تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سورة المطففين
سورة المطففين
[1- 2]
[سورة المطففين (83): الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2)
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الباخسين حقوق الناس في الكيل و الوزن، يمكن أن يحمل بعد الظاهر على التطفيف في الميزان الحقيقي الذي هو العدل، و الموزونات به هي الأخلاق و الأعمال، و المطففون هم الذين إذا اعتبروا كمالات أنفسهم متفضلين عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ يستكثرونها و يزيدون على حقوقهم في إظهار الفضائل العلمية و العملية أكثر مما لهم عجبا و تكبرا.
[3]
[سورة المطففين (83): آية 3]
وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)
وَ إِذا اعتبروا كمالات الناس بالنسبة إلى كمالاتهم أخسروه و استحقروها و لم يراعوا العدالة في الحالين لرعونة أنفسهم و محبة التفضل على الناس كقوله تعالى: وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا[1].
[4- 5]
[سورة المطففين (83): الآيات 4 الى 5]
أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5)
أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ الموصوفون بهذه الرذيلة التي هي أفحش أنواع الظلم، أي: ليس في ظنهم أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ فيظهر ما في أنفسهم من الفضائل و الرذائل، أو يحاسب عليه و يرتدع فضلا عن العلم لِيَوْمٍ عَظِيمٍ لا يقدر أحد فيه أن يظهر ما ليس فيه و لا أن يكتم ما فيه لانقلاب باطنه ظاهره و صفته صورته فيستحيي و يذوق وبال رذيلته.
[6]
[سورة المطففين (83): آية 6]
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (6)
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ عن مراقد أبدانهم لِرَبِّ الْعالَمِينَ بارزين لا يخفى عليه منهم شيء.
[7- 11]
[سورة المطففين (83): الآيات 7 الى 11]
كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (8) كِتابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11)
كَلَّا ردع عن هذه الرذيلة إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ أي: ما كتب من أعمال المرتكبين للرذائل الذين فجروا بخروجهم عن حدّ العدالة المتفق عليها الشرع و العقل لَفِي سِجِّينٍ في مرتبة من الوجود مسجون أهلها في حبوس ضيقة مظلمة يزحفون على بطونهم كالسلاحف و الحيّات و العقارب أذلاء أخساء في أسفل مراتب الطبيعة و دركاتها و هو ديوان أعمال أهل الشرّ و لذلك فسر بقوله: كِتابٌ مَرْقُومٌ أي: ذلك المحل المكتوب فيه أعمالهم كتاب مرقوم برقوم هيئات رذائلهم و شرورهم.
[12- 13]
[سورة المطففين (83): الآيات 12 الى 13]
وَ ما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13)
وَ ما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ مجاوز طور الفطرة الإنسانية بتجاوزه حدّ العدالة إلى الإفراط و التفريط في أفعاله أَثِيمٍ محتجب بذنوب هيئات صفاته.
[14- 17]
[سورة المطففين (83): الآيات 14 الى 17]
كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17)
كَلَّا ردع عن هاتين الرذيلتين بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ أي: صار صدأ عليها بالرسوخ فيها و كدر جوهرها و غيرها عن طباعها، و الرين حد من تراكم الذنب على الذنب و رسوخه تحقق عنده الحجاب و انغلق باب المغفرة، نعوذ باللّه منه و لذلك قال: كَلَّا أي: ارتدعوا عن الرين إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ لامتناع قبول قلوبهم للنور و امتناع عودها إلى الصفاء الأول الفطري كالماء الكبريتي مثلا، إذ لو روّق أو صعد لما رجع إلى الطبيعة المائية المبردة لاستحالة جوهرها بخلاف الماء المسخن الذي استحالت كيفيته دون طبيعته، و لهذا استحقوا الخلود في العذاب و حكم عليهم بقوله: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ.
[18- 21]
[سورة المطففين (83): الآيات 18 الى 21]
كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (19) كِتابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21)
إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ أي: ما كتب من صور أعمال السعداء و هيئات نفوسهم النورانية و ملكاتهم الفاضلة في عليين و هو مقابل للسجين في علوه و ارتفاع درجته و كونه ديوان أعمال أهل الخير كما قال: كِتابٌ مَرْقُومٌ أي: محل شريف رقم بصور أعمالهم من جرم سماوي أو عنصري إنساني يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ أي: يحضر ذلك المحل أهل اللّه الخاصة من أهل التوحيد الذاتي.
[22- 25]
[سورة المطففين (83): الآيات 22 الى 25]
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25)
إِنَّ الْأَبْرارَ السعداء الأتقياء عن دون صفات النفوس لَفِي نَعِيمٍ من جنان الصفات و الأفعال عَلَى الْأَرائِكِ التي هي مقاماتهم من الأسماء الإلهية في حجال عالم القدس الخفي عن أعين الإنس يَنْظُرُونَ إلى جميع مراتب الوجود و يشاهدون أهل الجنة و النار و ما هم فيه من النعيم و العذاب لا تحجب حجالهم عنه شيئا و تحجب أغيارهم عنهم تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ بهجته و نوريته و آثار سروره يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ خمر صرف من المحبة الروحانية الغير الممزوجة بحب النفس للجواهر الجسمانية مَخْتُومٍ بختم الشرع لئلا تمتزج به النجاسات الشيطانية من المحبات الوهمية المحرمة و الشهوات النفسانية المهيئة.
[26- 27]
[سورة المطففين (83): الآيات 26 الى 27]
خِتامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (26) وَ مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27)
خِتامُهُ مِسْكٌ هو حكم الشرع بالمباحات المطيبة للنفوس المقوية للقلوب.
وَ فِي ذلِكَ أي: في شرب رحيق المحبة الروحانية الصرفة المقيدة بقيد الشريعة و لذتها الصافية فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ فإنه أعزّ من الكبريت الأحمر وَ مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ أي: مزاج خمر الأبرار من تسنيم العشق الحقيقي الصرف و هو محبة الذات المعبر عنها بالكافور باعتبار الخاصية حال الجمع عبر عنها بالتسنيم باعتبار المرتبة حال التفصيل فإنه في أعلى رتب الوجود و يجري كما قيل في غير أخدود لتجرّده عن المحل و التعين بصورة وصفه، أي: لهم مع محبة الصفات في مقامها محبة الذات الصرفة ممزوجة بشرابهم لمشاهدتهم الذات من وراء حجب الصفات.
[28- 36]
[سورة المطففين (83): الآيات 28 الى 36]
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (30) وَ إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَ إِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (32)
وَ ما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (36)
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ أي: التسنيم عين يشرب بها المقرّبون صرفة و هم الكاملون الواصلون إلى توحيد الذات من أهل التمكين القائمين باللّه في مقام التفصيل بالاستقامة، ففرق بين أهل الاستقامة في مقام التفصيل و أهل الاستغراق في مقام الجمع باختلاف اسمهم و اسم شرابهم مع إيجاد حقيقتهم و حقيقة شرابهم بأن سماهم مقرّبين للإشعار بالفرق مع القرب، و سمّى شرابهم التسنيم للإشعار بعلوّ الرتبة بالنسبة إلى سائر الرتب، و سمّى أهل الاستغراق بعباد اللّه للإشعار بالمقهورية مع الاختصاص المؤذنة بالفناء، و سمّى شرابهم بالكافور للإشعار بالوحدة الصرفة و البياض الخالص بلا نسبة و فرق.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 417
[1] ( 1) سورة آل عمران، الآية: 188.