التجرّد أُولُوا الحقائق المجرّدة الصافية عن قشر الخلقة.
ثم ذكر تلوين سليمان و ابتلاءه تأكيدا لتثبيته، و تقوية له في استقامته و تمكينه نِعْمَ الْعَبْدُ لصلاحية استعداده للكمال النوعي الإنساني و هو مقام النبوّة إِنَّهُ أَوَّابٌ رجّاع إليّ بالتجريد.
[31- 33]
[سورة ص (38): الآيات 31 الى 33]
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (31) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (32) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ (33)
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِ وقت قرب غروب شمس الروح في الأفق الجسماني بميل القلب إلى النفس و ظهور ظلمتها بالميل إلى المال و استيلاء محبة الجسمانيات و استحسانها، كما قال اللّه تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ[1] إلى قوله: وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ[2]. فإنّ الميل إلى الزخارف الدنيوية و المشتهيات الحسيّة و هوى اللذات الطبيعية و الأجرام السفلية يوجب إعراض النفس عن الجهة العلوية، و احتجاب القلب عن الحضرة الإلهية الصَّافِناتُ الْجِيادُ التي استعرضها و انجذب بهواها و أحبها فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ
أي: أحببت منيبا حبّ المال عَنْ ذِكْرِ رَبِّي مشتغلا به لمحبتي إياه كما يجب لمثلي أن يشتغل بربّه ذاكرا محبّا له، فاستبدلت محبة المال بذكر ربّي و محبته فذهلت عنه حَتَّى تَوارَتْ شمس الروح بحجب النفس رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ أي:
يمسح السيف مسحا بسوقها يعرقب بعضها و ينحر بعضها، كسر الأصنام: النفس التي تعبدها بهواها و قمعا لسورتها و قواها، و رفعا للحجاب الحائل بينه و بين الحق و استغفارا و إنابة إليه بالتجريد و الترك.
[34]
[سورة ص (38): آية 34]
وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (34)
وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ ابتليناه مرة أخرى بما هو أشدّ من هذا التلوين و هو إلقاء الجسد على كرسيه، و قد اختلف في تفسيره على ثلاثة أوجه، أحدها: أنه ولد له ابن فهمّ الشياطين بقتله مخافة أن يسخّرهم كأبيه، فعلم بذلك فكان يغدوه في السحابة فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتا فتنبّه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربّه. و الثاني: أنه قال ذات يوم:
لأطوفنّ على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل اللّه، و لم يقل: إن شاء اللّه، فطاف عليهنّ و لم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل. فعلى هذين الوجهين يكون ابتلاؤه بمحبة الولد، فظهور النفس بميله إليه إما بشدّة الاهتمام بحفظه و تربيته و صونه عن شياطين الأوهام و التخيلات في سحاب العقل العملي و تغذيته بالحكمة العقلية و اعتماده في ذلك على العقل و المعقول و استحكام أهله لكماله دون تفويض أمره فيه إلى اللّه و اتكاله في شأنه عليه، فابتلاه اللّه بموته، فتنبّه على خطئه في شدّة حبه للغير و غلبة أهله، و إما بظهور النفس في الاقتراح و التمني و غلبة الحسبان و الظنّ و الاحتجاب عن الاستيهاب بالعادة و الفعل و بالتدبير عن التقدير و الذهول عن أمر الحق بغلبة صفات النفس، فابتلاه اللّه بالمعلول البعيد عن المراد الذي تصوّره في نفسه و قدّره، فأناب الرجوع إلى الحق عند التنبّه على ظهور النفس و تدارك التلوين بالاستغفار و الاعتذار في التقصير. و الوجه الثالث: إنه غزا صيدون مدينة في بعض جزائر البحر، فقتل ملكها و كان عظيم الشأن، و أصاب بنتا له اسمها جرادة من أحسن الناس وجها، فاصطفاها لنفسه بعد أن أسلمت و أحبها و قد اشتدّ حزنها على أبيها فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها، فكستها مثل كسوته و كانت تغدو إليها و تروح مع ولائدها يسجدن لها كعادتهن في ملكه، فأخبر آصف سليمان بذلك، فكسر الصورة و عاقب المرأة ثم خرج وحده إلى فلاة و فرش لنفسه الرماد، فجلس عليه تائبا إلى اللّه متضرّعا. و كانت له أمّ ولد يقال لها: أمينة، إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، و كان ملكه في خاتمه، فوضعه عندها يوما و أتاها الشيطان صاحب البحر اسمه صخر على صورة سليمان فقال: يا أمينة، خاتمي! فتختم به و جلس على كرسيّ سليمان و غيّر سليمان على هيئته فأنكرته و طردته، فعرف أن الخطيئة قد أدركته فأخذ يدور على البيوت يتكفف، و إذا قال أنا سليمان حثوا عليه التراب و سبوه. ثم عمد إلى السمّاكين يخدمهم، فمكث على ذلك أربعين صباحا ثم طار الشيطان و قذف الخاتم في البحر، فابتلعته سمكة و وقعت السمكة في يد سليمان، فبقّر بطنها فإذا هو بالخاتم، فتختم به و خرّ ساجدا و رجع إليه ملكه و جاب صخرة لصخر فجعله فيها و قذفه في البحر.
فإن صحت الحكاية في مطابقتها للواقع كان قد اشتدّ تلوينه و ابتلى بمثل ما ابتلي به ذو النون و آدم عليهما السلام، و الحكاية من موضوعات حكماء اليهود و عظمائهم كسائر ما وضعت الحكماء في تمثيلاتهم من حكايات إيسال و سلامان و أمثالها، و تأويلها و اللّه أعلم بصحتها و وضعها: أنّ سليمان قصد مدينة صيدون البدن، جزيرة في بحر الهيولى، و قتل ملكها النفس الأمارة العظيم الشأن ظاهر الطغيان بالمجاهدة في سبيل اللّه، و أصاب بنتا له اسمها جرادة و هي القوى المتخيلة بالطيارة كالجرادة، تجرّد أشجار الأجسام و الأشياء كلها بنزع صورها عن موادّها مكتوفة بلواحقها حزينة، و هي من أحسن الناس صورة في تزيينها و تسويلها نفسها و ما تخيلته من مدركاتها، و أسلمت على يده، أي: انقادت للعقل و رجعت عن دين الوهم، فصارت مفكرة، فاصطفاها لنفسه و أحبها لتوقف حصول كماله عليها، و حزنها على أبيها: ميلها إلى النفس بطبعها و تأسفها على فوات حظوظها. و أمره للشيطان بتمثيل صورة أبيها و كسوتها مثل كسوته هو إشارة إلى منشأ تلوينه و ابتلائه بالميل إلى النفس و اغتراره بكماله و اشتغاله بحظوظ النفس قبل أوانه، كماقال أمير المؤمنين عليه السلام: «نعوذ باللّه من الضلال بعد الهدى».
و طاعة الشيطان له: تسخير القوّة الوهمية له في إعادة النفس إلى الهيئة الأولى و إن لم تكن على قوّتها الأولى، و حياتها من الهوى: لكونه مصونا عن الاحتجاب معنيا به في العناية، و سجود جرادة و ولائدها له كعادتهنّ في ملكه: تعبّد الفكرية و سائر القوى البدنية للنفس بالانقياد و المراعاة و الخدمة و إيصال الحظوظ إليها كعادتهنّ في الجاهلية الأولى، و إخبار آصف سليمان بذلك: تنبيه العقل للقلب على تلوينه عند قرب موته، و كسر الصورة و عقاب المرأة:
ندامته و توبته عن حاله، و تنصله متضرّعا إلى اللّه و كسره للنفس بالرياضة و خروجه وحده إلى الفلاة: تجرّده عن البدن عند سقوط قواه، و فرش الرماد و جلوسه فيه: تغير المزاج و ترمد الأخلاط مع بقاء العلاقة البدنية، و أمّ الولد المسماة أمينة هي: الطبيعة البدنية أمّ الأولاد القوى النفسانية التي يضع هو خاتم بدنه عندها وقت الاشتغال بالأمور الطبيعية و الضروريات البدنية كالدخول في الخلوة و إصابة المرأة و أمثالها، و هي أمينة على حفظه. و كون ملكه في خاتمه:
إشارة إلى توقف كماله المعنوي و الصوري على البدن، و الشيطان الذي جاءها فأخذ منها الخاتم: هو الطبيعة العنصرية الأرضية صاحب بحر الهيولى السفلية سمي صخرا لميله إلى السفل و ملازمته كالحجر للثقل، و تختمه به: لبسه به بانضمامه إلى نفسه، و جلوسه على كرسي سليمان: هو إلقاء اللّه تعالى بدنه ميتا على موضعه و سرير سلطنته كما قال تعالى:
وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً و تغيّر سليمان عن هيئته بقاء الهيئات الجسمانية و الآثار الهيولانية من بقايا الصفات النفسانية عليه بعد المفارقة البدنية و تغيره عن النورانية الفطرية و الهيئة الأصلية، و إتيانه أمينة لطلب الخاتم: ميله إلى البدن و محبته له و شوقه إليه، و إنكارها إياه و طردها له: عبارة عن عدم قبول الطبيعة البدنية الحياة لبطلان المزاج، و دوره على البيوت متكففا: ميله إلى الحظوظ و اللذات الجسمانية و انجذابه إليها بالشوق للهيئات النفسانية، و حثيهم التراب على وجهه و سبّهم إياه عبارة عن: حرمانه من تلك الحظوظ و اللذات و فقدان أسباب تلك الشهوات، و قصده إلى السمّاكين و خدمته لهم: إشارة إلى الميل إلى قرارة الأرحام المتعلق بالنطفة، و مكثه أربعين يوما في خدمة السمّاكين: إشارة إلى
قوله عليه الصلاة و السلام في الحديث الرباني: «خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا»
، و طيران الشيطان: سريان الطبيعة العنصرية في التركيب، و إلقاؤه الخاتم في البحر: تلاشي التركيب البدني في البحر الهيولاني، و ابتلاع السمكة إياه: جذب الرحم للمادة البدنية التي هي النطفة، و وقع السمكة في يد سليمان: تعلقه في الرحم بها و استيلاؤه على الرحم بالاغتذاء منه و التصرّف فيه، و بقر بطنها و أخذ الخاتم منه و تخّتمه: به فتح الرحم و إخراج البدن منه و تلبسه به و خروره ساجدا و رجوع ملكه: حصول كماله به بالانقياد لأمر اللّه و الفناء فيه، و جعله لصخر في صخرة و إلقاؤه إياه في البحر: إبقاء الطبيعة الأرضية على حالها منطبعة محبوسة في باطن الجرم ملازمة للثقل، و الميل إلى السفل في بحر الهيولى عند وجود الطبيعة البدنية و تركه إياه فيه غير قادر على استيلاء أمينة و أخذ الخاتم منها إلى حين.
ثُمَّ أَنابَ بعد اللتيا و التي إلى اللّه بالتجريد و التزكية.
[35]
[سورة ص (38): آية 35]
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذنوب تعلقاتي و هيئاتي الساترة لنوري المظلمة المكدّرة لصفائي بنورك وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أي: كمالا خالصا باستعدادي يقتضيه هويتي لا ينبغي لغيري لاختصاصه بي و هو الغاية التي يمكنه بلوغها إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ لجميع الاستعدادات و كل ما سئلت من الكمالات كما قال تعالى: وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ[3].
[36- 38]
[سورة ص (38): الآيات 36 الى 38]
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (36) وَ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ (37) وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (38)
فَسَخَّرْنا لَهُ ريح الهوى تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً لينة طيعة منقادة لا تزعزع بالاستيلاء و الاستعصاء حَيْثُ قصد و أراد وَ الشَّياطِينَ الجنية الباطنة من القوى النفسانية كُلَّ بَنَّاءٍ مقدّر بالهندسة عامل لأبنية الحكم العملية و قواعد القوانين العدلية وَ غَوَّاصٍ في بحور العوالم القدسية و الهيولانية، مخرج لدرر المعاني الكلية و الجزئية و الحكم العملية و النظرية وَ آخَرِينَ من القوى النفسانية و الطبيعية مُقَرَّنِينَ فِي أصفاد القيود الشرعية و أغلال الرياضات العقلية و الإنسية الظاهرة من العمال المسخرين في الأعمال، و الفساق و العصاة المقرّنين في الأغلال.
[39- 40]
[سورة ص (38): الآيات 39 الى 40]
هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (39) وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ (40)
هذا عَطاؤُنا المحض فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ أي: أطلق إرادتك و اختيارك في الحل و العقد و الإعطاء و المنع عند الكمال التام و العطاء الصرف، أي: الوجود الموهوب حال البقاء بعد الفناء كما شئت بِغَيْرِ حِسابٍ عليك، فإنك قائم بنا مختار باختيارنا متحقق بذاتنا و صفاتنا، و ذلك معنى قوله: وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ.
[41]
[سورة ص (38): آية 41]
وَ اذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ (41)
وَ اذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ في ابتلائنا إياه عند ظهور نفسه في التلوين بإعجابه بكثرة ماله أو مداهنته لكافر النفس في ظهورها و ترك تغذيته إياها بالرياضة و المجاهدة لكون ماشية قواه الطبيعية في ناحيته أو عدم إغاثته لمظلوم العقل النظريّ و القوى القدسية عند استقامته على اختلاف الروايات في التفاسير الظاهرة في سبب ابتلائه، و يمكن الجمع بينها و ابتلاؤه بالمرض و الزمانة، و وقوع ديدان القوى الطبيعية فيه، و استئكاله و سقوطه على فراش البدن حتى لم يبق منه إلا القلب و اللسان، أي: الفطرة و الاستعداد الأصليان دون ما اكتسب من الكمالات إِذْ نادى رَبَّهُ بلسان الاضطرار و الافتقار في مكمن الاستعداد أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ أي: استولى عليّ الوهم بالوسوسة فلقيت بسببه هذا المرض و العذاب من الأخلاق الرديئة و الاحتجاب.
[42]
[سورة ص (38): آية 42]
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ أيارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ (42): اضرب بقوّتك التي تلي أرض البدن من العقل العملي المسمى صدر أرض بدنك تنبع عينان من الحكمة العملية و النظرية هذا مُغْتَسَلٌ أي: العملية المزكية للنفوس، المطهرة من ألواث الطبائع، المبرئة من أمراض الرذائل بارِدٌ ذو روح و سلامة وَ شَرابٌ من النظرية، أي: العلم المفيد لليقين الدافع لمرض الجهل، و الزمانة عن السير، فتغتسل و تشرب منه تبرأ بإذن اللّه ظاهرك و باطنك و تصح و تقوى.
[43]
[سورة ص (38): آية 43]
وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَ ذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (43)
وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ قيل: كان له سبعة أبناء و سبع بنات، فانهدم عليهم البيت في الابتلاء فهلكوا فأحياهم اللّه عند كشف الضرّ و إعادة أموال الكمالات عليه، و هي إشارة إلى الروحانية و النفسانية الهالكة في التلوين و استيلاء الطبيعة البدنية أو البالغة في التلوين الأعظم و خراب البدن و استئكال الديدان إياه حتى لم يبق منه إلا القلب و لسان الاستعداد الفطري، فأحياهم عند الإنابة و الرجوع إلى حال الصحة و القوة و كشف المرض و الزمانة بالشرب و الغسل من العينين المذكورتين وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ باكتساب الملكات الفاضلة و الأخلاق الحميدة و الصفات الجميلة حتى صارت القوى الطبيعية النفسانية أيضا روحانية في النشأة الثانية و حدوث القوى البدنية الفانية رَحْمَةً مِنَّا بإفاضة الكمالات التي سألها استعداده وَ ذِكْرى و تذكيرا لِأُولِي الحقائق المجرّدة عن قشور المواد الجسمانية الذين يفهمون بسمع القلب حتى يعتبروا أحوالهم بحاله و يتذكروا ما في فطرهم من العلوم.
[44- 45]
[سورة ص (38): الآيات 44 الى 45]
وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَ اذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَ الْأَبْصارِ (45)
وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً قيل: إنه حلف في مرضه ليضربن امرأته مائة إن برىء، و اختلف في سبب حلفه فقيل: أبطأت ذاهبة في حاجة، و قيل: أوهمها الشيطان أن تسجد له سجدة ليردّ أموالهم الذاهبة، و قيل: باعت ذؤابتين لها برغيفين و كانتا متعلق أيوب عند قيامه. و قيل:
أشارت إليه ليشرب الخمرة، كلها إشارات إلى التلوين المذكور بظهور النفس بإبطائها و تكاسلها في الطاعات أو طاعة شيطان الوهم و انقيادها له في تمني الحظوظ و ترك ما يتعلق به القلب في القيام عن مرقد البدن و التجرّد عن الهيئات المنشطة المشجعة من العلوم النافعة و الأعمال الفضيلة، و استبدال الحظوظ القليلة المقدار، اليسيرة الوقع، و الخطر بها، أو المراءاة بها، لاستجلاب حظ النفس أو شرب خمر الهوى و الميل إلى ما يخالف العقل. و حلفه إشارة إلى نذره المخالفات و الرياضات المتعبة و المجاهدات المؤلمة أو ما ركز في استعداده في محبته التجريد و التزكية بالرياضة و عزيمة تأديب النفس بالأخلاق و الآداب بالمخالفات المؤلمة بمقتضى العهد الأول و حكم ميثاق الفطرة و أخذ الضغث. و الضرب به إشارة إلى الرخصة و الطريقة السهلة السمحة من تعديل الأخلاق بالاقتصار على الأوساط و الاعتدالات من الرياضات و المخالفات لصفاء الاستعداد و شرف النفس و نجابة جوهرها دون الإفراط فيها، و الأخذ بالعزائم الصعبة كماقال عليه الصلاة و السلام: «بعثت بالحنيفية السمحة السهلة».
وَ لا تَحْنَثْ بترك التأديب بالكلية و نقص العزيمة في طلب الكمال، و ترك الوفاء بالنذر الفطري إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً في بليته و طلبه للكمال، فرحمناه، و ليس كل طالب صابرا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ رجّاع إلى اللّه بالتجرّد و المحو و الفناء وَ اذْكُرْ عِبادَنا المخصوصين من أهل العناية أُولِي الْأَيْدِي وَ الْأَبْصارِ أي: العمل و العلم لنسبة الأول إلى الأيدي و الثاني إلى البصر و النظر، و هم أرباب الكمالات العملية و النظرية.
[46]
[سورة ص (38): آية 46]
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46)
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ صفيناهم عن شوب صفات النفوس و كدورة الأنانية و جعلناهم لنا خالصين بالمحبة الحقيقية ليس لغيرنا فيهم نصيب، و لا يميلون إلى الغير بالمحبة العارضية لا إلى أنفسهم و لا إلى غيرهم بسبب خصلة خالصة غير مشوبة بهم آخر هي ذِكْرَى الدَّارِ الباقية و المقرّ الأصلي، أي: استخلصناهم لوجهنا بسبب تذكرهم لعالم القدس و إعراضهم عن معدن الرجس مستشرفين لأنوارنا لا التفات لهم إلى الدنيا و ظلماتها أصلا.
[47- 51]
[سورة ص (38): الآيات 47 الى 51]
وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47) وَ اذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ ذَا الْكِفْلِ وَ كُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (48) هذا ذِكْرٌ وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَ شَرابٍ (51)
وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا أي: في الحضرة الواحدية لَمِنَ الذين اصطفيناهم لقربنا من بني نوعهم الْأَخْيارِ المنزّهين عن شوائب الشرّ و الإمكان و العدم و الحدثان هذا ذِكْرٌ أي:
هذا باب مخصوص بذكر السابقين من أهل اللّه المخصوصين بالعناية وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ المجرّدين من صفات نفوسهم دون الواصلين إلى بساط القرب و الكرامة الناظرين إليه في جنة الروح بالمشاهدة لَحُسْنَ مَآبٍ في مقام القلب من جنة الصفات جَنَّاتِ عَدْنٍ مخلّدة مُفَتَّحَةً لَهُمُ أبوابها بالتجليات يدخلونها من طرق الفضائل الخلقية و الكمالات مُتَّكِئِينَ فِيها على أرائك المقامات يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ من المكاشفات اللذيذة وَ شَرابٍ المحبة الوصفية.
[52- 57]
[سورة ص (38): الآيات 52 الى 57]
وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (52) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (53) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (54) هذا وَ إِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (56)
هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَ غَسَّاقٌ (57)
وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ من الأزواج القدسية و ما في مراتبهم من النفوس الفلكية و الإنسية أَتْرابٌ متساوية في الرتب لِيَوْمِ الْحِسابِ لوقت جزائكم من الصفات الإلهية على حساب فنائكم من الصفات البشرية ما لَهُ مِنْ نَفادٍ لكونه غير مادي فلا ينقطع هذا باب في وصف الجنة و أهلها وَ إِنَ للذين طغوا حدودهم بصفات النفس و ظهورها فنازعوا الحق علوّه و كبرياءه باستعلائهم و تكّبرهم لَشَرَّ مَآبٍ إلى جهنم الطبيعة الآثارية و نيران الظلمات الهيولانية يَصْلَوْنَها بفقدان اللذات و وجدان الآلام هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ الهوى و الجهل وَ غَسَّاقٌ الهيئات الظلمانية و الكدورات الجسمانية.
[58- 64]
[سورة ص (38): الآيات 58 الى 64]
وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (58) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (59) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (60) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (61) وَ قالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (62)
أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (63) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)
وَ خزي و عذاب آخَرُ من نوعه أو مذوقات أخر من مثله، أصناف من العذاب في الهوان و الحرمان هذا فَوْجٌ من أتباعكم و أشباهكم أهل طبائع السوء و الرذائل المختلفة مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ في مضايق المذلة و مداخل الهوان. قال الطاغون: لا مَرْحَباً بهم لشدّة عذابهم و كونهم في الضيق و الضنك و استيحاش بعضهم من بعض لقبح المناظر و سوء المخابر قالُوا أي: الأتباع بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ لتضاعف عذابكم و رسوخ هيئاتكم أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا بإضلالنا و التحريض على أعمالنا، و هذه المقاولات قد تكون بلسان القال و قد تكون بلسان الحال، و الرجال الذين اتخذوهم سخريا هم الفقراء الموحدون و الصعاليك المحققون عدوهم من الأشرار في الدنيا لمخالفتهم إياهم في الإغراء عما سوى اللّه و التوجه إلى خلاف مقاصدهم و ترك عاداتهم و مطالبهم بل زاغَتْ عَنْهُمُ أبصارهم لكونهم محجوبين بالغواشي البدنية و الأمور الطبيعية عن حقائقهم المجرّدة و ذواتهم المقدّسة كما حجبوا بالعادات العامية و الطرائق الجاهلية عن طرائقهم و سيرتهم على أن أم منقطعة، و إنما كان تخاصم أهل النار حقا لكونهم في عالم التضاد و محل العناد، أسراء في قيود الطبائع المختلفة و أيدي القوى المتنازعة و الأهواء الممانعة، و الميول المتجاذبة، ما أنا إلا منذر لا أدعوكم إلى نفسي و لا أقدر على هدايتكم لأني فان عن نفسي و عن قدري، قائم في الإنذار باللّه و صفاته.
[65- 74]
[سورة ص (38): الآيات 65 الى 74]
قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69)
إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ (74)
وَ ما مِنْ إِلهٍ في الوجود إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ بذاته الْقَهَّارُ الذي يقهر كل من سواه بإفنائه في وحدانيته رَبُ الكل الذي يربّ كل شيء في حضرة واحديته باسم من أسمائه الْعَزِيزُ الذي يغلب المحجوب بقوّته فيعذبه بما حجب به في سترات جلاله لاستحقاقه فيض الربوبية من حضرة القهّار المنتقم و سطوات العذاب المحتجب الْغَفَّارُ الذي يستر ظلمات صفات النفس بأنوار تجليات جماله لمن بقي فيه نور فطرته فيقبل نور المغفرة لبقاء مسكة من نوريته قُلْ هُوَ أي: الذي أنذرتكم به من التوحيد الذاتي و الصفاتي نَبَأٌ عَظِيمٌ* أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ثم احتجّ على صحة نبوّته باطلاعه على اختصام الملأ الأعلى من غير تعلم إذ لا سبيل إليه إلا الوحي، و فرّق بين اختصام الملأ الأعلى و اختصام أهل النار بقوله في تخاصم أهل النار: إن ذلك لحق، و في اختصام الملأ الأعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ لأن ذلك حقيقي لا ينتهي إلى الوفاق أبدا، و هذا عارضي نشأ من عدم اطلاعهم على كمال آدم عليه السلام الذي هو فوق كمالاتهم. و انتهى إلى الوفاق عند قولهم: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا[4]، و قوله تعالى: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ[5] على ما ذكر في سورة (البقرة) عند تأويل هذه القصة. و سجودهم لآدم عليه السلام: تعظيمهم له و انقيادهم و خضوعهم لانكشاف كماله الذي هو فوق كمالاتهم عليهم السلام، و أباء إبليس و استكباره:
عدم انقياد شيطان الوهم و إذعانه لاحتجابه عن حقيقته بانطباعه في المادة، و لهذا قال تعالى:
وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ[6].
[75- 85]
[سورة ص (38): الآيات 75 الى 85]
قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (75) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (78) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79)
قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) قالَ فَالْحَقُّ وَ الْحَقَّ أَقُولُ (84)
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ أي: خلقته بصفتي الجمال و الجلال و القهر و اللطف و جميع أسمائي المتقابلة المندرجة تحت صفتي القهر و المحبة لتحصل عند الجمعية الإلهية في الحضرة الواحدية بخلاف حال الملأ الأعلى، فإنّ من خلق منهم بصفة القهر لا يقدر على اللطف و بالعكس أَسْتَكْبَرْتَ أي: أعرض لك التكبر و الاستنكاف أَمْ كُنْتَ عاليا عليه، زائدا في المرتبة؟ فأجاب المحجوب: بأني عال خير منه في الأصل لعدم اطلاعه على حقيقته المجرّدة و اطلاعه على بشريته، و لا شك أن الروح الحيواني الناري الذي خلق منه اللعين أشرف من المادة الكثيفة البدنية و لكن الاحتجاب عن الجمعية الإلهية و اللطيفة الروحانية بعث اللعين على الآباء حتى تمسك بالقياس و عصى اللّه في سجود الناس.
و الرجيم و اللعين من بعد عن الحضرة القدسية المنزّهة عن المواد الرجسية بالانغماس في الغواشي الطبيعية و الاحتجاب بالكوائن الهيولانية، و لهذا وقّت اللعن بيوم الدين و حدّد نهايته به، لأن وقت البعث و الجزاء هو زمان تجرّد الروح عن البدن و مواده، و حينئذ لا يبقى تسلطه على الإنسان و ينقاد و يذعن له في الوقت المعلوم الذي هو القيامة الكبرى فلا يكون ملعونا كماقال عليه السلام: «إلا أن شيطاني أسلم على يدي».
و الإنظار للإغواء و اللعن ينتهيان إلى ذلك الوقت، لكن الذين أخلصهم اللّه لنفسه من أهل العناية عن شوب الكدورات النفسية و حجب البشرية و الأنانية، و صفّى فطرتهم عن خلط ظلمة النشأة لا يمكنه إغواؤهم البتة في البداية أيضا، فكيف في النهاية؟. و اللعن إن ارتفع بإسلامه و انقياده هناك لكن لزمه كونه جهنميا لملازمته الطبيعة الهيولانية و المادة الجسمانية فلا يتجرد أصلا و إن كان قد يرتقي إلى سماء العقل و الأفق الروحانية بالوسوسة و الإلقاء و يتصل في جنة النفس بآدم عند الإغواء و لا يزال يطرد عن ذلك الجناب فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ.
و إنما أقسم على الإغواء بعزّته تعالى لأنه مسبّب عن تعزّزه بأستار الجلال و سرادقات الكبرياء، و تمنعه عن إدراك إبليس لفنائه بسحب الأنوار. و أقسم اللّه تعالى في مقابلته بالحق الثابت الواجب الذي لا يتغير على إملائه جهنم منه و من أتباعه لوجود ذلك التعزز و ملازمة هؤلاء جهنم دائما أبدا على حاله لا يتغير و لا يتبدّل، لأن تجرّد المجرّد بالذات و تعلّق المتعلق بالطبع، أمر تقتضيه الذوات و الأعيان و الحقائق في الأزل غير عارض فلا يزال كذلك أبدا.
[86- 88]
[سورة ص (38): الآيات 86 الى 88]
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (87) وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ و لا غرض لي في ذلك، فإن أقوال الكامل المحقق بالحق مقصودة بالذات غير معلّلة بالغرض وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أي: المتصنعين الذين ينتحلون الكمالات و يظهرون بأنفسهم و صفاتها، و يدعون كمالات اللّه لأنفسهم، بل فنيت عن نفسي و صفاتها، فاللّه القائل بلساني وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ عند القيامة الصغرى أو الكبرى لظهور تأويله حينئذ.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 197
[1] ( 1- 2) سورة آل عمران، الآية: 14.
[2] ( 1- 2) سورة آل عمران، الآية: 14.
[3] ( 1) سورة إبراهيم، الآية: 34.
[4] ( 1) سورة البقرة، الآية: 32.
[5] ( 2) سورة البقرة، الآية: 33.
[6] ( 3) سورة ص، الآية: 74.